وثيقة:الجندر والتربية الجنسية في النظام التعليمي المغربي

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

مجلة كحل.png
مقالة رأي
تأليف زهير كسيم
تحرير غير معيّن
المصدر مجلة كُحل لأبحاث الجسد والجندر
اللغة العربية
تاريخ النشر 2015
مسار الاسترجاع https://kohljournal.press/ar/genre-et-education-sexuelle
تاريخ الاسترجاع 2019-08-26


هذه الوثيقة هي مقالة من العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة كحل



قد توجد وثائق أخرى مصدرها مجلة كُحل لأبحاث الجسد والجندر



السياق:

إنّ النظام التعليمي من أهم مراكز إنتاج وإعادة إنتاج العلاقات الإجتماعية بشكلٍ عام، ومن ضمنها العلاقات الإجتماعية بين أفراد الجنسين. لا يقتصر دوره على التعليم ونشر المعرفة وحسب، بل هو أيضاً أداة لنشر نماذج معينة من السلوك الإجتماعي.

من جهة، ونظراً لكونه مؤسسة رسمية تهدف لتكوين الشخصية والمواطن المستقبلي بشكل شمولي، فإنّ النظام التعليمي ملزم بالتكفّل بكافة مكونات الشخصية الإنسانية، بما في ذلك الجنسانية.

من جهة أخرى، تميل الآراء في علم الإجتماع إلى إعتبار الجنسانية إنعكاس للجندر، أو حتى نتيجةً له. يؤكّد كل من ميشال بوزون وجوديث بتلر على ضرورة تأطير الجنسانية إجتماعياً، وعلى أنّ أنشطة الأجساد في الجنسانية الإنسانية لا ترجع إلى الغريزة بل التعلّم الإجتماعي (بوزون، ١٩٩٩)، وأنّ بناء الهويات المجندرة (sexuées) والجنسية يتمّ عبر الأخذ والرد بين ما يُعتبر ممكناً ومحبباً ومفهوماً إجتماعياً (بتلر، ٢٠٠٦).

لذلك، لا بد للجنسانية أن تكون من المواضيع التي نتعلّمها نظراً “لدورها في صناعة الجندر : فهي أساس تماهي الأفراد مع جنس معيّن (مييغا وروييه، ٢٠١٢)، وتحديد علاقة الفرد الواحد (من التضاد والتكامل) مع جنس آخر، وفرد آخر” (كلير، ٢٠١٢). إنّ البعد البيولوجي للجنسانية لا يفرض علينا ترك هذا الجانب يتشكّل بشكلٍ “طبيعي”، من خارج نطاق التعليم والمعرفة.

بالرغم من إدماج المغرب لعدد من الأنشطة ذات العلاقة بالتربية الجنسية في المناهج الدراسية، لا بدّ من العمل على تحليل هذه الأنشطة حيث أنّ المدرسة تعيد إنتاج اللامساواة الإجتماعية عبر محتوى تعليمي يعلي ضمنياً من شأن نموذج إجتماعي يخصّ الفئات الإجتماعية المهيمنة، وذلك وفقاً لنظرية بيير بورديو وجان-كلود باسرون.

إنّ الهدف من هذا التحليل ذو شقّين. من جهة، يسعى لكشف اللامساواة الجندرية في الأنشطة ذات العلاقة بالتربية الجنسية المتجسّدة في محتوى الكتب المدرسية. من جهة أخرى، وهي الأهم، يهدف هذا التحليل لفتح آفاق جديدة للأبحاث التي تتناول موضوع التربية الجنسية في البلدان العربية/الإسلامية، حيث تتمحور هذه التربية في مجال علوم الحياة والأرض ((Science de Vie et de Terre (SVT)، وبالتالي تقوم بإهمال/تناسي ثِقَل ودور المجالات الأخرى، كالتربية الإسلامية مثلاً.

قبل الشروع في الوصف التحليلي للأنشطة المختلفة (٢)، نسعى أولاً لتحديد الهيكلية والنهج والمنهجية المعتمدة (١)، لكي ننتقل أخيراً إلى إستنباط العوائق التي تقف بوجه إعتماد تربية جنسية بشكل يراعي شروط المساواة (٣).

الهيكلية والنهج والمنهج

الهيكلية المعتمدة

لو أردنا رصد مدى مشاركة النظام التعليمي المغربي في تعزيز اللامساواة بين الجنسين عبر المناهج التعليمية الحالية، لا بد لنا من الكشف عن القيم والمعايير الإجتماعية التي تنشرها الكتب المدرسية (ب)، وما تلك القيم والمعايير الإجتماعية سوى ترجمة للإطار المرجعي الرسمي في البلاد (أ).

أ. يشمل الإطار المرجعي كافة التوجيهات والتوصيات والأهداف الآنية والنهائية الناظمة للحياة المدرسية. بالرغم من سعي الدولة المغربية لإصلاح نظامها التعليمي منذ الإستقلال، إلّا أنّ ذلك لم يشمل إدماج الجندر في السياسات التعليمية بصريح العبارة حتى أواخر القرن المنصرم. من هنا، يمكن إعتبار الميثاق الوطني للتربية والتكوين للعام ١٩٩٩، بالإضافة إلى الكتاب الأبيض المرفق به، بمثابة الإصلاح الأكثر ثوريةً في تاريخ الإصلاحات التعليمية في المغرب. وقد نص هذا الإصلاح – ببنده السابع – بتنقيح الكتب المدرسية بما يتناسب والتغييرات التي لحقت بالمجتمع، وقد بدأ العمل بهذه التوصية منذ العام ٢٠٠٣.

ب. أمّا في ما يتعلّق بالكتب المدرسية، فقد ركّزت هذه الدراسة على مادتين، علوم الأحياء والأرض والتربية الإسلامية، وقد تم إنتقاءهما لعدّة أسباب. أولاً، نظراً لطبيعة الجنسانية المتعدّدة المجالات، حيث أنّ بناء المعرفة حول الجنسانية لا يتمّ بمعزل عن بناء المعرفة العلمية المرتبطة بها، ولا بمعزل عن آلية بناء القيم، كالمسؤولية الإجتماعية والفردية (ماموسيي وميشار، ٢٠٠٤).

تزخر مادة علوم الأحياء والأرض بالمحتوى المرتبط بالتربية الجنسية من الجوانب البيولوجية والطبية، بما في ذلك التكاثر والبلوغ والإلتهابات المتناقلة جنسياً. أمّا مادة التربية الإسلامية، وبالرغم من تهميشنا لها، فهي أكثر الإختصاصات التي تنقل للتلاميذ القيم والأعراف والمعتقدات حول التربية الجنسية، وذلك سواء بشكلٍ صريح أم ضمني. لدرجة أنّه من الممكن إعتبارها ناقلة للمنظومة المؤسساتية (دينية وإجتماعية وثقافية)، في ما خصّ العلاقات الجنسية والزواج والطهارة والعفة وحقوق المرأة والقانون المدني وما سوى ذلك. لذلك نرى أنّ الجمع بين هذين الإختصاصين سيكشف عن الأبعاد المتعددة للتربية الجنسية في المغرب، من بيولوجية ونفسية ووقائية ودينية وإجتماعية وثقافية.

يشمل المنهج المنتقى ١٤ كتاب مدرسي معتمد في صفوف ومستويات مختلفة كما يلي:

(مراجعة ملف ال PDF)


المنهج والمنهجية

لا يخلو التحليل الإجتماعي-الثقافي (الجندري) للكتب المدرسية والإطار المرجعي من التعقيد. يقوم هذا التحليل على فهم آليات تمثيل الرجولة والأنوثة، بالإضافة إلى تبيان النظام الجندري الكامن وراء هذه العناصر. قمنا بتحديد ثلاثة أنواع من المؤشرات بهدف القيام بهذا التحليل، مؤشر فوري ومؤشر كمّي ومؤشر نوعي، موزّعون على عدد من الشبكات التحليلية.

يضمّ النوع الأول من المؤشرات محدّدات العناصر المنوي دراستها. في حين أنّ المؤشّر الثاني قائمٌ على تعداد الأشكال المختلفة لعملية تمثيل الجندر ضمن مواد التربية الجنسية عبر المفاهيم المعبّر عنها وأنواع المعارف المنقولة. أمّا المؤشر الثالث، فهو تفسير نوعي للعناصر المختلفة المدرجة.


جمع المعلومات والتحليل

بعد جمع العناصر المختلفة، قمنا بتجميع النتائج في جداول موجزة، ومنها إستخلصنا النتائج المبيّنة أدناه.


غياب تام لمؤلِفات الكتب المدرسية

منذ بداية هذه الدراسة، كان إنتشار التمييز الجندري واضحاً. من أصل ٨٧ مؤلف للكتب المدرسية التي تمّت دراستها، سجّلنا غياب كامل للنساء بصفة مؤلفات.

(مراجعة ملف ال PDF)


إهمال ملحوظ لمادة التربية الجنسية

تبلغ نسبة الأنشطة المدرسية التي تتناول الصحة الجنسية ٣٪ (جدول٢) من مجموع الأنشطة المرصودة في الكتب التي تمّ إنتقاؤها، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّنا نتكلّم عن ١٤ كتاب مدرسي فقط. فلو تمّت دراسة كافة الكتب المدرسية لأتت هذه النسبة أقل من ٣٪. وإنّ دلّ ذلك على شيء فهو يدلّ على درجة إهمال التربية الجنسية في النظام التعليمي المغربي.


غياب الجانب الإجتماعي والنفسي-العاطفي

الملاحظة المسجّلة هي الغياب التام للمفاهيم التي تعكس الجوانب الإجتماعية والنفسية والجنسية، كما هو مبيّن في الجدول التالي:

(مراجعة ملف ال PDF)

من جهة، تغيب عن الكتب المدرسية المنتقاة التعابير المرتبطة بالخصائص النفسية الأساسية للجنسانية كالهوية الجنسية والرغبة الجنسية والمتعة والنشوة. من جهة أخرى، تظهر هذه النتائج عدم تناول هذه الكتب للجانب الإجتماعي. وليس الجانب الإجتماعي سوى ترجمة للقيم والمعايير الإجتماعية التي ينبغي أن تنظّم العلاقات العاطفية والجنسية. بالتالي، يتمّ إهمال/تجاهل مفاهيم الجندر والحقوق الجنسية والمساواة بين الجنسين والتراضي.


طغيان الجانب البيولوجي

أظهر تعداد المواضيع التعليمية المطروحة أنّ غالبية الأنشطة المتعلّقة بالتربية الجنسية تتناول الجوانب البيولوجية، الوقائية منها والمعرفية.

(مراجعة ملف ال PDF)

تتركّز الجوانب البيولوجية (التركيب البنيوي أو التشريح، وظائف الأعضاء التناسلية، الخ.)، وهي الأكثرية، ضمن نطاق علوم الأحياء والأرض، في حين أنّ مادة التربية الإسلامية تضمّ نسبة أكبر من المواضيع الوقائية والمعرفية (الإلتهابات المتناقلة جنسياً، العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج، العفة، الإخلاص، النقاء، الخ.) وذلك عبر منظور الفرائض الدينية من “مسموح” أو “غير مسموح”، بشكلٍ لا يتيح المجال للنقاش أو التحليل.


القضية

بالرغم من أهمية الجنسانية كعنصر أساسي من بناء شخصية الإنسان، ما زالت عملية مأسسة التربية الجنسية على أساس المساواة بين الجنسين رهن حسابات عديدة، من سياسية ودينية وإجتماعية-ثقافية وإقتصادية.


الإزدواجية السياسية-الدينية :

لا يمكن النظر إلى النظام التعليمي كمجرد مساحة لإكتساب العلم والمعرفة، فهو أيضاً أداة لنشر نماذج السلوك الإجتماعي. إنّه مفتاح التغيير الإجتماعي.

من جهة، تفضّل التيارات المحافظة (الإسلامية) إعتماد مقاربة إسلامية للتربية الجنسية. إنّ نظرة هذه التيارات تضاعف من سطوة القوانين الإجتماعية، مضفية عليها قوة إجبار كبيرة، وقواعد ناظمة للسلوك الجنسي من خلال قواعد ومعايير ومحظورات ومحرّمات. وقد برّر المحافظون رفضهم لهذا النوع من التربية بحجة : “مخافة أن تؤدّي هذه المعارف إلى الإنحلال والإختلاط الجنسي بين المراهقين/ات العازبين/عازبات”. وقد وصف مالك شبل هذه المقاومة بالقول “يبدو أنّ تطوّر الأنشطة الليلية والجنسية لاقت شخصية جمعية ذات حساسية عالية للملذات الجسدية” (شبل، ٢٠٠٢)


من جهة أخرى، يشدّد الحداثيون – بما في ذلك الحركات النسوية – على ضرورة تقديم التربية الجنسية بصفتها من المساحات المفيدة لنشر المساواة بين الجنسين من ناحية، ومن ناحية ثانية، لأنها تتيح للشبان والشابات فرصة إكتساب نوع من المناعة الشخصية وتطوير حس المسؤولية الإجتماعية لديهم/نّ، خصوصاً في هذه المرحلة من “النقلة الجنسية” في المغرب، على حد وصف م. ديالمي. وقد أدّى هذا التباين في وجهات النظر المستمر بين التقليديّين والحداثيّين، إلى تأخّر عملية المأسسة الصريحة للتربية الجنسية، وإلى حصر محتواه بالجوانب الوقائية والبيولوجية.


التربية الجنسية : شأن عام أم خاص؟

بالرغم من وعي المغرب لكون التربية الجنسية شأن عام، بصفته عنصر أساسي في جهود الوقاية من إنتشار الإلتهابات المتناقلة جنسياً خصوصاً والصحة العامة عموماً، لا بدّ لنا من الإعتراف بهيمنة “الحشومة” (أو التابو) على هذه المادة، ممّا يجعل منها على خط التماس بين مصلحتين : مصلحة الفرد (الخصوصية) ومصلحة المجتمع (الصحة العامة والأخلاقيات).

من جهة، ومنذ العام ١٩٦٦، حاولت الحكومة المغربية إدارة التربية الجنسية صراحةً، وذلك عبر إدماج المادة في مخططات التنظيم الأسري وبرامج التعليم في ما يتعلّق بالشعوب. تمّ في ما بعد تمرير التربية الجنسية من ضمن برامج الصحة الإنجابية والجنسية، وبالتالي دخلت في مجال التربية الصحية. شيئاً فشيئاً، تم إدخال المادة إلى التعليم الرسمي تحت مسمّى التربية النسائية والعائلية، ما بين العامين ١٩٨٥ و١٩٩٦، ومن ثمّ في الإختصاصات الأخرى كالعلوم الطبيعية والدراسات الإسلامية حتى يومنا هذا.

بالرغم من الرغبة الواضحة بتحويل التربية الجنسية إلى شأن عام، لا بدّ من الإعتراف أن الجنسانية ما زالت من تابوهات المجتمع المغربي بحيث أنّ الثقل الأكبر ما زال للبناء الإجتماعي (قادري، بن جلّون، قنديلي، خوبيلا وموسوي، ٢٠١٢). الحشومة شعور مختلط من الخجل والعار والإحراج والذنب وعدم جواز الإفصاح. “ليس من الضروري حتى أن يتمّ لفظ الكلمة، فالحشومة تُملي وتحكم وتمنع؛ وهي ماثلة وراء العديد من الأفعال. (…) هي بندٌ نلتزم به دون أي تفكير ويشرّع (ضمنياً) كافة الأوضاع الحياتية” (نعمان-كسّوس، ٢٠٠١ :٥).

في نفس السياق، يشير عالمَي الإجتماع المغربيين، كسوس وديالمي، ما يلي : “تُعتبر الأم المسؤولة عن تربية الأطفال الجنسية”. بهذه الطريقة، يتبرّأ الأب من هذه المهمّة الصعبة من جهة، ومن جهة ثانية، يتمّ ربط التربية الجنسية بالإطار الأسري والخاص.


خصوصية و/أو عالمية و/أو تعددية ثقافية

نظراً لموقعه كملتقى لحضارات متعدّدة ، لطالما تبنّى المغرب مبدأ العالمية مع التشديد على تمسّكه بخصوصيته.

من جهة، فإنّ الإصلاحيات الجندرية المتبنّاة في المغرب بشكلٍ عام تحقّقت عبر إطار المرجعية الدولية في ما يتعلّق بحقوق الإنسان، وبشكلٍ خاص الإتفاقية الدولية لإلغاء كافة أشكال التمييز ضدّ المرأة (CEDAW – سيداو) وإتفاقية حقوق الطفل (CRC). وقد أتى تصريح جلالة الملك القاضي برفع كافة التحفّظات على إتفاقية السيداو (١٠ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٨) ليؤكّد على هذا الإلتزام. بالإضافة إلى ذلك، كرّس الدستور الجديد، الصادر في العام ٢٠١١، ليكرّس إلتزام المغرب بالمرجعية الدولية وكافة الإتفاقيات المعترف بها دولياً، ممّا يؤكّد على إلتزام البلاد بمبدأ العالمية.


لكن، ومن جهة ثانية، سجّل المغرب العديد من التحفظات (المادتين ٤ و٧) على برنامج عمل الإتفاقية الدولية للسكّان والتنمية (UNDP) (القاهرة، ١٩٩٤). يدعو البرنامج الدول إلى إدماج ومراعاة الحقوق الجنسية والإنجابية في تشريعاتها الوطنية. كما يوصي الحكومات بحماية خاصة “لحق المرأة في التحكّم بحياتها الجنسية، بما في ذلك ما يتعلّق بالصحة الإنجابية والجنسية، وذلك من دون قيود أو تمييز أو عنف، وباتخاذ القرارات في هذا الصدد بشكلٍ حر ومسؤول” (UNDP، ١٩٩٤ :٦). وقد تمّ تبرير التحفظات بعدم تماثلها مع “خصوصياتنا”، أي معايير “الشريعة”.

بالإضافة إلى ذلك، المغرب صلة وصل بين عدد من الثقافات، تفاخر الثقافية المغربية بتأثّرها بالثقافات الأمازيغية والعربية واليهودية والمتوسطية والإفريقية. وفقاً بدراسات البروفيسور ديالمي، تتفاوت مفاهيم وتصورات الرجولة والأنوثة والتربية الجنسية من منطقة إلى أخرى (ديالمي، ٢٠٠٩).


أولوية التربية الجنسية أو الحقوق الإقتصادية-الإجتماعية؟

نظراً للتأخُّر الملحوظ في ما يتعلّق بتحرر المرأة على الصعيد الإقتصادي-الإجتماعي في المغرب، فإنّ موضوع التربية الجنسية تُعتبر من أقل المواضيع أولوية على أجندة الدولة وغالبية الحركات النسوية.

من جهة، أتى آخر تقرير للمجلس الإقتصادي وإجتماعي وبيئي (EESC) ليؤكّد على خطورة وضع المرأة المغربية الإقتصادي-الإجتماعي.


من جهة ثانية، توضح إليزابيث إلغان “قدرة المساواة بين الجنسين على خلق تغيير جذري في العلاقات الإجتماعية، ليس على صعيد العلاقات الخاصة والحياة اليومية وحسب، بل أيضاً سوق العمل والحياة المدنية والمشاركة السياسية” (إلغان، ٢٠١٢). في سياق مشابه، يعتبر بورديو وإيريتيي وديلفي أن الجنسانية من مصادر الهيمنة الرجولية. بالتالي فإنّ عدم المساواة في المجال العام هي إمتداد لعدم المساواة في المجال الخاص.

الخلاصة:

بالرغم من زعم الإطار المرجعي للنظام التعليمي المغربي دعم مبدأ المساواة، ما زال محتوى الكتب المدرسية محايد. يُظهر تحليل الأنشطة الدراسية المتعلّقة بالتربية الجنسية درجة عالية من الإنتباه والحذر من قبل مصمّمي المحتوى. يتجلّى هذا الحذر في حيادية المحتوى، والذي يأتي بالتالي مرتكزاً على نقل المعلومات بدلاً من التربية أو التثقيف، إذ يتمّ إهمال الجوانب الإجتماعية والنفسية-العاطفية بالرغم من أهميتها في تكوين الهوية الجنسية والهوية الجندرية وتجلياتهما. يقول بورديو أنّ سياسة “السماح” ليست بريئة، فإنّ السماح بإستمرار المعايير الإجتماعية – من دون أدنى محاولة للمساءلة – هو فعلياً تعزيزٌ لها. بالتالي، وفقاً لبورديو أيضاً، تؤدّي هذه الحيادية إلى إعادة إنتاج المعايير الإجتماعية الظالمة المترسّخة في سائر المساحات الإجتماعية حول الجنسانية. وفقاً لميشيل بوزون وهنري ليريدون، “من المفارقات أنّنا نجد نقصاً في المعارف المترسخة حول السلوك الجنسي في مجتمعنا. إنّ الفجوة واسعة في هذا المجال بين قوة التجليات والأفكار والبنى الإجتماعية من جهة، وتواضع المعارف المنبثقة من العلوم الإجتماعية” (بوزون وليريدون، ١٩٩٣). يشابه الوضع في المغرب سواه في سائر الدول، خصوصاً مع ما قد تأتي به هذه النقلة الجنسية من مخاطر تهدّد الصحة العامة والدولة.

أخيراً، من الواضح أنّ إدماج الجندر يتطلّب مقاربة شمولية للموضوع، كما أنّ مأسسة تربية جنسية مراعية للمساواة بين الجنسين سوف تلعب دوراً أساسياً في تفكيك وإعادة تركيب العلاقات بين الجنسين في المجال الخاص، ممّا سيحفّز المساواة بين الجنسين في المجال العام.