تغييرات

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
انشاء صفحة مصدر النّسويّة في النّقد الأدبيّ واضافة الوصلات اللازمة لصفحات على الويكي/مرحلة أولى
محاضرة قدمها الشاعر والكاتب الفلسطيني علي نصوح مواسي في الجامعة الأردنية. نُشرَت المحاضرة على موقع عرب 48 بتاريخ 2011-02-25 وتم استرجاعها بتاريخ 2018-03-19.

== مقدمة ==

تُناقش المحاضرة النظرة السلبية والتهميش الذي يمارسة [[النظام الأبوي|المجتمع الأبوي]] ضد المرأة لا لشيء سوى لكونها ليست رجل. ويستعرض الكاتب تاريخ النسوية ومفهوم الكتابة النسوية والفرق بينها وبين الكتابة الأنثوية، ومفهوم النقد الأدبي النسوي والطرق المختلفة للنقد النسوي للأدب والتي من وجهة نظره جميعها تسعى الى تحليل آليات الانتاج والاستهلاك والممارسات المختلفة في النصوص الأدبية من منظور نسوي ومتابعة دور المرأة في اثراء الانتاج الأدبي.
وتقدم المحاضرة المدارس النسوية المختلفة: [[نسوية ليبرالية|النسوية الليبرالية]]، و[[نسوية راديكالية|النسوية الراديكالية]]، و[[نسوية ماركسية|النسوية الماركسية]]، و[[نسوية ما بعد البنيوية|النسوية ما بعد البنيوية]]، و[[نسوية سوداء|النسوية السوداء ونسوية العالم الثالث]].

== مصطلح "[[نسوية|النسوية]]" ==

هو المقابل العربي للمصطلح الانجليزي Feminism، ويشير إلى الفكر الذي يعتقد أن مكانة المرأة أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل في المجتمعات التي تضع كلا الجانبين ضمن تصنيفات اقتصادية أو ثقافية مختلفة(1).

فالمرأة في نظر النّسويين لا تعامل بقدم المساواة ولا تحصل على حقوقها في مجتمعات تنظم شؤونها وتحدد أولوياتها وفق رؤية الرجل واهتماماته، لا لشيئ سوى أنها امرأة؛ وفي ظل هذا النموذج الأبوي، تصبح المرأة كل شيئ لا يميز الرجل، أو كل ما لا يرضاه لنفسه، فالرجل يتسم بالقوة والمرأة بالضعف، والرجل بالعقلانية والمرأة بالعاطفية، والرجل بالفعل والمرأة بالسلبية، وما إلى ذلك(2).

ذلك المنظور يقرن المرأة في كل مكان بالسلبية وينكر عليها الحق في دخول الحياة العامة وفي القيام بدور في ميادين الثقافة والسياسة والاقتصاد كما الرجل وبالتساوي معه، ومن هنا يمكن القول مجددا: إن النسوية حركة تعمل على تغيير هذه الأوضاع لتحقيق تلك المساواة الغائبة، وهي لا تزعم أن النساء يمتلكن الحقيقة، بل تحاول القول إن الرجال لا يستأثرون بها(3).

وتصر النّسوية على أن هذا الظلم ليس أمرًا ثابتًا أو حتميا، وأن المرأة تستطيع أن تغير النظام الاجتماعي، الاقتصادي، والسياسي عبر العمل الجماعي، وبالتالي فإن مساعي النسوية ترمي إلى تحسين وضع المرأة في المجتمع.

أما الفكرة التي مفادها أن الرجل يمكنه تبني موقفٍ نسويٍّ فهي محل خلاف؛ ف[[''تانيا مودلسكي'']] مثلاً تميز بين إسهام الرجل الذي ينطوي على تحليل وتفكيك السلطة الذكوريّة، وبين الرجل الذي يقوم بالحديث نيابة عن المرأة أو انطلاقا من موقف المرأة.

وفي مجال دراسة الأدب والثقافة والسينما، يتخذ النقد النسوي صورة تحليل آليات الانتاج والاستهلاك المتعلّقة بنصوصٍ أو ممارساتٍ بعينها من منظور نسويّ، علمًا أنّ هناك طرقًا مختلفة للتّناول، جميعها نسويّة، وكلّها تسمح بالتّعدّد في إطار المعارف المختلفة وفي إطار النّسويّة نفسها. تقول ''ماجي هام'' في مقدّمة كتاب "الاتّجاهات النّسويّة: مجموعة مقالات " (1992): تعتبر النّسويّة حركةً متعدّدة الجوانب من النّاحية الثّقافيّة والتّاريخيّة، وقد لاقت أهدافها تأييدًا في شتّى أنحاء العالم، ويمكن تقييم مدى فعاليّة النّسويّة إذا نظرنا إلى الخطاب النّسويّ وإلى مدى تغلغله في التّفكير على مستوى الحياة اليوميّة(4).

وكان الظّهور الأوّل لمصطلح "[[نسوية|النّسويّة]] في أدبيّات الفكر الغربيّ عام 1895، أمّا مفهوم المصطلح المتمثّل في فعل نسويّ مطالب بحقوق المرأة فقد بدأ مع نهايات القرن الثّامن عشر. أمّا اعتماد مصطلح النّسويّة في حقول العلوم الانسانيّة فقد بدأ رسميّا عام 1910، وذلك في مؤتمر دوليّ ساهمت في عقده النّسويّة البارزة ''كلارا زاتكين''، حين أعلن الثّامن من آذار عيدًا عالميّا للمرأة، وهو التّاريخ الّذي اعتمدته عصبة الأمم لإحياء ذكرى العصيان المدنيّ الّذي قامت به العاملات في نيو يورك علم 1895 احتجاجًا على الأوضاع البائسة الّتي كنّ يعانين منها، وقد ماتت فيه بعض هؤلاء العاملات(5).

== النظرية النسوية ومدارسها==

ليست النّسويّة حركةً أحاديّة صمّاء، بل هي مذاهب واتّجاهات، تلتقي أحيانا في أسسٍ مبدئيّةٍ وتفترق في فروع منهجيّة، أو تختلف في الأسس المبدئيّة أحيانا أخرى؛ ولها على اختلافها دورٌ في تكوين النّظريّة النّسويّة في الأدب والنّقد الأدبيّ النّسويّ، نقوم هنا بعرض أهمّها.

=== أولا – [[نسوية ليبرالية|النسوية الليبرالية]]===

يعدّ هذا الاتّجاه من أقدم الاتّجاهات النّسويّة، وهو يعتمد على الفكر اللّيبيراليّ عامّة في معالجة المسألة النّسويّة، يشترك في ذلك مع سائر الاتّجاهات النّسويّة الأخرى، ويتّخذ هذا الاتّجاه من الفلسفة الفرديّة وما تستتبعه من تنافسيّة بين الأفراد مرتكزًا ومرجعًا، فنجد الكاتب المنتميَ له يتمسّك بشعار المساواة بين الرّجل والمرأة وكلّ البشر في توفير فرص عملٍ وتحقيق تكافؤ فرصٍ، وتقييم الأعمال دونما تفرقة على أساس لون أو نوع.

وممّا يميّز هذا الاتّجاه أنّ أصحابه يؤمنون بوجوب معالجة المسألة النّسويّة من وجهة نظرٍ واقعيّة، فلا يفضّلون الانخراط في نقاشات حول مسبّبات وأصول التّفرقة النّوعيّة بين الرّجل والمرأة على مستوى العالم وعبر التّاريخ، وإنّما يفضّلون التّعامل مع هذا الوضع بوصفه وضعًا راهنًا.

ومّما يؤخذ على هذا التّيّار، أنّه يؤسّس لانتشار الفلسفة الفرديّة عالميّا، ومن ثمّ فهو تفضيلي قصريّ، ينادي بتوجّهه دون غيره من فلسفات، كما يؤخذ عليه تبسيطه للأمور ونزوعه إلى تخطّي القضايا الشّائكة، مثل قضيّة الاختلافات الثّقافيّة والتّحليل التّاريخي للمشكلات(6).


=== ثانيًا – [[نسوية راديكالية|النسوية الراديكالية]] ===

يدعو هذا التّيّار الأصوليّ المتشدّد إلى الانفصال عن عالم الرّجال والامتناع عن التّعامل معهم وبناء مجتمعٍ للنّساء فقط؛ وهو كما النّظرة [[ذكورية|الذّكوريّة]]، يبني توجّهاته انطلاقًا من جسد المرأة، فيقيّم المرأة ويعالج عالمها عبر جسدها.

فبينما يعتبر الذّكوريون الجسد الأنثوي علامةً تدلّ على ضعف المرأة في شتّى الكفاءات والمجالات، مستدلّين بالضّعف العضليّ للإشارة إلى حالة ضعفٍ عامٍّ تنسحب على جميع القدرات العقليّة والثّقافيّة والعلميّة والاجتماعيّة لدى المرأة، فإنّ النّسويين الرّاديكاليّين يرونَ أنّ الجسد الأنثويّ دليل تفوّق المرأة على الرّجل، فهي حافظة الحياة لقدرتها على الإنجاب، تلك العمليّة البيولوجيّة المحتاجةُ قدراتٍ عضليّة فائقةٍ لا يمكن لرجلٍ تحمّلها، وتتمثّل في الحمل والولادة.

نجد أنّ هذا التّيّار يوظّف نفس الأدوات الذّكوريّة في معالجته لثنائيّة الذّكر/الأنثى، مع فارق أنّه يقلب هذه الثّنائيّة ليثبت أفضليّة المرأة؛ ولهذا نجد كثيرًا من النّسويينَ يرفضون هذا التّوجّه لتكريسه حالة الصّراع بين الذّكور والإناث وإبقائه على الفكر الّثنائيّ التّفضيليّ، الأمر الّذي يؤثّر سلبًا في الحياة الاجتماعيّة.

ويعتمد هذا التّيّار على فكرة "[[حتمية بيولوجية|الحتميّة البيولوجيّة]]" الّتي تذهب إلى أنّ أجسادنا، والّتي لا حيلة لنا في تشكّلها، هي الّتي تتحكّم بمدى نجاحاتنا في حيواتنا، وتحدّد حجم الفرص الّتي يجب أن تتوفّر أو تمنع عن أيّ شخص بسبب بنيته البيولوجيّة وشكله الخارجيّ، سواء كان رجلاً أو امرأةً، أبيضًا أو أسودًا، الأمر الّذي دعا نسويين كثرًا لرفضه والابتعاد عنه.

في مقابل هذا التّيار يتّجه الغالبية العظمى من النّسويين إلى كشف نسق التّفكير والتّركيبات الاجتماعيّة، والثّقافيّة، والاقتصاديّة، والسّياسيّة الّتي أسّست وتكرّس لسياسات [[تمييز جنسي|التّفضيل النوعيّ]] والعنصريّ، والمصالح الّتي تخدمها هذه الأفكار والتّركيبات؛ ومن هنا كان إصرارهم على أنّ هذه التّفرقة هي نتاج ثقافي وليس بيولوجيّا، أي أنّ المشكلة لا تكمن في اختلاف أجساد الإناث والذّكور أو لون بشرة البيض والسّود واختلاف أشكالهم، وإنّما تكمن في إسقاطنا بعض الصّفات التّقييميّة الدّاعمة أو المقصية على هذه الأجساد لخدمة مصالح المنتفعين من ذلك الخطاب.

وتتبنّى كلّ من التّيارات النّسويّة الثلاثة التّالية وجهة النّظر هذه القائلة إنّ التّفرقة مبنيّة على المفاهيم الثّقافيّة التي تشكّل المجتمعات، وأنّها ليست حتميّة، وبالتّالي يمكن تغييرها بما يسمح بتحقيق مساواة بين كلّ المجموعات الاجتماعيّة(7).


=== ثالثًا – [[نسوية ماركسية|النّسويّة الماركسيّة]]===

يؤكّد أصحاب هذا الاتّجاه على البعد الاقتصاديّ في التفضيل النّوعي، ويرون أنّه يخدم مصالح الرأسمالية المستغلّة، فالقول بعدم كفاءة النّساء يسمح باستغلالهنّ من خلال إدخالهنّ وإخراجهنّ إلى ومن سوق العمل بسهولةٍ بدعوى عدم كفاءتهنّ، بينما يكون هذا التّلاعب بأقواتهنّ لخدمة رأس المال؛ كذلك يرى الكتّاب المنتمون لهذا التيّار أن الرّجال عمومًا قد أعادوا إنتاج هذا النّظام المستغلّ في المجال الخاصّ، فالكثير ممّا يقال عن دور المرأة كزوجة وأم يهدف في الأساس إلى تسخيرها للعمل في المنزل دون تقاضي أيّ أجرٍ عن مجهوداتها ووقتها، ويرون أنّ الإنجاب يقوم على شراكة المرأة والرّجل، وبالتّالي فعليهم أيضًا الاشتراك في تنشئة الأبناء، وهم، بطبيعة الحال، يختلفون مع الرّاديكاليين حول هذه القضيّة، فلا يرون أن النساء يستأثرن دون الرّجال بمهمّة الابقاء على الحياة من خلال الإنجاب، وبالتّالي لا يفضّلون طرفًا على الآخر، وإنّما يدعون إلى أن تنسحب هذه الشراكة والمساواة على كلّ ما يقومون به من أعمالٍ ومهامّ في النّطاقين العام والخاصّ، كما يطالبون بضرورة المساواة في الأجور وساعات العمل بين الرّجال والنّساء وعدم إقصاء أيّ منهم من أيّ مجال انتاجيّ بسبب نوعه، والكفّ عن توزيع بعض مجالات العمل حسب النّوع فيدفع الرّجال لأن يكونوا أطباء مثلاً، ويقتصر مجال التّمريض على النّساء(8).


=== رابعًا – [[نسوية ما بعد البنيوية|النّسويّة ما بعد البنيويّة]]===

ترى معظم المنتميات إلى هذا التيار أن التفرقة النوعية لا هي بيولوجية طبيعبية ولا هي في الأساس اقتصادية استغلالية، وإنما هي كامنة في اللّغة، ما يبرّر انتشارها في شتّى المجالات.

فاللّغة هي الّتي تقوم بعمليّة التّأنيث والتّذكير لكلّ شيئ بما في ذلك الصّفات والجماد والمجرّدات، ومن ثمّ فهي مهد الانقسام، ويتبع هذا الانقسام اللّغوي ويبنى عليه سياسات تفصيليّة متعلّقة ب[[علاقات النوع الاجتماعي|علاقات القوّة]]؛ كما ترى المنتميات لهذا التّيّار أنّ "الكيان الواحد"، سواءً كان فردًا أو ثقافةً أو مجتمعًا أو غيره، هو في الأساس كيان جامع لصفات اصطلحنا لغويًّا وثقافيًّا على تأنيثها أو تذكيرها كالذّكاء والحساسيّة مثلاً، والتي درجنا على إلصاقها بالرّجال والنّساء على التّوالي.

في مقابل هذه الرّؤية، ترى الكاتبات من هذا التيار أن الأفراد يمكن أن يجمعوا بين الذّكاء والحساسية مع كونها صفات مجنسة لغويّا، وهنّ يرون أنّ القسمة اللّغويّة الثّقافيّة هي نسق قهريّ يدمّر بعض جوانب الشّخصيّة لكلّ من النّساء والرّجال على حدّ سواء، فمطالبة الرّجل بعدم البكاء لتكتمل رجولته مجتمعيّا، لهو أسلوب كابت قاهر للرّجل، حيث أنّه في الأصل يشترك مع النّساء في القدرة على الإحساس، وبالتّالي فمن حقّه التّعبير عن مكنونه، كذلك هو الأمر عند مطالبة النّساء بعدم التّفكير وإقصائهنّ عن المشاركة في حلّ المشاكل الّتي تتطلّب تعاملاً عقلانيّا، ففي ذلك أيضًا صيغة قهريّة إقصائيّة، فهنّ شأنهن شأن الرّجال، يمتلكن قدرات قد تبدو لغويّا وثقافيّا متناقضة.

وترى نسويات هذا التيار (وهو الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في الوقت الحالي)، الخروج من ثنائيّة الرّجل/المرأة، إلى ساحة ثالثة جامعة يتمّ فيها الاعتراف بكلّ الصّفات وتقديرها جميعًا دون تمييز، وإقرار إمكانيّة وجود ما قد يبدو متناقضًا. ولذلك نجدهنّ يركّزن على فكرة قبول الاختلاف كنسق ذهني يعمل على التّعايش ويعطل سياسات الصّدام والصّراع، سيما أنهنّ يُعرّفن ساحة الاختلاف هذه التي توجد فيها الأضداد على أنّها الكيان، وهذا الكيان قد يكون التركيبة السيكولوجيّة للفرد أو الثّقافة أو المجتمع أو خلافه؛ فقبول الاختلاف والاعتراف بكلّ جوانب الشّخصيّة دون تمييز يبشّر بحياةٍ أفضل للفرد سواء كان ذكرًا أو أنثى. وهنّ مقتنعات أنّ [[التمييز الجنسي|التّمييز النّوعي]] وما أنتجه من إشكاليّات اجتماعيّة ونفسيّة هو نسقٌ ثقافيّ ذهنيّ لا علاقة له من قريب أو بعيد بالاختلاف البيولوجيّ بين الذّكور والإناث، والّذي تمّ إسقاط معانٍ كثيرة عليه دون أن تنطق به لا أجساد النّساء ولا الرّجال(9).

=== خامسًا – [[نسوية سوداء|النّسويّة السّوداء]] ونسويّة العالم الثّالث===

تبنّت عدد من النّسويّات الملوّنات في الولايات المتّحدة ومن العالم الثّالث، المنظور ما بعد البنيويّ المقرّ بحقّ الاعتراف بالمختلف دون أي حاجة إلى إقصائه أو مواراته أو إبراز الجوانب الأكثر قبولاً على غيرها، عملاً بمعايير ثقافيّة ومجتمعيّة إقصائيّة مجحفة، وركّزن في تعاطيهنّ مع هذه القضيّة على المختلف ثقافيّا.

وهنا يجب التّشديد على أنّ هذا الانتماء هو انتماء اختياريّ غير قصريّ، فليست كلّ امرأة سوداء أو من العالم الثّالث من النّاشطات في هذا التيار بالضّرورة، بسبب "حادث ميلادهنّ" في بلد دون غيره أو بلون دون آخر.

هاجمت النّسويّات المنتميات لهذا التيار كل الحركات النسويّة المنادية بخلق مظلّة واحدةٍ، وأجندة عالمية تشترك فيها وتعمل على تحقيقها كل نساء العالم، سواء كانت هذه الأجندة ليبيرالية أو ماركسية أو راديكيالية، وقد أكدت هده النساء على أن تجاربهن وتورايخهن وقناعاتهنّ الثقافيّة تختلف عن تجارب وتواريخ وقناعات النّساء الغربيّات، فقهرهنّ كان قهرًا مضاعفًا من نتاج ثقافة مجتمعاتهنّ والاستعمار الغربيّ معًا، وهو استعمارٌ نفّذه كلّ من الرّجل والمرأة البيضاء، فتاريخيّا مارست المرأة البيضاء القهر على شقيقاتها الملوّنات والجنوبيّات لتبني الأولى تراتبيّة ثقافيّة قائلة بأفضليّة الثّقافة الغربيّة على ما سواها من ثقافات، فحرصت على المشاركة في تصديرها وفرضها على النّساء الملوّنات بدعوى رغبتها بالنّهوض بهنّ، ومن هنا كانت شريكةً كاملة للرّجل الأبيض في استعمار الشّعوب واستعباد الملوّنين.

ولكن يجب التّنويه بأنّ هذا الرّفض لا يعبّر عن ردّ فعل انفعاليّ "أنثويّ" يرمي فقط إلى تصفية الحسابات، إنّما هو توجّه نظريّ في المقام الأوّل، ينطلق من رفض السّياسات القصريّة والتّفضيليّة تحت أيّ مسمّى نهضويّ، فمهما كانت مساحة الاتّفاق على أهميّته، لا يجوز فرض الحلول على الجميع.

وتؤكّد المنتميات لهذا التّيار على خصوصيّتهنّ الثّقافيّة وعلى ضرورة احترام هذه الخصوصيّة، خاصّة وأنّ النّسويّة تقرّ بحقّ الاختلاف مبدأً، وتنادي بحقّ الاختلاف عن الرّجل في حالة الرّاديكاليّات، كما تؤكّد وجود المختلف في الكيان الواحد كما هو الحال مع ما بعد البنيويّات، كذلك تستدعي الكاتبات من هذا التّيّار مفهوم سياسات الموقع، والّتي تقول بأهمّيّة الموقع الثّقافي للمتّحدّث في تشكيل رؤيته أو رؤيتها، فالفكر نتاج اختلاط المفكّر بواقعه.

وتوظّف نسويّات العالم الثّالث والملوّنات هذا المفهوم للتّأكيد على أنّ رؤاهنّ وأطروحاتهنّ المتأثّرة قطعًا بموقعهنّ الثّقافيّ ستنتج رؤى مختلفة، وبذلك سيكون لهنّ دور في إثراء الحركة النّسويّة ذاتها بطرح ما قد لا تراه الغربيّات النّاظرات من زوايا ومواقع ثقافيّة متشابهة، وإن لم تكن واحدة(10).

وهناك مدارس نسويّة أخرى عديدة جدّا، لا يسعنا ذكرها لأنّها لم تكن ذات أثرٍ يلحظ في حقول الأدب والنّقد الأدبيّ، على عكس المدارس السّابقة الّتي أشرنا إليها بشيء من التّفصيل، ومن تلك المدارس: النّسويّة الفوضويّة، النّسويّة المسيحيّة، النّسويّة اليهوديّة، نسويّة البراري، النّسوية الفرنسيّة، والنّسويّة الأمريكيّة، مع أنّ الأخيرتين يمكن أن يضمّا مدرسة أو أكثر من المدارس المشار إليها سابقًا(11).

== حول مصطلح النقد الأدبي النسوي ومفهومه الأول==

كان لآراء النّاقدة الأمريكيّة '''إيلين شوالتر - Showalter Elain''' أكبر أثرٍ في إيجاد هذا المصطلح وترسيخه، وذلك في كتابها "نحو بلاغة نسويّة" (1979)، والّذي تصف فيه طرق تصوير المرأة في النّصوص الّتي يكتبها الرّجل، أو حذف هذه الصّورة منها، مستخدمةً مصطلح "[[نقد نسوي|النقد النسوي]] – Feminist Critique " أثناء معالجتها تلك المفاهيم(12).

كما يشير البعض إلى جهود '''[[فيرجينيا وولف]] - Virginia Woolf''' في هذا السّياق، معتبرًا إيّاها أم النّقد النّسويّ الغربيّ، لأنّها أوّل من ساهم في تحديد مفاهيمه الأولى، ففي كتابها '''"[[A Room Of Ones Own]]"'''، والّذي نشر عام 1919، دعت وولف النّساء إلى الشّروع في تأسيس هويّة خاصّة بهنّ، والخروج على البناء الاجتماعيّ القائم، مشيرةً إلى أنّ فقدان الموهبة لدى النّساء ما هو إلاّ نتيجةٌ طبيعيّةٌ لموقف ذلك البناء الاجتماعيّ السّلبيّ من المرأة، وراحت تحثّ النّساء على معالجة مشكلاتهنّ الاجتماعيّة والاقتصاديّة بأنفسهنّ، والتّغلب عليها في سبيل تحرير طاقاتهنّ الابداعيّة والتّعبير عن عاطفتهنّ الانثويّة بصدق من خلال استحضار تجاربهنّ الخاصّة(13).

ويمكن القول إنّ النّقد الأدبيّ النّسويّ هو ذلك النّقد الّذي يهتمّ بدراسة تاريخ المرأة وتأكيد اختلافها عن القوالب التّقليديّة الّتي توضع من أجل إقصاء المرأة وتهميش دورها في الإبداع، ودراسة كيفيّة تأثّر المتلقّي بالصّور الاقصائيّة والاختزاليّة للمرأة(14). كما يهتمّ بقراءة الأدب بصفة عامّة، ويتتبع ما فيه من صور لكلّ من الرّجل والمرأة، بغية الكشف عمّا فيه من الانسجام مع الأيدولوجيا الأبويّة أو الاختلاف(15).

ومن ذلك كلّه تظهر محدوديّة النّقد النّسويّ في رأي '''شوالتر'''، فهو ومع أنّه عظيم الفائدة، يظلّ محدودًا إذا ما قصر على دراسة القوالب التّقليديّة لصورة المرأة، والتّحيّز لجنس الرّجل عند النّقّاد الرّجال، والأدوار المحدودة الّتي تلعبها المرأة في تاريخ الأدب، وبالتّالي لن يسمح لنا بمعرفة شيء عمّا تشعر به المرأة وتعايشه، ولن نعرف إلاّ الصّورة الّتي يعتقد الرّجل أنّ المرأة يجب أن تكون عليها، لذلك تدعو شوالتر إلى نقدٍ أدبيّ نسويّ يركّز على المرأة من خلال تناول نصوصٍ تكتبها المرأة بنفسها؛ وهو نقدٌ يتحقّق لدى شوالتر منذ اللّحظة التي نتحرّر فيها من المنطلقات الخطّيّة الموجودة في تاريخ الأدب الذّكوريّ، فنركّز حينها على العالم الّذي لم يتكشّف للعيان بعد، ألا وهو عالم ثقافة المرأة(16).

إذا فالنّقد الأدبيّ النّسويّ، ومنذ '''شوالتر'''، يصبح مهتمًا بمتابعة دور المرأة في إغناء العطاء الأدبيّ، والبحث في الخصائص الجماليّة والبنائيّة واللّغويّة في هذا العطاء(17).

==قراءة مضادة للقراءة الأبوية==

لا يمكن فصل النّقد الأدبيّ النّسويّ عن الحركة النّسويّة، إذ تمكّنت [[نسوية|النّسويّة]] من التّوحيد بين ما هو سياسيّ وثقافيّ أو أدبيّ، مؤكّدة الرّأي القائل إنّ كلّ نظريّة نقديّة هي نظريّة سياسيّة أصلاً، ذلك أنّ كلّ نظريّة تسعى دائمًا للسّيطرة على الخطاب والتّحكّم به، وبذلك يفسّر ارتباط الظّهور الأوّل للنّقد النّسويّ بنشوء الموجة الأولى من [[حركة نسوية|الحركة النّسويّة]](18) في الولايات المتّحدة أواخر ستينيّات القرن العشرين(19)، إذ ظهرت حينها دعواتٌ واضحةٌ تنادي بمنح المرأة دورًا أكثر تأثيرًا في النّتاج الأدبيّ، كتابةً وقراءةً، كما استخدمت مصطلحاتٌ جديدةٌ في وصف الأدب النّسويّ أسلوبًا وفحوى، ورافق هذا التّوجّه التفاتٌ نحو التّراث النّسويّ واستخدامٌ لوسائل العلوم الانسانيّة في إبراز التّجربة النّسويّة في مجالات السّياسة، والاجتماع والثقّافة؛ فنجد النّقد الأنجلو – أمريكي يهتمّ بدراسة إبداع المرأة والتّأكيد على خلوّه من كلّ ما ألصق به من خصائص تتعلّق بالعرضيّ والسّطحيّ والهامشيّ، والبعد عن كلّ ما هو جوهريّ، وقد نهضت بهذا الجانب كاتباتٌ متخصّصاتٌ في التّاريخ الحضاريّ والثّقافيّ، فضلاً عن علم الاجتماع وعلم النّفس التّحليليّ، ومن أشهر الكتب الّتي ظهرت في هذا السّياق، كتاب '''ماري إلمان "التّفكير بالمرأة"''' (1968)، وكتاب '''فيلس شيلو "النّساء والجنون"'''، و كتاب '''كاتي ميلليت "السياسة الجنسية"''' (1977)، وقد ذهبت أولئك النّاقدات وغيرهنّ إلى أنّ النّقد النّسويّ ردّة فعلٍ لفعل الصّمت الذّكوريّ المتعمّد الّذي قوبل به إبداع المرأة (20).

ومن مهام النّقد الأدبيّ النّسويّ إقصاء القراءة الأبويّة واستبدالها بقراءة أخرى أكثر صحّة من المنظور النّسويّ، يكون لها حضورٌ مساوٍ للقراءة البطريركيّة الّتي تعكس رؤية الرّجل فقط، إضافةً إلى قيامه بتحليل أدب المرأة وتطوير نماذج وأشكال نقديّة حديثة قائمة على دراسة أدب المرأة وخبرتها بعيدًا عن النّظريّات النّقديّة الّتي وضعها الرّجال، إذ لا يعترف هذا النّقد بالارث النّظريّ، ويصفه بالذّكوريّة، ويسعى إلى إيجاد خطاب أنثويّ حرّ غير مقيّد بذلك الارث، وهو ما تؤكّد عليه شوالتر - Showalter اعتقادًا منها أنّه لا يجوز تبنّي أيّ نظريّة توافق عليها المؤسّسات الاكاديميّة إطلاقًا، فالنّظريّات في تلك المؤسّسات ذكوريّة تمامًا في رأيها(21).

وتذهب النّسويّات إلى أنّ النّظريّات النّقديّة ومنظومات القيم الّتي ينتجها رجال، تمنحهم امتيازاتٍ ليس بمقدورهم التّنازل عنها بسهولة لصالح المرأة، ولذلك يدعون إلى توخّي الحذر أثناء التّعامل مع كلّ نظريّة نقديّة ينتجها رجل، وإن كان بعضها يعالج قضايا المرأة إيجابيّا(22)؛ وبما أنّ كلّ نظريّة نقديّة هي نظريّة سياسيّة، فكلّ واحدة من تلك النّظريّات تحاول السّيطرة على الخطاب والتّحكّم به، كما ترى '''ماري إيجلتون - Eaglton Mary'''، وهو رأي يستهوي النّقد النّسويّ عادة، ترفض النّسويّة النّظريّات القديمة وتسعى إلى إيجاد نظريّة خاصّة بهنّ في الأدب أو غير الأدب(23).

ومن هنا جاء نقد النّسويّات لكثير من النّظريّات الأدبيّة، مثل [[نظرية نقيضة التمركز حول القضيب]] \ Phallo-centric، لـفرويد - Frued، وغيرها، والدّعوة إلى النّظر في مقاييس الأدب القديمة، ومعاييره، وإعادة تشكيلها مع كلّ تغيير في موازين القوى، بين النّاقدات والنّقّاد، ومع كلّ جديد يظهر في نظريّة الجنس، إذ لا يمكن لهذا النّقد أن يعتمد نظريّةً ما على نحو شامل، وثابت، وكلّيّ(24).

وتخلّصًا من سلطة ما يسميّه بـ"النّظريّة الذّكوريّة"، اعتمد النّقد النّسويّ على طروحات '''جاك دريدا''' في "الكتابة والاختلاف"، فالنّقد التّفكيكيّ أوّل من بدأ التّشكيك بمبدأ "الارث النّظريّ" في النّقد الأدبيّ، مؤكّدًا أنّ المعنى في أيّ خطاب أدبيّ ناتجٌ عن العلاقة الخلافيّة بين ثنائيّة الحضور والغياب، والتي تسمّى أيضًا بـثنائيّة المعنى المتحقّق والمعنى المرجأ، وانطلاقًا من ذلك راح النّقد النّسويّ يتصدّى لتأويل الأعمال الابداعيّة وإعادة قراءة الأدب بصفة عامّة بدلاً من الاستسلام للتقّويم النّظريّ، متتبّعا صور كلّ من الرّجل والمرأة في تلك الأعمال بغية الكشف عمّا فيها من انسجام أو اختلاف مع الخطاب الأبويّ؛ فمثلاً توضح دراسة أجرتها ''كاتي ميلليت'' - kate millet، أنّ الهيمنة الجنسيّة الذّكوريّة تتجلّى في قصص كتّاب غربيين مثل لورنس، وهنري ميللر، وجان جينيه من خلال استعمالهم مفردات ووحدات سرديّة يتبيّن منها أنّ الكاتب يوجّه كلامه إلى قارئ من جنس واحد، ألا وهو الذّكر(25).
2٬800

تعديل

قائمة التصفح