تغييرات

سطر 50: سطر 50:  
في عام 1858، صدر أول قانون لتنظيم مهنة الطب في إنجلترا، والذي أثرت مبادئه في تشريعات لاحقة صدرت في عدد من المستعمرات البريطانية، من بينها أستراليا في 1877 ولاحقا الهند في 1916<ref>[https://www.nmc.org.in/acts-amendments/the-indian-medical-degree-act-1916/ The Indian Medical Degrees Act, 1916 (Act No. VII of 1916)]</ref>. وركز القانون الهندي على توضيح المسميات الوظيفية لممارسي المهن الصحية، وعقوبات من يستخدمها بغير استحقاق. في فرنسا، صدر قانون 30 نوفمبر 1892، الذي أغلق مهنة الطب ومنح احتكارًا بممارستها للأطباء الحاصلين على المؤهلات القانونية فقط. أما في أسبانيا، فصدر قانون الصحة العامة في 1855، ونتج عنه تشكيل هيئات تفتيش ومحاكم طبية تلاحق ممارسي العمل الصحي بدون ترخيص<ref>[https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/technical_reports/2009/RAND_TR691.pdf  RAND Corporation: International Comparison of Ten Medical Regulatory Systems (Technical Report)]</ref>.  
 
في عام 1858، صدر أول قانون لتنظيم مهنة الطب في إنجلترا، والذي أثرت مبادئه في تشريعات لاحقة صدرت في عدد من المستعمرات البريطانية، من بينها أستراليا في 1877 ولاحقا الهند في 1916<ref>[https://www.nmc.org.in/acts-amendments/the-indian-medical-degree-act-1916/ The Indian Medical Degrees Act, 1916 (Act No. VII of 1916)]</ref>. وركز القانون الهندي على توضيح المسميات الوظيفية لممارسي المهن الصحية، وعقوبات من يستخدمها بغير استحقاق. في فرنسا، صدر قانون 30 نوفمبر 1892، الذي أغلق مهنة الطب ومنح احتكارًا بممارستها للأطباء الحاصلين على المؤهلات القانونية فقط. أما في أسبانيا، فصدر قانون الصحة العامة في 1855، ونتج عنه تشكيل هيئات تفتيش ومحاكم طبية تلاحق ممارسي العمل الصحي بدون ترخيص<ref>[https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/technical_reports/2009/RAND_TR691.pdf  RAND Corporation: International Comparison of Ten Medical Regulatory Systems (Technical Report)]</ref>.  
   −
===صعود المستشفى كمركز للمؤسسة الطبية===
+
===صعود المستشفى كمركز للرعاية الصحية===
+
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحولت الممارسة الطبية تدريجيًا عن شكلها السائد في أوروبا  منذ ما بعد عصر النهضة، فأصبحت الخدمة الصحية متمحورة بصورة متزايدة حول المستشفى باعتباره مركز المؤسسة الرئيسية للعلاج والتعليم والبحث الطبي. فبعد أن كانت المستشفيات مخصصة لرعاية الفقراء، وإيواء المحتضرين أو المصابين بالأمراض العضال، التي يصعب علاجها، أو لعزل المصابين بالأوبئة مثل الطاعون [[زهري|والسفلس]]، أصبحت المستشفى مركزًا أساسيًا لتشخيص الأمراض وتوفير العلاج، وتدريب الأطباء وإنتاج المعرفة الطبية.
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت تتطور الممارسة الطبية منفصلة عن شكلها التقليدي في أوروبا  في قرون ما بعد عصر النهضة، فأصبحت الخدمة الطبية متمحورة أكثر وأكثر حول المستشفى باعتباره مركز المؤسسة الطبية بعد أن كانت المستشفيات مخصصة فقط للمرضى الفقراء وكمأوى أخير للمحتضرين والمصابين بالأمراض العضال أو كمكان لعزل المصابين بالأوبئة مثل الطاعون [[زهري|والسفلس]]، أصبح المستشفى مؤسسة بحثية وتعليمية، والخيار الأول للسلطات لتوفير العلاج للمرضى، كان للثورة الصناعية أثر كبير على الاقتصاد والعسكرية في أوروبا، حيث احتاجت الدول إلى أعداد أكبر من السكان من أجل تغذية حاجتها إلى الأيدي العاملة وإلى الجنود. حيث أن الأيدي العاملة مطلوبة من أجل تغذية المصانع والجيوش مطلوبة من أجل استعمار الجنوب العالمي، وهو الأمر الحيوي من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية وخلق أسواق استهلاكية للمنتجات الصناعية في أوروبا. وقد ساهمت الحربان العالميتان أيضًا في تطوير مكانة المستشفى كمكان للعلاج والاستشفاء بسبب العدد الضخم من الضحايا الذي تسببت به هذه الحرب وضرورة إعادة تأهيل مصابي الحرب من الجنود للعودة إلى صفوف القتال مرة أخرى. خلال هذه الفترة بدأ المستشفى يتحول من الملاذ الأخير للمريض إلى الخيار الأول للعلاج.<ref>[https://www.encyclopedia.com/science/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/hospital-modern-history Encyclopedia.com: Hospital, Modern History of the]</ref>
  −
  −
;انتشار الولادات السريرية Hospital Deliveries
      +
أثرت الثورة الصناعية في تسريع  هذا التحول، إذ دفعت الحكومات إلى الاستثمار في الصحة العامة والمؤسسات الطبية بهدف تلبية احتياجاتها من الأيدي العاملة القادرة على تلبية متطلبات التصنيع، وعدد الجنود القادرة على تأدية المهام العسكرية، في ظل توسعها الاستعماري في الجنوب العالمي. وارتبط هذا التوسع بأهداف اقتصادية وسياسية، من بينها السيطرة على الموارد الطبيعية وخلق أسواق استهلاكية للمنتجات الصناعية الأوروبية.
 +
 +
وفي القرن العشرين، ساهمت الحربان العالميتان في ترسيخ مكانة المستشفى كمراكز للعلاج والاستشفاء، نتيجة العدد الضخم من المصابين، والحاجة إلى إعادة تأهيل مصابي الحرب من الجنود للعودة إلى صفوف القتال مرة أخرى. وبذلك، تحول المستشفى من الملاذ الأخير للمريض إلى الخيار الأول لتلقي الرعاية الصحية <ref>[https://www.encyclopedia.com/science/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/hospital-modern-history Encyclopedia.com: Hospital, Modern History of the]</ref>.
 +
 +
===تقنين مهنة القبالة===
 
تزامنت التحولات على المؤسسة الطبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أيضًا مع تطورين مهمين، أولهما البدء بتنظيم مهنة القبالة بحيث تصبح خاضعة لاشتراطات محددة، ولا يمكن القيام بها أو ممارستها إلا بواسطة متدربات حاصلات على ترخيص ومسجلات لدى الدولة، كما أن حدود تدخل القابلات في الولادة قد تم تقليصها بحيث لا تتجاوز الولادات الطبيعية، وحُظر عليهن التعامل مع الولادات الخطيرة أو المتعسرة. صدر في إنجلترا تشريع مفصل يحدد الإطار القانوني الرسمي لمهنة القبالة في 1902، حيث أصبحت القابلات مسجلات ومرخصات لدى الدولة ويعملن بعد الحصول على تدريب رسمي، كما حُظر على شبكات القابلات التقليدية العمل في حال لم يقمن بتوفيق وتقنين أوضاعهن، وبحلول العام 1910 أصبح محظورًا بشكل كلي على القابلة أن تمارس عملها بدون ترخيص مسبق وإشراف طبي. تزامن ذلك مع إعادة هيكلة مهنة رعاية النساء خلال الولادة كعلم طبي، في إنجلترا على سبيل المثال تأسست جمعية أطباء الولادة والنسائية College of Obstetrics and Gynecology في 1929، ونتج عن تأسيسها ترسيم الشكل الجديد من القبالة وربط الولادة بالطب السريري أو المؤسسة الطبية، وقد تم ذلك بالتزامن مع العديد من الدول الغربية الأخرى. من أحد أهم المظاهر الرمزية لهذا الترسيم كان استبدال مصطلح Midwifery الانجليزي وما يقابله في اللغات الأوروبية الأخرى (بالفرنسية Sage‑femme وبالإسبانية Partería) بمصطلحات أخرى مشتقة من كلمة Obstetrix اللاتينية والتي تعني أيضًا قابلة، وذلك من أجل منح صبغة علمية للتسمية والممارسة المرتبطة بها.
 
تزامنت التحولات على المؤسسة الطبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أيضًا مع تطورين مهمين، أولهما البدء بتنظيم مهنة القبالة بحيث تصبح خاضعة لاشتراطات محددة، ولا يمكن القيام بها أو ممارستها إلا بواسطة متدربات حاصلات على ترخيص ومسجلات لدى الدولة، كما أن حدود تدخل القابلات في الولادة قد تم تقليصها بحيث لا تتجاوز الولادات الطبيعية، وحُظر عليهن التعامل مع الولادات الخطيرة أو المتعسرة. صدر في إنجلترا تشريع مفصل يحدد الإطار القانوني الرسمي لمهنة القبالة في 1902، حيث أصبحت القابلات مسجلات ومرخصات لدى الدولة ويعملن بعد الحصول على تدريب رسمي، كما حُظر على شبكات القابلات التقليدية العمل في حال لم يقمن بتوفيق وتقنين أوضاعهن، وبحلول العام 1910 أصبح محظورًا بشكل كلي على القابلة أن تمارس عملها بدون ترخيص مسبق وإشراف طبي. تزامن ذلك مع إعادة هيكلة مهنة رعاية النساء خلال الولادة كعلم طبي، في إنجلترا على سبيل المثال تأسست جمعية أطباء الولادة والنسائية College of Obstetrics and Gynecology في 1929، ونتج عن تأسيسها ترسيم الشكل الجديد من القبالة وربط الولادة بالطب السريري أو المؤسسة الطبية، وقد تم ذلك بالتزامن مع العديد من الدول الغربية الأخرى. من أحد أهم المظاهر الرمزية لهذا الترسيم كان استبدال مصطلح Midwifery الانجليزي وما يقابله في اللغات الأوروبية الأخرى (بالفرنسية Sage‑femme وبالإسبانية Partería) بمصطلحات أخرى مشتقة من كلمة Obstetrix اللاتينية والتي تعني أيضًا قابلة، وذلك من أجل منح صبغة علمية للتسمية والممارسة المرتبطة بها.
  
8٬425

تعديل