نسوية ما بعد الاستعمار: الفرق بين النسختين

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إسراء (نقاش | مساهمات)
ط تعديل في الاتحاد النسائي العربي
Samar (نقاش | مساهمات)
سطر 56: سطر 56:


===نسوية ما بعد الاستعمار والعنف===
===نسوية ما بعد الاستعمار والعنف===
أحد أبرز نطاقات الاهتمام لنسويات ما بعد الاستعمار هو العنف المُمارس ضد النساء في تلك المجتمعات. يُمكن أن يظهر هذا العنف في أشكالٍ مُتعددة، مثل العنف الجسدي، والاعتداءات الجنسية، والإساءة العاطفية، والعنف البنيوي. بالنسبة للعنف الجسدي، فإنّه يشمل أفعال الأذى الجسماني مثل العنف المنزلي والاعتداء وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، والتي غالبًا ما تستمر باعتبارها وسيلة لممارسة السيطرة والسلطة على المرأة. أمّا العنف الجنسي، فيتضمن الأفعال التي لا تتم بالتراضي، مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي، والتي تُستخدم كأدوات للهيمنة والتخويف. يضُم العنف العاطفي الإيذاء النفسي والتلاعب، وغالبًا ما يهدف إلى تقويض تقدير المرأة لذاتها وقدرتها على ممارسة إرادتها. كما يشمل هذا النوع من العنف الإهانات اللفظية، والممارسات التي تدفعها للتشكيك في نفسها، الأمر الذي يترك جُروحًا عميقة في صحة المرأة النفسية وسلامتها العاطفية. وأخيرًا العنف البُنيوي، والذي يُشير إلى الطرق المنهجية والمؤسساتية التي تُساهم في إدامة وترسيخ اختلال توازن القوى وعدم المساواة من خلال السياسات الظالمة والقوانين والأعراف المُجتمعية. قد يُعتبر شكل العنف هذا أقل وضوحًا ولكنه مؤذٍ بالقدر نفسه، إذ أنّه يحرم المرأة من وصولية مُنصفة للموارد والفرص، ويسلبها سلطتها على نفسها في صنع القرار. تسلط نسويات ما بعد الاستعمار الضوء على التشابكُات المعقدة التي تربط بين أشكال العنف هذه والسياقات التاريخية والثقافية التي تحدُث فيها. يلعب الإرث الاستعماري دورًا مهمًا في تشكيل العلاقات الجندرية في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث فرضت القوى الإمبريالية أيديولوجيات ومعايير أبوية خلال الحقبة الاستعمارية  لا تزال مُستمرة في التأثير على ديناميكيات النوع الاجتماعي حتى بعد التحرر والاستقلال. غالبًا ما عززت هذه الأيديولوجيات الاستعمارية تبعية النساء وطبّعت العنف ضدهن.
أحد أبرز نطاقات الاهتمام لنسويات ما بعد الاستعمار هو العنف المُمارس ضد النساء في تلك المجتمعات. يُمكن أن يظهر هذا العنف في أشكالٍ مُتعددة، مثل العنف الجسدي، والاعتداءات الجنسية، والإساءة العاطفية، والعنف البنيوي. بالنسبة للعنف الجسدي، فإنّه يشمل أفعال الأذى الجسماني مثل العنف المنزلي والاعتداء وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، والتي غالبًا ما تستمر باعتبارها وسيلة لممارسة السيطرة والسلطة على المرأة. أمّا العنف الجنسي، فيتضمن الأفعال التي لا تتم بالتراضي، مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي، والتي تُستخدم كأدوات للهيمنة والتخويف. يضُم العنف العاطفي الإيذاء النفسي والتلاعب، وغالبًا ما يهدف إلى تقويض تقدير المرأة لذاتها وقدرتها على ممارسة إرادتها. كما يشمل هذا النوع من العنف الإهانات اللفظية، والممارسات التي تدفعها للتشكيك في نفسها، الأمر الذي يترك جُروحًا عميقة في صحة المرأة النفسية وسلامتها العاطفية. وأخيرًا العنف البُنيوي، والذي يُشير إلى الطرق المنهجية والمؤسساتية التي تُساهم في إدامة وترسيخ اختلال توازن القوى وعدم المساواة من خلال السياسات الظالمة والقوانين والأعراف المُجتمعية. قد يُعتبر شكل العنف هذا أقل وضوحًا ولكنه مؤذٍ بالقدر نفسه، إذ أنّه يحرم المرأة من وصولية مُنصفة للموارد والفرص، ويسلبها سلطتها على نفسها في صنع القرار. تسلط نسويات ما بعد الاستعمار الضوء على التشابكُات المعقدة التي تربط بين أشكال العنف هذه والسياقات التاريخية والثقافية التي تحدُث فيها. يلعب الإرث الاستعماري دورًا مهمًا في تشكيل العلاقات الجندرية في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث فرضت القوى الإمبريالية أيديولوجيات ومعايير أبوية خلال الحقبة الاستعمارية  لا تزال مُستمرة في التأثير على ديناميكيات النوع الاجتماعي حتى بعد التحرر والاستقلال. غالبًا ما عززت هذه الأيديولوجيات الاستعمارية تبعية النساء وطبّعت العنف ضدهن. كما تجادل نسويّات ما بعد الاستعمار بأن التحليلات النسوية الغربية تميل إلى التغاضي عن السمات الخاصة المُحيطة بجوانب العنف ضد المرأة في سياقات ما بعد التحرُر. تتجذر العديد من وجهات النظر النسوية الغربية في افتراضات تُمركِز التجربة الأوروبية وتفشل في تفسير تعقيدات مجتمعات ما بعد الاستعمار.


===نقد النسوية الغربية في إطار نسوية ما بعد الاستعمار===  
===نقد النسوية الغربية في إطار نسوية ما بعد الاستعمار===  

مراجعة 13:16، 22 يوليو 2023

قالب:مصطلح نسوية ما بعد الاستعمار/ الكولونيالية

هي نظرية وحركة نسوية تهتم بدراسة الأثر السياسي والاقتصادي والثقافي الذي تركه الاستعمار والسياسات العنصرية على حياة النساء غير البيض/غير الغربيات. اعتادت الحركة النسوية الغربية أن تستخدم مصطلح "المرأة" بشكل جامع يطغى على محددات الهوية الأخرى للنساء مثل العرق أو الطبقة الاجتماعية أو التوجه الجنسي وخصوصيتها الثقافية والتاريخية.[1] ترفض نسوية ما بعد الاستعمار هذا الاختزال وتعمل على ضم أفكار ونظريات الحركات النسوية لدى دول العالم الثالث/الدول النامية والشعوب الأصلية والفئات المهمشة لأسباب عرقية أو طبقية إلى الحراك النسوي ككل.

الجدل حول تعريف الاستعمار وماهيته

وفقًا لشاندرا موهانتي، استُخدِم مصطلح العمليّة الاستعماريّة في الكتابات النسويّة واليساريّة الحديثة لوصف ظواهر متنوّعة، بدءًا من التراتبيّات الاقتصاديّة والسياسيّة الأكثر وضوحًا وصولًا إلى الخطاب الذي تنتجه النسويّة الغربيّة حول ما يسمّى بالعالم الثالث. لا تعني شاندرا في استخدامها لمصطلح "النسويّة الغربيّة" تجانُس المداخل النسويّة الغربيّة من حيث الأهداف أو الاهتمامات أو التحليلات؛ إنّما تشابُه الآثار الناتجة عن افتراض الخطاب النسويّ الغربيّ ضمنًا بأنّ "الغرب" هو المرجع الأساسيّ في النظريّات والتطبيقات، وتصنيفه لكلّ من هم غير غربيّين على أنّهم "الآخرون". تضيف شاندرا أنّ استخدامها لمصطلح "العالم الثالث" يعود إلى عدم توافر مصطلحات أخرى، متنبّهة إلى الإشكاليّات المرتبطة بمثل هذه المصطلحات؛ إذ إنّها تبالغ في تبسيط أوجه التشابه بين دول مصنّفة ضمن "العالم الأوّل" أو "العالم الثالث" من جهة، وتعزّز ضمنيًّا التراتبيّات الاقتصاديّة والثقافيّة والأيديولوجيّة القائمة من جهة أخرى.[2]

يشير عالم الاجتماع البيروفي أنيبال كيخانو إلى أنّ علاقة المجتمعات الأوروبيّة -أو الغربيّة- بالمجتمعات التي خضعت لها لا تزال قائمة على السيطرة الاستعماريّة، وإن تغلّبت معظمها على الاستعمار كنظام سياسيّ صريح. تقوم هذه العلاقة على استعمار مخيّلة الثقافات الخاضعة؛ إذ تحوّلت الثقافة الأوروبيّة إلى نموذج ثقافيّ عالميّ يتيح الوصول إلى المنافع المادّيّة والقوّة التي تتمتّع بها المجتمعات الأوروبيّة، أي النموّ. أمّا الثقافات غير الأوروبيّة فأصبحت عاجزة عن إعادة إنتاج نفسها خارج هذه العلاقة. من هنا، استحدث أنيبال مصطلح "الاستعماريّة" للإشارة إلى الشكل الأكثر عموميّة للسيطرة في العالم اليوم.[3] في المقابل، ترفض نور أبو عصب ونوف ناصر الدين، وهما عالمتا اجتماع فلسطينيّتان، تمييز أنيبال بين الاستعمار والاستعماريّة؛ فالتمييز بين الشكل الكلاسيكيّ للاستعمار وأوجهه غير المادّيّة يسمح بتشكيل نظريّات مناهضة للاستعمار تغفل الحقائق المادّيّة للناس أوّلًا، وتجزئة الصراعات ثانيًا. تضيف نور ونوف أنّ هذا التمييز يضفي الطابع اللا مركزيّ على مشروع الاستعمار الاستيطانيّ في فلسطين، متعارضًا مع دعوتهما إلى إعادة مركزة فلسطين في النظريّة النسويّة المناهضة للاستعمار.[4]

تعكس المواجهة بين مقاربة أنيبال كيخانو ومقاربة نور أبو عصب ونوف ناصر الدين وجهًا من أوجه الجدل القائم بين دراسات ما بعد الاستعمار من جهة، ودراسات الشعوب الأصليّة المرتكزة على مشروع مناهضة الاستعمار من جهة أخرى. تشرح الباحثة التشيكانيّة إيمي كاريلو رو أنّ البادئة "ما بعد" في مصطلح "ما بعد الاستعمار" تثير الريبة بين دراسات الشعوب الأصليّة؛ إذ "لا تزال مواجهة الاستعمار المستمرّ للأراضي الأصليّة أولويّة الشعوب الأصليّة" اقتباسًا عن جودي بيرد (منظّر أمريكيّ من قبيلة تشيكاساو) ومايكل روثبرغ (باحث أمريكيّ في دراسات الأدب والذاكرة). في هذا السياق، يجادل عالم الاجتماع الجامايكيّ-البريطانيّ ستيوارت هول -على غرار غيره من الباحثين في دراسات ما بعد الاستعمار- أنّ العلاقة بين البادئة "ما بعد" والكلمة التي تليها (الاستعمار) معقّدة؛ فالبادئة لا تدلّ فقط على مؤشّر زمنيّ، أو انقطاع، أو انعكاس؛ إنّما تفيد السؤال النقديّ حول الإنتاج المعرفيّ على أثر الاستعمار الرسميّ. تشير إيمي إلى أنّ قراءة ستيورات للمصطلح غالبًا ما قُوبِلت بالرفض بين الباحثات في دراسات الشعوب الأصليّة، ومن بينهنّ الكاتبة الأستراليّة الأصليّة كاثرين تريز التي تسأل: "هل يَفترض 'ما بعد الاستعمار' زوال الاستعمار؟ 'ما بعد' بالنسبة لمن؟". تضيف إيمي استنتاج كاثرين بأنّ "ما بعد الاستعمار 'مفهوم أبيض'" طرحته الدول الغربيّة بهدف "تعريف أنفسهم وتمثيلها بمصطلحات غير إمبرياليّة".[5]

في مقابل الجدل الحاصل بين دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات الشعوب الأصليّة، تؤكّد إيمي كاريلو رو أنّ الجمع بين المقاربتين -ما بعد الاستعمار ومناهضة الاستعمار- لإنتاج المعرفة النقديّة مكسب كبير للنسويّات. في الواقع، تطرح الباحثات في دراسات ما بعد الاستعمار أسئلة لها أهمّيّة مركزيّة في دراسات الشعوب الأصليّة، كما نجد في ورقة شاندرا موهانتي البحثيّة "تحت عيون الغرب: الدراسات النسويّة والخطابات الاستعماريّة".[6] تجادل شاندرا في ورقتها البحثيّة أنّ الخطاب الاستعماريّ يتّخذ من اهتمامات النسويّة الغربيّة نقطة مرجعيّة في إنتاجه للمعرفة حول النساء في العالم الثالث؛ فينتج "امرأة العالم الثالث" كموضوع مفرد متجانس، قامعًا أوجه التباين المادّيّ والتاريخيّ بين حيوات النساء.[7] تشير إيمي أنّه، وعلى نحو مماثل، تبحث دراسات الشعوب الأصليّة في موروثات الاستعمار والإنتاج الثقافيّ في ما يخصّ محو الشعوب الأصليّة. [8]

سياق تاريخي

تاريخ تطور النظرية

يقسم تاريخ الحركة النسوية إلى ثلاث موجات. بدأت الموجة الأولى في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بين النساء البيض من الطبقة الوسطى.اهتمت هذه الموجة بقضايا التعليم والاقتراع والمساواة القانونية بين المرأة والرجل. ولكنها أهملت قضايا النساء من الأعراق المختلفة المنتميات إلى الطبقة العاملة، واللاتي عانين في ظل ظروف اقتصادية وسياسية غير عادلة.[9]

ظهرت الموجة الثانية في بداية الستينيات واهتمت بشكل رئيسي بحقوق المرأة في مكان العمل وحقوقها الإنجابية. كما أنها طرحت فكرة المساواة الجنسية وفكرة الجندر، ودعت إلى إعادة تشكيل الصورة الثقافية للأنوثة.[10] نجحت الموجة الثانية في تحقيق تكافؤ الأجر للنساء، وأنهت بعض الممارسات التي تعد تمييزًا ضد المرأة. ولكن لم تنجح في الأخذ بالاعتبار اختلافات النساء المبنية على العرق أو الطبقة الاجتماعية.

نشأت نسوية ما بعد الاستعمار كجزء من الموجة الثالثة للحركة النسوية في بداية الثمانينيات. كانت الكاتبة ريبيكا واكر أول من استخدم مصطلح "الموجة الثالثة" في مقالها عام 1992 للرد على تعيين كلارينس توماس في المحكمة العليا للولايات المتحدة رغم شهادة أنيتا هيل المتلفزة بأنه قد تحرش بها جنسيًا عام 1991. وخلال هذه الفترة تم تطوير خطاب الحراك النسوي ليشمل الصراعات العرقية والاقتصادية والثقافية التي طالما خاضتها النساء الملونات. عملت بعض النسويات السوداوات واللاتينيات على خلق مساحة للحديث عن القضايا العرقية. نشرت غلوريا آنزالدوا و تشيرى موراجا كتاب هذا جسر يدعى ظهري (1981) وهو يضم مجموعة من النصوص الأدبية والفكرية للنساء الملونات. و تبعها بعام واحد كتاب كل النساء بيض، كل السود من الرجال، ولكن البعض منا شجاع في 1982 من تحرير أكاشا غلوريا هال وباتريشا بيل-سكوت.

الأحداث والحركات والممارسات

تكتب الباحثة والكاتبة النسوية سارة سالم في مقالتها "التضامن النسوي العابر للحدود في عالم ما بعد الاستعمار" [11] عن أحداث تاريخية مثلت لحظات انفصال ولحظات توافق بين نسويات ما بعد الاستعمار عبر الحدود في القرن العشرين.

مؤتمر التحالف الدولي للمرأة في كوبنهاجن ١٩٣٩

كان هذا المؤتمر لحظة مهمة تاريخياً لانفصال وخلاف بين نسويات العالم الأول ونسويات العالم الثالث. كانت نقطة الخلاف الأساسية عدم اعتراف نسويات العالم الأول بتأثير الاستعمار الدائم بسبب حكوماتهمن على القضايا النسوية التي يتم مناقشتها في المؤتمر، على الأخص دور بريطانيا في قضية الاستعمار في فلسطين. طرحت النسوية المصرية هدى شعراوي في هذا المؤتمر على نسويات من العالم الثالث أهمية تكوين "اتحاد نسوي شرقي" يهتم بالتقاطع بين القضايا النسوية وقضايا التحرر من ومناهضة الاستعمار. أدت هذه المحادثات والإحباطات والمقترحات بين نسويات العالم الثالث في تلك المؤتمرات الدولية إلى نمو رغبتهمن في خلق مؤتمرات منفصلة خاصة بهمن.

مؤتمر نساء آسيا في بكين ١٩٤٧

في عام ١٩٤٧، عقد الاتحاد النسائي الديمقراطي الدولي (WIDF) مؤتمر نساء آسيا في بكين. شارك في المؤتمر نسويات من أفريقيا وآسيا وكان تركيزهمن الأساسي تعزيز التضامن النسوي المناهض للإمبريالية في بلاد الجنوب العالمي.

مؤتمر باندونغ الأفرو-آسيوي ١٩٥٥

مثل مؤتمر باندونغ لحظة مهمة في تاريخ التضامن بين الدول المستقلة وكان تأثيره الأساسي إنشاء حركة عدم الانحياز.بالرغم من عدم تركيز مؤتمر باندونغ بشكل رئيسي على قضايا نسوية، ولكنه أتاح مساحة لنسويات من العالم الثالث للالتقاء والتشبيك مع بعضهمن.

الاتحاد النسائي العربي ١٩٤٤

تشكل الاتحاد النسائي العربي في عام ١٩٤٤ بعد انعقاد المؤتمر النسائي العربي في القاهرة في العام نفسه. عُقد المؤتمر في مقر جمعية الاتحاد النسائي المصري برئاسة هدى شعراوي. حضر المؤتمر ووفود من فلسطين ولبنان وسوريا وشرق الأردن والعراق، وتبلور الهدف الرئيسي للاتحاد حول الحقوق السياسية والقانونية والاقتصادية للنساء في المنطقة العربية.[12]

مفاهيم وجدالات

الإنتاج المعرفي ونزع الاستعمار

لطالما تمركزت عمليات الإنتاج المعرفي في إطار المؤسسات الجامعية والمراكز البحثية والمؤسسات الاعلامية التي لا تأخذ بالضرورة بعين الاعتبار دورها في المساهمة في خلق شكل من أشكال مشروعية الهيمنة الثقافية. والهيمنة الثقافية مفهوم يُستخدم في سياق دراسات ما بعد الاستعمار، ويعود إلى غرامشي، فيلسوفًا وسياسيًا ومنظرًا ماركسيًا إيطاليًا عاش من عام 1891 إلى عام 1937؛ اشتهر بإسهاماته في فهم الهيمنة الثقافية في سياق النظرية الماركسية. ويرى غرامشي أن الهيمنة الثقافية تعمل من خلال تقديم صالح الطبقة الحاكمة كقيم معيارية ومقبولة عالميًا للمجتمع، وبالتالي جعل هذه القيم تبدو طبيعية وأفضل ما يمكن القبول به. نتيجة لذلك، يميل الأفراد من الطبقات التابعة إلى استيعاب هذه المعتقدات والقيم، مما يساهم في الحفاظ على هياكل السلطة الحالية. ويتم ذلك من خلال التعليم والمعارف المنتشرة التي تخلق سردية واحدة؛ وفي سياق الاستعمار، تصبح الطبقة الحاكمة، بالضرورة، الجهة المستعمرة، وهذا يعني تبني ثقافة هذه الجهة، بما في ذلك لغتها، وهذا ما يفسر تمركز اللغتين الإنكليزية والفرنسية مثلًا في سياق المنطقة، وذلك بحسب التقسيم الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا في خلال بداية العشرينات من القرن الماضي.

لتحدي الهيمنة الثقافية، ركزت مدارس ما بعد الاستعمار، بما في ذلك نسوية ما بعد الاستعمار، على أهمية الانتاج المعرفة المناهض للاستعمار نفسه. وعند فحص الهيمنة الثقافية من منظور نسوية ما بعد الاستعمار، يمكننا استكشاف كيف تتقاطع الأيديولوجيات الأبوية، جنبًا إلى جنب مع الهياكل الاستعمارية والإمبريالية. في سياق نسوية ما بعد الاستعمار، تعمل الهيمنة الثقافية من خلال تمثيل وفرض المعايير والقيم للجهة المستعمرة وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى محو المعرفة الأصلية.

تتناول المنظرة غاياتري شاكرافورتي سبيفاك  في عملها "هل يستطيع التابع أن يتكلم؟" كيف أن الروايات الثقافية المهيمنة وإنتاج المعرفة يستبعدان أصوات وتجارب الفئات المهمشة ، ولا سيما النساء ذوات البشرة الملونة كما تتناول تواطؤ النسوية الغربية في إدامة الهيمنة الثقافية وتدعو إلى ممارسة نسوية أكثر شمولاً. كما تناولت ترينه ت. مينه ها، مخرجة وكاتبة فيتنامية، في عملها "امرأة، أصلية، أخرى: كتابة ما بعد الاستعمار والنسوية" ، تتحدى مينها التمثيلات الثقافية السائدة للنساء ذوات البشرة الملونة وتدافع عن فهم أكثر دقة لتجاربهن في إطار الهيمنة الثقافية. وكان لعمل بيل هوكس، كاتبة اميركية واحدى عواميد المدرسة النسوية السوداء، تاثير على فهم كيف تعمل الهيمنة الثقافية عند تقاطع العرق والجنس والطبقة وتدعو إلى إنهاء استعمار المعرفة والممارسات. كما تناولت ليلى أحمد "المرأة والنوع الاجتماعي في الإسلام: الجذور التاريخية لنقاش حديث"، تاثير الهيمنة الثقافية على النظرة الغربية للمرأة المسلمة، وعززت الصور النمطية وتبرير التدخلات الإمبريالية في المناطق ذات الأغلبية المسلمة. وتشكل هذه بعض من الرؤى النقدية للطرق المعقدة التي تتقاطع بها الهيمنة الثقافية مع الموروثات الاستعمارية والنضالات النسوية.

العلاقة بنسوية العالم الثالت

نسوية ما بعد الاستعمار والعنف

أحد أبرز نطاقات الاهتمام لنسويات ما بعد الاستعمار هو العنف المُمارس ضد النساء في تلك المجتمعات. يُمكن أن يظهر هذا العنف في أشكالٍ مُتعددة، مثل العنف الجسدي، والاعتداءات الجنسية، والإساءة العاطفية، والعنف البنيوي. بالنسبة للعنف الجسدي، فإنّه يشمل أفعال الأذى الجسماني مثل العنف المنزلي والاعتداء وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، والتي غالبًا ما تستمر باعتبارها وسيلة لممارسة السيطرة والسلطة على المرأة. أمّا العنف الجنسي، فيتضمن الأفعال التي لا تتم بالتراضي، مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي، والتي تُستخدم كأدوات للهيمنة والتخويف. يضُم العنف العاطفي الإيذاء النفسي والتلاعب، وغالبًا ما يهدف إلى تقويض تقدير المرأة لذاتها وقدرتها على ممارسة إرادتها. كما يشمل هذا النوع من العنف الإهانات اللفظية، والممارسات التي تدفعها للتشكيك في نفسها، الأمر الذي يترك جُروحًا عميقة في صحة المرأة النفسية وسلامتها العاطفية. وأخيرًا العنف البُنيوي، والذي يُشير إلى الطرق المنهجية والمؤسساتية التي تُساهم في إدامة وترسيخ اختلال توازن القوى وعدم المساواة من خلال السياسات الظالمة والقوانين والأعراف المُجتمعية. قد يُعتبر شكل العنف هذا أقل وضوحًا ولكنه مؤذٍ بالقدر نفسه، إذ أنّه يحرم المرأة من وصولية مُنصفة للموارد والفرص، ويسلبها سلطتها على نفسها في صنع القرار. تسلط نسويات ما بعد الاستعمار الضوء على التشابكُات المعقدة التي تربط بين أشكال العنف هذه والسياقات التاريخية والثقافية التي تحدُث فيها. يلعب الإرث الاستعماري دورًا مهمًا في تشكيل العلاقات الجندرية في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث فرضت القوى الإمبريالية أيديولوجيات ومعايير أبوية خلال الحقبة الاستعمارية لا تزال مُستمرة في التأثير على ديناميكيات النوع الاجتماعي حتى بعد التحرر والاستقلال. غالبًا ما عززت هذه الأيديولوجيات الاستعمارية تبعية النساء وطبّعت العنف ضدهن. كما تجادل نسويّات ما بعد الاستعمار بأن التحليلات النسوية الغربية تميل إلى التغاضي عن السمات الخاصة المُحيطة بجوانب العنف ضد المرأة في سياقات ما بعد التحرُر. تتجذر العديد من وجهات النظر النسوية الغربية في افتراضات تُمركِز التجربة الأوروبية وتفشل في تفسير تعقيدات مجتمعات ما بعد الاستعمار.

نقد النسوية الغربية في إطار نسوية ما بعد الاستعمار

برزت الانتقادات التي وجهتها نسوية ما بعد الاستعمار للنسوية الغربية كردٍ على القيود التي تفرضها الأيديولوجيات النسوية السائدة، والتي تركز في الغالب على تجارب نساء الطبقة الوسطى من البيض داخل المجتمعات الغربية. تُسلط هذه الانتقادات الضوء على التحيز الأوروبي المركزي في البحث والنشاط النسوي الغربي، والذي غالبًا ما يهمش أصوات وتجارب النساء من سياقات ما بعد الاستعمار غير الغربية. تُعرّف نسوية ما بعد الاستعمار عن نفسها مُقارنةً بالحركات والمدارس النسوية الغربية والليبرالية من خلال تأكيدها على اتخاذِ كُلٍ من التقاطعية والشمولية والنسبية الثقافية أُسسًا تقوم عليها، كما تسعى إلى بحث ومُعالجة الصراعات المتنوعة التي تواجهها النساء في سياقات ما بعد الاستعمار، ودراسة تأثيرات الاستعمار على العلاقات الجندرية. تُحلل نسوية ما بعد الاستعمار نقديًا تقاطعات أنواع الاضطهاد المُختلقة الذي تعاني منها النساء، مع الأخذ في عين الاعتبار العِرق والطبقة والإثنية والتاريخ الاستعماري، الأمر الذي يُميزها عن النسوية الليبرالية ذات المنهج الفردي. تتحدّى نسوية ما بعد الاستعمار التحيز الأوروبي المركزي الحاضر في البحث والنشاط النسوي الغربي والذي يُرسخ القوالب النمطية التي لطالما وُضعت فيها النساء الاتي يعشن في سياق ما بعد استعمارية ويمحو هوياتهن المعقدة، وتحُث على فهمٍ أكثر شمولاً وحساسية لقضايا النوع الاجتماعي في مُختَلف أرجاءِ العالم. من خلال رفضها نهجًا واحدًا اُعتبِر ملائمًا للجميع من قِبل المدارس النسوية الغربية ودعوتها لفهم السياقات المُختلفة، تهدف نسوية ما بعد الاستعمار إلى بناء حركة نسوية أكثر إنصافًا ووعيًا عالميًا. تسعى الحركة النسوية ما بعد الاستعمار إلى بناء التضامن والتعاون بين الحركات النسوية في جميع أنحاء العالم ، مع احترام استقلالية المرأة وتقرير مصيرها في سياقات ما بعد الاستعمار. من خلال القيام بذلك ، يمكن للحركات النسوية العمل معًا لتحدي الأنظمة القمعية وتعزيز العدالة بين الجنسين لجميع النساء ، بغض النظر عن خلفياتهن الثقافية والتاريخية

ساهمت النسوية الغربية في التركيز على مبادئها الأساسية من الدعوة إلى المساواة بين الجنسين والاستقلالية الفردية وحق النساء في التعليم والعمل في تعزيز حقوق المرأة بلا شك. ومع ذلك، فإن نسويات ما بعد الاستعمار يُجادلن بأن هذه المبادئ لا تعالج بشكلٍ جذري الصراعات المتنوعة التي تواجهها النساء في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث يستمر إرث الاستعمار في تشكيل العلاقات الجندرية فيها. تدعو نسوية ما بعد الاستعمار، كما حللت وكتبت شاندرا تاليد موهانتي في كتابها "نسوية بلا حدود: نظرية إنهاء الاستعمار، وممارسة التضامن" إلى جعل تجارب النساء ونضالاتهن في الجنوب العالمي محورًا أساسيًا عند دراسة وتفكيك تقاطعات أشكال الاضطهاد الجندرية والاستعمارية. أحد أهمّ الانتقادات التي وجهتها نسويات ما بعد الاستعمار للنسوية الغربية، كما ورد في مختارات "نساء العالم الثالث وسياسة الحركة النسوية" من تحرير شاندرا موهانتي وآن روسو ولوردس توريس، هو أنّ التحيز الأوروبي المركزي في الخطاب النسوي الغربي لا يتجاهل تجارب النساء غير الغربيات فحسب، بل يُساهم في ترسيخ القوالب النمطية التي فُرضت عليهن، ويعزز اختلال توازن القوى. لذلك، دائمًا ما تُعارض نسويات ما بعد الاستعمار فرض القيم الغربية على المجتمعات غير الغربية، ويُجادلن بضرورة الاعتراف بالنسبية الثقافية.

الثيمات الإمبريالية والاستشراقية في النسوية الغربية

لفتت الانتقادات التي وجّهتها نسوية ما بعد الاستعمار للنسوية الغربية الانتباه إلى ظاهرة "النسوية الإمبريالية"، وهي امتداد للنسوية الاستشراقية التي سبقتها. يمثل هذا الشكل من النسوية إطارًا إبستومولوجيًا -معرفيًا- تستخدمه النسويات الغربيات للنظر إلى النساء العربيات والمسلمات بشكل ٍعام، والنساء اللاتي يعشن في سياقات استعمارية أو ما بعد استعمارية بشكلٍ خاص. تعمل النسوية الإمبريالية على ترسيخ المقاربات الثقافية والعنصرية، وتجريد المرأة غير الغربية من إنسانيتها وتنميطها. وبدلاً من الاعتراف بقدرة هؤلاء النساء على ممارسة إرداتهن وتعقيداتهن، فإن النسويات الإمبرياليات يصوّرنهن على أنهن مُجرّد ضحايا عاجزات بحاجة إلى الشفقة والإنقاذ. برز هذا المنظور بقوّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، مع تبرير النسويات الغربيات للحروب الإمبريالية كوسيلة "لإنقاذ" هؤلاء النساء من أنظمتهن القمعية. يُركز نقدٌ هامٌ آخر على قضية النسوية الإمبريالية، هكذا انشغلت الحركات النسوية الاستشراقية والإمبريالية بالنضال النسائي المسلح، خاصة بعد الانتفاضة الثانية في فلسطين، حيث أشارت إليهن بالإرهابيات اللاتي يلجأن لارتكاب "التفجيرات الانتحارية" لأسبابٍ دينية وثقافية. تتجاهل النسوية الإمبريالية بشكلٍ كامل السياقات التاريخية والسياسية لنضالات تلك النساء، وبذلك؛ فإنّها تُعزز سردياتٍ جوهرية مُهينة عنهن. بدلًا من الاعتراف بالتقاليد الراسخة لمقاومة النساء في هذه المجتمعات، تعمل النسويات الإمبرياليات على مُجانسة النساء العربيات والمسلمات، والتركيز على افتقارهن السيطرة على أجسادهن ومصائرهن. تُهمل هذه النظرة الاختزالية تعقيدات حيواتهن والأسباب متعددة الأوجه وراء انخراطهن في حركات المقاومة. لا تتعاطى النسويات الامبراليات مع الحقائق الاجتماعية والسياسية الأوسع لحياة تلك النساء، وتُركز على العوامل الثقافية فقط، مُعزِزةً بذلك الروايات المُؤذية التي تزيد من الثنائية الضدية بين المرأة المسلمة "المضطهدة" والمرأة الغربية "المحررة". بدلاً من جعل تجارب تلك النساء وأصواتهن مِحورًا أساسيًا في بحث وتفكيك واقعهن، استحوذت النسويات الإمبرياليات على نضالاتهن وأصبحن السلطة في تحديد احتياجاتهن وتطلعاتهن. الأمر الذي، بطبيعة الحال، يعزز ديناميكية القوة التي تُساهم في ترسيخ الأيديولوجيات الاستعمارية، ويزيد من تهميش النساء العربيات والمسلمات ويسلُبهن القدرة على ممارسة إرادتهن الحرة. تُحذر نسويات ما بعد الاستعمار من عقدة المُنقذ الأبيض المُلاحظة في بعض منظورات النسوية الغربية، كما ورد في كتاب "ثورة أسيرة: نضال المرأة الفلسطينية ضد الاستعمار داخل سجون النظام الإسرائيلي" من تأليف نهلة عبدو، ودعون إلى الاعتراف بفاعلية المرأة واحترام كيانها في سياقات ما بعد الاستعمار مُتحديّاتٍ بذلك قصور النسوية الغربية، وشجعن على التضامن والتعاون بين الحركات النسوية في جميع أنحاء العالم


تتأمل أندريا دوركين، كاتبة وناقدة نسوية راديكالية أميريكية، في مقالتها "إسرائيل: بلد مَن هي على أي حال؟" التي نُشرت عام ١٩٩٠ في نشأتها كيهودية في الولايات المتحدة وانغماسها المبكر في الأيديولوجية الصهيونية. إذ تُقر بمشاركتها في دعم إسرائيل من خلال أنشطة مُختلفة مثل الذهاب إلى المدارس العبرية، وجمع التبرعات للحركة الصهيونية، وتصديقها في الدعاية الإمبريالية الصهيونية تلك الفترة التي صوّرت "إسرائيل" على أنّها دولة محاطة بأعداءٍ عرب. بحلول أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، ركّز نشاط دوركين بشكلٍ أكبر على القضايا النسوية والمناهضة للنظام الأبوي، وأصبحت شخصيةً بارزة في الحركة النسوية. كما خضعت آرائها حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لتحولات كبيرة في تلك الفترة أيضًا، إذ بدأت في التساؤل عن سياسات الحكومة الإسرائيلية وأفعالها تجاه الشعب الفلسطيني، وأعربت عن مخاوفها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلسطينيون، وانتقدت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتهجير وتهميش الفلسطينيين، والأعمال العسكرية التي تقوم بها حكومة الاحتلال. استمرت وجهات نظر دوركين في التغير بعد مشاركتها في مؤتمر نسوي في إسرائيل عام ١٩٨٨، حيث تعرّفت على ناشطة نسوية فلسطينية، وكان لقائهما نُقطة تحول في إدراكها الظلم الذي يواجهه الشعب الفلسطيني من قِبل الاحتلال. إلا أن دوركين لم تقابل أو تتحدث مع نساء فلسطينيات أخريات يعشن تحت الاحتلال، فكانت كتابتها عن تجارب النساء الفلسطينيات سطحية تميل لتكون استشراقية وحتى عنصرية. فشلت أندريا دوركين في فهم السياق الفلسطيني وجرّدت النساء الفلسطينيات اللاتي اتجهن للمقاومة المسلحة من اختياراتهن، ودافعت عن النسوية الإمبريالية وروّجت لرواية تربط مشاركة المرأة الفلسطينية في المقاومة ضدّ المُحتل لأسبابٍ شخصية ونفسية ودينية. إذ تُصور دوركين في كتاباتها النساء الفلسطينيات المنخرطات في الكفاح المسلح على أنهن يسعين للانتقام وارتكاب "تفجيراتٍ انتحارية" كوسيلة لاسترداد شرف أُسرِهن، حيث كتبت "يتُقن هذه النساء إلى ارتكابِ عملٍ إرهابي خالص من شأنه أن يمحو وصمة العار عن كونهن إناث بعد كُل ما تعرضن له من اعتداءٍ جنسي من قبل رجالهن وتهدديهن بالقتل" [13]، وتصف أعمالهن المُقاوِمة بأنها إجراءاتٌ ضرورية تُقدمها المرأة المُغتصبة كمقايضة تُقدمها أملًا في أن تحصل على مرتبة أعلى، أي كشهيدة، باعتبار أنّ هذه الأعمال المقاومة تُعيد الشرف الشخصي وترفع من المكانة الاجتماعية- الموت مُقابل استعادة شرف العائلة. هكذا بذلك، تختزل أعمال المقاومة المعقدة والمتعددة الأوجه إلى دوافع سطحية، وتتجاهل السياق السياسي الأوسع للاستعمار والقمع الاحتلالي. لا يُرسخ هذا النهج الاختزالي صُورًا نمطية فحسب، بل يحرِم النساء الفلسطينيات من حقهن في تقرير المصير ونضالهن من أجل التحرر. إن وصف دوركين للنساء المقاوِمات ضد الاستعمار بـ "الارهابيات" يُساهم في نزع الصفة الإنسانية عنهن، واستخدامها مُصطلحًا مثل "الدم مقابل الشرف" في هذا السياق يُرسخ وجهات النظر الجوهرية للمرأة غير الغربية، وتمحو تجاربهن دوافعهن المتنوعة وراء انخراطِهن في حركات المقاومة. يفتقر هذا النهج إلى فهمٍ عميق للسياق التاريخي، ويفشل في تحليل دور إرهاب الدولة والعنف الهيكلي الذي تمارسه القوى الإمبريالية فيه.

التضامن النسوي العابر للحدود في إطار نسوية ما بعد الاستعمار

اختلف مفهوم التضامن النسوي العابر للحدود قبل وبعد نسوية ما بعد الاستعمار. أدركت بعض نسويات العالم الثالث بداية من منتصف القرن العشرين أهمية التضامن النسوي العابر للحدود بينهمن وأهمية تعقيد فكرة وفعل التضامن النسوي في سياق ما بعد الاستعمار، خاصة باختلافه عن التضامن المزعوم من نسويات العالم الأول من خلال المؤتمرات الدولية النسوية في بدايات القرن العشرين. أدركت أغلب نسويات العالم الثالث في تلك المؤتمرات تجاهل نسويات العالم الأول لمركزية تحرر واستقلال الدول المُستَعمَرة في خطابهمن النسوي، الشئ الذي شجع نسويات العالم الثالث على تشكيل مؤتمرات وتكتلات أخرى تمركز تقاطعية التضامن النسوي العابر للحدود مع خطاب التحرر من الاستعمار. تشير الباحثة والكاتبة النسوية سارة سالم إلى لحظات من هذا التاريخ في مقالتها "التضامن النسوي العابر للحدود في عالم ما بعد الاستعمار." تكتب أن التضامن بالنسبة لنسويات العالم الثالث "لم يكن فقط على أساس الجندر ولكن على أساس إيمان مشترك فيما تعنيه الحرية وكيفية تحقيقها." [14] على هذا الأساس، رفضت نسويات العالم الثالث مفهوم "الأختية العالمية" الذي زعمته بعض نسويات العالم الأول بدون تعقيد كأساس للتضامن.

على النقيض، نادت العديد من نسويات العالم الثالث بخلق تضامن نسوي عابر للحدود في سياق بعد استعماري واعٍ بالاختلافات والتقاطعات وعلاقات القوة. تضامن يعترف ويستخدم تلك الاختلافات لصالح التضامن النسوي بدلًا من النفور منه. كانت أودري لورد واحدة من أبرز النسويات التي دعت إلى ومارست أهمية إدراك الاختلاف بين النسويات في حركات التضامن النسوية العابرة للحدود. فيلم سنوات برلين هو فيلم يحكي عن السنوات التي قضتها أودري لورد في ألمانيا ويبرز تأثيرها الكبير على الحركات النسوية في أوروبا، بالأخص على الحركة النسوية الأفرو-ألمانية. تحكى لورد عن أهمية إدراك الاختلاف للتضامن النسوي في الفيلم وتقول لحشد نسوي متنوع عرقيًا: "نتشارك في تراث وأرض واحدة، ونحتاج إلى بعضنا البعض، لكننا لسنا بعضنا البعض، نحن مختلفون. يمكنني أن أعرف وأحترم اختلافك ويجب أن تعرفي وتحترمي اختلافي، فتلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها العمل سويًا."[15]

نسوية ما بعد الاستعمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

نسوية ما بعد الاستعمار في الهند

الأختية

تنتقد شاندرا موهانتي افتراض فكرة متجانسة عن النساء في الأدبيات النسوية الغربية والخلط بين الإجماع الخطابي على تجانس النساء كجماعة وبين الواقع المادي الخاص بجماعات النساء. وتشير شاندرا أن التعميم المنهجي يؤدي إلى "إنكار أي خصوصية ثقافية أو تاريخية ويلغي تمامًا ما قد يكون بها من متناقضات أو جوانب يكمن فيها التمرد". في كتابها "نسوية بدون حدود: نزع الاستعمار عن النظرية، وممارسة التضامن" (Feminism without Borders: Decolonizing Theory, Practicing Solidarity)، تجادل شاندرا أن التحالفات النسوية في الجنوب العالمي والنسوية الغربية لا يمكن أن تُبنى استناداً إلى الأخوّة العالمية الموحّدة، بل يجب أن تكون على أساس التنظيم السياسي المشكّل سياقياً ومحلياً، ويستند على فهم التسلسل الهرمي الداخلي والاختلافات بين النساء. [16]

سياسات جديدة للقراءة

سبيفاك في كتابها A Critique of Postcolonial Reason،

نسوية ما بعد الاستعمار (التشيكانا) في المكسيك

بدأت حركة نسويّة التشيكانا في سبعينيات القرن العشرين خلال حركة المكسيك القوميّة، وتوسعت لتشمل على طيف واسع من الخطابات النظريّة والأدبيّة والسياسيّة والتي دمجت معها نظريّات ما بعد الاستعمار. تعمل نسويّة التشيكانا على تفكيك الأنماط الذكوريّة والعنصريّة والمنحازة للغيريّة الجنسيّة، وتركز المنظّرات التشيكينيّات على السياسات الحدودية وتأثير الاستعمار المستمر إلى الآن على الحدود الأمريكية.

غلوريا آنزالدوا
الحدودية

تجادل غلوريا آنزلدوا في كتابها "الأراضي الحدودية/لا فرونتيرا" Borderlands/LaFrontera أن الحدود مساحات مادية ومجازية، حيث تتقاطع الثقافات واللغات والهويات، وتخلق الخطابات المستعمرة المهيمنة حدودًا، ليس فقط لتقسيم المساحات الجغرافية بل أيضًا المساحات النظريّة، حيث تضع "الآخر" على الهامش؛ فتوضع المرأة التشيكينة على الحدود بين إرثها المكسيكي والأمريكي. وتنادي غلوريا أن هذه الحدود التي خلقها الاستعمار يجب استعادتها كمساحة انتقالية يمكن من خلالها خلق وعي هجين (المستيزو)، واستعادة النساء المكسيكيات لكل من هويّاتهم الأمريكية والمكسيكية.

إنتاج المعرفة واللغة

في الفصل المعنون " حول عملية الكتابة"، تشير غلوريا أن محاولتها للكتابة وإنتاج المعرفة بدأت من رغبتها أن تفعل ذلك على طريقتها ونهجها ولغتها الخاصة، وتضيف "لم أكن أريد أن أقوم بما وصفته أودري لورد باستخدام أدوات السيد؛ لم أكن أريد تقليد السيد. أردت أن أكتب بأسلوب هجين، بعاميتي الخاصة، وأيضًا باستخدام معارف وتاريخ الثقافات البيضاء، والثقافات العرقية الأخرى." بالنسبة لغلوريا، عملية الكتابة تتقاطع مع القراءة، حيث أن القارئ هو مؤلف مشارك للنص، خاصة عند استجابته من خلال كتابة مراجعة أو ورقة نقدية. وتدعوا غلوريا الكاتبات والقراء التأمل في موقعيتهم، فتضيف: "شيء واحد أحثكم على القيام به عندما تقرأون أو تكتبون هي أن تعرفوا، حرفيًا، أين تقف أقدامكم، ما هو الموقف الذي تتخذونه: هل تتحدثون من منظور ذكر أبيض من الطبقة الوسطى؟ هل تتحدثون من موقع شخص ملون من الطبقة العاملة؟ لمَ تتحدثون؟ مع من تتحدثون؟ ما هو السياق، أين تحددون موقع خبرتكم؟"

تستخدم بعض تسويات التشيكانا مثل غلوريا وشيري موراغا كل من اللغة الإنجليزية والإسبانية بشكل قصدي في كتابتهن دون ترجمة. في نص شيري موراغا "أن تكوني جاهلة بحب وعلم: النسوية البيضاء ونساء اللون" ("Being Lovingly, Knowingly Ignorant: White Feminism and Women of Color) تعكس ماريان أورتيغا () هذا الاهتمام الخاص بمزج اللغتين في النص الواحد كجزء من صمودها وبقائها ككاتبة وكفرد. بالنسبة لموراغا فهذا المزج يخلق ما تسميه "لغة المنزل"، والذي يصبح مكانًًا مستدامًا للنمو الشخصي والفني، يزدهر من خلاله صوت أدبي ومعاني جديدة.[17]

في الأدب

يُعتبر أدب نسوية ما بعد الاستعمار نوعاً أدبياً إشكالياً في منطقتنا العربية، ترتبط اشكاليته بالاختلافات حول تعريف ما بعد الاستعمار وتحديد مفهومها. لا سيما و أن الاستعمار لازال قائماً في بعض أجزاء المنطقة العربية وعاد إليها بصورة مباشرة و أوسع بعد ثورات الربيع العربي. نظراً لافتقار البلاد العربية للمنظّرين في ما بعد الاستعمار الذين يهتمون بشرح تأثير العلاقات الاستعمارية والإمبريالية المختلفة على ثقافتنا العربية، حياتنا الاجتماعية،أدوارنا الجندرية، وعلاقاتنا. نجد في الأدب العربي توثيقاً مهما و ناقلاً صادقاً لانعكاس الاستغلال الامبريالي الاستعماري و اضطهاده على النسوية العربية والهويات الجندرية. فالأدب يحاكي حياة الناس اليومية و يترجم واقعهم بلسانهم لا كما يُحكى عنهم من المستشرقين.

أدب نسوية ما بعد الاستعمار في سوريا

ألفة الإدلبي

كوليت خوري

دعد حداد

أدب نسوية ما بعد الاستعمار في لبنان

حنان الشيخ

أدب نسوية ما بعد الاستعمار في مصر

في الفنون والأفلام والمسلسلات

المقدمة

تعتبر نظرية ما بعد الاستعمار لوسائل الإعلام نهجًا نقديًا متعدد التخصصات يسعى إلى فهم تعقيدات الوسائط في سياقات ما بعد الاستعمار. وتهدف النظرية إلى تعزيز تمثيلات إعلامية أكثر شمولية وتنوعًا وإنصافًا وتحدي ديناميكيات القوة غير المتكافئة المتأصلة في المشهد الإعلامي. حيث أن النظرية تركز على فهم كيفية تقاطع تمثيلات وسائل الإعلام والإنتاج والاستهلاك مع تجارب وتاريخ المجتمعات المستعمرة سابقًا (فرنانديز، ٢٠١٣). تتقاطع نظرية ما بعد الاستعمار لوسائل الإعلام مع النظرية النسوية، حيث تحلل النسوية تمثيل الأدوار والهويات الجنسانية في وسائل الإعلام من مناطق ما بعد الاستعمار. وفي كثير من الأحيان، يتبنى معتنقى الفكر النسوي مقاربات تقاطعية لمفهوم ما بعد الاستعمار، حيث يتم الأخذ بالاعتبار كيفية تقاطع الجنس مع الفئات الاجتماعية الأخرى ، مثل العرق والطبقة والجنسية ، لتشكيل تمثيلات وخبرات وسائل الإعلام في مجتمعات ما بعد الاستعمار. قد يؤدي تقارب كل من نظرية ما بعد الاستعمار والنسوية وتقاطعهما إلى إنهاء استعمار المساحات الإعلامية وخلق بيئات إعلامية أكثر شمولاً وإنصافًا تتحدى التحيزات التاريخية وعدم المساواة المنهجية بين الجنسين.


في حيز الإعلام العربي، ظهرت عدة مساحات إعلامية كالمسلسلات والأفلام تتحدى الفكر الاستعماري الذي فرضه سابقاً على نساء المنطقة، ومن تلك المسلسلات: قلم حمرة، التغريبة الفلسطينية، تحت الوصاية. في حين ظهرت أفلام كذلك في ذات الإطار، ومنها: صمت القصور، هلأ لوين؟، سلطة بلدي، مشاعرنا التقطت الصور.

أبرز الكتب

نسوية من أجل 99%

النسوية والقومية في العالم الثالث

وثائق وملفات

أوراق بحثية

بودكاست

شفهيات

مقالات رأي

مراجع

باللغة العربية


باللغة الإنجليزية

مصادر

  1. أوما نارايان، Decentering the Center: Philosophy for a Multicultural, Postcolonial, and Feminist World،
  2. تحت عيون الغرب: الدراسات النسوية والخطابات الاستعمارية، تأليف شاندرا موهانتي، ترجمة سهام سنية عبد السلام، نشر مؤسسة المرأة والذاكرة في 2015.
  3. Coloniality and Modernity/Rationality، تأليف أنيبال كيخانو، نشر Routledge في 2007.
  4. (إعادة) مركزة فلسطين في النظريّة النسوية المناهضة للاستعمار، تأليف نور أبو عصب ونوف ناصر الدين، نشر مجلّة كحل في 2019.
  5. Settler Xicana: Postcolonial and Decolonial Reflections on Incommensurability، تأليف إيمي كاريلو رو، نشر Feminist Studies, Inc. في 2017.
  6. المرجع السابق.
  7. تحت عيون الغرب: الدراسات النسوية والخطابات الاستعمارية، تأليف شاندرا موهانتي.
  8. Settler Xicana: Postcolonial and Decolonial Reflections on Incommensurability، تأليف إيمي كاريلو رو.
  9. ساة سوليري، Woman Skin Deep: Feminism and the Postcolonial Condition، Critical Inquiry، Vol. 18, No. 4, Identities (Summer, 1992), pp. 756-769
  10. ميّة الرحبي، النسوية - مفاهيم وقضايا، 2014
  11. #Transnational Feminist Solidarity in a Postcolonial World. تأليف سارة سالم. نشر the sociological review. في 2019/07/03.
  12. ماريا نجار؛ إعادة إحياء العروبة في الحركة النسويّة في الشرق الأوسط؛ كحل؛ صيف 2020.
  13. The Women Suicide Bombers، أندريا دوركين، نشر Feminista في 2002.
  14. #Transnational Feminist Solidarity in a Postcolonial World. تأليف سارة سالم. نشر the sociological review. في 2019/07/03.
  15. Audre Lorde - The Berlin Years 1984 to 1992.إخراج ديغمار شولتس. في 2012/02.
  16. سامانثا إلين غرو لوكس، مراجعة لكتاب نسوية بدون حدود،The Danger of Believing in Universal Sisterhood.
  17. كلير فيلدمن، ورقة بجثية، Autotheory & intersectionality in cherríe moraga’s loving in the war years and maggie nelson’s the argonauts، ص.22.