| سطر 9: |
سطر 9: |
| | == تطور مفاهيم الحقوق والعدالة الجنسية والإنجابية == | | == تطور مفاهيم الحقوق والعدالة الجنسية والإنجابية == |
| | | | |
| − | بدأ الاهتمام بالصحة الجنسية والإنجابية ضمن السياسات الحكومية والأممية والدولية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظهر خلال الخمسينيات من القرن الماضي اهتمام متزايد بقضايا النمو السكاني ومعدلات الخصوبة. لقد تحسن الوضع الصحي على مستوى العالم بسبب التطور التكنولوجي وتزامن مع تغيرات اقتصادية واجتماعية أدت إلى زيادة معدلات الخصوبة وتصاعد التعداد السكاني حول العالم بشكل حاد، ودفعت لظهور تخوفات مما سُمي "بخطر الانفجار السكاني"<ref>[http://pinguet.free.fr/ehrlich68.pdf Paul R. Ehrlich and Anne Ehrlich: The Population Bomb]</ref>. | + | بدأ الاهتمام بمفهوم الصحة الجنسية والإنجابية ضمن السياسات الحكومية والأممية والدولية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظهر خلال الخمسينيات من القرن الماضي اهتمام متزايد بقضايا النمو السكاني ومعدلات الخصوبة. تحسن الوضع الصحي على مستوى العالم بسبب التطور التكنولوجي وتزامن مع تغيرات اقتصادية واجتماعية أدت إلى زيادة معدلات الخصوبة وتصاعد التعداد السكاني حول العالم بشكل حاد، ودفعت لظهور تخوفات مما سُمي "بخطر الانفجار السكاني"<ref>[http://pinguet.free.fr/ehrlich68.pdf Paul R. Ehrlich and Anne Ehrlich: The Population Bomb]</ref>. |
| | | | |
| | ;سياسات السكان والتنمية بعد الحرب العالمية الثانية: | | ;سياسات السكان والتنمية بعد الحرب العالمية الثانية: |
| | + | بعد الحرب العالمية الثانية، سيطرت الرؤية النيومالتوسية على قضية الزيادة السكانية، وتعاملت السياسات الدولية والأممية مع الإنجاب كقضية تنموية وسكانية بحتة، دون النظر إلى أبعادها الصحية أو الحقوقية. يُعد توماس مالتوس أول من مبشر بنظرية "الانفجار السكاني"، التي تقوم على مبدأ أن الزيادة المطردة في أعداد البشر ستؤدي إلى إحداث ضغط على الموارد الغذائية، مما سيؤدي في نهاية الأمر إلى المجاعة. |
| | + | طور منظرون نيومالتوسيون آخرون هذه النظرية لتشمل الضغط على جميع الموارد، بما فيها الطاقة، وحذروا من أن الزيادة السكانية ستؤدي إلى الفقر ورفع معدلات التلوث وحدوث المجاعة. |
| | + | تمثّل الحل النيومالتوسي بضرورة التدخل عمليًا لضبط النمو السكاني عبر سياسات تحديد النسل واستخدام وسائل منع الحمل، ولو بشكل قسري. |
| | + | أثرت هذه المقاربات على البرامج الأممية والبرامج التنموية للدول الكبرى، كما انعكست على سياساتها تجاه دول الجنوب العالمي. خلال فترة الستينيات والسبعينيات، صاغت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) السياسات السكانية للكثير من الدول، مثل الهند ومصر، وربطت معوناتها لهذه الدول بإنشاء برامج وطنية لتنظيم الأسرة<ref>[https://www.ikhtyar.org/%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d9%a9%d9%a4/ مارينا سمير: القاهرة 94 (اختيار)]</ref>. |
| | | | |
| − | سيطرت بعد الحرب العالمية الثانية وجهة نظر نيومالتوسية على قضية الزيادة السكانية، وتعاملت السياسات الدولية والأممية مع الإنجاب كقضية تنموية وسكانية فقط، بدون النظر إلى أبعادها الصحية أو الحقوقية. يُعد توماس مالتوس أول مبشر بنظرية الانفجار السكاني وتقوم نظريته على مبدأ مفاده أن الزيادة المطردة في أعداد البشر ستؤدي إلى إحداث ضغط على الموارد الغذائية على كوكب الأرض بشكل سيؤدي إلى حدوث المجاعة. طور منظرون نيومالتوسيون آخرون هذه النظرية لتشمل مخاطر الزيادة السكانية الضغط على جميع الموارد بما فيها الطاقة، وحذروا من أنها ستؤدي إلى المجاعة والفقر ورفع معدلات التلوث، وتمثل الحل النيومالتوسي بضرورة التدخل عمليًا لضبط النمو السكاني عبر استخدام تحديد النسل ووسائل منع الحمل، ولو بشكل قسري. أثرت المقاربات النيومالتوسية على البرامج الأممية والبرامج التنموية للدول الكبرى، وأثرت على سياساتها تجاه دول الجنوب العالمي، وصاغت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID السياسات السكانية للكثير من الدول خلال فترة الستينيات والسبعينيات مثل الهند ومصر، حيث ربطت معوناتها لهذه الدول بضرورة إنشاء برامج وطنية لتنظيم الأسرة<ref>[https://www.ikhtyar.org/%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d9%a9%d9%a4/ مارينا سمير: القاهرة 94 (اختيار)]</ref>.
| + | خلال منتصف ثمانينيات القرن العشرين، طرأ تحولًا مهمًا في السياسات الدولية، مع بدء سعي التوجهات النيوليبرالية التأثير على السياسة التنموية العالمية. في المؤتمر الدولي للسكان في مكسيكو سيتي عام 1984، أعلنت الولايات المتحدة أن النمو السكاني "ظاهرة محايدة" وليست مشكلة في حد ذاتها تحتاج إلى تدخل<ref name="sonia">[https://books.google.com/books/about/Population_and_Reproductive_Rights.html?id=vPkSAQAAMAAJ Sonia Corrêa and Rebecca Lynn Reichmann: Population and Reproductive Rights, Feminist Perspectives from the South]</ref>. واعتبرت الأفكار النيوليبرالية الزيادة السكانية موردًا اقتصاديًا، وأن المشكلة تكمن أساسًا في ضعف كفاءة الدولة، لا في عدد السكان. كما دعم اليمين المسيحي (البروتستانتي والكاثوليكي) الأفكار النيوليبرالية، انطلاقًا من رفضه للسياسات النيومالتوسية التي ارتبطت بدعم الإجهاض. تمظهرت هذه التحولات الفكرية في نماذج تنموية ركزت على التثقيف الجنسي، ومساعدة النساء، خصوصًا الأقل حظًا، الحصول على الدعم الصحي والمجتمعي لهن ولأطفالهن، مع الاستمرار في توفير خدمات تنظيم الأسرة <ref name="RJPMC">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9930478/ Chukwudi Onwuachi-Saunders, Que P Dang, Jedidah Murray: Reproductive Rights, Reproductive Justice: Redefining Challenges to Create Optimal Health for All Women]</ref>. |
| | | | |
| − | طرأ تحول مهم على السياسات الدولية بحلول منتصف الثمانينيات، وقد بدأت التوجهات النيوليبرالية تسعى للتأثير في السياسة التنموية العالمية، وأقرت الولايات المتحدة في المؤتمر الدولي للسكان في مكسيكو سيتي عام 1984، بأن النمو السكاني "ظاهرة محايدة" وليست مشكلة تحتاج إلى تدخل<ref name="sonia">[https://books.google.com/books/about/Population_and_Reproductive_Rights.html?id=vPkSAQAAMAAJ Sonia Corrêa and Rebecca Lynn Reichmann: Population and Reproductive Rights, Feminist Perspectives from the South]</ref>. اعتبرت الأفكار النيوليبرالية الزيادة السكانية مورد اقتصادي فيما تكمن المشكلة الحقيقية في ضعف كفاءة الدولة. دعم اليمين المسيحي (البروتستانتي والكاثوليكي) أيضًا الأفكار النيوليبرالية بسبب رفضه للسياسات النيومالتوسية الداعمة للإجهاض. تمظهرت هذه التحولات الفكرية على شكل نماذج تنموية متمحورة حول التثقيف الجنسي ومساعدة النساء الأقل حظًا في الحصول الدعم الصحي والمجتمعي لهن ولأطفالهن مع الاستمرار في توفير خدمات تنظيم الأسرة<ref name="RJPMC">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9930478/ Chukwudi Onwuachi-Saunders, Que P Dang, Jedidah Murray: Reproductive Rights, Reproductive Justice: Redefining Challenges to Create Optimal Health for All Women]</ref>.
| + | ;المؤتمر الدولي للسكان والتنمية - القاهرة، 1994: |
| | | | |
| − | ;المؤتمر الدولي للسكان والتنمية - القاهرة، 1994:
| + | شهد المؤتمر الدولي الرابع للسكان والتنمية (ICPD) الذي عقد في القاهرة في عام 1994 نقطة تحول محورية في الخطاب الدولي المتعلق بالسكان، إذ أصبح متمحورًا حول مفهوم الصحة والحقوق الإنجابية بدلًا من مقاربات التنمية الاقتصادية ومخاطر "الانفجار السكاني". تميز المؤتمر بمشاركة نسوية واسعة، خاصة من دول الجنوب العالمي. وتعرضت المقاربات النسوية التي طُرحت خلال المؤتمر واجتماعاته التحضيرية إلى انتقادات واسعة، إذا عارضتها مرجعيات دينية، وعلى رأسها الفاتيكان، الذي رفض فكرة الحقوق الإنجابية، خاصة الحق في الإجهاض، كما أنتقدها المحافظون (النيومالتوسيون) من أنصار سياسات الضبط السكاني. وقد أثارت المطالب النسوية المتعلقة بالحقوق الإنجابية هذه المعارضة باستمرار، إلا أن النسويات، خاصة في الجنوب العالمي، تصدين لهذه الانتقادات وتمسكن بمواقفهن المستندة إلى مبدأ استقلالية الجسد وحق النساء في الاختيار. |
| | | | |
| − | شهد المؤتمر الدولي الرابع للسكان والتنمية ICPD الذي عقد في القاهرة في عام 1994 نقطة تحول محورية في الخطاب الدولي المتعلق بالسكان، إذ أصبح متمحورًا حول مفهوم الصحة والحقوق الإنجابية بدلًا من التنمية الاقتصادية ومخاطر الانفجار السكاني. تميز المؤتمر أيضًا بمشاركة نسوية واسعة خاصة من دول الجنوب العالمي، وتعرضت المقاربات النسوية التي طُرحت خلال المؤتمر واجتماعاته التحضيرية إلى انتقادات واسعة، بعضها وجهه مرجعيات دينية وعلى رأسهم الفاتيكان الذي رفض فكرة الحقوق الإنجابية وبخاصة الحق في الإجهاض، وأخرى وجهها المحافظون (النيومالتوسيون) من أنصار سياسات الضبط السكاني، وقد استثارت الأصوات النسوية بخصوص الحقوق الإنجابية هذه المعارضة على الدوام، ولم تتوانَ النسويات، خاصة في الجنوب العالمي، عن التصدي لهذه الانتقادات والتمسك بمواقفهم المستندة إلى استقلالية الجسد الأنثوي وحق النساء في الاختيار. لقد تمكنت المنظمات النسوية من فرض مراجعة واسعة على خطة العمل المقرر اعتمادها من مؤتمر القاهرة وكانت رافعة للعديد من مقررات المؤتمر وتوصياته:
| + | وتمكنت المنظمات النسوية من فرض مراجعة واسعة على خطة العمل المقرر اعتمادها من مؤتمر القاهرة، وأسهمت بفعالية في صياغة العديد من مقرراته وتوصياته، من أبرزها: |
| − | # لقد صاغ المؤتمر أول تعريف أممي للصحة والحقوق الجنسية والإنجابية. | + | # صياغة أول تعريف أممي للصحة والحقوق الجنسية والإنجابية. |
| − | # أكد على حق الأفراد في حياة جنسية مرضية وآمنة. | + | # التأكيد على حق الأفراد في حياة جنسية مرضية وآمنة. |
| − | # الحق في الوصول إلى أعلى مستوى من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، والحق في الإنجاب واختيار عدد الأطفال وتوقيت إنجابهم، وأن هدف تنظيم الأسرة هو الاختيار الحر وليس تحقيق سياسات قسرية. | + | # الإقرار بالحق في الوصول إلى أعلى مستوى من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، والحق في الإنجاب واختيار عدد الأطفال وتوقيت إنجابهم، مع التأكيد على أن هدف تنظيم الأسرة هو الاختيار الحر، وليس تحقيق السياسات القسرية. |
| − | # دمج الرعاية الصحية لمرضى الأمراض المنقولة جنسيًا في خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وتعزيز ممارسات الجنس الآمن (وخاصة استخدام الواقيات). | + | # دمج رعاية المصابين بالأمراض المنقولة جنسيًا في خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وتعزيز ممارسات الجنس الآمن، خاصة استخدام الواقيات. |
| − | # حق المراهقين في الرعاية الصحية. | + | # الإقرار بحق المراهقين في الحصول على الرعاية الصحية. |
| | # رفض ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية (الختان) للإناث. | | # رفض ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية (الختان) للإناث. |
| | | | |
| − | طُرحت أيضًا خلال المؤتمر مبادرات للدعوة لتشريع الحق بالإجهاض، إلا أن المقررات النهائية للمؤتمر بخصوصه اتسمت بالتحفظ بسبب ما واجهته من معارضة من المؤسسة الدينية. أبدى الفاتيكان - على سبيل المثال - اعتراضه علىى مبادرات تشريع الإجهاض خلال المؤتمر<ref>[https://archives.ceped.org/avortement_afrique_2004/gb/chap1/600/chapitre1-600.htm The conditions of the right to abortion in 1994 and 1999]</ref>، وهو جزء من موقف سابق عبر عنه الفاتيكان ويتضمن أيضًا رفضًا لاستخدام وسائل منع الحمل "غير الطبيعية" بما يشمل التعقيم واللولب وحتى الموانع الهرمونية، وقد وُصف الموقف الأصولي للفاتيكان من مؤتمر القاهرة بأنه قد عرَّض "الإجماع الدولي الهش الذي تشكل خلال الثمانينيات بخصوص الحقوق الجنسية والإنجابية إلى الخطر"<ref name="sonia" />. لقد أقر المؤتمر بخطر الإجهاض غير القانوني على صحة النساء الحوامل، ودعا إلى التحكم في خطره عن طريق دعم برامج تنظيم الأسرة ولكن بدون دعوة واضحة إلى الحق في الإجهاض. إن تأثير النشاطية النسوية في مجال الحقوق الإنجابية استمر بالتأثير على المنظور الأممي للإجهاض في السنوات اللاحقة، وتغير بحيث أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تدعو إلى تبني سياسات أكثر تصالحًا مع الإجهاض كجزء من حق النساء بالاختيار وليس مجرد إجراء يُتخذ في حالات إنقاذ الحياة أو لتلاقي التعقيدات الصحية. | + | طُرحت أيضًا خلال المؤتمر مبادرات للدعوة لتشريع الحق بالإجهاض، إلا أن المقررات النهائية للمؤتمر بخصوصه اتسمت بالتحفظ بسبب ما واجهته من معارضة من المؤسسة الدينية. أبدى الفاتيكان - على سبيل المثال - اعتراضه علىى مبادرات تشريع الإجهاض خلال المؤتمر<ref>[https://archives.ceped.org/avortement_afrique_2004/gb/chap1/600/chapitre1-600.htm The conditions of the right to abortion in 1994 and 1999]</ref>، في امتداد لموقف سابق يتضمن أيضًا رفض استخدام وسائل منع الحمل "غير الطبيعية"، بما يشمل التعقيم واللولب ووسائل منع الموانع الهرمونية. وقد وُصف الموقف الأصولي للفاتيكان من مؤتمر القاهرة بأنه قد عرَّض "الإجماع الدولي الهش الذي تشكل خلال الثمانينيات بخصوص الحقوق الجنسية والإنجابية إلى الخطر"<ref name="sonia" />. رغم ذلك، أقر المؤتمر بخطر الإجهاض غير القانوني على صحة النساء، ودعا إلى التحكم في خطره عن طريق دعم برامج تنظيم الأسرة، بدون تبني دعوة صريحة للاعتراف بالحق في الإجهاض. بالرغم من ذلك، استمر تأثير النشاطية النسوية في مجال الحقوق الإنجابية على المنظور الأممي للإجهاض في السنوات اللاحقة، وتغير بحيث أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تدعو إلى تبني سياسات أكثر تصالحًا مع الإجهاض كجزء من حق النساء في الاختيار، وليس مجرد إجراء يُلجأ إليه في حالات إنقاذ الحياة أو لتفادي المضاعفات الصحية. |
| | | | |
| | ;نشأة مفهوم العدالة الإنجابية: | | ;نشأة مفهوم العدالة الإنجابية: |