تغييرات

←‏الولادة تحت الإشراف الطبي: مراجعة وتصحيح معلومات
سطر 68: سطر 68:  
ففي بريطانيا، انخفضت نسبة الولادات المنزلية من 99% في نهاية القرن 19 إلى 33% في 1955، ثم إلى 2.1% بحلول 1998<ref name="GPOBG"/>. في الولايات المتحدة، انخفضت نسبة الولادات خارج المستشفى كذلك من أكثر من 99% في مطلع القرن العشرين إلى أقل من 1% خلال سبعينيات وثمانينات القرن العشرين<ref>[https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK555491/ Birth Settings in America: Outcomes, Quality, Access, and Choice. (NLM Bookshelf)]</ref>.
 
ففي بريطانيا، انخفضت نسبة الولادات المنزلية من 99% في نهاية القرن 19 إلى 33% في 1955، ثم إلى 2.1% بحلول 1998<ref name="GPOBG"/>. في الولايات المتحدة، انخفضت نسبة الولادات خارج المستشفى كذلك من أكثر من 99% في مطلع القرن العشرين إلى أقل من 1% خلال سبعينيات وثمانينات القرن العشرين<ref>[https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK555491/ Birth Settings in America: Outcomes, Quality, Access, and Choice. (NLM Bookshelf)]</ref>.
   −
==الولادة تحت الإشراف الطبي==
+
== الولادة تحت الإشراف الطبي==
 +
شهدت الولادة تحت الإشراف الطبي تحولات في بنيتها وممارستها ومعناها الاجتماعي. فبعد أن كانت عملية طبيعية تحدث في فضاء اجتماعي تحت إشراف القابلات التقليديات، تحولت إلى إجراء طبي مؤسسي يُدار داخل المستشفى وفق منطقٍ سريري، وتخضع بشكل كبير إلى تعليمات الطبيب وقراراته، وغالبًا بدون إشراك الحامل في اتخاذ القرار.
 +
 +
أصبحت الولادات أكثر اعتمادًا على التدخلات الطبية، فبدلًا أن تُترك العملية لتأخذ مجراها الطبيعي، أُدخلت أدوية متعددة لتسريع الطلق وأخرى للتخدير وتسكين الألم. في 1847، استخدم الطبيب الاسكتلندي "جيمس يونغ سيمبسون" الكلوروفورم أول مرة كمسكن للألم خلال الولادة، ولتسهيل التدخلات الجراحية عند الضرورة<ref name="ign"/>.
 +
لاحقًا، مع بدايات القرن العشرين، انتشر استخدام إجراء تخديري يُدعى "نوم الشفق" (Twilight Sleep)، وهو مزيج من المورفين والسكوبولامين، يستخدم لخلق حالة تخدير جزئي وتسكين الألم وفقدان للذاكرة قصير المدى، بحيث تظل المريضة قادرة على الحديث والاستجابة للطبيب. إلا أنه يؤدي في بعض الأحيان إلى هذيان وردود فعل عنيفة تشكل خطرًا على حياتها. استبُدل هذا الإجراء تدريجيًا بأدوية تخدير أكثر أمانًا من حيث الأعراض الجانبية والقدرة على التحكم في مخرجاتها.
 +
ساعدت تدخلات دوائية أخرى للتعامل مع مضاعفات الولادات، منها الإرغوتامين، الذي استخدم لإيقاف نزيف ما بعد الولادة، بالإضافة إلى المضادات الحيوية، مثل مركبات السلفا والبنسلين، لعلاج حمى النفاس.
   −
شهدت الولادة تحت الإشراف الطبي تحولات في البنية والممارسة والمعنى الاجتماعي، وبعد أن كانت عملية طبيعية تجري في فضاء اجتماعي تحت إشراف القابلات التقليديات، تحولت إلى إجراء طبي مؤسسي يُدار داخل المستشفى وفق منطقٍ سريري وحسب تعليمات الطبيب والقرارات التي يتخذها غالبًا بنفسه وبدون إشراك الحامل فيها. لقد أصبحت الولادات أكثر تدخلاً من الناحية الطبية، فبدل أن تُترك العملية لتأخذ مجراها الطبيعي، أُدخلت أدوية متعددة لتسريع الطلق وأدوية أخرى للتخدير وتسكين الألم، استخدم الاسكتلندي جيمس سيمبسون الكلوروفورم أول مرة في 1847 كمسكن للألم خلال الولادة، ليس من أجل تخفيف الألم ولكن من أجل تسهيل التدخلات الجراحية خلال الولادة عند الضرورة،<ref name="ign"/> ولاحقًا بدأ استخدام إجراء تخديري يُدعى '''نوم الشفق''' '''Midnight Sleep'''، يستخدم لخلق حالة تخدير جزئي - باستخدام المورفين والسكوبولامين - بحيث تظل المريضة قادرة على الحديث والتجاوب مع الطبيب ولكن بدون شعور بالألم أو قدرة على الحركة، وعادة ما يسبب هذا الإجراء فقدًا للذاكرة قصيرة المدى ويؤدي في بعض الأحيان إلى هذيان وردود فعل عنيفة تشكل خطرًا على حياة المريضة. انتشر استخدام خليط المورفين والسكوبولامين خلال بدايات القرن العشرين، واستبُدل لاحقًا بأدوية أخرى أكثر أمانًا من حيث الأعراض الجانبية والقدرة على التحكم في مخرجاتها. هناك أدوية أخرى كان لها تأثير إيجابي كبير على مخرجات عملية الولادة داخل المستشفى، منها الإرجوتامين الذي استخدم لإيقاف نزيف ما بعد الولادة، بالإضافة إلى المضادات الحيوية (مركبات السلفا والبنسلين)  التي استخدمت لعلاج حمى النفاس. وبخلاف التدخلات الدوائية، فإن أكثر ما ميز الشكل الحديث للولادة هو التدخل الجراحي، خاصة استخدام الملاقط المعدنية من أجل تسريع الولادة بالإضافة إلى قطع / شق العجان من أجل توسيع فتحة المهبل لتسهيل خروج الجنين، وهي القطوع التي تُرمم باستخدام الخيوط الجراحية ويُحرص عند ترميمها تضييق فتحة المهبل قدر الإمكان. أما التدخل الجراحي الأكثر استخدامًا وانتشارًا على مستوى العالم هو العمليات القيصرية، والتي ظهرت بداية كإجراء أخير لتفادي مضاعفات الولادة المهبلية في حالات الطوارئ، ولكن يُلجأ إليها الآن بشكل كبير ومعدلات عالية حتى لو لم يكن لها أي داعٍ.
+
بالإضافة إلى التدخلات الدوائية، كان التدخل الجراحي من السمات الأساسية للولادة الحديثة، خاصة استخدام الملاقط المعدنية من أجل تسريع الولادة، وقطع أو [[شق العجان]] من أجل توسيع فتحة المهبل لتسهيل خروج الجنين، والذي يُرمم بالخيوط الجراحية. تطورت هذه الممارسة لاحقًا لإحدى أشكال [[عنف توليدي | العنف التوليدي]] المعروفة ب[[غرزة الزوج ]]، وهي إضافة غرز أو شد الخياطة أكثر من اللازم بهدف تضييق فتحة المهبل قدر الإمكان، بحجة تحسين المتعة الجنسية للزوج عند الإيلاج.  
 +
أما التدخل الجراحي الأكثر استخدامًا وانتشارًا على مستوى العالم هو العمليات القيصرية، التي ظهرت بداية كإجراء أخير يلجأ إليه في حالات الطوارئ لتفادي مضاعفات الولادة المهبلية، لإنقاذ الأم أو الجنين، إلا أنها أصبحت تُجرى الآن بشكل روتيني وبمعدلات عالية، حتى لو لم يكن لها أي داعٍ طبي.
   −
نشأت على هامش طب الولادة الحديث مهنة جديدة مثلت شكلًا حديثًا للقبالة، القابلات الحديثات هن ممرضات درسن التمريض بشكل أكاديمي ومتخصصات في العمل داخل أكشاك الولادة في المستشفيات، وقد ظهرت مهنتهن نتيجة لتهميش القابلات التقليديات اللواتي كُن العماد الأساس لعملية الولادة لقرون طويلة، واللواتي أقصين بدلا من السعي لدمج خبراتهن ضمن النظام الطبي. نتج  عن ذلك انحسار مهنة القبالة التقليدية، لأن الحاجة إليها تقلصت، وفي بعض الأحيان انتفت بشكل نهائي.
+
وبالتوازي مع تطور طب الولادة الحديث، نشأت مهنة التمريض كمهنة قائمة على التعليم الأكاديمي، وأصبحت ممرضات التوليد جزءًا أساسيًا من فرق رعاية الحمل والولادة داخل المستشفيات، إلى جانب الأطباء، مع تهميش لدور القابلات التقليديات بشكل كبير. ونقلت الدول الاستعمارية إلى مستعمراتها في الجنوب العالمي تجربتها في التنقنين والتنظيم المؤسسي لمهنة القبالة ورعاية الولادة
 
+
<ref>[https://esmed.org/colonizing-childbirth-western-obstetrics-in-hong-kong/ Colonizing Childbirth: The Adoption of Western Obstetrics in Hong Kong (1842-1910)]</ref><ref>[https://openaccess.wgtn.ac.nz/articles/thesis/Modernizing_Childbirth_in_Colonial_Bengal_A_History_of_Institutionalization_and_Professionalization_of_Midwifery_c_1860-1947/17143193?file=31699082 Ambalika Guha: Modernizing Childbirth in Colonial Bengal A History of Institutionalization and Professionalization of Midwifery, c.1860-1947]</ref><ref>[https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-african-history/article/abs/midwifery-training-and-female-circumcision-in-the-interwar-angloegyptian-sudan/B08E02B41FFDAF0716C0DFD984F44AF8 Heathe Bell: MIDWIFERY TRAINING AND FEMALE CIRCUMCISION IN THE INTER-WAR ANGLO-EGYPTIAN SUDAN]</ref><ref>[https://scientificresearchjournal.com/wp-content/uploads/2018/12/Social-Science-5_A-2543-2547-Full-Paper.pdf Dipti Tripathi: Western Intervention in the Childbirth Practices in Colonial India: A Historical Perspective]</ref>، وقُدِّمت هذه السياسات باعتبارها "تحديثات" لنظم القبالة التقليدية وتظوير رعاية الولادة في المجتمعات الجنوبية. إلا أنها مثلت أدوات للتدخل الاستعماري، ونتج عنها تقويض ممارسات القبالة التقليدية والمعارف الطبية المحلية المتوارثة داخل هذه المجتمعات منذ قرون طويلة، وتمكين الكيانات الاستعمارية من فرض سياسات الضبط والتحكم السكاني<ref>[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12434214/ Murdock and Durant: Settler Midwifery: A Colonial Tool in Canada's Reproductive Healthcare System]</ref>.
نقلت الدول الاستعمارية تجربتها المحلية بالترسيم المؤسسي لمهنة القبالة وطب الولادة إلى مستعمراتها في الجنوب العالمي،<ref>[https://esmed.org/colonizing-childbirth-western-obstetrics-in-hong-kong/ Colonizing Childbirth: The Adoption of Western Obstetrics in Hong Kong (1842-1910)]</ref><ref>[https://openaccess.wgtn.ac.nz/articles/thesis/Modernizing_Childbirth_in_Colonial_Bengal_A_History_of_Institutionalization_and_Professionalization_of_Midwifery_c_1860-1947/17143193?file=31699082 Ambalika Guha: Modernizing Childbirth in Colonial Bengal A History of Institutionalization and Professionalization of Midwifery, c.1860-1947]</ref><ref>[https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-african-history/article/abs/midwifery-training-and-female-circumcision-in-the-interwar-angloegyptian-sudan/B08E02B41FFDAF0716C0DFD984F44AF8 Heathe Bell: MIDWIFERY TRAINING AND FEMALE CIRCUMCISION IN THE INTER-WAR ANGLO-EGYPTIAN SUDAN]</ref><ref>[https://scientificresearchjournal.com/wp-content/uploads/2018/12/Social-Science-5_A-2543-2547-Full-Paper.pdf Dipti Tripathi: Western Intervention in the Childbirth Practices in Colonial India: A Historical Perspective]</ref> قُدِّمت هذه التجارب باعتبارها "تحديثات" لنظم القبالة التقليدية في المجتمعات الجنوبية ولكنها في واقع الأمر كانت تدخلات استعمارية نتج عنها تقويض التقاليد الشعبية المتوراثة داخل هذه المجتمعات منذ قرون طويلة وتمكين الكيانات الاستعمارية من فرض سياسات الضبط والتحكم السكاني.<ref>[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12434214/ Murdock and Durant: Settler Midwifery: A Colonial Tool in Canada's Reproductive Healthcare System]</ref> ولا يزال ميراثها ماثلًا في المؤسسة الطبية الحديثة في الجنوب العالمي لحد الآن، حيث لا تزال تسجل أعلى معدلات للعنف ضد النساء داخل المستشفيات.
      
==مصادر==
 
==مصادر==
8٬425

تعديل