تغييرات

أُضيف 35٬228 بايت ،  قبل شهرين
لا يوجد ملخص تحرير
سطر 141: سطر 141:     
إن اختزال التعليم الجنسي المحافظ في المواضيع الطبية والجسدية يرسخ انطباعًا بتعامله مع الجنس كمشكلة بحاجة إلى إدارة، أو سلوك يلزم الحد من آثاره السلبية. للك تُستبعد موضوعات مثل اللذة والرغبة الجنسية والرضائية من حدود التعليم المدرسي، إذ يقوم هذا المنطق على افتراض أن على المراهقين والقصر ينبغي تجنبهم للجنس باعتباره سببًا للحمل غير المرغوب والأمراض المنقولة الجنسية، لا باعتباره تجربة يمكن يختبروها ويستمتعوا بها بشكل آمن ومسؤول. إلا أن التثقيف الجنسي لا يقتصر فقط على اللذة والرغبة فحسب، بل يمتد لدعم الأفراد على استكشاف جنسانيتهم وميولهم الجندرية وأن يعلمهم القبول والتصالح مع تنوع الهويات والتعبيرات الجندرية وللجسد والرغبة وطرق الإمتاع الجنسي سواء كان ذاتيًا أو مع شريك أو شركاء مختلفين، فيخوضوا التجربة الجنسية بدون شعور بالخجل أو العار أو الوصم. يجب أيضًا أن يستهدف التعليم الجنسي ترسيخ منظور إيجابي عادل عن العلاقات الجنسية والعاطفية قائم على الرضائية والتعاطف واحترام الحدود والرغبات. حاليًا تتبنى العديد من الدول منهجيات أكثر شمولية للتعليم الجنسي، تبدأ باستهداف الأطفال في سن مبكرة، وتركز على تعليمهم الفروقات بين السلوكيات الإيجابية والسلوكيات السلبية، بجانب تعليمهم المفاهيم الجنسية بشكل مبسط. كما أن الثقافة الجنسية عملية مستمرة وتراكمية ولا يمكن تقييدها بحدود عمرية أو تخصيصها للأطفال والمراهقين في البرامج الحكومية فحسب، بل تشمل أيضًا أدوات معرفية وتثقيفية مخصصة للبالغين.<ref>[https://sexualhealthalliance.com/nymphomedia-blog/sex-education-tools-for-adults Sex Education Tools for +18 crowd]</ref> وهو ما تسعى للإسهام فيه على الأرض جهات نسوية وصحية متعددة مهتمة بالصحة الجنسية.<ref>[https://jenhatmaker.com/blog/sex-education-101-for-adults/ Sex Ed 101 For The Rest of Us]</ref><ref>[https://responsiblesexedinstitute.org/rsei-blog/sex-education-for-adult-learners/ Sex Education for Adult Learners]</ref>
 
إن اختزال التعليم الجنسي المحافظ في المواضيع الطبية والجسدية يرسخ انطباعًا بتعامله مع الجنس كمشكلة بحاجة إلى إدارة، أو سلوك يلزم الحد من آثاره السلبية. للك تُستبعد موضوعات مثل اللذة والرغبة الجنسية والرضائية من حدود التعليم المدرسي، إذ يقوم هذا المنطق على افتراض أن على المراهقين والقصر ينبغي تجنبهم للجنس باعتباره سببًا للحمل غير المرغوب والأمراض المنقولة الجنسية، لا باعتباره تجربة يمكن يختبروها ويستمتعوا بها بشكل آمن ومسؤول. إلا أن التثقيف الجنسي لا يقتصر فقط على اللذة والرغبة فحسب، بل يمتد لدعم الأفراد على استكشاف جنسانيتهم وميولهم الجندرية وأن يعلمهم القبول والتصالح مع تنوع الهويات والتعبيرات الجندرية وللجسد والرغبة وطرق الإمتاع الجنسي سواء كان ذاتيًا أو مع شريك أو شركاء مختلفين، فيخوضوا التجربة الجنسية بدون شعور بالخجل أو العار أو الوصم. يجب أيضًا أن يستهدف التعليم الجنسي ترسيخ منظور إيجابي عادل عن العلاقات الجنسية والعاطفية قائم على الرضائية والتعاطف واحترام الحدود والرغبات. حاليًا تتبنى العديد من الدول منهجيات أكثر شمولية للتعليم الجنسي، تبدأ باستهداف الأطفال في سن مبكرة، وتركز على تعليمهم الفروقات بين السلوكيات الإيجابية والسلوكيات السلبية، بجانب تعليمهم المفاهيم الجنسية بشكل مبسط. كما أن الثقافة الجنسية عملية مستمرة وتراكمية ولا يمكن تقييدها بحدود عمرية أو تخصيصها للأطفال والمراهقين في البرامج الحكومية فحسب، بل تشمل أيضًا أدوات معرفية وتثقيفية مخصصة للبالغين.<ref>[https://sexualhealthalliance.com/nymphomedia-blog/sex-education-tools-for-adults Sex Education Tools for +18 crowd]</ref> وهو ما تسعى للإسهام فيه على الأرض جهات نسوية وصحية متعددة مهتمة بالصحة الجنسية.<ref>[https://jenhatmaker.com/blog/sex-education-101-for-adults/ Sex Ed 101 For The Rest of Us]</ref><ref>[https://responsiblesexedinstitute.org/rsei-blog/sex-education-for-adult-learners/ Sex Education for Adult Learners]</ref>
 +
 +
==تاريخ: تطور مفهوم الصحة الجنسية==
 +
 +
=== في المؤسسة الطبية ===
 +
 +
ظهرت الجنسانية بوصفها مسألة تتعلق بالصحة العامة في منتصف القرن التاسع عشر، وكان موضوعها الأساسي هو الإنجاب، والهدف من أي سياسات أو إرشادات صحية هو ضبط سلوكيات الأفراد لاستمرار الظروف المثالية للإنجاب داخل إطار الزواج. بذلك لم تخرج الحياة الجنسية عن الجانبين الوظيفي والأخلاقي. على مستوى الممارسة الطبية، لم تمثل الصحة الجنسية مجالًا طبيًا متخصصًا، بل اشتملت على عدة محاور متداخلة وهي:ضبط الأمراض التناسلية والتقنين الأخلاقي والطب الإنجابي وبداية علم الجنس (السكسولوجيا). وتعاملت المؤسسة الطبية مع الجنسانية على أنها منشأ الأمراض والانحطاط الأخلاقي والخلل الاجتماعي.<ref>[https://www.researchgate.net/publication/10681531_Sexual_Health_The_Emergence_Development_and_Diversity_of_a_Concept Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept]</ref>
 +
ركزت الممارسة الطبية في القرن التاسع عشر على العدوى المنتقلة جنسيًا مثل الزهري والسيلان، وعادة ما كانت أساليب العلاج خطرة أو غير فعالة، ومنها: العلاج بالزئبق ومركبات اليود وكي الالتهابات الجلدية والإقامة المطولة في المستشفيات، وارتبطت سياسات الصحة العامة بضبط العمل الجنسي الذي تضمن: إجراء فحوصات تناسلية إلزامية اعاملات الجنس وتسجيل بياناتهن في سجلات طبية واحتجاز النساء المصابات في مستشفيات الأمراض التناسلية. في كتاب "الدعارة والمجتمع الفيكتوري: النساء والطبقة والدولة"(بالإنجليزية:  Prostitution and Victorian society : Women, Class, and the State )، تبين جوديث والكوويتز استهداف هذه السياسات نساء الطبقة العاملة وجندرة النظام الطبي.كما وضحت مساهمة الخطاب العام في إعادة تعريف الجنسانية في القرن التاسع عشر ونجاح الدولة في إعادة تعريف مفهوم الانحراف الاجتماعي.
 +
 +
وساهم النظام الطبي في ترسيخ السيطرة الأبوية على أجساد النساء، نظرًا لتركيزه على الجانب البيولوجي فقط. إذ يقوم هذا النظام على استخدام ثنائية “طبيعي/مرضي”، والتي تعمل على إسكات الاحتياجات التي تتجاوز الحدود المفروضة، وضبط جنسانية النساء وتُقيد أي شكل من أشكال تمردهن.<ref>[https://www.researchgate.net/publication/351116272_Queer_feminisms_and_the_translation_of_sexual_health Queer feminisms and the translation of sexual health, النظريات النسوية الكويرية وترجمة مفهوم الصحة الجنسية]</ref> وتعامل الأطباء في القرن التاسع عشر مع السلوكيات الجنسية من منظور أخلاقي، فكان الاعتقاد السائد هو أن النشاط الجنسي خارج إطار الزواج — خاصة الإمتاع الذاتي والدعارة — يسبب الأمراض الجسدية والنفسية. ويعتبر كتاب "الاستمناء" (L'Onanisme) (1769) للطبيب السويسري صامويل أوغست تيسو من الطروحات العلمية التي شكلت الرأي الطبي حول الإمتاع الذاتي، أي أنه يسبب الاضطرابات العصبية، والجنون، والعمى، والضعف.فتضمنت توصيات الأطباء كبح الرغبات الجنسية وتجنب الخيانة الزوجية.<ref>[https://www.researchgate.net/publication/10681531_Sexual_Health_The_Emergence_Development_and_Diversity_of_a_Concept Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept]</ref>
 +
 +
بعد استبدال الدور التقليدي للقابلات بالرجال في المهن الطبية، ظهر علم طب النساء (Gynaecology) لربط جنسانية النساء بالطب الإنجابي. وكان جيمس ماريون سيمز من المؤسسين لطب النساء لابتكاره تقنيات جراحية جديدة مثل التقنية الجراحية لإصلاح الناسور المثاني المهبلي. لكنه توصل إلى هذه التقنية عن طريق إجراء التجارب على النساء السوداوات المستعبدات دون تخدير. ووفقًا لكتابات نسوية ونقدية لاحقة، فإن علم طب النساء قد صنف أجساد النساء على أنها مرضيّة بطبيعتها وحصر مفهوم الصحة الجنسية في الوظيفة الإنجابية. تضمنت التشخيصات الطبية آنذاك الهيستيريا والجنسانية المفرطة أو الناقصة، واتسمت الأساليب العلاجية بالتدخل الجراحي المفرط، خاصة جراحات الحوض واستئصال البظر بوصفه علاجًا لحالات الهيستيريا والمرض النفسي.<ref>[https://theconversation.com/the-rise-and-fall-of-fgm-in-victorian-london-38327 The rise and fall of FGM in Victorian London, ظهور واختفاء ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية في لندن خلال العصر الفيكتوري , ]</ref>
 +
 +
في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الجنسانية مادة للتصنيف العلمي في مجال الطب النفسي. فقد صنّف كتاب ”الاعتلال الجنسي“ (1886) (Psychopathia Sexualis) لريتشارد فون كرافت إيبينغ سلوكيات مثل المثلية الجنسية، والفتيشية، والسادية والمازوخية على أنها حالات مرضية. ساهم هذا العمل في تكوين المفهوم الحديث للهوية الجنسية، إلى جانب تطبيبها ووصمها.<ref>[https://uk.sagepub.com/sites/default/files/upm-assets/123721_book_item_123721.pdf ، علم الجنس في القرن التاسع عشر، SEXOLOGY IN THE 19TH CENTURY]</ref>
 +
ربط الطب في أواخر القرن التاسع عشر بين النشاط الجنسي ومخاوف الانحطاط الاجتماعي والبيولوجي. في كتابه ”وجوه الانحطاط“، يوضح دانيال بيك ربط نظرية الانحطاط (Degeneration theory") بين السلوك الجنسي وقضايا القوة الوطنية ووجودة الجينات الموّرثة. فقد جادل الأطباء بأن الأمراض التناسلية تضعف السكان، وأن النشاط الجنسي ”غير الأخلاقي“ يهدد القوة الوطنية، وأنه ينبغي أن يخضع الإنجاب للإشراف الطبي. وأصبحت الصحة الجنسية مرتبطة بإدارة السكان، تمهيدًا لفكر تحسين النسل الذي ظهر لاحقًا.<ref>[https://www.researchgate.net/publication/10681531_Sexual_Health_The_Emergence_Development_and_Diversity_of_a_Concept Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept]</ref>
 +
 +
في بدايات القرن العشرين، كانت حركات تحرير المرأة قد بدأت بالمطالبة بإتاحة وسائل منع الحمل والإجهاض مجانًا.أدى ظهور حبوب منع الحمل وطرحها في الأسواق إلى تغيير جذري في مفهوم الجنسانية في سياق الصحة العامة. فقد شكلت هذه الحبوب الأساس الطبي للفصل بين النشاط الجنسي والإنجاب. في الوقت ذاته، بدأت دراسة الصحة الجنسية من خلال الأبحاث الجنسية التجريبية وعلم السلوك، لا سيما في الجامعات والمستشفيات.نُشرت أبحاث فيرجينيا جونسون وويليام ماسترز (1966) حول "الاستجابة الجنسية للإنسان" والنشوة الجنسية (orgasm)، بما في ذلك النشوة الجنسية لدى المرأة، مما عزز إيروتيكية النشاط الجنسي بعيدًا عن الغرض الإنجابي. من عام 1960 إلى عام 1980، أصبحت الصحة الجنسية جزءًا من مؤسسات الطب والعلاج الجنسي السريري أكثر فأكثر، حيث ظهرت عيادات متخصصة في علاج الاضطرابات الجنسية مثل ضعف الانتصاب وعدم القدرة على الوصول إلى النشوة الجنسية. تمكن المتخصصون من إعادة تعريف اضطراب ضعف الانتصاب بوصفه مسألة تخص الصحة العامة.عبر ذلك عن نزعة "تطبيب" (medicalization) الجنسانية. تم تعميم النهج السريري الفردي ليشمل جوانب في مجالات التعليم وعلم الأوبئة والإحصاء والاقتصاد والقانون. وبذلك لم يعد العلاج السريري، أي العلاقة بين الطبيب والمريض، الشكل الوحيد للتدخلات الطبية المتبعة.<ref>[https://www.researchgate.net/publication/10681531_Sexual_Health_The_Emergence_Development_and_Diversity_of_a_Concept Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept]</ref>
 +
 +
في ثمانينيات القرن العشرين، تغيرت ممارسة الصحة الجنسية تغيرًا جذريًا بسبب فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، فاعتمدت على الوقاية والتعليم والضبط المجتمعي.نظرًا لعدم وجود لقاح فعال للوقاية، رأى خبراء الصحة العامة أن أحد الطرق الأكثر فعالية للوقاية من العدوى هو تغيير السلوك الجنسي الفردي. وبعد إجراء سلسلة من المسوحات الوطنية حول السلوك الجنسي في معظم البلدان الصناعية والنامية، بالتركيز على الممارسات المثلية والشرجية ومتعددة العلاقات، تم التوصل لنهج يربط بين العناية السريرية واستراتيجيات الصحة العامة مثل خدمات المشورة والترويج للممارسات الجنس الآمن. تضمنت آليات التشخيص والعلاج آنذاك تحيزًا جندريًا أدى إلى تهميش واستبعاد النساء من أطر البحث والتشخيص والعلاج بشكل ممنهج.<ref>[https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/11659324/  Women and HIV/AIDS research: the barriers to equity ، النساء وأبحاث فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، كارول ليفين]</ref>
 +
 +
=== في أدبيات الأمم المتحدة ===
 +
تطور مفهوم الصحة الجنسية ضمن إطار عمل منظمة الصحة العالمية عامي 1974 و1975، بناء على عمل متخصصي علم الجنس الطبي، حيث أوصوا بتدريب العاملين بالمهن الطبية في علم الجنس، خاصة العاملين في تنظيم الأسرة. جاء تقرير عام 1975 بعنوان "[https://iris.who.int/items/aac190e5-5f26-4f50-9c7e-3c02be885080 التربية والعلاج في مجال الجنسانية البشرية: تدريب العاملين في المجال الصحي]" عن اجتماع منظمة الصحة العالمية في جنيف في الفترة من 6 إلى 12 فبراير 1974 بأول تعريف لمفهوم الصحة الجنسية على المستوى الدولي، وتضمن إدماج الصحة الجنسية ضمن إطار الصحة الجسدية والعاطفية والاجتماعية للفرد، دون حصرها في الأمراض التناسلية أو الإنجاب. رأى التقرير أنه، لتحقيق الصحة الجنسية، لا بد من محاربة الجهل و"الخرافات والتابوهات الثقافية". فانتقد القيم السائدة عن الجنسانية والرؤية الدينية للجنس بوصفها عائقًا أمام تحقيق أهداف الصحة الجنسية. طالب التقرير أيضًا بالمساواة الجنسية والحق في التمتع الجنسي، لكنه لم يذكر المثلية الجنسية. كما دافع التقرير عن فصل النشاط الجنسي عن الجنس بهدف الإنجاب، لكنه اقترح رؤية استراتيجية لتطوير الصحة الجنسية من خلال إدراجها في جدول أعمال التدخلات المتعلقة بالصحة الإنجابية. وأدرج أيصًا قائمة يالمشكلات الصحية الجنسية، لكنها خلت من أي عوامل سيكولوجية أو متعلقة بالعلاقات، وهو من علامات تطبيب الجنسانية بحصرها في الأعراض الجسدية.
 +
 +
كان ظهور وباء فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز أحد الدوافع الرئيسية لدخول منظمة الصحة العالمية في النقاش حول الجنسانية، حيث استجابت للوباء بصفته مشكلة صحة عامة، بينما كانت رؤيتها للصحة الجنسية مقتصرة على التناقض بين الاختيار الفردي والقيم المجتمعية. في تقرير المنظمة عام 1987، خُصص ما يقرب من نصف هذه الوثيقة لمناقشة الصعوبات النظرية المتعلقة بتعريفات الصحة الجنسية. ووفقاً لكاتبيها، فإن هذه الصعوبات تنبع من حقيقة أن "الصحة الجنسية ليست مفهومًا علميًا. فمفاهيم الصحة الجنسية ترتبط بالثقافة والزمن، وتعبر عن قيم ومعايير المجتمع الذي تنتمي إليه".<ref>[https://www.researchgate.net/publication/10681531_Sexual_Health_The_Emergence_Development_and_Diversity_of_a_Concept Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept]</ref>  توصل الكُتّاب إلى أن أي تعريف لمفهوم الصحة الجنسية سيكون معياريًا ومقيدًا. اعتمد تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 1987 على نهج فردي في التعامل مع القضايا الجنسية، باعتبار أن كل فرد له خصوصيته وفقًا لاحتياجاته وتوقعاته. اتبع التقرير نموذج التدخل الوارد في تقرير عام 1975، والذي يشمل التعليم والتوعية والمشورة والعلاج الجنسي.يختلف التقرير عن تقرير عام 1975 في رؤيته للقيم الدينية المتعلقة بالجنسانية، فرأى أن تنفيذ برامج الصحة الجنسية يجب أن يتم في إطار القيم والمعتقدات السائدة، لا في مواجهتهاا، وأنها تستحق الاحترام.
 +
 +
في عام 2000، صدرت وثيقة بعنوان "[https://www.paho.org/sites/default/files/PromotionSexualHealth.pdf تعزيز الصحة الجنسية: توصيات للعمل]" برعاية منظمة الصحة للبلدان الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية. مثلت الوثيقة تحولًا في علم الجنس لاحتوائه أبحاث علماء الجنس من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، بخلاف التقارير السابقة التي ألفها مختصون من شمال أمريكا وأوروبا. تحتلف الوثيقة عن سابقاتها أيضًا في الفصل بين علاج الاضطرابات الجنسية ومشكلات الصحة الإنجابية، ومواكبة التغيرات الاجتماعية بتضمين مواضيع عن الجنسانية وانتشار فيروس نقص المناعة البشري والاعتراف بالعنف الجنسي ضد المرأة وحقوق مجتمع الميم وتطورات النظريات النسوية المتعلقة بالجنسانية.إضافًة، تتضمن الوثيقة تعريفات لمفاهيم الجنس والجنسانية، كما تربط مفهوم الصحة الجنسية بمفهومي السلوك الجنسي المسؤول والمجتمع الصحي جنسيًا. و يرتبط هذان المفهومان بمفهوم الحقوق الجنسية، الذي تم اعتماد إعلان رسمي بشأنه في المؤتمر الرابع عشر للرابطة العالمية للصحة الجنسية الذي عُقد في هونغ كونغ عام 1999.
 +
 +
في 2006، نشرت منظمة الصحة العالمية التعريف العملي للصحة الجنسية: "الصحة الجنسية هي حالة من العافية البدنية والانفعالية والنفسية والاجتماعية المتعلقة بالحياة الجنسية، لا مجرد انعدام المرض أو الخللأو العجز...”، كما يشير التعريف إلى ضرورة حماية الحقوق الجنسية لجميع الأشخاص وعرفت أيضًا مفاهيم ذات صلة مثل "الجنس" و"الحياة الجنسية” و"الحقوق الجنسية”. وفي 2010، نُشر إطار عمل لتصميم برامج الصحة النفسية، حيث حدد خمسة عوامل تؤثر على الصحة الجنسية، وهي: (1) القوانين والسياسات وحقوق الإنسان؛ (2) التعليم والتثقيف؛ (3) المجتمع والثقافة؛ (4) الاقتصاد؛ (5) النُظم الصحية. وفي 2015، نُشر تقرير عن الصحة الجنسية وحقوق الإنسان والقانون لمساعدة الحكومات والمشرعين في تحسين أساليب تحقيق الصحة الجنسية قانونًا. تميزت هذه الفترة بنهج شمولي يدمج الصحة الجنسية ضمن أهداف التنمية المستدامة والقوانين المحلية، مع التركيز على مواجهة العنف ضد النساء والتمييز وحماية الحقوق الجنسية.<ref>[https://applications.emro.who.int/docs/9789290222910-ara.pdf الصحة الجنسية وارتباطها بالصحة الإنجابية: دليل عملي]</ref>
 +
 +
تطورت استراتيجيات منظمة الصحة العالمية للفترة 2022 – 2030 بشأن فيروس الإيدز والتهاب الكبد الفيروسي والعدوى المنقولة جنسيًا لترتكز على الأشخاص والمجتمعات الأكثر هشاشة، ومواجهة العقبات الهيكلية التي تمنعهم من الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية، والتصدي للوصم والتمييز والتجريم لكونها ممارسات تزيد من انتشار العدوى، وضرورة إصلاح الأطر القانونية التي تفرض قيودًا على السفر بسبب فيروس الإيدز أو تجريم استخدام المخدرات والعمل بالجنس والعلاقات الجنسية المثلية.<ref>[https://iris.who.int/server/api/core/bitstreams/ec992838-7677-46f3-ba38-6ca4fa11da2b/content الاستراتيجيات العالمية لقطاع الصحة بشأن فيروس العوز المناعي البشري (‎فيروس الإيدز)‎ والتهاب الكبد الفيروسي والعدوى المنقولة جنسياً، على التوالي، للفترة 2022 – 2030]</ref>
 +
منذ عام 2022، توجهت ممارسات الصحة الجنسية في منظمة الصحة العالمية إلى أساليب الرعاية الذاتية مثل التحليل الذاتي لفيروس نقص المناعة وموانع الحمل وأدوات الرعاية الصحة الرقمية. أكد ذلك على تعزيز استقلالية وخصوصية المستفيدين بالرعاية وتسهيل الوصول إلى الخدمات خارج نطاق المؤسسات الرسمية.<ref>[https://www.who.int/publications/i/item/9789240052192 WHO guideline on self-care interventions for health and well-being, 2022 revision]</ref>
 +
 +
=== البرامج الحكومية ===
 +
 +
 +
 +
من أوائل التدخلات الحكومية في مجال الصحة الجنسية قوانين تنظيم العمل الجنسي التي تبنتها العديد من الدول الأوروبية لمنع انتشار الأمراض التناسلية، لاسيما الزهري والسيلان. كانت فرنسا هي أول دولة تقر القانون التنظيمي للعمل الجنسي (بالإنجليزية: Regulationist System) مدفوعًا بالخوف المجتمعي من تفشي الزهري وانحلال المجتمع (بالإنجليزية: social degeneration) وارتباطهما، حتى في الخطاب المؤسسي الطبي،بأجساد النساء.(مصدر: The rise of “le péril vénérien” and the French regulationist system) أخذت مكافحة الزهري طابعًا أخلاقيًا نظرًا للوصم الاجتماعي المرتبط به والأفكار الخاطئة التي خلطت بينه وبين الأمراض الوراثية التي تهدد نسيج المجتمع. (مصدر: Stigma of syphilis in the 19th century France) بموجب هذا النظام، سجلت بيانات العاملات في الجنس وسمح لهن بممارسة عملهن شرط الخضوع لمراقبة طبية مستمرة. اعتُمد هذا النظام في دول أوروبية مثل إيطاليا وأسبانيا وألمانيا والدنمارك وبلجيكا وغيرهم، بالإضافة إلى الدول المحتلة من فرنسا مثل مصر ولبنان والجزائر وتونس.(مصدر: Regulation system page on wikipedia)
 +
 +
 +
 +
تأثرًا بهذا النهج، أقر البرلمان البريطاني عام 1864 قوانين الأمراض المعدية (بالإنجليزية: Contagious Diseases Acts) بهدف السيطرة على العدوى المنتقلة جنسيًا. وبموجبها، صُرح للشرطة باحتجاز النساء المشتبه في كونهن عاملات بالجنس، غالبًا دون دليل، ثم إخضاعهن لفحوصات جنسية، وحجزهن في المستشفيات المخصصة للأمراض الجنسية (lock hospitals)، وفي حالة رفضهن الخضوع لهذه الفحوصات، يعاقبن بالسجن والأعمال الشاقة. (مصدر: Male Vice and Feminist Virtue: Feminism and the Politics of Prostitution in Nineteenth-Century Britain). ألغيت القوانين في 1869 نتيجة العمل السياسي الذي قادته نسويات مثل إليزابيث وولستنهولم [[وجوزفين بتلر]] اللاتي أسسن جمعية السيدات الوطنية لإلغاء قوانين الأمراض المعدية. نظمت بتلر حملات في جميع أنحاء البلاد للحشد من أجل إلغاء القوانين نظرًا لاستهدافها المجحف للنساء دون الرجال، خاصة النساء العاملات، ووضع أجسادهن تحت رقابة الشرطة والطب. (مصدر: Patron Saint of Prostitutes: Josephine Butler and the Victorian Sex Scandal. )
 +
في القرن العشرين، تنوعت البرامج الحكومية بين تعميم الوصول للخدمات الصحية وممارسات التحكم في أجساد النساء والبرامج المتأثرة بالحروب وسياسة تحسين النسل.في الولايات المتحدة، تمكنت خدمة الصحة العامة من الحصول على تمويل فيدرالي لعيادات الأمراض التناسلية وتوفير الكشف والعلاج المجاني وإطلاق حملات التثقيف العامة. تميزت هذه الجهود بالتوجيه والوصم الأخلاقي وحصر خطر الأمراض الجنسية في أجساد النساء، لذلك منح قانون تشامبرلاين- خان (1918) الحكومة سلطة احتجاز النساء المشتبه في إصابتهن بمرض تناسلي، وإخضاعهن للفحص الإجباري واعتقالهن أو إيداعهن في المستشفيات للعلاج. كما اعتبر القانون النتيجة الإيجابية بمثابة دليل على العمل بالدعارة. كان القانون جزءًأ مما أطلق عليه "الخطة الأمريكية" لمكافحة الأمراض الجنسية، خاصة لمنع انتشارها بين الجنود خلال الحرب العالمية الأولى، فتم حظر العمل الجنسي بالقرب من القواعد العسكرية واعتقال النساء ضمن مسافة 5 أميال من القواعد للاشتباه في عملهن بالجنس.وفي حالة إيجابية نتائج الفحص، تلقت النساء علاجات من الزئبق والزرنيخ المستخدمة آنذاك لعلاج الزهري، وعوقبن لعدم الامتثال بالحبس الانفرادي والضرب وصولًا إلى التعقيم. (المصدر: America’s Forgotten Mass Imprisonment of Women Believed to Be Sexually Immoral)
 +
خلال فترات الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت ممارسات ضبط أجساد النساء أهم طرق التعامل مع مع انتشار الأمراض التناسلية بين الجنود. كذلك فرضت السياسات الصحية سيطرتها على أجساد الجنود، فكانت الوقاية من الأمراض التناسلية مسألة أخلاقية بقدر ما هي طبية. فبالإضافة إلى تشجيع الجنود على الامتناع عن ممارسة الجنس، أُدرج العلاج الوقائي (بالإنجليزية: prophylaxis) الذي طوره علماء الجراثيم إيلي ميتشنيكوف وإميل رو عام 1906 في برنامج مكافحة الزهري، وقد ادعيا أنه يمكن الوقاية من المرض الزهري الوقائي لمطهرات مثل مرهم الكالوميل وبرمنغنات البوتاسيوم. (المصدر: The British Army and the Problem of Venereal Disease in France and Egypt during the First World War) أثناء الحرب العالمية الثانية، أخذ التثقيف الجنسي طابعًا عمليًا، ورُوج للعلاج الوقائي أكثر من سلوكيات الامتناع، فطُلب من الجنود استخدام عدة الوقاية الخاصة بهم بعد كل علاقة جنسية. (مصدر: Prophylaxis – vdarchive.newmedialab.cuny.edu/exhibits/show/exhibits/introduction/prophylaxis).
 +
في ثلاثينيات القرن العشرين، أُدمجت مكافحة الأمراض التناسلية ضمن برامج الصحة العامة، وأطلقت حملات توعية جماهيرية استخدمت الملصقات والأفلام لتشجيع “النظافة الجنسية” والانضباط الأخلاقي، والتي غالبا ما تضمنت صور نمطية للنساء كحاملات للمرض التناسلي والمجتمعات الفقيرة والسوداء كمراكز انتشاره. من البرامج الحكومية التي تمثل أبرز الانتهاكات الأخلاقية في دراسات الصحة الجنسية هي دراسة توسكيجي لمرض الزهري بين عامي 1932 و 1972 التي أشرفت عليها خدمة الصحة العامة الأمريكية لدراسة تطوّر مرض الزهري لدى رجال أمريكيين من أصول إفريقية في ولاية ألاباما دون إبلاغهم بطبيعة الدراسة أو حصولهم على علاج مناسب. استمر الباحثون في حجب العلاج بهدف متابعة المسار “الطبيعي” للمرض، مما أدى إلى معاناة ووفاة عدد من المشاركين وانتقال العدوى إلى عائلاتهم. (مصدر: Taking the Venereal Out of Venereal Disease: The 1930s Public Health Campaign against Syphilis and Gonorrhea)
 +
 +
 +
 +
في عام 1957، أحالت خدمة الصحة العامة شؤون الأمراض التناسلية إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، ما أدى إلى توسيع جهود مكافحة الأمراض التناسلية. فاشتمل البرنامج العلاجي على مراقبة انتشار الزهري والسيلان وتتبع مخالطي المرضى وحملات التوعية والعلاج المجاني أو منخفض التكلفة، وضم مستشارين للصحة العامة مكلفين بالتعاون مع المجتمعات المحلية للكشف عن المصابين وتشجيعهم على تلقي العلاج وإبلاغ شركائهم .(مصدر: Venereal Disease Program https://www.cdc.gov/museum/online/story-of-cdc/vd/index.html) في 1970، أُقر برنامج Title X لخدمات تنظيم الأسرة للأسر منخفضة الدخل وإتاحة وسائل منع الحمل والمشورة، بالإضافة إلى اختبارات العدوى المنتقلة جنسيًا ومرض نقص المناعة وفحوصات الحوض والثدي. (مصدر: Title X Family Planning Program (1970–1977) - https://embryo.asu.edu/pages/title-x-family-planning-program-1970-1977)
 +
 +
 +
 +
في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، توسعت برامج الصحة الجنسية استجابة لانتشار فيروس الإيدز، وركزت على الوقاية والتوعية والعلاج.من برامج التوعية والوقاية التي نفذتها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC): "الخط الساخن الوطني لمعلومات الإيدز" (1983) و"المركز الوطني لتبادل المعلومات حول الإيدز" (1987)، وإطلاق حملة التوعية الوطنية "أمريكا تتصدى للإيدز" (1987). استهدفت هذه الحملات خاصة الطلاب في المدارس الثانوية والجامعات.(مصدر: https://www.cdc.gov/mmwr/preview/mmwrhtml/mm5521a4.htm) في 1990، صدر قانون ريان وايت للرعاية، وهو أكبر برنامج ممول من الحكومة الفيدرالية الأمريكية للأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. ويوفر هذا القانون التمويل لمنظمات الخدمات المجتمعية المعنية. بالإضافة إلى تمويل العلاج والفحوصات، مكن التمويل المنظمات المجتمعية من توفير خدمات إدارة الحالة، والمساعدات الغذائية، والإسكان، والنقل، وتوفير أموال الطوارئ للأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. (مصدر: https://www.alliespgh.org/blog/after-35-years-ryan-white-s-legacy-lives-on)
 +
 +
 +
 +
رغم ذلك، وُجهت العديد من الانتقادات للتدخلات الحكومية الأمريكية في مكافحة فيروس الإيدز منذ الثمانينات وحتى الآن، وهي: تأخر الاستجابة الفيدرالية ومشكلات الوصول والتمييز العرقي والجندري اللذان حالا دون حصول فئات من النساء والرجال والأشخاص العابرين جندريًا على الدعم والعلاج.تسبب المناخ السياسي المحافظ أثناء الثمانينيات في تأخير الاستجابة الحكومية لانتشار وباء الإيدز، حيث انخفض التمويل الحكومي لمراكز السيطرة على الأمراض وأُعيق عملها بسبب رهاب المثلية والوصم الذي يحيط بالمرض. وكانت المبادرات الأهلية والمجتمعية الكويرية المقدم الوحيد لبرامج الدعم والوقاية والعلاج للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالمرض، حتى عام 1985، حين اعترف الرئيس الأمريكي آنذاك بوجود مرض الإيدز وبدأ التحرك الحكومي على نطاق واسع.(مصدر: Fighting an Epidemic in Political Context: Thirty-Five Years of HIV/AIDS Policy Making in the United States) انتشر الإيدز بين الرجال المثليون الأمريكيون الأفارقة بسرعة تفوق انتشاره بين أي فئة أخرى، رغم ذلك أدى ارتباط المرض بالرجال المثليين البيض إلى استبعاد تجاربهم من أدبيات أصول المرض وعلاجه، ما أخر الوصول إلى تلك المجتمعات وتكريس الموارد اللازمة لدعمها. (مصدر: Race, Homosexuality, and the AIDS Epidemic) فضلًا عن ذلك، يلعب التمييز الجندري والطبقي دورًا في عدم تكافؤ فرص العلاج المقدمة للنساء من أصول أفريقية ولاتينية والمهاجرات. على سبيل المثال، أدى استبعاد أعراض فيروس نقص المناعة البشرية التناسلية الأنثوية من التشخيص الرسمي للإيدز، إلى حرمان النساء المصابات (وأغلبهن من النساء السوداوات والفقيرات) من الحصول على الإعانات المخصصة للإعاقة. بالإضافة إلى الوصول غير المتكافئ إلى الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية وأدوية الوقاية قبل التعرض (PrEP). (مصدر: Gendered Racism: “A Different Interpretation of the Same Facts” About the HIV Epidemic Among Black Women in the United States)
 +
 +
 +
 +
 +
 +
 +
 +
 +
    
== {{أمر مجندر | طالع }} أيضًا ==
 
== {{أمر مجندر | طالع }} أيضًا ==
staff
380

تعديل