صحة جنسية

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الصحة الجنسية قدرة الأفراد على تحقيق وإدارة السلامة الجسدية والنفسية فيما يتعلق بحياتهن/م الجنسية. تشمل هذه القدرة الوقاية من الأمراض المرتبطة بالنشاط الجنسي والكشف المبكر عنها، والتعامل مع أي اعتلالات صحية قد تؤثر على التجارب الجنسية. كما تتضمن القدرة على اتخاذ قرارات حرة وواعية بشأن الجسد والجنس والعلاقات العاطفية، وممارستها بصورة رضائية وخالية من العنف أو الإكراه أو التمييز أو التسبب بالأذى للذات أو للآخرين. ترتكز هذه القدرة على الوصول إلى وسائل الجنس الآمن والتثقيف الجنسي والخدمات الصحية المتاحة لجميع الأفراد بغض النظر عن الهويات الجندرية أو الأعمار أو الخلفيات الاجتماعية. وترتبط الصحة الجنسية أيضًا بالقدرة على استكشاف وفهم الجسد والرغبة والتصالح معهما، والتعبير عن الهوية الجندرية والجنسانية بحرية. ({{#arraymap:Sexual Health@en|،|x|بx: | و }}) {{#set:دلالة=قدرة الأفراد على تحقيق وإدارة السلامة الجسدية والنفسية فيما يتعلق بحياتهن/م الجنسية. تشمل هذه القدرة الوقاية من الأمراض المرتبطة بالنشاط الجنسي والكشف المبكر عنها، والتعامل مع أي اعتلالات صحية قد تؤثر على التجارب الجنسية. كما تتضمن القدرة على اتخاذ قرارات حرة وواعية بشأن الجسد والجنس والعلاقات العاطفية، وممارستها بصورة رضائية وخالية من العنف أو الإكراه أو التمييز أو التسبب بالأذى للذات أو للآخرين. ترتكز هذه القدرة على الوصول إلى وسائل الجنس الآمن والتثقيف الجنسي والخدمات الصحية المتاحة لجميع الأفراد بغض النظر عن الهويات الجندرية أو الأعمار أو الخلفيات الاجتماعية. وترتبط الصحة الجنسية أيضًا بالقدرة على استكشاف وفهم الجسد والرغبة والتصالح معهما، والتعبير عن الهوية الجندرية والجنسانية بحرية.}} {{#arraymap:|،|x|{{#set:مرادف=x@ar}}}} {{#set:مرادف=Sexual Health@en|+sep=،}} {{#set:ذات صلة=صحة إنجابية،حقوق جنسية وإنجابية|+sep=،}}

لا يوجد اتفاق على إطار مفاهيمي شامل للصحة الجنسية. وعلى الرغم من أن المفهوم قد ظهر في منتصف السبعينيات من خلال أدبيات الأمم المتحدة، وضُمِّن في العديد من البرامج الحكومية حول العالم، إلا أن غياب تعريف موحد وتطبيقات محددة أنتج تباينًا بين الدول والبرامج الصحية المعنية، سواء في فهم المصطلح أو في كيفية مقاربته وتطبيقه [1].

تركّز الاتجاهات السائدة في الخطاب الرسمي، سواء الأممي أو الحكومي، للصحة الجنسية على التعامل مع الأمراض والعدوات المنقولة جنسيًا، ويهدف إلى توفير الرعاية الصحية للمصابين بالعدوى والوقاية منها من خلال تطبيق وسائل وممارسات الجنس الآمن، والتي تشمل - في بعض السياقات - استخدام وسائل منع الحمل من أجل منع حالات الحمل غير المقصودة. بالإضافة إلى ذلك، تركز على تعزيز قدرة النساء على التعامل مع الأمراض والمشكلات الصحية المرتبطة بالأعضاء الجنسية، مثل سرطان عنق الرحم والثدي وآلام الحوض وانقطاع الطمث وغيرهم [2].

ومن منظور نسوي، ترتبط الصحة الجنسية باستعادة السيطرة على الجسد والمعرفة عن طريق تفكيك الاحتكار المعرفي الطبي وإنتاج معرفة بديلة تنطلق من تجارب النساء أنفسهن [3]. وتهدف الصحة الجنسية من هذا المنطلق إلى تعزيز قدرة الأشخاص -باختلاف هوياتهم الجندرية و الجنسية وقدراتهم الجسدية وصحتهم النفسية- في العيش بأجسادهم ورغباتهم، واتخاذ قرارات واعية وحرة بشأنها. ولا تقتصر الصحة الجنسية على “تحسين جودة الحياة" طبقًا للمعايير السائدة، بل تشمل تفكيك الثنائيات الجندرية والمعايير المهيمنة والاعتراف بتنوع الهويات والتجارب. كما تعمل على تفكيك البُنى التي تُشكل فهمنا حول الجنس والحميمية وتُقيّد الوصول إلى المعرفة وتُقصي النساء وذوي الهويات والقدرات غير المعيارية. ويجادل المنظور النسوي أن الجسد ليس كيانًا ثابتًا أو "طبيعيًا"، بل مجالًا للتحول والتجريب، والبالتالي فالصحة الجنسية لا تعني السلامة البيولوجية فقط، بل أيضًا القدرة على العيش والاستكشاف والتعبير الجندري والجنسي بحرية خارج الحدود المفروضة [4]. وتشمل الصحة الجنسية التعامل مع الممارسة الجنسية باعتبارها حقًا أصيلًا، وليس فقط خلو الجسد من الأمراض.

تتأثر الصحة الجنسية بعوامل متعددة، أهمها وجود بيئة داعمة لمنظور منفتح للصحة الجنسية والممارسات المرتبطة بها، وهو ما يصعب تحقيقه في المجتمعات الأبوية في سياقات عديدة التي لا تزال تتعامل مع الصحة الجنسية بشكل اختزالي وتربطها بالتابوهات و"التجاوزات الأخلاقية".

كما تعد قدرة الأفراد على الوصول بسهولة إلى الخدمات الصحية من العوامل الأساسية المؤثرة في الصحة الجنسية، بما في ذلك إدماج خدمات الصحة الجنسية ضمن البرامج الحكومية ونظم التأمين الصحي [5]. ويجب أن تكون هذه الخدمات متاحة لجميع الأفراد دون تمييز، بغض النظر عن الجندر أوالعمر أو القدرات الجسدية أو الحالة الاجتماعية أو الخلفيات العرقية والقومية، حيث تواجه النساء والأشخاص من خلفيات جنسية متنوعة عوائق في الوصول إلى خدمات أساسية، مثل الفحوصات والتطعيمات. ولا يرتبط ذلك بنقص الخدمة فقط، بل أيضًا بغياب فهم لاحتياجاتهن [3].

السلامة الجسدية

يتعامل العديد من المصادر والأدبيات المتاحة مع السلامة الجسدية باعتبارها أهم مكونات الصحة الجنسية، وذلك لكونها أكثرها وضوحًا وقابلية للقياس، ويغطيها عدد كبير من برامج الصحة الجنسية والإنجابية الحكومية في مختلف دول العالم. في عام 1948، اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن الصحة هي "حالة من اكتمال السلامة الجسدية والنفسية والاجتماعية وليست مجرد غياب المرض أو العجز". وبالرغم من محاولات الأطر الدولية اللاحقة تحديد أهداف قابلة للقياس، ظل هذا النهج "أداتيًا" ومحدودًا، لأنه لا يأخذ في الاعتبار بشكل كاف العوامل الهيكلية وعلاقات القوة التي تُنتج الأذى الجسدي[6]. بالإضافة إلى أن مفاهيم "السلامة" ليست محايدة واستخدمها النظام الطبي في كثير من الأحيان لضبط الأجساد والتحكم بها. وتختلف تجارب الأشخاص الجسدية بناءً على الهويات الجندرية أو الطبقة أو الإعاقة أو الوضع القانوني.

وركزت بعض الأدبيات النسوية على مفهوم "القدرة الفاعلة" بدلًا من التركيز على "النتائج"، بما يعكس قدرة الأشخاص على اتخاذ قرارات حرة بشأن أجسادهم[6]. وتشمل السلامة الجسدية القدرة على التعامل المباشر مع أي تغيرات جسدية ناتجة بشكل مباشر عن ممارسة الجنس، أو تؤثر على هذه الممارسة بالسلب، وتتضمن الحق في الحصول على الرعاية الصحية الجنسية، وتوفير وسائل الجنس الآمن. كما تمتد لتوفير أدوات الوقاية من الأمراض والعدوات الجنسية وكذلك وسائل منع الحمل، إلى جانب امتلاك فهمٍ كافٍ للعملية الجنسية والتناسلية واستعداد للتعامل مع الطوارئ الصحية. ويشمل ذلك إدراك الأعراض المتوقعة في حالات العدوى التناسلية أو الحمل غير المرغوب فيه، وتمكين النساء من التمييز بين الأعراض المصاحبة للعمليات الفسيولوجية مثل الدورة الشهرية، والأعراض المصاحبة للاضطرابات المرضية، مثل تكيس المبايض وبطانة الرحم المهاجرة وغيرها.

كما تتضمن السلامة الجسدية الحماية من العنف الجنسي بجميع أشكاله، وضمان آليات حماية ومحاسبة ضد العنف الجنسي في جميع السياقات، سواء ارتُكب داخل نطاق العائلة ونطاق العلاقة بين الشركاء أو خارجها. إضافة إلى ذلك، تشمل الحماية من التدخلات الطبية القسرية، مثل التعقيم القسري أو منع الإجهاض أو فرض أو منع وسائل منع حمل.

الرعاية الصحية الأولية

مراكز الرعاية الأولية هي محطات الاستجابة الأولى التي تتعامل مع مشاكل الصحة الجنسية، ومقدمو الرعاية الأولية تقع على عاتقهم مسؤولية استقبال الشكاوى والتعامل المباشر معها. ينقسم مقدمو الرعاية الأولية المختصون بتقديم الخدمات الصحية والنفسية إلى عدة مجموعات في المجال الصحي والاجتماعي والنفسي، تشمل الطبيبات والممرضات والمختصات الاجتماعيات والنفسيات، بالإضافة إلى المتطوعات في الحملات الصحية والتثقيفية، ويتعاونون فيما بينهم من أجل تقديم خدمة صحية شاملة.

وتشمل الرعاية الصحية الأولية الخدمات التالية:

  • خدمات وقائية: تشمل الفحص الدوري للأمراض المنقولة جنسيًا، وتقديم اللقاحات المخصصة لها مثل لقاح فيروس الورم الحليمي HPV، والتهاب الكبدي الوبائي - ب HBV. بالإضافة إلى تنفيذ بروتوكولات العلاج الوقائي ضد فيروس نقص المناعة المكتسبة (الوقاية السابقة للتعرض PrEP)، وتزويد الأفراد بوسائل منع الحمل بما يتوافق مع احتياجاتهم ورغباتهم. جميع هذه الخدمات متوفرة في مختلف بلدان المنطقة، باستثناء الوقاية السابقة للتعرض PrEP، والتي لا تتوافر بشكل رسمي ضمن سياسة الصحة الحكومية إلا في دولة واحدة فقط من دول شرق المتوسط وهي الإمارات العربية المتحدة [7]. يرجع ذلك إلى العدد الكبير من المقيمين الأجانب داخلها، وليس بسبب مقاربة الصحة الجنسية استنادًا لسياسات "تقدمية"، حيث أن القوانين الإماراتية لا تزال تضيق رسميًا على الحريات الجنسية، وتعاقب - على سبيل المثال - المثلية الجنسية وتحظر الرعاية المرتبطة بالعبور الجنسي Gender-Affirming care ولا تعترف بالهويات الجندرية غير النمطية[8]. أما انتشار استخدام لقاح فيروس الورم البشري الحليمي قد بدأ بالتزايد في المنطقة، في دول مثل السعودية وعُمان والمغرب وغيرها، بعد تبنيه من منظمة الصحة العالمية ضمن برامج لقاحات الأطفال والمراهقين في عام 2022 [9].
  • خدمات تشخيصية وعلاجية: تشمل الفحوصات السريرية والمخبرية للحمل وللعدوات الجنسية (بما يشمل تتبع سلاسل العدوى)، والاضطرابات الهرمونية والفحوصات المبكرة لسرطانات الجهاز التناسلي، وتقديم العلاجات اللازمة لها حال ثبوت الإصابة بها، والتعامل مع الأعراض المصاحبة للدورة الشهرية وأي اضطرابات تناسلية أخرى. تتوفر مجمل هذه الخدمات في المنطقة العربية إلا ما يتعلق منها بالأمراض المنقولة جنسيًا، حيث أن توافرها جزئي ومحدود بعقبات اجتماعية، فلا يمكن الحصول على الفحوصات والأدوية بسهولة إلا من خلال أوامر طبية في أغلب بلدان المنطقة. كما أن خوف الأفراد من الوصم الاجتماعي يمنعهم من طلب المساعدة في حال ظهرت عليهم أي أعراض يُشتبه في ارتباطها بأمراض منقولة جنسيًا. ويعد انتشار الأمراض المنقولة جنسيًا في المنطقة العربية محدود مقارنة ببقية مناطق العالم، إلا أنه أيضًا من أسرع معدلات الانتشار عالميًا في السنوات الأخيرة[10]، مع وجود نسبة عالية (60% من المصابين بالإيدز) غير مدركين لإصابتهم بالمرض[11]. توفر أيضًا بعض الجمعيات الأهلية خدمات الفحص والمشورة المتعلقة بالإيدز والأمراض المنقولة جنسيًا في بعض الدول مثل مصر ولبنان والأردن وتونس[12]. وتعود المعدلات المنخفضة لانتشار الأمراض المنقولة جنسيًا في المنطقة العربية جزئيًا لغياب برامج فحص وطنية تكشف عن أعداد المصابين الحقيقية، والاكتفاء بتسجيل الحالات التي تسعى للحصول على المساعدة من المؤسسات الصحية[13].
  • خدمات نفسية ومجتمعية: مثل خدمات الإرشاد الجنسي، وهي خدمات استشارية "نفسية" مخصصة لعلاج مشاكل الجنس مثل الضعف والعجز والألم عند الممارسة وغيرها، بالإضافة إلى خدمات الاستجابة لضحايا العنف الجنسي. يمكن أن تشمل هذه الخدمات أيضًا جانبًا تثقيفيًا حيث يستجيب مقدمو ومقدمات الرعاية الأولية لتساؤلات الأفراد بخصوص الحياة الجنسية عن طريق التقييم وتقديم النصائح. تعمل بعض المنظمات النسوية والشبابية في المنطقة العربية مثل مشروع الألف في لبنان والحب ثقافة في مصر على تقديم خدمات مماثلة من خلال منصات رقمية لتجاوز المعيقات الاجتماعية والثقافية التي قد تمنع الأفراد من محاولة الوصول إلى هذه الخدمات على الأرض[14].

عند تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية تُحدد الإجراءات الطبية اللازمة من خلال بروتوكولات صحية أو توجيهات إرشادية Guidelines تعتمدها الهيئات الطبية المحلية في كل دولة. تقوم منظمة الصحة العالمية[15] عادة بتحديد هذه البروتوكولات ونشرها وتحديثها بناء على أبحاثها الخاصة أو متابعتها للأبحاث العلمية المنشورة، بحيث تكون جميع المعلومات الواردة فيها مبنية على أدلة علمية Evidence-based.

تشمل البروتوكولات بالعادة جوانب مختلفة تشمل على:

  1. جوانب علمية وطبية بحتة مثل خطوات تقييم الحالات المرضية والفحوصات السريرية والمخبرية المطلوبة للتشخيص
  2. خيارات الأدوية المطلوبة للعلاج
  3. كيفية تحديد الإشارات الدالة على ضرورة وجود تدخل من أخصائيين نفسيين أو اجتماعيين أو تدخل أمني في حالات العنف الجنسي.
  4. إرشادات حقوقية تهدف إلى توضيح حقوق المرضى، وتوفير الحماية من التحيزات العنصرية، لضمان تلقّي معاملة عادلة بناء على الحالة الصحية لكل شخص.
  5. توجيهات سلوكية للأطباء والممرضين عن كيفية التعامل مع المرضى، وطرق جمع معلومات التاريخ المرضي، وكيفية استخدام لغة غير متحيزة أو وصمية عند التعامل مع الفئات المهمشة.

تصدر منظمات أخرى، محلية أو إقليمية، بروتوكولات وتوجيهات إرشادية مختلفة استنادًا إلى أبحاثها العلمية الخاصة، منها على سبيل المثال مراكز التحكم بالأمراض CDC في الولايات المتحدة[16][17]، والجمعية البريطانية للصحة الجنسية الإيدز BASHH[18]، والجمعية الملكية لممارسي الطب العام[19]، وتختلف جزئيًا عن التوجيهات الإرشادية الخاصة بمنظمة الصحة العالمية، إلا أن منشوراتها تحظى بالقبول عالميًا في المجتمع الطبي.

لا تملك جميع الهيئات الطبية ووزارات الصحة في مختلف دول العالم الموارد اللازمة من أجل كتابة توجيهات إرشادية خاصة بها ولذلك فإنها تستخدم التوجيهات الخاصة بمنظمة الصحة العالمية، فإما أن تعتمدها بشكل كامل، أو جزئي، أو تضيف توجيهات خاصة بها إليها. وفي كثير من الدول العربية، تتجاهل وزارات الصحة الجانب الحقوقي والسلوكي في البروتوكولات الأممية وتركز على الجوانب الطبية فقط. وتُخصص خدمات الصحة الجنسية غالبًا للأفراد المتزوجين فقط ولا تشمل خدمات مهمة مثل الإجهاض. وهو ما ينتج عنه معاملة متحيزة ضد الفئات المهمشة مثل المصابين والمصابات بالعدوات الجنسية وأفراد مجتمع الميم وضحايا العنف الجنسي.

توافر خدمات الصحة الجنسية في المؤسسات الصحية لا يعني تلقائيًا أنها متوافرة للعموم، إذ أن توافر الخدمة يختلف عن قدرة الأفراد على الوصول إليها. وقد تكون الخدمات محصورة بعدد قليل من المستشفيات والمراكز الصحية أو قد يمتنع الأفراد عن محاولة البحث عن مراكز ومؤسسات تقدم هذه الخدمات بسبب الخوف من الوصم أو الفضيحة. كما أن النظام الصحي لا يعلن عن تقديم هذه الخدمات، خاصة خدمات الوقاية والفحص والعلاج للأمراض المنقولة جنسيًا، على الرغم من أهمية الحملات الاتصالية والإعلانية في تحقيق خدمات الصحة الجنسية لهدفها. وتحاول بعض المنظمات والمبادرات النسوية سد هذه الثغرة عبر توفير معلومات عن الصحة الجنسية وأماكن توافر خدماتها (مثل مبادرة The sex Talk)[20] وتقدم أدلة معلوماتية مبسطة تقارب مواضيع الصحة الجنسية المختلفة مباشرة عبر الإنترنت[21][22].

الجنس الآمن

ملف:ReddyFc.png
واق أنثوي، يستخدم للحماية من الأمراض المنقولة جنسيًا.

الجنس الآمن ممارسة تعتمد على مجموعة من السلوكيات والأدوات، ترتكز على الرضائية، وتهدف إلى الوقاية من الأذى النفسي والجسدي، بما فيها احتمالية الإصابة بالعدوات الجنسية أو الحمل غير المرغوب فيه. بدأ مفهوم الجنس الآمن يتحول إلى ركيزة أساسية في الصحة الجنسية مع منتصف سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن العشرين بسبب الانتشار الوبائي للأمراض المنقولة جنسيًا وبخاصة عدوى فيروس نقص المناعة المكتسبة. يحيط بعض الارتباك بمفهوم الجنس الآمن وفي بعض الأحيان يستخدم للإشارة أيضًا إلى وسائل منع الحمل وقد نتج هذا الخلط المفاهيمي عن عدم وجود إطار شامل متفق عليه دوليًا لمفهوم الجنس الآمن وبسبب تطور المفهوم واختلاف دلالته حسب السياق الذي يُستخدم فيه، خاصة وأن الواقيات الذكرية والواقيات الأنثوية التي تعتبر أهم أدوات الجنس الآمن تستخدم أيضًا كموانع حمل.

الواقيات (الذكرية والأنثوية) من أهم الوسائل المستخدمة لتحقيق الجنس الآمن، وهي فعالة بنسبة عالية ضد عدد كبير من الأمراض المنقولة جنسيًا خاصة التي تنتقل عبر السوائل الحيوية مثل الإيدز والسيلان والكلاميديا وداء المشعرات التناسلي[23]، ولكن فعاليتها تقل في الحماية من الأمراض التي يمكن أن تنتقل عبر التلامس الجلدي وعند لمس التقرحات التي تسببها هذه العدوات مثل الهربس[24]. تُستخدم وسائل أخرى لتحقيق جنس أكثر أمانًا بجانب الاستخدام المنتظم للواقيات، إذ يشمل ذلك اختيار الشركاء الجنسيين بشكل واعٍ بحيث تكون العلاقات الجنسية والحميمية مبنية على أساس من الرضائية والتواصل الصريح بخصوص تجارب الأفراد الجنسية وتاريخ إصابتهم بالعدوات الجنسية، إضافة إلى إجراء الفحوصات والاختبارات للكشف الوقائي عن العدوات بشكل دوري والحصول على التطعيمات والأدوية الوقائية حال توفرها. المقال الرئيسي لهذا الموضوع ”جنس آمن

وسائل منع الحمل

تعتبر موانع الحمل ركيزة أساسية للصحة الجنسية لمختلف الأشخاص، بغض النظر عن الهويات الجندرية أو الجنسية، حيث تُمكِّن النساء من حماية أجسادهن، والتحكم في حياتهن الجنسية، واتخاذ القرارات المتعلقة الحمل وفق رغباتهن، وتساعد على تنظيم فترات الحمل بين الولادات، ما يقلل من مخاطر سوء التغذية، والأمراض المزمنة، ومضاعفات الحمل والولادة. كما تُستخدم هذه الوسائل لأغراض أخرى مثل تنظيم أو إيقاف الدورة الشهرية والتحكم في التغيرات الهرمونية. ولا يقتصر دور موانع الحمل الحاجزية -مثل الواقي الذكري والأنثوي- على منع الحمل، بل يمتد ليشمل الحماية من الأمراض المنقولة جنسيًا. إضافة إلى ذلك، تقلّل وسائل منع الحمل من الحاجة إلى الإجهاض وما قد يترتب عليه من آثار جسدية ونفسية، خاصة في حال تكراره. ومع أن الإجهاض يكون آمنًا عند توفر الرعاية الصحية المناسبة، فإن مخاطره تظل قائمة بدرجات متفاوتة، وتزداد بشكل كبير في السياقات التي تفتقر إلى أطر قانونية وطبية واضحة، ما قد يدفع النساء إلى اللجوء لخيارات غير آمنة تهدد صحتهن وحياتهن.

تتنوع وسائل منع الحمل ما بين وسائل حاجزية مثل الواقي الذكري والأنثوي وغطاء عنق الرحم والحجاب الرحمي، الإسفنجة، وهرمونية مثل الحبوب، والحقن، والغرسة، والحلقة المهبلية، بالإضافة إلى الأجهزة داخل الرحم، ومنع الحمل الطارئ، والتعقيم الجراحي، والوسائل "الطبيعية" مثل تتبع الدورة الشهرية وقياس درجة الحرارة الأساسية وتتبع إفرازات عنق الرحم والرضاعة الطبيعية. تختلف فعالية كل وسيلة وأعراضها الجانبية وقدرة كل إمرأة على التأقلم مع استخدامها المستمر، وتختلف أيضًا مدة فعاليتها، فبعضها قصير الأمد والآخر فعاليته يمكن أن تستمر لسنوات متعددة.

تاريخيًا استخدمت بعض هذه الوسائل للتحكم في أجساد النساء باسم التنمية أو ضبط المجموع السكاني ومعدلات الخصوبة، وارتبط بعض برامج تنظيم الأسرة بسياسات قسرية أجبرت النساء على استخدام وسائل منع الحمل طويلة الأمد أو الدائمة كما حدث في الصين بعد تبني سياسة الطفل الواحد. بينما استُخدم التعقيم القسري في بعض الأحيان للتحكم في مجموعات سكانية مهمشة، خاصة النساء الفقيرات أو من الأقليات العرقية أو ذوات الإعاقة وأحيانًا المصابات بأمراض محددة، مثل الإيدز أو الصرع. في العقود الأخيرة، وُثقّت حالات تعقيم قسري ضد النساء المهمشات في أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا وآسيا وأفريقيا عن طريق توقيع الموافقة تحت الضغط، أو بدون تقديم معلومات كاملة، أو دون الحصول على أي موافقة، وفي بعض الحالات تكتشف النساء أنهن خضعن للتعقيم بعد ولادة قيصرية أو عند محاولتهن استخدام وسائل منع الحمل.[25]

وتنتقد دراسات نسوية متعددة تركيز مسؤولية وسائل منع الحمل بشكل أساسي على النساء وأجسادهن، وما يصاحب ذلك من آثار جانبية، في مقابل محدودية تحمّل الرجال للمسؤولية المشتركة وعدم استخدامهم لأي وسيلة أو اعتمادهم على وسائل شريكاتهم.[26] وتؤثر المعايير الاجتماعية والدينية على قبول أو رفض استخدام أنواع معينة من وسائل منع الحمل، خاصة عندما ترتبط هذه الوسائل بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. على سبيل المثال، يميل الأطباء في مصر ألى عدم تركيب اللولب للنساء غير المتزوجات أو اللاتي لم ينجبن بسبب الشائعات حول آثاره الجانبية ومضاعفاته، بما في ذلك الاعتقاد الخاطئ المتعلق "بفقدان" العذرية عند تركيبه.[27] المقال الرئيسي لهذا الموضوع ”وسائل منع الحمل

الاستجابة الصحية لحالات العنف الجنسي

العنف الجنسي هو أحد أشكال العنف ضد النساء و القائم على الجندر ويرتبط بالصحة الجنسية، ويُستجاب له من خلال منظومة متكاملة تربط ما بين الجانبين، الصحي والقانوني. فالعنف الجنسي نقيض للصحة الجنسية ويُستجاب له على هذا الأساس. تنقسم الاستجابة للعنف الجنسي عادة إلى مرحلتين، تُقدم في المرحلة الأولية الرعاية الصحية الجسدية والنفسية والمتابعة القانونية ومن ثم يأتي لاحقًا دور المتابعة الممتدة التي تشمل رعاية صحية حسب الحاجة بالإضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، في حال تحول الاعتداء إلى قضية جنائية.

ولا تقتصر الاستجابة على تقديم الخدمات الصحية والتقاضي، بل تشمل أيضًا تمكين الناجيات/ين، وضمان حقهن في اتخاذ القرار والحماية من الوصم، بالإضافة إلى االمساءلة المجتمعية والمؤسسية ضمن إطار نقد "ثقافة الاغتصاب"(مطلوب مصدر).

تشمل الاستجابة للعنف الجنسي دائرة واسعة من المشاركين تشمل:

  • مجموعات الدعم النفسي والاجتماعي.
  • ممارسي العمل الصحي: بما فيهم الطبيبات، غالبا طبيبات طوارئ أو متخصصات في مجالات طب النساء والولادة أو طب الأطفال، بالإضافة إلى الممرضات، اللواتي يدرّب بعضهن [28] خصيصًا للاستجابة لحالات العنف الجنسي في المستشفيات وغرف الطوارئ، والأخصائيات النفسيات والمرشدات الاجتماعيات.
  • المشتغلون بالطب الجنائي: يعملون في "جمع الأدلة" من جسم الناجية، من خلال فحص آثار العنف وتوثيقها. ويمكن أن يسمح لممارسي العمل الصحي العاملين في غرف الطوارئ بهذه المهمة بعد الخضوع لتدريب خاص.
  • قوى إنفاذ القانون: الشرطة والادعاء العام والقضاء.

يباشر مقدمو ومقدمات الرعاية الصحية تقديم الخدمات للناجيات من العنف الجنسي مباشرة فور حصول اتصال بهن، سواء كان هذا الاتصال بشكل مباشر بموافقتها أو جاء بعد تحويل الناجية من جهات إنفاذ القانون. ويجب أخذ موافقة الضحية/ الناجية الكاملة للحصول على الرعاية وعمل الفحوصات بعد إخبارها بجميع الخطوات المتخذة، ويتوقف الفحص في حال رغبت الناجية في التوقف في أي لحظة منه. كما أن الضحية هي من يحدد إن كانت ترغب في متابعة السلطات وقوى إنفاذ القانون لقضية الاغتصاب -أو الاعتداء الجنسي- أو الاكتفاء بالفحص الطبي فحسب، وذلك بما يضمن حفظ استقلاليتها الجسدية الكاملة.

تتضمن الاستجابة داخل المراكز الصحية للتعامل مع حالات العنف الجنسي مجموعة من الخطوات منها:

  1. تقديم الرعاية الصحية الأولية للناجية من الاغتصاب، يشمل ذلك علاج الجروح والرضوض الناتجة عن الاعتداء وإجراء الفحوصات الطبية الشاملة للتأكد من عدم وجود أي أضرار جسدية، وتقديم مجموعة من الأدوية الوقائية تشمل مضادات فيروسية للوقاية من الإصابة بالإيدز (الوقاية اللاحقة للتعرض PEP) ومضادات حيوية ضد العدوات البكتيرية مثل السيلان والكلاميديا بالإضافة إلى حبة منع الحمل الطارئة [29].
  2. جمع الأدلة الجنائية من جسم الضحية، يشمل ذلك توثيق الإصابات الجسدية بالصور وجمع عينات بقايا السوائل الحيوية والحمض النووي بالإضافة إلى عينات من الدم والبول لفحص احتمالية وجود آثار لمواد مخدرة. وذلك من أجل حفظ سلسلة الأدلة لاستخدام قوات إنفاذ القانون وفحصها جنائيًا [30].

يختلف المنطق الذي يحكم الاستجابة للعنف الجنسي باختلاف الدول، حيث أن لكل دولة نظامها وأدلتها الإرشادية الخاصة بها، وأيضًا فإن كل دولة تعرف الاغتصاب بطريقة مختلفة وبالتالي فإن ما يُعتبر "اغتصابًا" من منظور نسوي قد لا يُصنف كعنف من الأساس في بعض الدول،(مطلوب مصدر) إذ أن الاعتداء الجنسي يُقارب نسويًا من خلال مفهوم "الرضائية" الكاملة وبالتالي يجب أن تكون موافقة المرأة على الاتصال الجنسي كاملة، وأن لا تُمنح تحت أي قدر من القسرية. لذا فالاغتصاب قد لا يتسبب بأضرار جسدية واضحة للناجية. أما التعريفات القانونية للاغتصاب فإنها - في كثير من السياقات - تتعامل معه كحدث عنيف يحصل باستخدام القوة المفرطة ويُفترص أن يتسبب بضرر جسدي مرأي. إن تعريف الاغتصاب يعطي الأساس لتعريف الضحية، وتعريف الضحية هو الذي يعطي الأساس لاستحقاقها بالحصول على الرعاية الصحية والاستجابة لوضعها كضحية وناجية من تجربة عنف جنسي.

من جهة أخرى، فإن مقاربة الاغتصاب تختلف من مكان لآخر بناء على تحديد طبيعة الحدث، فالاغتصاب في بعض الدول قضية قانونية وجنائية بالدرجة الأولى وبالتالي فإن دور المؤسسة الصحية يتمحور بشكل أساس حول جمع الأدلة الجنائية من أجل إثبات حدوثه، كما أن المراكز الصحية التي تتعامل مع حالات الاغتصاب تُلزم بالإبلاغ عنها مباشرة للسلطات، وهو ما يتعارض مع حق الناجية في الخصوصية والحصول على الدعم والرعاية بالصورة التي تراها مناسبة، وبالتالي فإنه يشكل عائقًا أمام سعيها للحصول على الرعاية الصحية خاصة لو كان الإفصاح عن تعرضها للاعتداء قد يعرض حياتها للخطر. تتبنى دول أخرى نماذج عمل أكثر شمولية تكامل بين الجانبين الصحي والقانوني مع دعم التخصص، أي توفير مراكز و/أو كوادر مختصة بالتعامل مع الناجيات. يستند هذا المنظور إلى نموذج "بانزي"[31] الذي وضعه الطبيب الكونغولي دنيس موكويغي اعتمادًا على خبرته في التعامل مع ضحايا العنف الجنسي خلال الحرب الأهلية الكونغولية في مستشفى بانزي شرق البلاد، وقد قاد هذا النهج المستند على التكامل والتخصص إلى تأسيس مراكز الخطوة الواحدة one-stop centers،[32] وهي مراكز مخصصة لتقديم جميع جوانب الرعاية للناجيات من العنف الجنسي. اعتمدت الأمم المتحدة هذا النموذج وبدأت في الدعوة إلى تطبيقه دوليًا وبخاصة في الدول "النامية" ومناطق النزاع. رغم ذلك، فإن العديد من العقبات لا تزال موجودة أمام تطبيقه بفاعلية، إذ يتطلب اعتماد نموذج مراكز الخطوة الواحدة فرض قوانين وإصدار أنظمة ووجود إرادة سياسية، بالإضافة إلى ضرورة توفير اللوجستيات والتمويل المالي الكافي وتدريب الكوادر والخبرات المطلوبة. حتى أن بعض الأمثلة لتطبيق النموذج انعكست على الناجيات بشكل سلبي، وفي بعض الحالات، تسبب العاملين في المراكز بالأذية للناجيات بسبب نقص التدريب وقلة الخبرة وتعمد بعضهم انتهاك خصوصية وسرية الناجيات والإفصاح عن بياناتهن [33].

تؤثر الصورة النمطية المجتمعية لضحية الاغتصاب على كيفية تعامل ممارسي العمل الصحي مع الناجيات. فالمجتمعات أيضًا - كما القوانين - تعرف ضحية الاغتصاب "المثالية"، ومن الأمثلة على الصفات والممارسات المتوقعة للضحية: التعرض للاعتداء بالقوة - ظهور الآثار الجسدية للاعتداء - الملابس الممزقة لإثبات فعل المقاومة - الملابس غير الكاشفة قبل التعرض للإعتداء- عدم شرب الكحول أو تناول مواد مخدرة بهدف التسلية خلال المناسبات الاجتماعية - غياب تاريخ جنسي خارج إطار الزواج وعدم نشر محتوى يعتبر مخالف للتقاليد على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصورة متأثرة أيضًا بالتصورات عن الاغتصاب كحدث عنيف بدون أخذ مفهوم الرضائية بعين الاعتبار، وفي حال لم تكن هذه الصورة واضحة خلال طلب الناجية للمعونة والرعاية الصحية (والقانونية أيضًا) فإنها قد لا تُعامل بجدية بل وتتعرض أيضًا للملامة [34]. ويُؤخذ بالاعتبار أن الناجيات معرضات أيضًا لمستويات أعلى من الانتهاك خلال الرعاية الصحية لاعتبارات اجتماعية أخرى. فالنساء المنتميات لفئات مهمشة -من لاجئات، أقليات عرقية وثقافية، نساء يعانين من الإعاقة أو من الإدمان، نساء أكبر عمرًا أو مصابات بأمراض نفسية- هن أقل احتمالًا للحصول على رعاية صحية ودعم قانوني بعد الاعتداء الجنسي مقارنة بغيرهن [35].

تعاني المنطقة الناطقة بالعربية أيضًا على وجه الخصوص من القصور الحاد في الاستجابة الصحية للعنف الجنسي. فمن جهة هناك قصور في تعريف الاغتصاب في القوانين الجنائية،[36] ومن جهة أخرى نادرًا ما تتوفر أدلة وتوجيهات إرشادية طبية حكومية للتعامل مع الناجيات من العنف الجنسي داخل المؤسسات الصحية، وبعض الأدلة المتوفرة تتميز ناقصة وقاصرة في المعلومات وتفتقد للتمييز بين أنواع العنف القائم على الجندر ولا تعالج مشكلة الاغتصاب والعنف الجنسي على الإطلاق، إنما تتعامل غالبًا مع بعض أشكال العنف الأسري فحسب. على سبيل المثال، أصدرت وزارة الصحة الأردنية دليلًا بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للسكان مخصصا للتعامل مع حالات العنف ضد النساء لم يناقش إلا حالات العنف الأسري فقط[37]. كما أصدر الهلال الأحمر الفلسطيني في 2020 نسخة من "دليل إجراءات العمل الموحدة لإدارة الحالة للناجين والناجين من العنف المبني على النوع الاجتماعي" في قطاع غزة، ولكنه لم يحتوِ حتى على تعريف لمفهوم العنف أو توضيح المعايير اللازمة لتحديده. كلا المثالين المذكورين لا يقدم أي توجيهات للتعامل مع ضحايا العنف على المدى الطويل ولا يعطي أي اعتبار لحقيقة غياب أي شبكات دعم حقيقية للناجيات من الاعتداء.

تقدم بعض المنظمات والمبادرات النسوية وغير الحكومية بدائل لمعالجة القصور في الإجراءات الحكومية والصحية بحيث تقدم خدمات الرعاية الأولية والدعم القانوني والدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من الاغتصاب. على سبيل المثال، قدم مستشفى بانزي شرق الكونغو، استنادًا إلى خبرته في التعامل مع استخدام الاغتصاب كسلاح خلال الحرب الأهلية، نموذجًا شاملاً للتعامل مع الناجيات يشمل جوانب صحية وقانونية ودعم اجتماعي ونفسي وكذلك دعم اقتصادي وإعادة تأهيل للناجيات. أيضًا فإن منظمة RAINN (الشبكة الوطنية لضحايا الاغتصاب والإساءة والاعتداء الجنسي داخل الأسرة) تقدم خدمات الدعم الصحي والمجتمعي والقانوني لملايين النساء من ضحايا الاغتصاب في الولايات المتحدة.

في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، تقدم بعض المبادرات المحلية والمهام التابعة لمؤسسات حقوقية دولية، مثل منظمة كير ومنظمة أطباء بلا حدود، مساعدة لضحايا العنف الجنسي، خاصة في مناطق النزاع والحروب والدول التي تضم أعدادًا كبيرة من النازحين واللاجئين مثل مصر والأردن ولبنان. توفر بعض المبادرات أيضًا خدمات إلكترونية لدعم الضحايا مثل مبادرة "كوبلي" المخصصة لدعم اللاجئين واللاجئات في مصر[38] ومشروع الألف في لبنان الذي يقدم خدمة "الخط الساخن للجنسانية" الذي يستقبل اتصالات من ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.مصدر كما بادرت ناجيات من العنف الجنسي خلال الحرب الأهلية في دارفور غرب السودان إلى نشاء مجموعات مشتركة للدعم.[39] المقال الرئيسي لهذا الموضوع ”عنف جنسي

الصحة الجنسية النفسية والاجتماعية

تشكل الصحة الجنسية عاملًا محوريًا في الاستقرار النفسي والعاطفي للأفراد، كما أنها تتأثر في حال الإصابة بأي اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة[40]، وغالبًا ما ترتبط هذه الاضطرابات بتجارب شخصية سابقة، خاصة في حال تضمنت التعرض للعنف في تجارب سابقة. وتعتبر عوامل مثل الأمان والراحة بالتعاطي مع الجسد والاحترام والرضائية والتواصل الصحي بين الشركاء واستكشاف الرغبة دون وصم مؤثرات رئيسية في الصحة العاطفية والنفسية.

من الجوانب النفسية المهمة المرتبطة بالصحة الجنسية تحقيق الشعور بالتصالح مع صورة الجسد، ليس فقط عن طريق قبول الذات بشكل فردي، بل كعملية مستمرة تسعى لتفكيك المعايير الاجتماعية والثقافية التي تشكل إدراكنا بأجسادنا. ويشمل ذلك الوعي بالجسد كمساحة استكشافية والقدرة على التفاعل معه دون مراقبة أو وصم. كما يتضمن التصالح مع الهوية الجندرية والقدرة على التعبير عنها بحرية وبدون القيود المعيارية على الأجساد والتعبيرات الجندرية. لذلك، يدعو المنظور النسوي إلى تطبيع اختلاف تجارب الأفراد—بغض النظر عن هوياتهم الجندرية أو قدراتهم أو خلفياتهم—في فهم الرغبة الجنسية وممارستها بصورة صحية وبالطريقة التي تناسبهم بما يضمن حرية الاختيار والرضائية.

وتتأثر السلوكيات الجنسية، حتى الفردية منها، بالبيئة الاجتماعية والمنظور الاجتماعي للجنس. إن ما يخضع للتابوهات المجتمعية - بما في ذلك الجنس - يحدد بالعادة سلوكيات الأفراد والقدرة على التعبير عن الجنسانية وممارسة الحريات الجسدية والجنسية. في ذات الوقت، تتحسن الصحة الجنسية داخل العلاقات العاطفية الصحية التي فيها أرضية للمشاركة والتواصل والثقة المتبادلة. وهي إحدى أشكال شبكات الدعم الاجتماعي التي تمنح الأفراد مساحات للبحث عن الدعم والمساعدة وطلب النصيحة خلال التعامل مع المشكلات المتعلقة بالصحة الجنسية.

تتضمن الصحة الجنسية الاجتماعية أيضًا محاور أساسية أخرى، من أهمها مفهوم "الرضائية" كممارسة اجتماعية تنظم العلاقات الجنسية بين الأفراد وتساهم في صناعة الحدود الشخصية كجزء من الحقوق الجنسية. كما أنها تشترط لتحقيقها تحرير الأفراد من منظومات الوصم الاجتماعي، وهي منتج اجتماعي يؤثر على علاقات الأفراد وقدرتهم على تحقيق الصحة الجنسية. ويشمل هذا الوصم مفاهيم، مثل الشرف والمحرمات الاجتماعية التي تحيط بالجنس، وتؤثر على التنوع الغني في التجارب الجنسية خارج حدود الأنماط المعيارية للممارسة الجنسية (جنس غيري داخل حدود مؤسسة الزواج). بالإضافة لذلك، فالتمايزات الاجتماعية تؤثر أيضًا على القدرة على ضمان وصول جميع الأفراد في المجتمع إلى ذات المستوى من الصحة الجنسية، حيث أن الاختلافات الطبقية والاثنية والثقافية وعوامل أخرى مثل الإعاقة الجسدية والنفسية وغيرها تنتج مستويات متعددة من الوصول وتفاوت في جودة حصول الأفراد - باختلاف احتياجاتهم - على مستوى عادل من الخدمة الصحية.

الرعاية الذاتية

بحسب منظمة الصحة العالمية فإن الرعاية الذاتية هي "قدرة الأفراد والعائلات والمجتمعات على الحفاظ على الصحة ومنع الأمراض والتعامل معها، سواء كان ذلك مصحوبًا بدعم ممارسي العمل الصحي أو بدونه".[41] إن الوقاية من المرض أمر راسخ في الممارسة الطبية منذ القدم، لكن مفهوم "الرعاية الذاتية" بشكله الحالي قد بدأ بالتشكل حديثًا[42] كاستجابة للنقص العالمي في أعداد الأطباء، وقد ساهمت موجة وباء كوفيد-19 العالمية في الدفع أكثر باتجاه تبني ممارسات الرعاية الذاتية، بحيث يصبح الأفراد أقل اعتمادًا على المؤسسة الطبية وأكثر قدرة على التعامل مع الأمراض مع مستوى أقل من تدخل ممارسي العمل الصحي، أي أن الرعاية الذاتية لا تُلغي التدخل الطبي المؤسسي بل تعمل كداعم له ضمن رؤيته وتحت إرشاداته. تشمل تدخلات الرعاية الذاتية في الصحة الجنسية تعليم الأفراد كيفية تطبيق سلوكيات واستخدام أدوية وأدوات وقائية وتشخيصية مثل وسائل منع الحمل ووسائل الجنس الآمن وفحص بعض العدوات الجنسية مثل فيروس الورم الحليمي للكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم.

ومن الملاحظ أن مفهوم الرعاية الذاتية في السياق الأممي لا يزال مرتبطًا بالصحة الجسدية فقط، وهو ما يتسق مع الدوافع وراء تأسيس تدخلات الرعاية الذاتية، ولكنه يتعارض مع المفهوم الشامل الذي حاولت ترسيخه الأمم المتحدة للصحة الجنسية والذي يشمل جوانب اجتماعية ونفسية مهمة.

هنالك أهمية متزايدة لمساعدة الأفراد والنساء على وجه الخصوص، على إدارة صحتهن بشكل ذاتي في سياق الصحة الجنسية، ليس فقط للوقاية والتعامل مع الأمراض، بل تمتد لتشمل المعرفة الجسدية وفهم المشاعر واستكشاف ما يحقق المتعة، إلى جانب القدرة على اتخاذ قرارات واعية وآمنة، والوصول إلى الرعاية والمعلومات. كما يشمل التعامل مع الصعوبات المجتمعية، مثل التابوهات الاجتماعية المتعلقة بالممارسات الجنسية والهويات الجندرية والقدرات الجسدية، والتي تجعل من وصول الأفراد -مثل النساء غير المتزوجات والأشخاص ذوي الإعاقة وأصحاب الهويات الجندرية غير النمطية- للخدمات الصحية أمرًا صعبًا، خاصة في دول المنطقة العربية.

عند ظهور مصطلح "الرعاية الذاتية" في التوجيهات الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية أول مرة في 2019، ورغم أنها جاءت جزئيًا كاستجابة لنقص الأطباء عالميًا، روجت المنظمة لتدخلات الرعاية الذاتية باعتبارها أداة لتمكين الناس من خيارات للرعاية تربطهم بالمنظومة الصحية وتقلص "الحالة الوبائية لعدم المساواة في كل منطقة".[43] يغفل هذا المنظور الأسباب البنيوية لهذا النقص ويحوّل المسؤولية إلى الأفراد والمجتمعات بدلًا من معالجة العقبات الهيكلية التي تسببت في إحداث النقص في الأطباء والعاملين في المجال الصحي وتسببت في الحد من وصول النساء إلى الرعاية. يؤثر هذا النقص أيضًا بالسلب على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى ويؤدي إلى إقصاء عدد كبير منهم خارج منظومة الرعاية. كما يتيح مجالًا أوسع أمام القطاع الخاص الطبي لتقليص الخدمات وضغط النفقات التشغيلية وتقليل جودة الخدمات المقدمة للمرضى بدعوى النقص في الكادر.

ومن منظور نسوي، لا يمكن فهم الرعاية الذاتية - سواءً الجسدية أو النفسية أو العاطفية- كمسؤولية فردية محايدة، إذ تتشكل ضمن بنى اجتماعية وسياسية تتحكم في إمكانية كل شخص الحصول على الدعم والرعاية والوصول إلى والمعرفة وفهمها. الرعاية الذاتية النسوية تعني بناء شبكة حماية ودعم اجتماعي تتمكن فيها النساء من تبادل التجارب والمعارف والأدوات والموارد التي تمكنهن من بناء علاقات صحية مع الجسد، داخل وخارج السياق الجنسي. كما تتيح لهن استكشاف المتعة والرغبات بشكل صحي وآمن، والتعبير عن المشاعر والأفكار داخل العلاقة العاطفية والدوائر الاجتماعية التي ينشطن فيها، بدون خوف من وصم أو تمييز. يجب أن تشمل أيضًا تحديد مصادر والراحة والأمان والعمل على ترسيخها.

التعليم والثقافة الجنسية

المعرفة عامل أساسي في تعزيز الصحة الجنسية، وبالتالي يجب تطبيع التثقيف الجنسي كممارسة أساسية يتمكن جميع الأفراد -باختلاف أعمارهم- من الحصول عليها. تستهدف برامج التثقيف الجنسي الرسمية عادة الأطفال والمراهقين وتصور الجنس باعتباره مسألة تُدار من منظور طبي بدون تناول جوانبه الشخصية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يقتصر المحتوى غالبًا على معلومات تتعلق بالجهازين التناسليين، والحمل ومنع الحمل، والدورة الشهرية والوقاية من الأمراض المنقولة جنسيًا. إلا أن المعرفة والثقافة الجنسية من منظور نسوي تشمل فهمًا أوسع يتجاوز الإطار الطبي، ويتضمن مسائل مثل الرضائية الجنسية والحقوق الشخصية داخل العلاقات وفي سياق المؤسسات الطبية، إضافة إلى سبل الوصول إلى الرعاية الصحية والنفسية.

رغم أن العديد من الدول حول العالم بدأ منذ عقود تطبيق برامج للتثقيف الجنسي، فإن دول المنطقة العربية لا تزال متأخرة في هذا المجال. كما أن غالبية الدول التي تعتمد برامج ثقافة جنسية تختزل محتواها في الجانب البيوطبي biomedical بشكل شبه حصري، إذ يتعلم الأشخاص في مرحلة الطفولة والمراهقة عن تشريح الجهاز التناسلي ووسائل منع الحمل والوقاية من الأمراض المنقولة جنسيًا، وفي بعض الأحيان، عن الحمل والولادة.(مطلوب مصدر) يمكن فهم هذا التوجه بوصفه انعكاسًا لمقاربة المؤسسات الرسمية، التعليمية والطبية على السواء، للجنس كمصدر لخطر يجب إدارته والوقاية منه أو كوسيلة للتكاثر والإنجاب، مع إغفال أبعاده الجسدية والاجتماعية والنفسية. ونتيجة لذلك، يختزل محتوى التعليم الجنسي للأطفال والمراهقين في الإطار الطبي، انطلاقاً من تصور مجتمعي يعتبر الجنس موضوعاً ينبغي تجنبه إلى حين بلوغ سن الرشد. ومع ذلك، يظل السياق العربي بعيداً حتى عن هذا النقاش المحدود أصلًا؛ إذ تشكّل هذه المفاهيم أحد المحرمات الاجتماعية الراسخة، وتفتقر معظم دول المنطقة إلى أي سياسات تعليمية منظمة في هذا الشأن، بغض النظر عن مضمونها أو نطاقها.

من منظور نسوي، يهدف المعرفة والتثقيف الجنسيين إلى تمكين الأشخاص، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الهوية الجندرية، من فهم أجسادهم ورغباتهم وجنسانيتهم، وتقدم النشاط الجنسي كخيار شخصي وليس كالتزام، مع تفكيك الصور والأدوار الجندرية النمطية التي تحدد كيف يجب أن يتصرف كل من الرجال والنساء جنسيًا. يشمل ذلك أيضًا تقديم معلومات حول الصحة الجنسية ووسائل الحماية والعلاقات العاطفية، وتشجع على الرضائية والمسؤولية الشخصية والمتعة، وتؤكد على أن المتعة الجنسية تجربة إيجابية ومستقلة بذاتها، وليست مجرد وسيلة للتكاثر أو الصحة أو التبادل المادي.(مطلوب مصدر)

لا تكتفي الدراسات النسوية بمحاولة تمكين النساء عبر إتاحة المعرفة الجنسية، فالمعرفة نفسها ليست حيادية أو متاحة بالتساوي، بل تُنتَج وتُتداول داخل بنى اجتماعية وسياسية تتحكم في ما يُقال وما يُحجب. ففي سياقات عديدة في المنطقة العربية والجنوب العالمي، لا يُمنع فقط الوصول إلى المعلومات، بل يُعاد تشكيل الفهم الفردي للأجساد والرغبات عبر منظومات من الأعراف الجندرية، والتأويلات الدينية، والمعلومات الطبية المغلوطة.

وبالتالي، يسعى المنظور النسوي إلى إعادة تشكيل الشروط الاجتماعية التي تحدد إمكانيات استخدام هذه المعرفة، لأن قدرة النساء على اتخاذ قرارات لا تنفصل عن شروط مادية واجتماعية تحدد من يملك فعلًا الاختيار داخل العلاقة، ومن يُفرض عليه الصمت أو الامتثال. على سبيل المثال، الرضائية والتعبير عن الرغبة أو الرفض ممارسة لا تتشكل بالقانون وحده بل تتواجد داخل علاقات قوة غير متكافئة، حيث يتداخل الخوف، والاعتماد الاقتصادي، والوصم الاجتماعي. وتختلف تجارب النساء وقدرتهن على التفاوض داخل علاقاتهن بناءً على العمر والحالة الاقتصادية والقدرة الجسدية. فيساعد التثقيف الجنسي على فهم كيف تؤثر البنى الاجتماعية مثل الطبقة والجندر والميول الجنسية والتجارب السابقة على الحياة الجنسية، وكيفية التعامل مع آثار العنف والإساءة الجنسية والتحديات الاجتماعية المرتبطة بالجنسانية.

لا يزال التعليم الجنسي واحدًا من التابوهات الاجتماعية في عديد من دول المنطقة وتحيط به هالة من الوصومات[44] رغم تواتر التوصيات بضرورة دمجه في المناهج المدرسية[45]، حتى لو عن طريق تهذيب النموذج الغربي للتعليم الجنسي ليتوافق مع المعطيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة[46]. ولا تزال معظم المجتمعات في المنطقة رافضة لفكرة التعليم الجنسي بشكل كبير وإن أبدى بعضها قبولًا لها فإنه قبول جزئي منوط باشتراطات متعددة، إذ يقتصر على الأمور الطبية والتشريحية على يبدأ بعد سن معينة لا تقل عن السادسة عشرة. وبالنسبة لكثيرين، فإن تعليم المراهقين والشباب عن الجنس يعني تشجيعهم على ممارسته خارج حدود الزواج. هذه التصورات النمطية تعني بقاء شريحة واسعة جدا من الأفراد بدون أي معرفة جنسية، وبالتالي سعيهم للبحث عنها من خلال مصادر غير موثوقة بشكل يؤدي إلا إلى الإضرار بصحتهم الجنسية والجسدية والتأثير على علاقاتهم مستقبلًا.

رغم أن دمج التعليم الجنسي في المناهج المدرسية بدأ أول مرة في منتصف القرن الماضي، إذ كانت السويد أول دولة تعتمد التعليم الجنسي في 1955 وتبعتها لاحقًا دول أخرى في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية.[47] فإنه لا يزال قيد التطوير من ناحية المفاهيم والمحتوى حتى اللحظة. تقليديًا، كان التعليم الجنسي استجابة لضرورات ملحة لدى بعض الحكومات مثل محاولات الضبط السكاني والسيطرة على الانتشار الوبائي للأمراض المنقولة جنسيًا، وقد حكمته في البداية توجهات محافظة تعاملت معه اختزاليًا كشأن صحي وجسدي فقط بدون الالتفات إلى جوانبه الاجتماعية، ولا تزال هذه التوجهات تسيطر على مناهج التعليم الجنسي في كثير من الدول، يشمل التعليم الجنسي في هذا السياق مواضيع مثل:

  • معرفة طبية (تشريحية وفسيولوجية) بالجهاز التناسلي ووظائفه الحيوية والجنس والحمل والولادة.
  • معرفة باستخدام وسائل منع الحمل.
  • وسائل الجنس الآمن والأمراض المنقولة جنسيًا.

إن اختزال التعليم الجنسي المحافظ في المواضيع الطبية والجسدية يرسخ انطباعًا بتعامله مع الجنس كمشكلة بحاجة إلى إدارة، أو سلوك يلزم الحد من آثاره السلبية. للك تُستبعد موضوعات مثل اللذة والرغبة الجنسية والرضائية من حدود التعليم المدرسي، إذ يقوم هذا المنطق على افتراض أن على المراهقين والقصر ينبغي تجنبهم للجنس باعتباره سببًا للحمل غير المرغوب والأمراض المنقولة الجنسية، لا باعتباره تجربة يمكن يختبروها ويستمتعوا بها بشكل آمن ومسؤول. إلا أن التثقيف الجنسي لا يقتصر فقط على اللذة والرغبة فحسب، بل يمتد لدعم الأفراد على استكشاف جنسانيتهم وميولهم الجندرية وأن يعلمهم القبول والتصالح مع تنوع الهويات والتعبيرات الجندرية وللجسد والرغبة وطرق الإمتاع الجنسي سواء كان ذاتيًا أو مع شريك أو شركاء مختلفين، فيخوضوا التجربة الجنسية بدون شعور بالخجل أو العار أو الوصم. يجب أيضًا أن يستهدف التعليم الجنسي ترسيخ منظور إيجابي عادل عن العلاقات الجنسية والعاطفية قائم على الرضائية والتعاطف واحترام الحدود والرغبات. حاليًا تتبنى العديد من الدول منهجيات أكثر شمولية للتعليم الجنسي، تبدأ باستهداف الأطفال في سن مبكرة، وتركز على تعليمهم الفروقات بين السلوكيات الإيجابية والسلوكيات السلبية، بجانب تعليمهم المفاهيم الجنسية بشكل مبسط. كما أن الثقافة الجنسية عملية مستمرة وتراكمية ولا يمكن تقييدها بحدود عمرية أو تخصيصها للأطفال والمراهقين في البرامج الحكومية فحسب، بل تشمل أيضًا أدوات معرفية وتثقيفية مخصصة للبالغين.[48] وهو ما تسعى للإسهام فيه على الأرض جهات نسوية وصحية متعددة مهتمة بالصحة الجنسية.[49][50]

تاريخ: تطور مفهوم الصحة الجنسية

في المؤسسة الطبية: القرن 19 وال20

ظهرت الجنسانية بوصفها مسألة تتعلق بالصحة العامة في منتصف القرن التاسع عشر، وكان موضوعها الأساسي هو الإنجاب. كان الهدف من أي سياسات أو إرشادات صحية هو ضبط سلوكيات الأفراد لاستمرار الظروف المثالية للإنجاب داخل إطار الزواج والأسرة. بذلك لم تخرج الحياة الجنسية عن الجانبين الوظيفي والأخلاقي. على مستوى الممارسة الطبية، لم تمثل الصحة الجنسية مجالًا طبيًا متخصصًا، بل اشتملت على عدة محاور متداخلة وهي:ضبط الأمراض التناسلية والتقنين الأخلاقي والطب الإنجابي وبداية علم الجنس (السكسولوجيا). وتعاملت المؤسسة الطبية مع الجنسانية على أنها منشأ الأمراض والانحطاط الأخلاقي والخلل الاجتماعي[51]. ركزت الممارسة الطبية في القرن التاسع عشر على التحكم في العمل الجنسي من خلال "سياسات الأمراض المعدية" والتعامل مع العدوى المنتقلة جنسيًا مثل الزهري والسيلان، باستخدام أساليب علاج خطرة أو غير فعالة، ومنها العلاج بالزئبق ومركبات اليود وكي الالتهابات الجلدية والإقامة المطولة في المستشفيات. وارتبطت سياسات الصحة العامة بضبط العمل الجنسي الذي تضمن إجراء فحوصات تناسلية قسرية لعاملات الجنس وتسجيل بياناتهن في سجلات طبية واحتجاز النساء المصابات في مستشفيات الأمراض التناسلية. في كتاب "الدعارة والمجتمع الفيكتوري: النساء والطبقة والدولة"(Prostitution and Victorian society Women, Class, and the State)، نشر 1983، تبين جوديث والكوويتز (Judith Walkowitz) أن هذه السياسات لم تطبق على جميع النساء، بل ركزت بصورة أساسية على نساء الطبقة العاملة والفقيرات. وتوضح جوديث تعامل الأطباء والدولة مع النساء باعتبارهن المصدر الأساسي للأمراض الجنسية، بينما تتجاهل مسؤولية الرجال، وخاصة الجنود والبحارة. كما توضح مساهمة الخطاب العام في إعادة تعريف الجنسانية في القرن التاسع عشر ونجاح الدولة في إعادة تعريف مفهوم الانحراف الاجتماعي حيث حولت "الدعارة" من "خطيئة أخلاقية" إلى "مشكلة اجتماعية وطبية" تحتاج إلى مراقبة وإدارة.

وساهم النظام الطبي في ترسيخ السيطرة الأبوية على أجساد النساء، نظرًا لتركيزه على الجانب البيولوجي فقط. إذ يقوم هذا النظام على استخدام ثنائية "طبيعي/مريض"، والتي تعمل على إسكات الاحتياجات التي تتجاوز الحدود المفروضة، وضبط جنسانية النساء وتُقيد أي شكل من أشكال تمردهن أو التعبير عن احتياجاتهن[52]. وتعامل الأطباء في القرن التاسع عشر مع السلوكيات الجنسية من منظور أخلاقي، فكان الاعتقاد السائد هو أن النشاط الجنسي خارج إطار الزواج — خاصة الإمتاع الذاتي والعمل بالجنس — يسبب الأمراض الجسدية والنفسية. ويعتبر كتاب "الاستمناء" (L'Onanisme) (1769) للطبيب السويسري صامويل أوغست تيسو Samuel-Auguste Tissot من الطروحات العلمية التي شكلت الرأي الطبي حول الإمتاع الذاتي. وكرس هذا الكتاب تصورًا للإمتاع الجنسي الذاتي باعتباره ممارسة خطيرة تؤدي إلى الاضطرابات العصبية، والجنون، والعمى، والضعف الصحي العام، وبالتالي تحول إلى مشكلة طبية. وتضمنت توصيات الأطباء كبح الرغبات الجنسية وتجنب الخيانة الزوجية.[53]

بعد استبدال الدور التقليدي للقابلات بالرجال في المهن الطبية، ظهر علم طب النساء (Gynaecology) لربط جنسانية النساء بالطب الإنجابي. وكان جيمس ماريون سيمز J. Marion Sims من المؤسسين لطب النساء وابتكر تقنيات جراحية جديدة مثل التقنية الجراحية لإصلاح الناسور المثاني المهبلي. لكنه توصل إلى هذه التقنية عن طريق إجراء تجارب على النساء السوداوات المستعبدات دون تخدير. ووفقًا لكتابات نسوية ونقدية لاحقة، فإن علم طب النساء قد صنف أجساد النساء على أنها مرضيّة بطبيعتها وحصر مفهوم الصحة الجنسية في الوظيفة الإنجابية. تضمنت التشخيصات الطبية آنذاك الهيستيريا والجنسانية المفرطة أو الناقصة، واتسمت الأساليب العلاجية بالتدخل الجراحي المفرط، خاصة جراحات الحوض واستئصال البظر، بوصفه علاجًا لحالات الهيستيريا والمرض النفسي[54].

في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الجنسانية مادة للتصنيف العلمي في مجال الطب النفسي. فقد صنّف كتاب "الاعتلال الجنسي" (Psychopathia Sexualis) نشر 1886 لريتشارد فون كرافت إيبينغ Richard von Krafft-Ebing سلوكيات مثل المثلية الجنسية، و الفتيشية، والسادية والمازوخية على أنها حالات مرضية. ساهم هذا العمل في تكوين المفهوم الحديث للهوية الجنسية، إلى جانب تطبيبها ووصمها [55]. ربط الطب في أواخر القرن التاسع عشر بين النشاط الجنسي ومخاوف الانحطاط الاجتماعي والبيولوجي. في كتابه "وجوه الانحطاط" (Faces of Degenration)، يوضح دانيال بيك Daniel Pick ربط نظرية الانحطاط (Degeneration theory) بين السلوك الجنسي وقضايا القوة الوطنية وجودة الجينات الموّرثة، حيث أصبحت الأمراض التناسلية -خاصة الزهري- تُقدَّم كتهديدًا مباشرًا "لجسم الأمة". فجادل بعض الأطباء بأن انتشار الأمراض الجنسية يؤدي إلى إضعاف القدرة العسكرية والإنتاجية للسكان، ويؤثر في الخصوبة وصحة الأطفال، ومن ثم يهدد القوة القومية، وبالتالي ينبغي أن يخضع السلوك الجنسي والإنجابي للإشراف الطبي. وأصبحت الصحة الجنسية مرتبطة بإدارة السكان، تمهيدًا لفكر تحسين النسل الذي ظهر لاحقًا.[56]

في بدايات القرن العشرين، كانت حركات تحرير المرأة قد بدأت بالمطالبة بإتاحة وسائل منع الحمل والإجهاض مجانًا.أدى ظهور حبوب منع الحمل وطرحها في الأسواق إلى تغيير جذري في مفهوم الجنسانية في سياق الصحة العامة. فقد شكلت هذه الحبوب الأساس الطبي للفصل بين النشاط الجنسي والإنجاب. في الوقت ذاته، بدأت دراسة الصحة الجنسية من خلال الأبحاث الجنسية التجريبية وعلم السلوك، لا سيما في الجامعات والمستشفيات. نُشرت أبحاث فيرجينيا جونسون Virginia E. Johnson وويليام ماسترز William H. Masters حول "الاستجابة الجنسية للإنسان" و النشوة الجنسية، بما في ذلك النشوة الجنسية لدى المرأة، مما عزز إيروتيكية النشاط الجنسي بعيدًا عن الغرض الإنجابي.

من عام 1960 إلى عام 1980، أصبحت الصحة الجنسية جزءًا من مؤسسات الطب والعلاج الجنسي السريري أكثر فأكثر، حيث ظهرت عيادات متخصصة في علاج الاضطرابات الجنسية مثل ضعف الانتصاب وعدم القدرة على الوصول إلى النشوة الجنسية. تمكن المتخصصون من إعادة تعريف اضطراب ضعف الانتصاب بوصفه مسألة تخص الصحة العامة، وهو ما يعكس نزعة إلى "تطبيب" (medicalization) الجنسانية، أي تستدعي التشخيص والعلاج. تم تعميم النهج السريري الفردي ليشمل جوانب في مجالات التعليم وعلم الأوبئة والإحصاء والاقتصاد والقانون. وبذلك لم يعد العلاج السريري، أي العلاقة بين الطبيب والمريض، الشكل الوحيد للتدخلات الطبية المتبعة.[57]

في ثمانينيات القرن العشرين، أحدث ظهور فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز) تغيرًا جذريًا في مجال الصحة الجنسية، إذ انتقل التركيز من العلاج إلى الوقاية والتوعية وضبط السلوك المجتمعي. ونظرًا لغياب لقاح فعال وقتها، رأى خبراء الصحة العامة أن الوقاية تعتمد بدرجة كبيرة على تغيير السلوكيات الجنسية الفردية. ولهذا أُجريت مسوحات واستطلاعات وطنية واسعة في العديد من الدول الصناعية والنامية لدراسة أنماط السلوك الجنسي، خاصة الممارسات المثلية، والجنس الشرجي، وتعدد العلاقات. وأسهمت هذه الدراسات في تطوير نهج يجمع بين الرعاية السريرية واستراتيجيات الصحة العامة، مثل خدمات المشورة والتوعية والترويج الممارسات الجنسية الآمنة. تضمنت آليات التشخيص والعلاج آنذاك تحيزًا جندريًا أدى إلى تهميش واستبعاد النساء من أطر البحث والتشخيص والعلاج بشكل ممنهج[58].

في أدبيات الأمم المتحدة: القرن ال20

تطور مفهوم الصحة الجنسية ضمن إطار عمل منظمة الصحة العالمية عامي 1974 و1975، بناء على عمل متخصصي علم الجنس الطبي، حيث أوصوا بتدريب العاملين بالمهن الطبية في علم الجنس، خاصة العاملين في "تنظيم الأسرة". جاء تقرير عام 1975 المعنون "التربية والعلاج في مجال الجنسانية البشرية: تدريب العاملين في المجال الصحي" عن اجتماع منظمة الصحة العالمية في جنيف في الفترة من 6 إلى 12 فبراير 1974 بأول تعريف لمفهوم الصحة الجنسية على المستوى الدولي، وتضمن إدماج الصحة الجنسية ضمن إطار الصحة الجسدية والعاطفية والاجتماعية للفرد، دون حصرها في الأمراض التناسلية أو الإنجاب. رأى التقرير أنه، لتحقيق الصحة الجنسية، لا بد من محاربة الجهل و"الخرافات والتابوهات الثقافية". فانتقد القيم السائدة عن الجنسانية والرؤية الدينية للجنس بوصفها عائقًا أمام تحقيق أهداف الصحة الجنسية. طالب التقرير أيضًا بالمساواة الجنسية والحق في التمتع الجنسي، لكنه لم يذكر المثلية الجنسية أو تنوع الميول الجنسية. كما دافع التقرير عن فصل النشاط الجنسي عن وظيفة الإنجاب، لكنه اقترح رؤية استراتيجية لتطوير الصحة الجنسية من خلال إدراجها في جدول أعمال التدخلات المتعلقة بالصحة الإنجابية. وأدرج أيصًا قائمة يالمشكلات الصحية الجنسية، لكنها لم تشمل العوامل السيكولوجية أو المتعلقة بالعلاقات وديناميكيات القوة، وهو ما يعد شكلًا من تطبيب الجنسانية عبر اختزالها في الأعراض الجسدية.

كان ظهور وباء فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز أحد الدوافع الرئيسية لدخول منظمة الصحة العالمية في النقاش حول الجنسانية، حيث استجابت للوباء بوصفه مشكلة من مشكلات الصحة العامة. إلا أن رؤيتها للصحة الجنسية ظلت مقتصرة على التناقض بين حرية الاختيار الفردي والقيم والمعايير المجتمعية. في تقرير المنظمة عام 1987، خُصص ما يقرب من نصف هذه الوثيقة لمناقشة الصعوبات النظرية المتعلقة بتعريفات الصحة الجنسية. ووفقاً لكاتبيها، فإن هذه الصعوبات تنبع من حقيقة أن "الصحة الجنسية ليست مفهومًا علميًا. فمفاهيم الصحة الجنسية ترتبط بالثقافة والزمن، وتعبر عن قيم ومعايير المجتمع الذي تنتمي إليه"[59]. توصل الكُتّاب إلى أن أي تعريف لمفهوم الصحة الجنسية سيكون معياريًا ومقيدًا. اعتمد تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 1987 على نهج فردي في التعامل مع القضايا الجنسية، باعتبار أن كل فرد له خصوصيته وفقًا لاحتياجاته وتوقعاته. اتبع التقرير نموذج التدخل الوارد في تقرير عام 1975، والذي يشمل التعليم والتوعية والمشورة والعلاج الجنسي. يختلف التقرير عن تقرير عام 1975 في رؤيته للقيم الدينية المتعلقة بالجنسانية، فيرى أن تنفيذ برامج الصحة الجنسية يجب أن يتم في إطار القيم والمعتقدات السائدة، لا في مواجهتها، مع التأكيد على ضرورة احترامها.

في عام 2000، صدرت وثيقة بعنوان "تعزيز الصحة الجنسية: توصيات للعمل" برعاية منظمة الصحة للبلدان الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية. مثلت الوثيقة تحولًا في علم الجنس لاحتوائه أبحاث علماء الجنس من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، بخلاف التقارير السابقة التي ألفها مختصون من شمال أمريكا وأوروبا. تحتلف الوثيقة عن سابقاتها أيضًا في الفصل بين علاج الاضطرابات الجنسية ومشكلات الصحة الإنجابية، ومواكبة التغيرات الاجتماعية بتضمين مواضيع عن الجنسانية وانتشار فيروس نقص المناعة البشري والاعتراف بالعنف الجنسي ضد المرأة وحقوق مجتمع الميم وتطورات النظريات النسوية المتعلقة بالجنسانية.إضافًة إلى ذلك، تتضمن الوثيقة تعريفات لمفاهيم الجنس والجنسانية، كما تربط مفهوم الصحة الجنسية بمفهومي السلوك الجنسي المسؤول والمجتمع الصحي جنسيًا. و يرتبط هذان المفهومان بمفهوم الحقوق الجنسية، الذي تم اعتماد إعلان رسمي بشأنه في المؤتمر الرابع عشر للرابطة العالمية للصحة الجنسية الذي عُقد في هونغ كونغ عام 1999.

في 2006، نشرت منظمة الصحة العالمية التعريف العملي للصحة الجنسية: "الصحة الجنسية هي حالة من العافية البدنية والانفعالية والنفسية والاجتماعية المتعلقة بالحياة الجنسية، لا مجرد انعدام المرض أو الخللأو العجز...”، كما يشير التعريف إلى ضرورة حماية الحقوق الجنسية لجميع الأشخاص، وعرفت أيضًا مفاهيم ذات صلة مثل "الجنس" و"الحياة الجنسية” و"الحقوق الجنسية”. وفي 2010، نُشر إطار عمل لتصميم برامج الصحة النفسية، حيث حدد خمسة عوامل تؤثر على الصحة الجنسية، وهي: (1) القوانين والسياسات وحقوق الإنسان؛ (2) التعليم والتثقيف؛ (3) المجتمع والثقافة؛ (4) الاقتصاد؛ (5) النُظم الصحية. وفي 2015، نُشر تقرير عن الصحة الجنسية وحقوق الإنسان والقانون بهدف مساعدة الحكومات والمشرعين على تطوير الأطر القانونية لتحقيق الصحة الجنسية. تميزت هذه الفترة بنهج شمولي يدمج الصحة الجنسية ضمن أهداف التنمية المستدامة والقوانين المحلية، مع التركيز على مواجهة العنف ضد النساء والتمييز وحماية الحقوق الجنسية[60].

تطورت استراتيجيات منظمة الصحة العالمية للفترة 2022 – 2030 بشأن فيروس الإيدز والتهاب الكبد الفيروسي والعدوى المنقولة جنسيًا لترتكز على الأشخاص والمجتمعات الأكثر هشاشة، ومواجهة العقبات الهيكلية التي تمنعهم من الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية، والتصدي للوصم والتمييز والتجريم لكونها ممارسات تزيد من انتشار العدوى، وضرورة إصلاح الأطر القانونية التي تفرض قيودًا على السفر بسبب فيروس الإيدز أو تجريم استخدام المخدرات والعمل بالجنس والعلاقات الجنسية المثلية[61]. منذ عام 2022، توجهت ممارسات الصحة الجنسية في منظمة الصحة العالمية إلى أساليب "الرعاية الذاتية" مثل التحليل الذاتي لفيروس نقص المناعة وموانع الحمل وأدوات الرعاية الصحة الرقمية. يؤكد ذلك على ضرورة تعزيز استقلالية وخصوصية المستفيدين بالرعاية وتسهيل الوصول إلى الخدمات خارج نطاق المؤسسات الرسمية[62].

البرامج الحكومية

من أوائل التدخلات الحكومية في مجال الصحة الجنسية سَنّ قوانين تنظيم العمل الجنسي، التي تبنتها العديد من الدول الأوروبية لمنع انتشار الأمراض المنقولة جنسيًا، لاسيما الزهري والسيلان. كانت فرنسا أول دولة تقر القانون التنظيمي للعمل الجنسي (Regulation System) مدفوعة بالمخاوف المجتمعية من تفشي الزهري وماسمي وقتها "بانحلال المجتمع" (social degeneration)، والربط بينهما وأجساد النساء، حتى في الخطاب المؤسسي الطبي.[63] أخذت مكافحة الزهري طابعًا أخلاقيًا نظرًا للوصم الاجتماعي المرتبط به والأفكار الخاطئة التي خلطت بينه وبين الأمراض الوراثية.[64] في هذا النظام، سُجلت بيانات العاملات بالجنس وسمح لهن بممارسة عملهن شرط الخضوع لمراقبة طبية مستمرة، واعتُمد هذا النظام في دول أوروبية مثل إيطاليا وأسبانيا وألمانيا والدنمارك وبلجيكا وغيرهم. كما طُبِّق في بعض المناطق الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك، مثل مصر ولبنان والجزائر وتونس.

تأثرًا بهذا النهج، أقر البرلمان البريطاني في 1864 قوانين الأمراض المعدية (Contagious Diseases Acts) بهدف السيطرة على العدوى المنتقلة جنسيًا. وبموجبها، تم السماح للشرطة باحتجاز النساء المشتبه في كونهن عاملات بالجنس، غالبًا دون دليل، ثم إخضاعهن لفحوصات جنسية قسرية، وحجزهن في المستشفيات المخصصة للأمراض الجنسية (lock hospitals). وفي حالة رفضهن الخضوع لهذه الفحوصات، يعاقبن بالسجن والأعمال الشاقة. ألغيت هذه القوانين في عام 1869 نتيجة العمل السياسي الذي قادته نسويات مثل إليزابيث وولستنهولم وجوزفين بتلر اللاتي أسسن جمعية السيدات الوطنية لإلغاء قوانين الأمراض المعدية. نظمت بتلر حملات في جميع أنحاء البلاد للحشد من أجل إلغاء القوانين نظرًا لاستهدافها المجحف للنساء دون الرجال، خاصة النساء العاملات، ووضع أجسادهن تحت رقابة الشرطة والطب. [65]

في القرن العشرين، تنوعت البرامج الحكومية بين توسيع الوصول للخدمات الصحية وبين ممارسات التحكم في أجساد النساء والسياسات المتأثرة بالحروب وأفكار تحسين النسل. في الولايات المتحدة، حصلت خدمة الصحة العامة على تمويل فيدرالي لعيادات الأمراض التناسلية وتوفير الكشف والعلاج المجانيين، وإطلاق حملات تثقيف عامة. إلا أن هذه الجهود اتسمت بخطاب توجيهي أخلاقي، وحصرت خطر الأمراض الجنسية في أجساد النساء، لذلك منح "قانون تشامبرلاين-خان" في 1918 الحكومة سلطة احتجاز النساء المشتبه في إصابتهن بمرض تناسلي، وإخضاعهن للفحص القسري واعتقالهن أو حبسهن في المستشفيات للعلاج. كما اعتبرت تلك القوانين النتيجة الإيجابية للفحص بمثابة دليل على العمل بالجنس. كان القانون جزءًا مما عُرف "بالخطة الأمريكية" لمكافحة الأمراض الجنسية، خاصة لمنع انتشارها بين الجنود خلال الحرب العالمية الأولى، فتم حظر العمل الجنسي بالقرب من القواعد العسكرية واعتقال النساء ضمن مسافة 5 أميال من القواعد للاشتباه في عملهن بالجنس. وفي حالة ثبوت الإصابة، تخضع النساء لعلاجات مصنوعة من الزئبق والزرنيخ، كانت المستخدمة آنذاك لعلاج الزهري، وعوقبن بالحبس الانفرادي والضرب والتعقيم القسري.[66]

ملصق توعوي من الحرب العالمية الثانية يحذر من خطر النساء حاملات العدوى الجنسية.

خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت ممارسات ضبط أجساد النساء أهم طرق التعامل مع انتشار الأمراض التناسلية بين الجنود. كما امتدت هذه السياسات إلى أجساد الجنود، وكانت تعد الوقاية من الأمراض التناسلية مسألة أخلاقية بقدر ما هي طبية. بالإضافة إلى دعوة الجنود الامتناع عن ممارسة الجنس، أُدرج "العلاج الوقائي" (prophylaxis) الذي طوره إيلي ميتشنيكوف وإميل رو عام 1906، ضمن برنامج مكافحة الزهري، فادعيا أنه يمكن الوقاية من مرض الزهري باستخدام مطهرات، مثل مرهم الكالوميل وبرمنغنات البوتاسيوم.[67] أثناء الحرب العالمية الثانية، أتخذ التثقيف الجنسي طابعًا عمليًا، ورُوج لاستخدام الوسائل الوقائية أكثر من سلوكيات الامتناع، فطُلب من الجنود استخدام عدة الوقاية الخاصة بهم بعد كل علاقة جنسية.[68]

في ثلاثينيات القرن العشرين، أُدمجت مكافحة الأمراض التناسلية ضمن برامج الصحة العامة، وأطلقت حملات توعية جماهيرية استخدمت الملصقات والأفلام لتشجيع "النظافة الجنسية" والانضباط الأخلاقي، وغالبًا تضمنت صور نمطية للنساء كحاملات للمرض، والمجتمعات الفقيرة والسوداء كمراكز انتشاره. ومن أبرز الانتهاكات الأخلاقية في هذا السياق "دراسة توسكيجي" لمرض الزهري بين عامي 1932 و 1972، والتي أشرفت عليها خدمة الصحة العامة الأمريكية لدراسة تطوّر مرض الزهري لدى رجال أمريكيين من أصول إفريقية في ولاية ألاباما، دون إبلاغهم بطبيعة الدراسة أو توفير العلاج المناسب لهم. استمر الباحثون في حجب العلاج بهدف متابعة المسار "الطبيعي" للمرض، مما أدى إلى معاناة ووفاة عدد من المشاركين وانتقال العدوى إلى عائلاتهم.[69]

في عام 1957، أحالت خدمة الصحة العامة الأمريكية شؤون الأمراض التناسلية إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، ما أدى إلى توسيع نطاق جهود مكافحة الأمراض التناسلية، لتشمل: رصد انتشار الزهري والسيلان، وتتبع مخالطي المرضى، وحملات التوعية، والعلاج المجاني أو منخفض التكلفة. كما ضم البرنامج مستشارين للصحة العامة مكلفين بالتعاون مع المجتمعات المحلية للكشف عن المصابين وتشجيعهم على تلقي العلاج وإبلاغ شركائهم.[70] في 1970، أُقر برنامج "Title X" لخدمات تنظيم الأسرة إتاحة وسائل منع الحمل والمشورة، بالإضافة إلى اختبارات العدوى المنتقلة جنسيًا ومرض نقص المناعة وفحوصات الحوض والثدي للأسر منخفضة الدخل.[71]

في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، توسعت برامج الصحة الجنسية، استجابة لانتشار فيروس الإيدز، وركزت على الوقاية والتوعية والعلاج. من المبادرات التي أطلقتها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها: "الخط الساخن الوطني لمعلومات الإيدز" (1983) "والمركز الوطني لتبادل المعلومات حول الإيدز" (1987)، وحملة التوعية الوطنية "أمريكا تتصدى للإيدز" (1987). استهدفت هذه الحملات خاصة الطلاب في المدارس الثانوية والجامعات.[72] في 1990، صدر قانون "ريان وايت" للرعاية، وهو أكبر برنامج ممول من الحكومة الفيدرالية الأمريكية للأشخاص المصابين بفيروس الإيدز، حيث يوفر التمويل لمنظمات الخدمات المجتمعية المعنية. بالإضافة إلى تمويل العلاج والفحوصات، وفر تمويل المنظمات المجتمعية خدمات إدارة الحالة، والمساعدات الغذائية، والإسكان، والنقل، وتوفير أموال الطوارئ للأشخاص المصابين بالإيدز.[73]

رغم ذلك، وُجهت العديد من الانتقادات للاستجابة الحكومية الأمريكية لمكافحة فيروس الإيدز منذ الثمانينات، منها تأخر الاستجابة الفيدرالية ومشكلات الوصول والتمييز العرقي والجندري، الذي حال دون حصول النساء والرجال من الأقليات العرقية والأشخاص العابرين جندريًا على الدعم والعلاج. ساهم المناخ السياسي المحافظ أثناء الثمانينيات في تأخير الاستجابة الحكومية لانتشار وباء الإيدز، حيث انخفض التمويل الحكومي لمراكز السيطرة على الأمراض وأُعيق عملها بسبب رهاب المثلية والوصم الذي يحيط بالمرض.اعتمدت المجتمعات الكويرية في البداية فقط على المبادرات الأهلية والمجتمعية لتقديم الدعم والوقاية والعلاج للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالمرض، حتى عام 1985، حين اعترف الرئيس الأمريكي آنذاك بوجود مرض الإيدز وبدأ التحرك الحكومي على نطاق واسع.[74]

انتشر الإيدز بين الرجال المثليون الأمريكيون الأفارقة بسرعة تفوق انتشاره بين أي فئة أخرى، رغم ذلك أدى ارتباط المرض بالرجال المثليين البيض إلى استبعاد تجارب الرجال المثليين السود من أدبيات أصول المرض وعلاجه، ما أخر الوصول إلى تلك المجتمعات وتكريس الموارد اللازمة لدعمها.[75] فضلًا عن ذلك، أدى التمييز الجندري والطبقي إلى عدم تكافؤ فرص العلاج المقدمة للنساء من أصول أفريقية ولاتينية والمهاجرات. على سبيل المثال، أدى استبعاد أعراض فيروس نقص المناعة البشرية التناسلية الأنثوية من التشخيص الرسمي للإيدز، إلى حرمان النساء المصابات -وأغلبهن من النساء السوداوات والفقيرات- من الحصول على الإعانات المخصصة للإعاقة. بالإضافة إلى الوصول غير المتكافئ إلى الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية وأدوية الوقاية قبل التعرض (PrEP).[76]

طالع وا أيضًا

مراجع

  1. Alain Giami (2002) Sexual health: the emergence, development, and diversity of a concept
  2. UNFPA in the Arab States: Sexual and Reproductive Health
  3. 3٫0 3٫1 Queer Feminisms and the Translation of Sexual Health, p321
  4. Queer Feminisms and the Translation of Sexual Health, p316
  5. CAN: The Importance of Sexual Health Awareness and Empowerment
  6. 6٫0 6٫1 Global health, sexual and reproductive health and rights, and gender: square pegs, round holes
  7. UAE Offers Free Prep Medication To Prevent HIV Infection
  8. Equaldex LGBT Rights in United Arab Emirates
  9. WHO updates recommendations on HPV vaccination schedule
  10. HIV in the Middle east: Low Prevalence but not Low Risk
  11. Joana Lorenz: Middle East, North Africa Face Emerging HIV Epidemics With Lagging Response
  12. The Sex Talk Arabic: أتشفة (الدليل الإرشادي للإيدز)
  13. better2know: Sexual Health Statistics in the Middle East
  14. Sohayla El Fakahany and Fayrouz Ibrahim (2024) Sexual and reproductive health and rights through a screen: on technology and accessibility in the Arab region
  15. Sexual and Reproductive Health and Research (SRH): Guideline Development
  16. CDC: STIs
  17. CDC: U.S. Medical Eligibility Criteria for Contraceptive Use, 2024
  18. BASHH: GUIDELINES
  19. Davis and Mulla (2020) The sexual health assessment
  20. The Sex Talk Arabic: أدلة إرشادية
  21. مشروع الألف: التفكير سويًا
  22. الحب ثقافة: الجنس الآمن
  23. Male Latex Condoms and Sexually Transmitted Diseases
  24. MDedge: Condoms Provide Partial Protection Against HSV-2
  25. Priti Patel (2017) Forced sterilization of women as discrimination
  26. Naidoo et. al (2024) ocioeconomic determinants of male contraceptive use in South Africa: a secondary analysis of the 2016 SADHS data
  27. Reham Elkhateeb et. al (2020) The acceptability of using IUDs among Egyptian nulliparous women: a cross-sectional study
  28. Sexual Assault Nurse Examiner (SANE) Nursing
  29. أطباء بلا حدود: العنف الجنسي
  30. Forensic exam after a rape or sexual assault
  31. مؤسسة بانزي: نموذج بانزي
  32. Panzi Foundation: One Stop Centres
  33. Olson et. al (2020) The implementation and effectiveness of the one stop centre model for intimate partner and sexual violence in low- and middle-income countries: a systematic review of barriers and enablers
  34. The social need for a 'perfect victim’ in sexual violence cases needs to stop
  35. Maria Bach et al. (2021) Underserved survivors of sexual assault: a systematic scoping review
  36. Reforming rape laws in Arab States: A comparative analysis of legal frameworks across 22 LAS countries
  37. دليل الرعاية الصحية لحالات العنف الأسري ضد المرأة (الأردن)
  38. كوبلي (مصر): خدمات الحماية
  39. The Guardian: Darfur survivors gather together after ethnically targeted campaign
  40. PRISM health: The Connection Between Mental Health and Sexual Well-Being
  41. WHO: Self-care for health and well-being
  42. WHO (self-care-interventions): self care timeline
  43. WHO: The Role of Self-Care in Achieving the Right to Health
  44. جيم: التربية الجنسية في مصر
  45. الرأي: دراسة سعودية توصي بتعليم الثقافة الجنسية للأطفال في المدارس
  46. Doaa Oraby (2024) Sexuality Education for Youth and Adolescents in the Middle East and North Africa Region: A Window of Opportunity
  47. UNFPA: Sexuality Education
  48. Sex Education Tools for +18 crowd
  49. Sex Ed 101 For The Rest of Us
  50. Sex Education for Adult Learners
  51. Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept
  52. Queer feminisms and the translation of sexual health, النظريات النسوية الكويرية وترجمة مفهوم الصحة الجنسية
  53. Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept
  54. The rise and fall of FGM in Victorian London, ظهور واختفاء ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية في لندن خلال العصر الفيكتوري
  55. ، علم الجنس في القرن التاسع عشر، SEXOLOGY IN THE 19TH CENTURY
  56. Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept
  57. Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept
  58. Women and HIV/AIDS research: the barriers to equity ، النساء وأبحاث فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، كارول ليفين
  59. Sexual Health: The Emergence, Development, and Diversity of a Concept
  60. الصحة الجنسية وارتباطها بالصحة الإنجابية: دليل عملي
  61. الاستراتيجيات العالمية لقطاع الصحة بشأن فيروس العوز المناعي البشري (‎فيروس الإيدز)‎ والتهاب الكبد الفيروسي والعدوى المنقولة جنسيًا، على التوالي، للفترة 2022 – 2030
  62. WHO guideline on self-care interventions for health and well-being, 2022 revision
  63. “Venereal Peril”: ‘Controlled’ Prostitution and French Regulationism Before 1945 - S Y N A P S I S
  64. Stigma of syphilis in the 19th century France
  65. The British Contagious Diseases Acts (1864, 1866, and 1869)
  66. America’s Forgotten Mass Imprisonment of Women Believed to Be Sexually Immoral
  67. The British Army and the Problem of Venereal Disease in France and Egypt during the First World War
  68. Prophylaxis · The Campaign to "Stamp Out" VD · Venereal Disease Visual History Archive
  69. Taking the Venereal Out of Venereal Disease: The 1930s Public Health Campaign against Syphilis and Gonorrhea
  70. Venereal Disease Program
  71. Title X Family Planning Program (1970–1977)
  72. Evolution of HIV/AIDS Prevention Programs --- United States, 1981--2006
  73. After 35 years, Ryan White's legacy lives on
  74. Fighting an Epidemic in Political Context: Thirty-Five Years of HIV/AIDS Policy Making in the United States
  75. Race, Homosexuality, and the AIDS Epidemic
  76. Gendered Racism: “A Different Interpretation of the Same Facts” About the HIV Epidemic Among Black Women in the United States