تغييرات

سطر 7: سطر 7:  
}}
 
}}
   −
== تطور مفاهيم الحقوق والعدالة الجنسية والإنجابية ==
+
== تطور المفهوم ==
 +
بدأ الاهتمام بمفهوم الصحة الجنسية والإنجابية ضمن السياسات الحكومية والأممية والدولية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظهر خلال الخمسينيات من القرن الماضي اهتمام متزايد بقضايا النمو السكاني ومعدلات ال[[خصوبة]]. تحسن الوضع الصحي على مستوى العالم بسبب التطور التكنولوجي وتزامن مع تغيرات اقتصادية واجتماعية أدت إلى زيادة معدلات الخصوبة وتصاعد التعداد السكاني حول العالم بشكل حاد، ودفعت لظهور تخوفات مما سُمي "بخطر الانفجار السكاني"<ref>[http://pinguet.free.fr/ehrlich68.pdf Paul R. Ehrlich and Anne Ehrlich: The Population Bomb]</ref>.
   −
بدأ الاهتمام بمفهوم الصحة الجنسية والإنجابية ضمن السياسات الحكومية والأممية والدولية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظهر خلال الخمسينيات من القرن الماضي اهتمام متزايد بقضايا النمو السكاني ومعدلات الخصوبة. تحسن الوضع الصحي على مستوى العالم بسبب التطور التكنولوجي وتزامن مع تغيرات اقتصادية واجتماعية أدت إلى زيادة معدلات الخصوبة وتصاعد التعداد السكاني حول العالم بشكل حاد، ودفعت لظهور تخوفات مما سُمي "بخطر الانفجار السكاني"<ref>[http://pinguet.free.fr/ehrlich68.pdf Paul R. Ehrlich and Anne Ehrlich: The Population Bomb]</ref>.
+
;سياسات السكان والتنمية بعد الحرب العالمية الثانية:
 +
[[ملف:Thomas Robert Malthus Wellcome L0069037 -crop.jpg|تصغير|يسار|توماس مالتوس (1766-1834)]]
 +
بعد الحرب العالمية الثانية، سيطرت الرؤية النيومالتوسية على قضية الزيادة السكانية، وهي اتجاه فكري وسياسي حديث يستند إلى أفكار توماس مالتوس، ويرى أن النمو السكاني السريع يمثل عائقًا أمام التنمية الاقتصادية ويستوجب تدخلًا مباشرًا للحد من معدلات ال[[إنجاب]] عبر سياسات تنظيم الأسرة. وتعاملت السياسات الدولية والأممية مع الإنجاب كقضية تنموية وسكانية بحتة، دون النظر إلى أبعادها الصحية أو الحقوقية.  
   −
;سياسات السكان والتنمية بعد الحرب العالمية الثانية:
+
يُعد توماس مالتوس أول من بشر بنظرية "الانفجار السكاني"، التي تقوم على مبدأ أن الزيادة المطردة في أعداد البشر ستؤدي إلى إحداث ضغط على الموارد الغذائية، مما سيؤدي في نهاية الأمر إلى المجاعة.
بعد الحرب العالمية الثانية، سيطرت الرؤية النيومالتوسية على قضية الزيادة السكانية، وتعاملت السياسات الدولية والأممية مع الإنجاب كقضية تنموية وسكانية بحتة، دون النظر إلى أبعادها الصحية أو الحقوقية. يُعد توماس مالتوس أول من مبشر بنظرية "الانفجار السكاني"، التي تقوم على مبدأ أن الزيادة المطردة في أعداد البشر ستؤدي إلى إحداث ضغط على الموارد الغذائية، مما سيؤدي في نهاية الأمر إلى المجاعة.
   
طور منظرون نيومالتوسيون آخرون هذه النظرية لتشمل الضغط على جميع الموارد، بما فيها الطاقة، وحذروا من أن  الزيادة السكانية ستؤدي إلى الفقر ورفع معدلات التلوث وحدوث المجاعة.  
 
طور منظرون نيومالتوسيون آخرون هذه النظرية لتشمل الضغط على جميع الموارد، بما فيها الطاقة، وحذروا من أن  الزيادة السكانية ستؤدي إلى الفقر ورفع معدلات التلوث وحدوث المجاعة.  
 
تمثّل الحل النيومالتوسي بضرورة التدخل عمليًا لضبط النمو السكاني عبر سياسات تحديد النسل واستخدام وسائل منع الحمل، ولو بشكل قسري.  
 
تمثّل الحل النيومالتوسي بضرورة التدخل عمليًا لضبط النمو السكاني عبر سياسات تحديد النسل واستخدام وسائل منع الحمل، ولو بشكل قسري.  
أثرت هذه المقاربات على البرامج الأممية والبرامج التنموية للدول الكبرى، كما انعكست على سياساتها تجاه دول الجنوب العالمي. خلال فترة الستينيات والسبعينيات، صاغت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) السياسات السكانية للكثير من الدول، مثل الهند ومصر، وربطت معوناتها لهذه الدول بإنشاء برامج وطنية لتنظيم الأسرة<ref>[https://www.ikhtyar.org/%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d9%a9%d9%a4/ مارينا سمير: القاهرة 94 (اختيار)]</ref>.
+
أثرت هذه المقاربات على البرامج الأممية والبرامج التنموية للدول الكبرى، كما انعكست على سياساتها تجاه دول الجنوب العالمي. خلال فترة الستينيات والسبعينيات، صاغت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) السياسات السكانية للكثير من الدول، مثل الهند ومصر، وربطت معوناتها لهذه الدول بإنشاء برامج وطنية لتنظيم الأسرة<ref>[https://www.ikhtyar.org/%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d9%a9%d9%a4/ مارينا سمير، القاهرة 94، نشر اختيار، 2020]</ref>.
   −
خلال منتصف ثمانينيات القرن العشرين، طرأ تحولًا مهمًا في السياسات الدولية، مع بدء سعي التوجهات النيوليبرالية التأثير على السياسة التنموية العالمية. في المؤتمر الدولي للسكان في مكسيكو سيتي عام 1984، أعلنت الولايات المتحدة أن النمو السكاني "ظاهرة محايدة" وليست مشكلة في حد ذاتها تحتاج إلى تدخل<ref name="sonia">[https://books.google.com/books/about/Population_and_Reproductive_Rights.html?id=vPkSAQAAMAAJ Sonia Corrêa and Rebecca Lynn Reichmann: Population and Reproductive Rights, Feminist Perspectives from the South]</ref>. واعتبرت الأفكار النيوليبرالية الزيادة السكانية موردًا اقتصاديًا، وأن المشكلة تكمن أساسًا في ضعف كفاءة الدولة، لا في عدد السكان. كما دعم اليمين المسيحي (البروتستانتي والكاثوليكي) الأفكار النيوليبرالية، انطلاقًا من رفضه للسياسات النيومالتوسية التي ارتبطت بدعم الإجهاض. تمظهرت هذه التحولات الفكرية في نماذج تنموية ركزت على التثقيف الجنسي، ومساعدة النساء، خصوصًا الأقل حظًا، الحصول على الدعم الصحي والمجتمعي لهن ولأطفالهن، مع الاستمرار في توفير خدمات تنظيم الأسرة <ref name="RJPMC">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9930478/ Chukwudi Onwuachi-Saunders, Que P Dang, Jedidah Murray: Reproductive Rights, Reproductive Justice: Redefining Challenges to Create Optimal Health for All Women]</ref>.
+
خلال منتصف ثمانينيات القرن العشرين، طرأ تحولًا مهمًا في السياسات الدولية، مع بدء سعي التوجهات النيوليبرالية التأثير على السياسة التنموية العالمية. في المؤتمر الدولي للسكان في مكسيكو سيتي عام 1984، أعلنت الولايات المتحدة أن النمو السكاني "ظاهرة محايدة" وليست مشكلة في حد ذاتها تحتاج إلى تدخل<ref name="sonia">[https://books.google.com/books/about/Population_and_Reproductive_Rights.html?id=vPkSAQAAMAAJ Sonia Corrêa and Rebecca Lynn Reichmann: Population and Reproductive Rights, Feminist Perspectives from the South]</ref>. واعتبرت الأفكار النيوليبرالية الزيادة السكانية موردًا اقتصاديًا، وأن المشكلة تكمن أساسًا في ضعف كفاءة الدولة، لا في عدد السكان. كما دعم اليمين المسيحي (البروتستانتي والكاثوليكي) الأفكار النيوليبرالية، انطلاقًا من رفضه للسياسات النيومالتوسية التي ارتبطت بدعم ال[[إجهاض]]. تمظهرت هذه التحولات الفكرية في نماذج تنموية ركزت على [[تثقيف جنسي | التثقيف الجنسي]]، ومساعدة النساء، خصوصًا الأقل حظًا، الحصول على الدعم الصحي والمجتمعي لهن ولأطفالهن، مع الاستمرار في توفير خدمات تنظيم الأسرة <ref name="RJPMC">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9930478/ Chukwudi Onwuachi-Saunders, Que P Dang, Jedidah Murray: Reproductive Rights, Reproductive Justice: Redefining Challenges to Create Optimal Health for All Women]</ref>.
    
;المؤتمر الدولي للسكان والتنمية - القاهرة، 1994:
 
;المؤتمر الدولي للسكان والتنمية - القاهرة، 1994:
   −
شهد المؤتمر الدولي الرابع للسكان والتنمية (ICPD) الذي عقد في القاهرة في عام 1994 نقطة تحول محورية في الخطاب الدولي المتعلق بالسكان، إذ أصبح متمحورًا حول مفهوم الصحة والحقوق الإنجابية بدلًا من مقاربات التنمية الاقتصادية ومخاطر "الانفجار السكاني". تميز المؤتمر بمشاركة نسوية واسعة، خاصة من دول الجنوب العالمي. وتعرضت المقاربات النسوية التي طُرحت خلال المؤتمر واجتماعاته التحضيرية إلى انتقادات واسعة، إذا عارضتها مرجعيات دينية، وعلى رأسها الفاتيكان، الذي رفض فكرة الحقوق الإنجابية، خاصة الحق في الإجهاض، كما أنتقدها المحافظون (النيومالتوسيون) من أنصار سياسات الضبط السكاني. وقد أثارت المطالب النسوية المتعلقة بالحقوق الإنجابية هذه المعارضة باستمرار، إلا أن النسويات، خاصة في الجنوب العالمي، تصدين لهذه الانتقادات وتمسكن بمواقفهن المستندة إلى مبدأ استقلالية الجسد وحق النساء في الاختيار.
+
شهد المؤتمر الدولي الرابع للسكان والتنمية (ICPD) الذي عقد في القاهرة في عام 1994 نقطة تحول محورية في الخطاب الدولي المتعلق بالسكان، إذ أصبح متمحورًا حول مفهوم الصحة والحقوق الإنجابية بدلًا من مقاربات التنمية الاقتصادية ومخاطر "الانفجار السكاني". تميز المؤتمر بمشاركة نسوية واسعة، خاصة من دول الجنوب العالمي. وتعرضت المقاربات النسوية التي طُرحت خلال المؤتمر واجتماعاته التحضيرية إلى انتقادات واسعة، إذا عارضتها مرجعيات دينية، وعلى رأسها الفاتيكان، الذي رفض فكرة الحقوق الإنجابية، خاصة الحق في الإجهاض، كما أنتقدها المحافظون -النيومالتوسيون- من أنصار سياسات الضبط السكاني. وقد أثارت المطالب النسوية المتعلقة بالحقوق الإنجابية هذه المعارضة باستمرار، إلا أن النسويات، خاصة في الجنوب العالمي، تصدين لهذه الانتقادات وتمسكن بمواقفهن المستندة إلى مبدأ استقلالية الجسد وحق النساء في الاختيار.
    
وتمكنت المنظمات النسوية من فرض مراجعة واسعة على خطة العمل المقرر اعتمادها من مؤتمر القاهرة، وأسهمت بفعالية في صياغة العديد من مقرراته وتوصياته، من أبرزها:
 
وتمكنت المنظمات النسوية من فرض مراجعة واسعة على خطة العمل المقرر اعتمادها من مؤتمر القاهرة، وأسهمت بفعالية في صياغة العديد من مقرراته وتوصياته، من أبرزها:
 
*صياغة أول تعريف أممي للصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.  
 
*صياغة أول تعريف أممي للصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.  
 
*التأكيد على حق الأفراد في حياة جنسية مرضية وآمنة.
 
*التأكيد على حق الأفراد في حياة جنسية مرضية وآمنة.
*الإقرار بالحق في الوصول إلى أعلى مستوى من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، والحق في الإنجاب واختيار عدد الأطفال وتوقيت إنجابهم، مع التأكيد على أن هدف تنظيم الأسرة هو الاختيار الحر، وليس تحقيق السياسات القسرية.
+
*الإقرار بالحق في الوصول إلى أعلى مستوى من خدمات [[صحة جنسية | الصحة الجنسية]] و[[صحة إنجابية | الإنجابية]]، والحق في الإنجاب واختيار عدد الأطفال وتوقيت إنجابهم، مع التأكيد على أن هدف تنظيم الأسرة هو الاختيار الحر، وليس تحقيق السياسات القسرية.
 
*دمج رعاية المصابين بالأمراض المنقولة جنسيًا في خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وتعزيز ممارسات الجنس الآمن، خاصة استخدام الواقيات.
 
*دمج رعاية المصابين بالأمراض المنقولة جنسيًا في خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وتعزيز ممارسات الجنس الآمن، خاصة استخدام الواقيات.
 
*الإقرار بحق المراهقين في الحصول على الرعاية الصحية.  
 
*الإقرار بحق المراهقين في الحصول على الرعاية الصحية.  
*رفض ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية (الختان) للإناث.
+
*رفض ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية (ال[[ختان]]) للإناث.
   −
طُرحت أيضًا خلال المؤتمر مبادرات للدعوة لتشريع الحق بالإجهاض، إلا أن المقررات النهائية للمؤتمر بخصوصه اتسمت بالتحفظ بسبب ما واجهته من معارضة من المؤسسة الدينية. أبدى الفاتيكان - على سبيل المثال - اعتراضه علىى مبادرات تشريع الإجهاض خلال المؤتمر<ref>[https://archives.ceped.org/avortement_afrique_2004/gb/chap1/600/chapitre1-600.htm The conditions of the right to abortion in 1994 and 1999]</ref>، في امتداد لموقف سابق يتضمن أيضًا رفض استخدام وسائل منع الحمل "غير الطبيعية"، بما يشمل التعقيم واللولب ووسائل منع الموانع الهرمونية. وقد وُصف الموقف الأصولي للفاتيكان من مؤتمر القاهرة بأنه قد عرَّض "الإجماع الدولي الهش الذي تشكل خلال الثمانينيات بخصوص الحقوق الجنسية والإنجابية إلى الخطر"<ref name="sonia" />. رغم ذلك، أقر المؤتمر بخطر الإجهاض غير القانوني على صحة النساء، ودعا إلى التحكم في خطره عن طريق دعم برامج تنظيم الأسرة، بدون تبني دعوة صريحة للاعتراف بالحق في الإجهاض. بالرغم من ذلك، استمر تأثير النشاطية النسوية في مجال الحقوق الإنجابية على المنظور الأممي للإجهاض في السنوات اللاحقة، وتغير بحيث أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تدعو إلى تبني سياسات أكثر تصالحًا مع الإجهاض كجزء من حق النساء في الاختيار، وليس مجرد إجراء يُلجأ إليه في حالات إنقاذ الحياة أو لتفادي المضاعفات الصحية.  
+
طُرحت خلال المؤتمر مبادرات تدعو إلى تشريع الحق بالإجهاض، إلا أن المقررات النهائية بخصوصه اتسمت بالتحفظ بسبب معارضة المؤسسة الدينية. أبدى الفاتيكان -على سبيل المثال- اعتراضه على مبادرات تشريع الإجهاض خلال المؤتمر<ref>[https://archives.ceped.org/avortement_afrique_2004/gb/chap1/600/chapitre1-600.htm The conditions of the right to abortion in 1994 and 1999]</ref>، في امتداد لموقف سابق يتضمن أيضًا رفض استخدام وسائل منع الحمل "غير الطبيعية"، بما يشمل التعقيم وال[[لولب]] و[[وسائل منع الحمل الهرمونية]]. وقد وُصف موقف للفاتيكان من مؤتمر القاهرة بأنه عرَّض "الإجماع الدولي الهش الذي تشكل خلال الثمانينيات بخصوص الحقوق الجنسية والإنجابية إلى الخطر"<ref name="sonia" />.  
 +
ورغم ذلك، أقر المؤتمر بخطر الإجهاض غير القانوني على صحة النساء، ودعا إلى التحكم في خطره عن طريق دعم برامج تنظيم الأسرة، بدون تبني دعوة صريحة للاعتراف بالحق في الإجهاض. بالرغم من ذلك، استمر تأثير النشاطية النسوية في مجال الحقوق الإنجابية على المنظور الأممي للإجهاض في السنوات اللاحقة، وتغير بحيث أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تدعو إلى تبني سياسات أكثر تصالحًا مع الإجهاض كجزء من حق النساء في الاختيار، وليس مجرد إجراء يُلجأ إليه في حالات إنقاذ الحياة أو تفادي المضاعفات الصحية.  
    
;نشأة مفهوم العدالة الإنجابية:
 
;نشأة مفهوم العدالة الإنجابية:
   −
وضعت منظمة "مجتمعات آسيوية من أجل العدالة الإنجابية" (منظمة نسوية أمريكية) أول تعريف لمفهوم '''العدالة الإنجابية'''، وعرفتها بأنها "السلامة الكاملة للنساء جسديًا، وعقليًا، وروحيًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا بما يستند إلى التحقيق الكامل والحماية الكاملة لحقوق النساء"<ref>[https://www.protectchoice.org/downloads/Reproductive%20Justice%20Briefing%20Book.pdf Reproductive justice BRIEFING BOOK, P4]</ref>.
+
وضعت منظمة "مجتمعات آسيوية من أجل العدالة الإنجابية"، وهي منظمة نسوية أمريكية، أول تعريف لمفهوم العدالة الإنجابية، وعرفتها بأنها "السلامة الكاملة للنساء جسديًا، وعقليًا، وروحيًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا بما يستند إلى التحقيق الكامل والحماية الكاملة لحقوق النساء"<ref>[https://www.protectchoice.org/downloads/Reproductive%20Justice%20Briefing%20Book.pdf Reproductive Justice Briefing Book, P.4]</ref>.
   −
انتشر مفهوم العدالة الإنجابية بقوة في خطاب النسويات السوداوات والمنتميات للأقليات العرقية في الولايات المتحدة بما في ذلك المهاجرات والنساء الأصلانيات، تتمحور فكرة "العدالة" حول مقاربة أوسع وأشمل من التقنين النظري للحقوق الجنسية والإنجابية، حيث أن الحق لا يملك أي أهمية بدون وجود قدرة على ممارسته، وبدون تفكيك البُنى والهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية (العنصرية والذكورية) التي تقيد وصول مجتمعات السود والأقليات إلى نفس مستوى الرعاية الذي يوفره تقنين الحقوق لفئات مجتمعية أخرى. نشأ مفهوم العدالة الإنجابية في البداية من أجل تجاوز المفهوم الأحادي لخطاب الحقوق الإنجابية في المجتمع الأمريكي المستند حصرًا إلى الدفاع عن الحق في الإجهاض والذي يستثني حركات العدالة الاجتماعية الأخرى. يتمحور مفهوم العدالة الإنجابية حول ثلاثة مبادئ:
+
انتشر مفهوم العدالة الإنجابية في خطاب النسويات السوداوات والمنتميات إلى الأقليات العرقية في الولايات المتحدة، بما في ذلك المهاجرات والنساء الأصلانيات. تتمحور فكرة "العدالة" حول مقاربة أوسع من التقنين النظري للحقوق الجنسية والإنجابية، حيث أن الحق لا يكتسب قيمة فعلية بدون القدرة على ممارسته، وبدون تفكيك البُنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، العنصرية والذكورية، التي تقيد وصول مجتمعات السود والأقليات إلى نفس مستوى الرعاية الذي يتيحه تقنين الحقوق لفئات أخرى.  
*الحق في إنجاب طفل.
+
نشأ مفهوم العدالة الإنجابية في البداية من أجل تجاوز الطابع الأحادي لخطاب الحقوق الإنجابية في المجتمع الأمريكي، الذي انحصر في الدفاع عن الحق في الإجهاض واستثني حركات العدالة الاجتماعية الأخرى. ويتمحور مفهوم العدالة الإنجابية حول ثلاثة مبادئ: الحق في إنجاب طفل، والحق في الامتناع عن الإنجاب، والحق في تربية الطفل الذي تختار المرأة إنجابه.
*الحق في الامتناع عن الإنجاب.
+
ويشمل كذلك النضال من أجل خلق الظروف المواتية لتحقيق هذه الحقوق، إذ لا يرتبط تحقيقها بشكل حصري بالحق في الاختيار، بل يتطلب مساواة عرقية وجندرية، ودعمًا اجتماعيًا واقتصاديًا، وإطارًا سياسيًا حكوميًا يتيح خيارات إنجابية آمنة وميسرة لجميع النساء.
*الحق في [امتلاك القدرة على] تربية الطفل الذي تختار المرأة إنجابه.
     −
ويشمل أيضًا النضال من أجل خلق الظروف المواتية لتحقيق هذه الحقوق، ذلك أن تحقيقها ليس مسألة مرتبطة بشكل حصري بالحق في الاختيار، بل بوجود مساواة عرقية وجندرية ودعم اجتماعي واقتصادي وإطار سياسي حكومي يطرح خيارات إنجابية آمنة وميسرة يسهل أن تصل إليها جميع النساء.
+
طُرح مفهوم العدالة الإنجابية دوليًا خلال مؤتمر القاهرة 1994، وانتقل عبر شبكات المنظمات النسوية إلى الخطاب النسوي في دول الجنوب العالمي، إذ قدمت العدالة الإنجابية منظورًا جديدًايتجاوز الفهم الليبرالي الضيق للحقوق. واستخدم المفهوم من أجل مقاربة العديد من العقبات التي تعرقل التطبيق العملي للحقوق الجنسية والإنجابية، مثل:
 +
* تجريم الإجهاض.
 +
* ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة.
 +
*التعقيم القسري للسكان الأصليين، خاصة في أمريكا اللاتينية.
 +
*التعقيم القسري لنساء الأقليات والطبقات الاجتماعية المهمشة في أفريقيا وجنوب آسيا
 +
* تفكيك البُنى التمييزية على أساس الخلفية الإثنية والجندر ضد النساء المهاجرات وضحايا الحروب.
 +
* ضمان الوصول العادل إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.  
   −
لقد طُرح مفهوم العدالة الإنجابية دوليًا خلال مؤتمر القاهرة 1994 وانتقل عبر شبكات المنظمات النسوية إلى الخطاب النسوي في دول الجنوب العالمي إذ وفرت العدالة الإنجابية منظورًا جديدًا للنظر إلى مسائل الصحة الجنسية والإنجابية بما يتجاوز المنظور الليبرالي الضيق للحقوق، وقد استخدم من أجل مقاربة العديد من العقبات التي تواجه التطبيق العملي للحقوق الجنسية والإنجابية مثل: تجريم الإجهاض، وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة، بالإضافة إلى التعقيم القسري للسكان الأصليين (خاصة في أمريكا اللاتينية) والتعقيم القسري لنساء الأقليات والطبقات الاجتماعية المهمشة (في أفريقيا وجنوب آسيا)، وتفكيك البُنى التمييزية على أساس الخلفية الإثنية والنوع الاجتماعي ضد النساء المهاجرات وضحايا الحروب والوصول العادل لخدمات الصحة الجنسية والإنجابية. لا تقف أزمة الصحة الجنسية والإنجابية في دول الجنوب عند العقبات القائمة في وجه قدرة النساء على الاختيار، فالوضع في دول الجنوب أكثر تعقيدًا ويصل إلى درجة انعدام الخيارات الصحية من الأصل بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتأثير الصراعات السياسية والموروث الكولونيالي الذي أنتج أنظمة رعاية صحية صُممت في واقع الأمر لخدمة السلطات الاستعمارية والمساهمة في تحقيق أهدافها وليس من أجل رعاية السكان الأصليين وعملت في ذات الوقت على تفكيك شبكات الرعاية التقليدية القائمة على القبالة الشعبية والطب التقليدي وحرمان النساء من الوصول إليها.
+
لا تقتصر أزمة الصحة الجنسية والإنجابية في دول الجنوب عند العقبات التي تحد من قدرة النساء على الاختيار، فالوضع في دول الجنوب أكثر تعقيدًا ويصل إلى درجة انعدام الخيارات الصحية من الأصل، بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتأثير الصراعات السياسية والموروث الكولونيالي الذي أنتج أنظمة رعاية صحية صُممت في واقع الأمر لخدمة السلطات الاستعمارية، وليس من أجل رعاية السكان الأصليين، وعملت في ذات الوقت على تفكيك شبكات الرعاية التقليدية القائمة على القبالة الشعبية والطب التقليدي، وحرمان النساء من الوصول إليها.
    
== الاستقلالية والسلامة الجسدية ==
 
== الاستقلالية والسلامة الجسدية ==
8٬470

تعديل