طب التوليد
طب التوليد تخصص طبي معني برعاية الحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، ويشمل تشخيص وعلاج المضاعفات التي قد تصيب الأم أو الجنين، ومتابعة نمو الجنين وصحته قبل الولادة. نشأ هذا التخصص بصورته الحديثة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما انتقلت رعاية الحمل والولادة تدريجيًا من مهنة القبالة التقليدية إلى الإشراف الطبي المؤسسي، مع تقنين ممارسة القبالة وحصرها في الولادات الطبيعية، وتطوير التوليد كتخصص طبي مستقل داخل المؤسسات الصحية. ({{#arraymap:Obstetrics@en|،|x|بx: | و }}) {{#set:دلالة=تخصص طبي معني برعاية الحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، ويشمل تشخيص وعلاج المضاعفات التي قد تصيب الأم أو الجنين، ومتابعة نمو الجنين وصحته قبل الولادة. نشأ هذا التخصص بصورته الحديثة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما انتقلت رعاية الحمل والولادة تدريجيًا من مهنة القبالة التقليدية إلى الإشراف الطبي المؤسسي، مع تقنين ممارسة القبالة وحصرها في الولادات الطبيعية، وتطوير التوليد كتخصص طبي مستقل داخل المؤسسات الصحية.}} {{#arraymap:|،|x|{{#set:مرادف=x@ar}}}} {{#set:مرادف=Obstetrics@en|+sep=،}} {{#set:ذات صلة=قبالة، عنف توليدي، أمراض مرتبطة بالحمل|+sep=،}}
قابلات ومولدون: تحولات تاريخية
كانت الولادة على مدار التاريخ البشري عملية طبيعية تتم بدون أو بالحد الأدنى من التدخلات العلاجية وكان العلاج والطب ينتمي للناس. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، وخلال النصف الأول من القرن العشرين، بدأت رعاية الحمل والولادة تخضع بصورة متزايدة للتطبيب أو التأطير داخل المؤسسة الطبية، بالتزامن مع مأسسة الممارسة الصحية واحتكار الأطباء لممارسة الطب والمداواة. وتحولت الولادة تدريجيًا من ممارسة تُدار غالبًا داخل المنازل بمساعدة القابلات وشبكات الدعم الاجتماعي المتمحورة حول النساء، إلى إجراء طبي يتم داخل المستشفيات تحت إشراف الأطباء.
القبالة في العصور القديمة
تعتبر النصوص المصرية القديمة "بردية كاهون"، التي كُتبت حوالي 1825 قبل الميلاد، أقدم توثيق متوفر للمعرفة الطبية المتعلقة بالولادة والخصوبة وصحة النساء والحوامل. إلا أنها لم تذكر مهنة القبالة بشكل صريح على العكس من "بردية إبريس"، التي كُتبت حوالي 1550 قبل الميلاد، وذكرت القابلات وحددت مهامهن وخبراتهن في التعامل مع النساء الحوامل والولادة[1]. تشير الأدبيات التاريخية أيضًا إلى وجود مساهمات في طب الولادة تعود إلى زمن الحضارة اليونانية القديمة، إذ تشير النصوص إلى مساهمات قدمها أطباء مثل أبقراط، وإفسوس، وسورانوس، وجالينوس[2].
أما في الهند فهناك نصوص تشكل مكونات أساسية للطب الشعبي الهندي، المعروف بالآيورفيدا، ناقشت مسائل الحمل والولادة والحالات المرضية المتعلقة بهما، مثل "ساشروتا سهميتا" "وتشاراكا سهميتا"، ووصفت تدخلات جراحية تستخدم في الحالات المتعلقة بالولادة وطب النسائية.[3]
طب الولادة الإسلامي
في العصور الوسطى، خلال العصر الإسلامي المبكر، تحديدًا في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، انطلق حركة نشطة لترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية والسنسكريتية والفارسية والمصرية إلى العربية. ولم يقتصر دور الأطباء المسلمين على ترجمة هذه المؤلفات، بل قاموا بمراجعتها ونقدها وتصويب عدد من مفاهيمها، وأضافوا إليها ملاحظاتهم المستندة إلى الممارسة والتجريب. نتج عن ذلك تطورات كبيرة في علم التوليد، والتي أسهمت في إرساء الأسس المعرفية التي بني عليها في أوروبا في عصر النهضة وما بعده. ويعد العلماء المسلمون أول من فصل طب الولادة كفرعًا مستقلًا من فروع الطب، في حين لم يعترف به في أوروبا كتخصص مستقل إلا في القرن التاسع عشر، إذ ظل يعد جزءًا من الجراحة العامة أو لم يكن ينظر إليه كفرعًا طبيًا من الأساس. يمكن تتبع إسهامات العلماء المسلمين في طب الولادة في نصوص ابن عباس المجوسي (الأهوازي)، والطبيب الأندلسي الإشبيلي ابن زهر، الذي كانت ابنته وحفيدته من أوائل وأشهر طبيبتي ولادة في الأندلس. كما قدم أبو بكر الرازي وابن سينا إسهامات في هذا المجال، إلى جانب الزهراوي، الذي وصف حوالي 200 أداة تشخيصية وجراحية، كان بعضها من تصميمه، استخدمت في طب النساء والتوليد. كما ينسب إليه أول شرح منهجي لخطوات التعامل مع الولادات المتعسرة الناتجة عن التجمعات المائية في الدماغ وكذلك إجراءات استخراج الأجنة المتوفاة داخل الرحم [4].
وعالج أحمد بن يحيى البلدي العوارض السابقة للولادة لأول مرة كموضوعًا مستقلًا في كتابه " تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وتدبير أمراضهم". وفي كتابه ناقش مسألة النشاط الجنسي أثناء الحمل، فرأى أن الامتناع التام عنه ليس في مصلحة الحامل، لأنه قد يؤدي إلى تعسر الولادة وزيادة آلامها. لذلك أوصى بتجنبه خلال الشهرين الأولين، ثم بعد الشهر السادس من الحمل. ففي المرحلة الأخيرة يصبح الجنين أكبر حجمًا، وقد تؤدي الحركة الزائدة أثناء الإيلاج إلى الإضرار بالحمل. وفي المقابل، حذر أيضًا من الإفراط في ممارسة الجنس الإيلاجي لأنه قد يضعف الجنين وربما يسهم في حدوث الإجهاض. ولا تزال التوصيات الطبية الحديثة تنصح النساء اللواتي لديهن تاريخ من الإجهاض بالامتناع عن الجنس الإيلاجي خلال الثلث الأول من الحمل، كما تنصح من لديهن تاريخ من الولادة المبكرة بتجنبه خلال الثلث الأخير [4].
لم يكن هناك فصل في الممارسة بين القبالة والطب. شاركت النساء في ممارسة الطب، ولا سيما في رعاية الحوامل والولادة، وعُرفن باسم "الدايات" (القابلات). وكانت معظمهن يعملن تحت إشراف الأطباء الرجال، في حين مارست أخريات المهنة بصورة مستقلة، وكانت شروحات الأطباء وتعليماتهم النظرية موجهة إليهن. فأوصى الرازي القابلات بفحص المرأة قبل الشروع في توليدها. وشدد على ضرورة تقييم مدى اتساع عنق الرحم، وتحديد الجزء المتقدم من الجنين، ومتابعة تقدم اتساع عنق الرحم حتى يكتمل بالقدر الكافي، ثم توجيه المرأة إلى الدفع لإتمام عملية الولادة [4].
وبالتالي، ظلت الحدود بين القبالة والطب غير واضحة، وكان المجالان متداخلين إلى حد كبير. ولم يسع الأطباء المسلمون إلى تعطيل مهنة القبالة أو السيطرة عليها، ولم تظهر محاولات من هذا القبيل إلا في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث بدأ طب الولادة يشغل حيزًا متزايدًا ضمن العمل في الجراحة، كتخصصًا يوازي مهنة القبالة ولا يتقاطع معها.
بداية طب الولادة الأوروبي
في العصر الحديث المبكر، في أوروبا، بدأ تنظيم مهنة القبالة مع عصر النهضة وما بعده. ففي القرن السادس عشر، كانت القابلات في أوروبا لا يزلن يمارسن المهنة بالاعتماد على كل من المعارف المتوارثة شفهيًا والخبرات المكتسبة بالتجربة. وهو ما أشارت إليه النصوص الطبية المبكرة في عصر النهضة، ومنها كتابات المعالج الألماني "إيوكاريوس روزالين"، الذي سعى إلى إعادة إحياء دراسات الطبيب اليوناني "سورانوس من أفسس"، وأضاف إليها نتائج أبحاثه الخاصة. ولم يمارس روزالين القبالة ولم يقم بتوليد النساء، بل كان يدرَّس النصوص اليونانية القديمة لطلابه، وقلل من شأن القابلات، واعتبرهن جاهلات ومؤمنات بالخرافات. وتجاهل روزالين ومعاصريه حقيقة أن القابلات راكمت خبراتهن ومعارفهن عبر قرون طويلة، وتناقلنها شفهيًا من جيل إلى جيل. بالإضافة إلى أن تعليم القابلات في أوروبا منذ العصور القديمة، حتى عندما كان يتم داخل مؤسسات تعليمية معتمدة، لم يكن قائمًا على القراءة والكتابة أو المناهج النظرية، إنما كان تعليمًا عمليًا وتطبيقيًا.
بعد نشر كتابات روزالين والطبيب النمساوي "ياكوب روف"، الذي اعتمد أيضًا على مؤلفات سورانوس، بدأ الأطباء الذكور تعلّم الأساسيات الخاصة بالقبالة والتوليد بشكل نظري. في فرنسا، أسس الحلاق الجراح "أُمبرواز باريه" مدرسة للقبالة في باريس، وبلغت بعض متدرباته مكانة مرموقة في البلاط الفرنسي. وتولت إحدى طالبته توليد "ماري دي ميديتشي"، زوجة الملك هنري الرابع، كما أشرفت على ولادة ابنتها، هنريتا ماريا، التي أصبحت لاحقًا ملكة بريطانيا. وينسب إلى "باريه"، أو إلى إحدى طالباته، إجراء أول جراحة قيصرية لامرأة بقيت على قيد الحياة، حيث نجحوا في السيطرة على النزيف خلال الولادة [5].
في القرن السابع عشر، بدأت ظاهرة االمولّدين الذكور بالانتشار في فرنسا، وكان من أشهرهم فرانسوا موريسيو (Francois Mauriceau) الذي عمل في بلاط الملك لويس الرابع عشر. كما أسهم لاجئ فرنسي يُدعى "بيتر تشامبرلين" في نقل المهنة إلى إنجلترا. ويُعتقد أنه، أو أحد أبنائه، طور نسخة من الملاقط الطبية المستخدمة في الولادات التدخلية لتسريع الولادات البطيئة أو المتعسرة. وحافظت عائلة تشامبرلين على سر ابتكارهم لما لا يقل عن قرن من الزمان، قبل أن ينتشر استخدامه في مختلف أنحاء أوروبا.
في القرن الثامن عشر، نشر الطبيب والمولد الأسكتلندي "ويليام سميلي" أطروحته عن نظرية وممارسة القبالة (A Treatise on the Theory and Practice of Midwifery)، وطور أساليب لتدريس القبالة لطلابه بناء على معرفته بالبنية التشريحية للحوض والجهاز التناسلي الأنثوي. في ذلك الوقت، بدأت القبالة تحولها التدريجي في أوروبا من ممارسة اجتماعية تعتمد على دوائر الدعم التقليدية المحيطة بالحامل، والتي تضم نساء العائلة الأكبر سنًا والجارات والقابلات، إلى مجال أكثر ارتباطًا بالمؤسسة الطبية والأكاديمية التي يهيمن عليها الذكور، وتزايد انخراط الأطباء الرجال في مهنة القبالة، خاصة في إنجلترا وفرنسا[2].
وفي عام 1740، أسس سميلي مدرسة لتعليم المولدين الذكور فنون القبالة، الذين اكتسبوا خبرتهم العملية من خلال العمل في المستشفيات العامة، التي كانت تقدم خدمات الولادة المجانية للنساء الفقيرات. نتج عن ذلك إتاحة فرص أكبر للذكور لاكتساب الخبرة العملية مع النساء الحوامل، وتراجع تواجد النساء في مهنة القبالة. كما استخدمت الملاقط الطبية المعدنية في كثير من هذه الولادات، وهو ما أدى إلى زيادة الإجراءات الطبية التدخلية (invasive procedures) في الولادات بشكل غير مسبوق. وبالتوازي مع ذلك، انتشرت حمى النفاس في مستشفيات الولادة، وارتبطت معظم الحالات بانتقال العدوى عن طريق الأطباء والمولدين الذكور بسبب غياب إجراءات التعقيم، ورفض المجتمع الطبي لمفهوم العدوى.
حتى بدايات القرن الثامن عشر، كانت القبالة تُمارس خارج المجال الطبي الرسمي بشكل كامل، وبالرغم من تحقير المجتمع الطبي الرسمي لمهنة القبالة ومحدودية مقابلها المادي، إلا أن الأطباء العامّون والجراحون المعالجون (Surgeons - Apocatheries) انخرطوا في توليد نساء الطبقتين الوسطى والعليا في المنازل، خاصة في إنجلترا وفرنسا. وبالرغم من أن آراء الأطباء بأن المهنة غير لائقة وتصريح أحد رؤساء الجمعية الملكية البريطانية للجراحة بأن توليد الرجال للنساء "غريبًا عن عادات الرجل ذي التعليم الأكاديمي الرفيع"، إلا أن الجراحين المعالجين الذكور استمروا في القيام بعمليات التوليد في المنازل، وباستخدام الملاقط الطبية المعدنية، من أجل توطيد علاقتهم بالعائلات التي يولدون نسائها، إذ غالبًا ما كانت الولادة الوحد بداية علاقة علاجية مستمرة بين الطبيب والعائلة. ونتيجة لذلك، زاد تواجد الذكور في أدوار الرعاية الطبية، مع تهميش تخصص التوليد واعتباره خارج التيار الرئيس للطب. ولم تُؤسس الكلية الملكية لأطباء التوليد وأمراض النساء إلا عام 1929، وحتى وقتها واجه تأسيسها معارضة بدعوى أن التوليد وأمراض النساء لا يشكلان تخصصًا طبيًا مستقلًا. [6].
منذ القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن العشرين، كانت الغالبية العظمى من ولادات النساء من الطبقات الفقيرة والوسطى تُجرى إما على يد قابلات غير خاضعات لأي تنظيم مهني، وكان كثير منهن لا يجدن القراءة والكتابة، أو على يد أطباء عامين. أما الطبقتان الوسطى والعليا، فكانتا تستعين بما سُمي بالممرضة الشهرية (Monthly Nurse)، وهي قابلة كانت تقيم في منزل الحامل، وتقدم لها الرعاية والتمريض منذ الفترة السابقة للولادة وحتى ثلاثة أو أربعة أسابيع بعدها، بينما يتولى الطبيب العام عملية التوليد ويتقاضى أجرها. كما ظهرت، منذ أواخر القرن التاسع عشر، بعض العيادات الخاصة أو بيوت التمريض، التي أتاحت للأطباء العامين توليد مريضاتهم من الطبقتين الوسطى والعليا [6].
النقابات وتوحيد الأنظمة الطبية: القرن19
خلال القرن التاسع عشر، كان تقديم الرعاية الصحية في أوروبا منقسمًا على أسس طبقية وتعليمية واجتماعية؛ وتجسد ذلك من خلال فصل الممارسين وفقًا لاختلاف مسارات التعليم والترخيص، قبل أن تتجه المهن الصحية تدريجيًا نحو مزيد من التنظيم القانوني والتوحيد المهني.
من جهة، كان الأطباء الذين ينتمون إلى الطبقات العليا في المجتمع، يحصلون على فرص التعلم في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية. ومن جهة أخرى، كان الجراحون المعالجون (الصيادلة)، المنتمون في الغالب إلى الطبقة الوسطى، يتلقون تعليمهم عبر التلمذة المهنية على يد ممارسين أكبر منهم سنًا وأكثر خبرة. وضم هؤلاء عدة فئات، منها الجراحون الذين ورثوا تقاليد الجراحة المرتبطة تاريخيًا بمهنة الحلاقة ومنهم الصيادلة والكيميائيين، الذين اكتسبوا خبرة في التشخيص وتقديم الاستشارات الطبية من خلال عملهم في تحضير الأدوية والمستحضرات الكيميائية. وبذل الأطباء الذين يتلقون تدريبًا رسميًا جهودًا كبيرة لتمييز أنفسهم عن العدد الكبير من الممارسين غير المهنيين. وكان أهم فارق بينهم هو أن الأطباء ذوي التدريب الرسمي، أو ما كانوا يطلقون على أنفسهم "الأطباء النظاميين"، كانوا رجالًا، ومن الطبقة الوسطى أو العليا، وكانت خدماتهم الطبية غالبًا أعلى تكلفة من خدمات الممارسين غير الرسميين [7].
أما القابلات، فكان معظمهن يتعلمن القبالة عبر التلمذة المهنية وتوارث المعرفة والخبرات العملية المتراكمة على مدار قرون طويلة، وبعضهن درس تعليمًا نظاميًا في مدارس جديدة للقبالة أسسها أطباء وأكاديميون ذكور.
رسخ تنظيم مهنة الطب سلطة المؤسسة الطبية من خلال إخضاع ممارسة المهن الصحية لتنظيم قانوني ومؤسسي موحد. حصل ذلك عبر عدة خطوات كان أولها سن القوانين المنظمة للمهنة وإنشاء النقابات. في إنجلترا، تأسست الجمعية الملكية لجراحي لندن (Royal College of Surgeons in London) في 1800، والتي أصبح اسمها الجمعية الملكية لجراحي إنجلترا (Royal College of Surgeons of England) في 1843، واقتصرت عضويتها على الجراحين المؤهلين وفقًا لمعاييرها التي شملت على التعليم الجامعي وتدريب مهني محدد، ولم تشمل القابلات. كما تأسس الاتحاد الإقليمي الطبي والجراحي (Provincial Medical and Surgical Association) في 1832، واتخذ اسمه الحالي الاتحاد الطبي البريطاني (British Medical Association) في 1856[6].
في عام 1858، صدر أول قانون لتنظيم مهنة الطب في إنجلترا، والذي أثرت مبادئه في تشريعات لاحقة صدرت في عدد من المستعمرات البريطانية، من بينها أستراليا في 1877 ولاحقا الهند في 1916[8]. وركز القانون الهندي على توضيح المسميات الوظيفية لممارسي المهن الصحية، وعقوبات من يستخدمها بغير استحقاق. في فرنسا، صدر قانون 30 نوفمبر 1892، الذي أغلق مهنة الطب ومنح احتكارًا بممارستها للأطباء الحاصلين على المؤهلات القانونية فقط. أما في أسبانيا، فصدر قانون الصحة العامة في 1855، ونتج عنه تشكيل هيئات تفتيش ومحاكم طبية تلاحق ممارسي العمل الصحي بدون ترخيص[9].
صعود المستشفى كمركز للرعاية الصحية
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحولت الممارسة الطبية تدريجيًا عن شكلها السائد في أوروبا منذ ما بعد عصر النهضة، فأصبحت الخدمة الصحية متمحورة بصورة متزايدة حول المستشفى باعتباره مركز المؤسسة الرئيسية للعلاج والتعليم والبحث الطبي. فبعد أن كانت المستشفيات مخصصة لرعاية الفقراء، وإيواء المحتضرين أو المصابين بالأمراض العضال، التي يصعب علاجها، أو لعزل المصابين بالأوبئة مثل الطاعون والسفلس، أصبحت المستشفى مركزًا أساسيًا لتشخيص الأمراض وتوفير العلاج، وتدريب الأطباء وإنتاج المعرفة الطبية.
أثرت الثورة الصناعية في تسريع هذا التحول، إذ دفعت الحكومات إلى الاستثمار في الصحة العامة والمؤسسات الطبية بهدف تلبية احتياجاتها من الأيدي العاملة القادرة على تلبية متطلبات التصنيع، وعدد الجنود القادرة على تأدية المهام العسكرية، في ظل توسعها الاستعماري في الجنوب العالمي. وارتبط هذا التوسع بأهداف اقتصادية وسياسية، من بينها السيطرة على الموارد الطبيعية وخلق أسواق استهلاكية للمنتجات الصناعية الأوروبية.
وفي القرن العشرين، ساهمت الحربان العالميتان في ترسيخ مكانة المستشفى كمراكز للعلاج والاستشفاء، نتيجة العدد الضخم من المصابين، والحاجة إلى إعادة تأهيل مصابي الحرب من الجنود للعودة إلى صفوف القتال مرة أخرى. وبذلك، تحول المستشفى من الملاذ الأخير للمريض إلى الخيار الأول لتلقي الرعاية الصحية [10].
في لبنان، قبل 2003، كان مطلوب من القابلات دراسة التمريض حتى تتمكّن بعدها من متابعة التحصيل العلمي لتصبحن قابلات قانونيات.
تقنين مهنة القبالة
تزامنت التحولات في المؤسسة الطبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مع تطورين مهمين؛ أولهما كان تقنين مهنة القبالة وإخضاعها لاشتراطات مهنية محددة، بحيث أصبح ممارستها مشروطًا بالحصول على تدريب رسمي، وترخيص، وتسجيل لدى الجهات المعنية في الدولة. كما تم تقييد نطاق عمل القابلات في الولادة، ليقتصر على الولادات الطبيعية، وحُظر عليهن التعامل مع الولادات الخطيرة أو المتعسرة. في إنجلترا، صدر تشريع مفصل يحدد الإطار القانوني لمهنة القبالة في 1902، وألزم القابلات بالتسجيل والحصول على ترخيص وتدريب رسمي، وحُظر على شبكات القابلات التقليدية العمل في حال لم يمتثلن للمتطلبات القانونية الجديدة. أدى ذلك إلى تراجع تواجد شبكات القابلات التقليديات، حتى أصبح بحلول عام 1910 محظورًا بشكل كلي على القابلات أن تمارسن عملهن بدون ترخيص وإشراف مهني.
أما التطور الثاني فكان في إعادة هيكلة مهنة رعاية الحمل والولادة كتخصصًا طبيًا. في إنجلترا، على سبيل المثال، تأسست جمعية أطباء الولادة والنسائية (College of Obstetrics and Gynecology) في 1929، ونتج عن تأسيسها ترسيخ الولادة كتخصصًا طبيًا سريريًا مرتبطًا بشكل كلي بالمؤسسة الطبية، وتهميش دور القابلات في الولادة. وشهدت عدة دول غربية أخرى تحولات مماثلة خلال الفترة نفسها.
ومن إحدى أهم المظاهر الرمزية لهذا التحول كان الترسيخ لاستخدام مصطلحات جديدة مشتقة من الكلمة اللاتينية Obstetrix التي تعني "القبالة" مثل Obstetrics بالإنجليزية، وObstétrique بالفرنسية، وObstetricia بالإسبانية، للدلالة على التخصص الطبي الجديد للحمل والولادة، في مقابل استمرار استخدام Midwifery وSage-femme وPartería للإشارة إلى مهنة القبالة بحدودها الجديدة.
وبالتوازي مع تطور طب الولادة الحديث، تطور انتشار مهنة التمريض، بشكلها الجديد، كمهنة قائمة على التعليم الأكاديمي ويحبذ للنساء إمتهانها. وأصبحت ممرضات التوليد جزءًا أساسيًا من فرق رعاية الحمل والولادة داخل المستشفيات، إلى جانب الأطباء، مع تهميش لدور القابلات التقليديات بشكل كبير. ونقلت الدول الاستعمارية إلى مستعمراتها في الجنوب العالمي تجربتها في التنقنين والتنظيم المؤسسي لمهنة القبالة ورعاية الولادة، وقُدِّمت هذه السياسات باعتبارها "تحديثات" لنظم القبالة التقليدية وتظوير رعاية الولادة في المجتمعات الجنوبية. إلا أنها مثلت أدوات للتدخل الاستعماري، ونتج عنها تقويض ممارسات القبالة التقليدية والمعارف الطبية المحلية المتوارثة داخل هذه المجتمعات منذ قرون طويلة، وتمكين الكيانات الاستعمارية من فرض سياسات الضبط والتحكم السكاني [11][12][13] [14] [15].
في عام 1979 في لبنان، أقرت الحكومة مرسومًا يقنن مهنة القبالة في لبنان،وحدد الشروط الإلزامية لممارسة المهنة، وكان منها حيازة شهادة في القبالة من جامعة أو مدرسة تعترف بها الدولة اللبنانية، وحصولها على شهادة البكالوريا ونجاحها في امتحان "الكولوكيوم". وحتى عام 2003، كان مطلوب من القابلات دراسة التمريض حتى تتمكّن بعدها من متابعة التحصيل العلمي لتصبحن قابلات قانونيات. وقد شكّل هذا الشرط عائقًا أمام العديد من النساء بسبب محدودية توفر البرنامج من حيث التكلفة المادية والموقع الجغرافي، إذ ظل تعليم القبالة خارج نطاق الجامعة اللبنانية وفروعها، واقتصر على مؤسسات التعليم العالي الخاصة، تحديدًا، الجامعة اليسوعية، التي أنشأت مدرسة القبالة في 1920 [16].
نتج عن ذلك انتقال تدريجي للولادة من المجال الاجتماعي والمنزلي إلى الحيز الطبي المؤسسي الخاضع للإدارة وهيمنة الأطباء الذكور، وأصبحت معدلات الولادات التي تتم داخل المستشفى في تزايد عامًا بعد عام. ففي بريطانيا، انخفضت نسبة الولادات المنزلية من 99% في نهاية القرن 19 إلى 33% في 1955، ثم إلى 2.1% بحلول 1998[6]. في الولايات المتحدة، انخفضت نسبة الولادات خارج المستشفى كذلك من أكثر من 99% في مطلع القرن العشرين إلى أقل من 1% خلال سبعينيات وثمانينات القرن العشرين[17].
تطبيب الولادة
- الهيمنة الذكورية على المؤسسة الطبية
رسخت المؤسسة الطبية الحديثة لعلاقة تقوم على الوصاية والسلطة بين مقدمي الرعاية الصحية ومتلقيها، مستندة إلى المكانة التي اكتسبتها المعرفة العلمية، بما أدى إلى التعامل مع الجسد بوصفه موضوعًا للفحص والعلاج بمعزل عن سياقه الاجتماعي وتجربته الشخصية. وإلى جانب هذه العلاقة، أظهرت المؤسسة الطبية تاريخيًا أنماطًا من التحيز ضد النساء، بدأت باستيلاء الرجال على أدوار العلاج والرعاية الصحية؛ ففي إنجلترا تبلغ نسبة الطبيبات 24%، وفي روسيا 75%، بينما لا تتجاوز في الولايات المتحدة 7% [7].
بالإضافة إلى ذلك اعتمد الطب أجساد الذكور، ولا سيما الذكور البيض، معيارًا مرجعيًا في كثير من الأبحاث الطبية، مع إهمال الخصائص البيولوجية للنساء وللجماعات العرقية المختلفة، أو التعامل معها بوصفها انحرافًا عن النموذج المرجعي. وتتفاقم هذه التحيزات عند تقاطعها مع عوامل طبقية أو اقتصادية أو إثنية، بحيث تواجه النساء الفقيرات، والمنتميات إلى الشعوب الأصلانية أو الأقليات العرقية والاجتماعية، أشكالًا مضاعفة من عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية وجودتها.
- تحولات تطبيب الولادة
في هذا السياق، شهدت الولادة تحت الإشراف الطبي تحولات في بنيتها وممارستها ومعناها الاجتماعي. فبعد أن كانت عملية طبيعية تحدث في فضاء اجتماعي تحت إشراف القابلات التقليديات، تحولت إلى إجراء طبي مؤسسي يُدار داخل المستشفى وفق منطقٍ سريري، وتخضع بشكل كبير إلى تعليمات الطبيب وقراراته، وغالبًا بدون إشراك الحامل في اتخاذ القرار.
أصبحت الولادات أكثر اعتمادًا على التدخلات الطبية، فبدلًا أن تُترك العملية لتأخذ مجراها الطبيعي، أُدخلت أدوية متعددة لتسريع الطلق وأخرى للتخدير وتسكين الألم. في 1847، استخدم الطبيب الاسكتلندي "جيمس يونغ سيمبسون" الكلوروفورم أول مرة كمسكن للألم خلال الولادة، ولتسهيل التدخلات الجراحية عند الضرورة[2]. لاحقًا، مع بدايات القرن العشرين، انتشر استخدام إجراء تخديري يُدعى "نوم الشفق" (Twilight Sleep)، وهو مزيج من المورفين والسكوبولامين، يستخدم لخلق حالة تخدير جزئي وتسكين الألم وفقدان للذاكرة قصير المدى، بحيث تظل المريضة قادرة على الحديث والاستجابة للطبيب. إلا أنه يؤدي في بعض الأحيان إلى هذيان وردود فعل عنيفة تشكل خطرًا على حياتها. استبُدل هذا الإجراء تدريجيًا بأدوية تخدير أكثر أمانًا من حيث الأعراض الجانبية والقدرة على التحكم في مخرجاتها. ساعدت تدخلات دوائية أخرى للتعامل مع مضاعفات الولادات، منها الإرغوتامين، الذي استخدم لإيقاف نزيف ما بعد الولادة، بالإضافة إلى المضادات الحيوية، مثل مركبات السلفا والبنسلين، لعلاج حمى النفاس.
بالإضافة إلى التدخلات الدوائية، كان التدخل الجراحي من السمات الأساسية للولادة الحديثة، خاصة استخدام الملاقط المعدنية من أجل تسريع الولادة، وقطع أو شق العجان من أجل توسيع فتحة المهبل لتسهيل خروج الجنين، والذي يُرمم بالخيوط الجراحية. تطورت هذه الممارسة لاحقًا لإحدى أشكال العنف التوليدي المعروفة بغرزة الزوج ، وهي إضافة غرز أو شد الخياطة أكثر من اللازم بهدف تضييق فتحة المهبل قدر الإمكان، بحجة تحسين المتعة الجنسية للزوج عند الإيلاج. أما التدخل الجراحي الأكثر استخدامًا وانتشارًا على مستوى العالم هو العمليات القيصرية، التي ظهرت بداية كإجراء أخير يلجأ إليه في حالات الطوارئ لتفادي مضاعفات الولادة المهبلية، لإنقاذ الأم أو الجنين، إلا أنها أصبحت تُجرى الآن بشكل روتيني وبمعدلات عالية، حتى لو لم يكن لها أي داعٍ طبي.
نتج عن ذلك التحول ظهور ممارسات اسمتها الأدبيات النسوية والحقوقية لاحقًا كأشكالًا من العنف التوليدي، وهو مصطلح يشير إلى الانتهاكات والعنف الذي تتعرض له النساء أثناء الحمل أو الولادة أو بعد الولادة داخل مؤسسات الرعاية الصحية الرسمية. واستغرق الأمر عقودًا قبل أن يحظى هذا النوع من الانتهاكات باهتمام بحثي وقانوني. وكانت الحركات النسوية في أمريكا اللاتينية من أوائل من عملوا على تأطير مفهوم العنف التوليدي قانونيًا، والدفع نحو الاعتراف به بوصفه انتهاكًا لحقوق النساء.
مصادر
- ↑ The Unexpected History Of Midwives (Youtube Video)
- ↑ 2٫0 2٫1 2٫2 A History of Obstetrics and Gynecology: From Ancient Midwifery to Modern Medicine
- ↑ Practice of Midwifery in Ancient India
- ↑ 4٫0 4٫1 4٫2 Fadel and Al-Hendy: Development of Obstetric Practice During the Early Islamic Era
- ↑ The start of life: a history of obstetrics
- ↑ 6٫0 6٫1 6٫2 6٫3 Irvine Loudon: General practitioners and obstetrics: a brief history
- ↑ 7٫0 7٫1 . ,Barbara Ehrenreich & Deirdre English Witches, Midwives, and Nurses: A History of Women Healers (1972)
- ↑ The Indian Medical Degrees Act, 1916 (Act No. VII of 1916)
- ↑ RAND Corporation: International Comparison of Ten Medical Regulatory Systems (Technical Report)
- ↑ Encyclopedia.com: Hospital, Modern History of the
- ↑ Colonizing Childbirth: The Adoption of Western Obstetrics in Hong Kong (1842-1910)
- ↑ Ambalika Guha: Modernizing Childbirth in Colonial Bengal A History of Institutionalization and Professionalization of Midwifery, c.1860-1947
- ↑ Heathe Bell: Midwifery Training And Female Cirumcision In The Inter-War Anglo-Egyptian Sudan
- ↑ Dipti Tripathi: Western Intervention in the Childbirth Practices in Colonial India: A Historical Perspective
- ↑ Murdock and Durant: Settler Midwifery: A Colonial Tool in Canada's Reproductive Healthcare System
- ↑ هبة عباني، الأبوية الطبية: تجارب القابلات القانونيات في لبنان نموذجا، مجلة كحل (2019)
- ↑ Birth Settings in America: Outcomes, Quality, Access, and Choice. (NLM Bookshelf)