دورة شهرية
دورة شهرية(أيضا: دورة و حيض) عملية فسيولوجية دورية تتضمن تغيرات هرمونية ومبيضية ورحمية متتابعة، تشمل إعادة تشكيل بطانة الرحم. تتكرر الدورة كل 21–35 يومًا لدى النساء والأشخاص الذين لديهم رحم. وتستمر مرحلة النزيف بين 3 و7 أيام، مع اختلاف مدة الدورة ومدة النزيف من شخص لآخر وبين المراحل العمرية المختلفة. تولد النساء والأشخاص الذين لديهم رحم بمخزون من البويضات، ومع البلوغ، الذي يبدأ بين سن 8 و14 عامًا، تبدأ الدورات الهرمونية التي تنظم نشاط المبيضين وبطانة الرحم. وخلال كل دورة، تمر بطانة الرحم بتغيرات دورية استجابةً للتقلبات الهرمونية، فتزداد سماكتها وتتغير خصائصها، ثم يعاد تشكيلها في نهاية الدورة. ويتضمن هذا التغير خروج الجزء الوظيفي من بطانة الرحم عبر المهبل مصحوبًا بالدم، وهي العملية التي تُعرف بالحيض.وعادة خلال أيام الحيض يتم استخدام منتجات مختلفة لامتصاص دم الحيض أو جمعه، مثل قطع القماش القابلة لإعادة الاستخدام، والفوط الصحية، والسدادات القطنية، وكؤوس الحيض. (بالإنجليزية: Menstrual cycle)
جدل التعريف
في أغلب النصوص الطبية والرسمية الموجهة للجمهور، تُعرف الدورة بأنها دورة هرمونية شهرية يمر بها جسم الأنثى للتحضير أو التجهيز للحمل [1][2] [3]، أو "التساقط الشهري للدم والأنسجة من بطانة الرحم عند عدم حدوث الحمل" [4] [5]، وهو ما يعرفها كدورة تناسلية وإنجابية بشكل أساسي. وبالرغم من أن تأثير الدورة على الجهاز التناسلي هو جزء منها، إلا أن مركزية الحمل، واعتباره الهدف الأساسي من العملية، يهمش باقي تفاصيل العملية الفسيولوجية والهرمونية التي تحدث خلالها وتؤثر على أجهزة ووظائف مختلفة في الجسم.

تشير إميلي مارتن (Emily Martin) في كتابها "المرأة في الجسد: تحليل ثقافي للإنجاب" (The Woman in The Body: A Cultural Analysis of Reproduction)، أن هذا الاختزال يعود إلى افتراضات عن وظيفة جسد المرأة، وهي الإنجاب. فحين ينظر لجسد المرأة وكأنه في حالة استعداد مستمر للحمل، تُفهم الدورة التي لا تنتهي بحمل "كفشل" في العملية التناسلية. وتجادل مارتن أن اعتبار الدورة إنتاجًا فاشلًا يسهم في نظرتنا السلبية إليه. وتوضح كيف كرّست استعارات الإنتاج التي ظهرت خلال الثورة الصناعية قيم الكمية والكفاءة، فلا ينظر للحيض على أنه منظومة إنتاجية فشلت في الإنتاج فحسب، بل يحمل أيضًا فكرة الإنتاج الذي انحرف عن مساره، فينتج سلعًا عديمة الفائدة، أو غير مطابقة للمواصفات، أو كفضلات مهدرة، أو "مقززة". وترى مارتن "أنه لا يوجد ما يمنع من النظر إلى دم الحيض نفسه باعتباره "المنتج" المرغوب فيه للدورة الأنثوية، إلا عندما تنوي المرأة الحمل"[6].
ومن الخصائص الأخرى التي يتم نقدها في تعريف الدورة من المنظور الطبي أنه يستند إلى رؤية مجزأة، ترتبط بتقسيم المعرفة الطبية إلى تخصصات منفصلة (أمراض نساء، وأمراض الهضم، وأمراض الجلدية إلخ). ويعيق هذا التقسيم تقديم تفسيرًا أكثر شمولًا أو منهجيًا للدورة خصوصًا، وللعمليات الجسدية عمومًا. وهكذا، يتم تعريف دورة الحيض حصريًا على أساس وظيفتها الإنجابية، ولا تُفهم كعملية مرتبطة بعمليات فسيولوجية أخرى. ولا يُولى اهتمام يذكر للتأثيرات "الطرفية" أو "الجهازية"، مثل تأثير الدورة في الأيض (أو الاستقلاب)، أو الجهاز العظمي أو الوعائي، أو العصبي أو الهضمي، أو الأغشية المخاطية[7].
ويمتد نقد تعريف الدورة إلى اللغة المستخدمة لوصفها. فتشير إميلي مارتن أن التعريفات المرجعية للدورة تربط العملية بلغة يغلب عليها التدهور والتفكك والفقدان؛ فتصف مستوى الهرمونات بأنه "يتراجع"، والأوعية الدموية بأنها "تتقلص"، والشعيرات الدموية بأنها "تضعف"، والأنسجة بأنها "تتدهور". وتكرس هذه اللغة لتحويل عملية االدورة من عملية طبيعية إلى صورة كارثية من الموت والفقدان والطرد. في المقابل، توصف العملية الفسيولوجية للجهاز التناسلي الذكري بلغة تركز على النمو والإنتاج والإنجاز دون تحفظ، فتصف عملية تكون الحيوات المنوية على أنه "التحول الخلوي المذهل من الطليعة المنوية إلى حيوان منوي" و"ولعل أكثر خصائص تكوّن الحيوانات المنوية إثارة للدهشة هو ضخامته الهائلة"، على الرغم من أن في حقيقة الأمر، حيوانًا منويًا واحدًا من كل 100 مليار حيوان منوي يصل في النهاية إلى تخصيب بويضة. وترى مارتن أن هذا التباين يعكس تحيزًا طبيًا يربط قيمة العملية بقدرتها على إنتاج شيئ ذي "قيمة" وظيفية من وجهة نظر المؤسسة الطبية [6]. وضمن إطار نسوي وجودي متأثرًا بسيمون دي بوفوار، تجادل إليزابيث كيسلينغ (Elizabeth Kissling) بأن "البناء الاجتماعي للحيض بوصفه لعنة على المرأة مرتبط ارتباطًا مباشرًا بتطور المرأة بوصفها الآخر". بل إن "الحيض لا يجعل المرأة آخر؛ وإنما لأن المرأة هي الآخر، يصبح الحيض لعنة" [8].
وفي كتاب "صور النزف: دورة الحيض كأيدولوجية" (Images of Bleeding: Menstruation as an Ideology)، تشير لويز لاندر (Louise Lander) أن هذه التصورات، تاريخيًا، سلبت من النساء فهمهن وإحساسهن الخاص بما تعنيه دورتهن، فبدلًا من الاعتماد على خبرتهن وتجاربهن المعاشة كمصدرًا للمعرفة، لجأت النساء إلى تصورات السلطة الطبية المهيمنة عن الدورة. وتشير لاندر أن السلطة الطبية اعتبرت الرجل معيارًا، والمرأةَ "آخرَ معيبًا" وعرضة للمرض بسبب طبيعتهن وضعفهن، إلى حدّ احتياج النساء إلى تخصص طبي منفصل، مكرس للتعامل مع اضطراباتهن الخاصة. وتضيف لاندر:
السلطة الطبية الحديثة، بعد أن قضت على القبالة وغيرها من تقاليد النساء كمداويات، لا تمثل نساء يعملن على تعزيز مصالح النساء؛ بل تمثل مهنة نخبوية، ظلت تاريخيًا، ولا تزال في معظمها مهنة يهيمن عليها الرجال، وتخدم مصالح النظام القائم الذي يهيمن عليه الرجال. ولم تُطوَّر المعارف التي قدمتها النصوص الطبية عن الحيض لتوفير إجابات تتمحور حول النساء؛ بل استخدمت السلطة الطبية، الهالة المحيطة بالطب لتدعيم قدرة النظام القائم على إبقاء النساء في المكان المخصص لهن، أيًّا كانت طبيعة ذلك المكان في فترة تاريخية بعينها ... الطب ليس مجرد مجال علمي؛ والأهم من ذلك أنه مؤسسة اجتماعية، تتحرك في إطار المؤسسات الاجتماعية الأخرى وتعمل على تعزيزها. [9]
وتجادل لاندر بأنه يمكن فهم الحيض وتعريفه كإحدى القدرات الفريدة للنساء؛ فالمرأة الحائض تمثل تحررًا من أعباء الحمل والرعاية، ومن ثم تهديدًا محتملًا لعالم الرجال. لذلك، استُخدمت دورة الحيض كوسيلة لإبقاء النساء في المكانة المحددة لهن، وتضيف: "قوبلت الحركة النسائية في القرن التاسع عشر بعقيدة سيادة الرحم، بينما قوبلت الحركة النسائية في القرن العشرين بمفهوم متلازمة ما قبل الحيض. ومفاد الحجة أن النساء قد يمتنعن عن الإنجاب، لكنهن يظلن مقيدات بدورية حتمية تعيق مشاركتهن الكاملة في العالم الخارجي، أي عالم الرجال" [9].
فسيولوجيا ومراحل الدورة

يتم تعريف الدورة الهرمونية أو دورة الحيض طبيًا كالفترة الزمنية الممتدة من اليوم الأول لنزول دم الحيض إلى اليوم السابق لبدء الحيض التالي. وتنتقل الدورة بين مراحل مختلفة استجابة لهرمونات يفرزها محور من الغدد يسمى محور الوطاء - النخامية - المبيض (The hypothalamic–pituitary–ovarian (HPO) axis)، ويشمل الغدد التالية:
- الوطاء (Hypothalamus): غدة تقع داخل الجمجمة ومسؤولة عن إفراز الهرمون المُفرِز للجونادوتروبينات (GnRH).
- الغدة النخامية (Pituitary): غدة تقع داخل الجمجمة أيضًا، تستجيب للهرمون المحفز للجونادوتروبينات بإفراز الهرمونات الموجهة للغدد التناسلية، وهي الهرمون المحفز للجريبات (FSH) والهرمون الملوتن أو المُصفِّر (LH).
- المبيضين (Ovaries): وهما الغدتان التناسلية عند الإناث، ومسؤولة عن افراز البروجسترون والاستروجين.
تُصنف العديد من المصادر الطبية مراحل الدورة بناء على التغيرات في المبيض، فُتقسِم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الجُريبية (Follicular)، تشمل مرحلة الحيض في بدايتها، تليها مرحلة الإباضة، ويتبعها المرحلة الأصفرية (Luteal) التي تنتهي مع بدء الحيض التالي. وتصنفها مصادر طبية أخرى بناءً على التغيرات في الرحم، فتُقسِّم الدورة إلى ثلاث مراحل: الحيض، الذي يحدث فيه طرح لبطانة الرحم، ومرحلة تكاثرية (Proliferative) تنمو خلالها بطانة الرحم مجددًا، ومرحلة إفرازية (Secretory)، والتي تبدأ مع المرحلة الأصفرية في التصنيف المبني على التغيرات في المبيض، وتصبح فيها البطانة غنية بالغدد والأوعية الدموية. وتتقاطع بداية المرحلة التكاثرية مع الحيض، إذ يبدأ تجدد بطانة الرحم أثناء طرحها وخروجها من الجسد [10].
تؤثر الدورة في وظائف فسيولوجية متعددة تتجاوز الجهاز التناسلي، إذ تتغير بعض العلامات الحيوية وعمليات تنظيم الحرارة والسوائل والتمثيل الغذائي والنوم والمناعة على مدار الدورة. وتختلف مدة الدورة من شخص لآخر، وتتراوح ما بين 24 ل 38 يومًا[11]. وبحسب الجمعية الأمريكية لطب النساء والولادة فإن هذا المعدل يمكن أن يتسع لدى المراهقات إلى 21 - 45 يوم [12]. ولا يكون طول الدورة ثابتًا للشخص نفسه من شهر إلى آخر، حتى لو لم تعانِ من أي مؤثرات مرضية أو نفسية. ويتغير نمط الدورة للشخص على مدار حياتها، حيث قد يتأثر بعوامل بيولوجية منها العمر والجينات ومؤشر كتلة الجسم (BMI)، وعوامل بيئية مثل ملوثات الهواء والمواد الكيميائية المُعطلة لعمل الغدد الصماء (EDCs). هذا بالإضافة إلى التعرَضات المرتبطة بنمط الحياة مثل الحالة النفسية وانتظام النوم والتغيرات الكبيرة في التغذية أو الوزن، والنظام الغذائي، والصحة الأيضية، ومدى حصول الجسم على الطاقة الكافية، ومستوى النشاط البدني وقدر استهلاك الكحول والتدخين. ولا تزال الأبحاث محدودة ومتباينة حول مدى تأثير هذه العوامل في الدورة وطولها [13]. ونمطيًا تُسمى الدورة الهرمونية بالدورة "الشهرية". وترتبط كلمة الحيض بالإنجليزية (Menses) بالكلمة اللاتينية (mensis)، التي تعني شهرًا، والمشتقة من اليونانية (mēn)، وتعني شهر أو قمر. وبالرغم من أن طول الدورة ومراحلها يختلف من شخص لآخر ومن فترة لأخرى، إلا أن هذه التسمية قد تعود إلى ترسيخ المصادر الطبية لمفهوم الدورة الطبيعية "النموذجية" التي تستغرق 28 يومًا، وفق تقسيم تبسيطي يفترض أن المرحلة الجُريبية تحدث خلال أول 14 يومًا، وتحدث الإباضة بالضرورة في اليوم الرابع عشر، تليهما المرحلة الأصفرية التي تستغرق 14 يومًا.
في 2020، نشرت مجلة أبحاث الإنترنت الطبية Journal of Medical Internet Research نتائج دراسة أجرتها الباحثتان جيسيكا غريجر (Jessica A Grieger) وروبرت نورمان (Robert J Norman) لدراسة اختلاف طول الدورة، استندت إلى بيانات أكثر من 1.5 مليون مستخدمة لتطبيق هاتفي مخصص لتتبّع الدورة، ممن تبلغ أعمارهن 18 سنة فأكثر. وشملت الدراسة أيضًا بيانات حوالي 18,700 دورة شهرية استخدمت فيها المشاركات اختبارات منزلية للكشف عن الإباضة، من خلال قياس تركيز الهرمون الملوتن (LH) في البول، والذي يرتفع مستواه عادة قبل الإباضة. وتشير نتائج الدراسة أن متوسط طول الدورة بلغ 28 يومًا لدى 16.32% من المشاركات، بينما حدثت الإباضة في اليوم الرابع عشر من الدورة لدى 13.08% منهن. وتضيف النتائج أن متوسط طول الدورة يقل مع تقدم المشاركة في السن، والذي ينعكس على وقت حدوث الإباضة، حيث أن 18.48% من المشاركات اللواتي يبلغن 40 عام فأكثر بلغ متوسط دورتهن 27 يومًا. وتحدث الإباضة عند اليوم الثاني عشر لدى 14.9% من النساء من ذات الفئة العمرية. وتستنتج الدراسة إلى أهمية تحديث الإرشادات السريرية المتعلقة بطول الدورة الشهرية وأنماطها وبما يراعي الاختلافات المرتبطة بالعمر ومؤشر كتلة الجسم (BMI) [14].
المرحلة الجُريبية
تختلف مدة المرحلة الجُريبية (Follicular phase) من شخص لآخر فقد تترواح 9 ل26 يومًا، وينعكس اختلاف مدتها على المدة الإجمالية للدورة. يمكن تقسيم المرحلة الجُريبية إلى فترتين أساسيتين: فترة الحيض، والتي تستمر بين 3-7 أيام، وفترة ما بعد الحيض، والتي تتراوح بين 6 إلى 19 يوم، وتنتهي بحدوث الإباضة.
خلال هذه المرحلة تطرأ عدة تغيرات في الوظائف الفسيولوجية منها استمرار انخفاض درجة حرارة الجسم القاعدية نسبيًا، وانخفاض الحد الذي يحفز الإحساس بالعطش، بالإضافة إلى زيادة إنتاج هرمون الفازوبريسين (Vasopressin)، الذي يساعد الكليتين على الاحتفاظ بالماء، وتنظيم توازن السوائل في الجسم. كما يزداد تباين معدل ضربات القلب، أي الفواصل الزمنية بين ضربات القلب المتتالية، مقارنة بانخفاضه خلال المرحلة الأصفرية (ما بعد الإباضة)، إلا أنه لا يمكن استنتاج أثر صحي محدد لهذا التغير وحده. ويزداد حجم بلازما الدم، هي الجزء السائل من الدم الذي تنتقل عبره المياه والمواد الغذائية والهرمونات وغيرها، ويبلغ ذروته قبل الإباضة. ويكون معدل الأيض الأساسي (BMR) أقل نسبيًا مقارنةً بالمرحلة الأصفرية، ويعني ذلك أن الجسم يستهلك طاقة أقل نسبيًا للحفاظ على وظائفه الأساسية أثناء الراحة خلال هذه المرحلة [15].
على المستوى الهرموني، يظهر خلال الأيام الأولى من المرحلة، أي فترة الحيض والأيام التي تليها، التأثيرات الهرمونية الناتجة عن ضمور الجسم الأصفر في نهاية المرحلة الأصفرية السابقة، وتشمل عدة متغيرات أساسية:
- انخفاض الاستروجين والبروجسترون وارتفاع FSH: يؤدي انخفاض مستويات الاستروجين والبروجسترون الناتج عن ضمور الجسم الأصفر، إلى تغذية راجعة (Feedback) على محور الوطاء–الغدة النخامية–المبيض، والذي يسهم في زيادة إفراز الهرمون المُفرِز للجونادوتروبينات GnRH، والذي يؤدي إلى تغيرين أساسيين:
- تحفيز إفراز الهرمون المحفز للجُريبات FSH، والذي يحفز نمو الجريبات المبيضية (Ovarian follicles) خلال الأيام الأربعة الأولى من المرحلة الجُريبية.
- تحفيز إفراز هرمون الملوتن LH، الذي يسهم في إنتاج الإستروجين خلال المرحلة الجُريبية، ويكون تركيزه منخفضًا في بدايتها ويرتفع بالتدريج، حتى يشهد ارتفاعًا كبيرًا في نهاية المرحلة الجُريبية، أي فترة ما قبل الإباضة.
- انخفاض إنهيبين أ وارتفاع FSH: خلال المرحلة الأصفرية السابقة، يفرز الجسم الأصفر هرمون إنهيبين أ (Inhibin A)، المسؤول عن تثبيط إفراز FSH من الغدة النخامية، أي الحد من إفرازه. ومع ضمور الجسم الأصفر في نهاية المرحلة الأصفرية، ينخفض مستويات إنهيبين أ، ما يخفف تثبيط إفراز FSH، ويسهم ذلك في زيادة إفراز FSH وارتفاع مستوياته خلال الانتقال من المرحلة الأصفرية إلى المرحلة الجُريبية.
تؤدي هذه التغيرات الهرمونية إلى نمو الجريبات المبيضية والتي يختلف عددها وحجمها بناءً على عمر الشخص وحالتها الإنجابية، ويتراوح ما بين ثلاثة إلى ثلاثين جُريب[11]. والجريب في اللغة هو مصغر "جراب" بمعنى الكيس الصغير، وهي خلايا تنمو داخل المبيض بمستويات مختلفة، وتساعد على نمو البويضات.
تمر الجُريبيات بعملية انتقاء (selection) يتطور خلالها واحد منها إلى الجريب المسيطر (Dominant follicle) الذي يحتوي البويضة التي تخرج من المبيض خلال الإباضة. أما بقية الجريبات فتتحلل. تقوم الجريبات خلال تطورها بإفراز هرمون إنهيبين ب (Inhibin B)، والذي يعمل على تثبيط إفراز FSH، أي الحد منه وخفض مستوياته بالتدريج حتى يصل إلى أدنى مستوى له مع بداية اختيار الجريب المسيطر، خلال اليوم الخامس إلى السابع من المرحلة. يصل تركيز FSH، نتيجة للانخفاض التدريجي، إلى مستوى غير كافٍ لدعم نمو الجريبات الأخرى غير المسيطرة، ويظل الجريب المسيطر نشطًا بسبب قدرته على دعم نموه بشكل ذاتي.
تفرز الجُريبيات هرمون الاستروجين وترتفع مستوياته في النصف الثاني من المرحلة، خاصة مع نمو الجريب المسيطر. أما هرمون البروجسترون فتظل مستوياته منخفضة نسبيًا في هذه المرحلة. يحد الاستروجين من إفراز FSH خلال الجزء الأول من المرحلة الجُريبية، كما يؤثر في إفراز GnRh وLH.
فترة الحيض

بعد الإباضة السابقة، تتحول بقايا الجريب المسيطر إلى الجسم الأصفر (Corpus luteum)، الذي يبدأ في التراجع في نهاية المرحلة الأصفرية، قبل الحيض، فتنخفض مستويات البروجسترون والاستروجين، مما يسهم في انفصال الجزء الوظيفي من بطانة الرحم، وطرحه على شكل نزيف من المهبل وبدء الحيض. يعد الحيض بداية "الدورة الجديدة"، ويحدث خلال فترة بين 3 إلى 7 أيام، قد يصحبه ألم في منطقة الحوض تتباين شدته من شخص لآخر، كما تنخفض درجة حرارة الجسم بشكل طفيف [10]. وتشير التقديرات الطبية، أن متوسط الدم الذي يخرج خلال مرحلة الحيض حوالي 30 مل. ولا يُنصح طبيًا عادةً بقياس كمية الدم عند تقييم غزارته، والاعتماد على تحديد ما إذا كانت كمية الدم تشكّل مشكلة من خلال تقييم الشخص نفسه لها وأثر كمية الدم على حياتها اليومية [16]. يشمل ذلك مؤشرات أخرى منها: النزف لأكثر من 7 أيام، أو الاضطرار إلى تغيير الفوطة، أو القماشة المستخدمة لامتصاص الدم، كل ساعة لعدة ساعات متتالية، أو تشبعها بالدم.
يتكون الجزء الوظيفي من بطانة الرحم من نسيج ضام به العديد من الغدد والأوعية الدموية، ويتغير بنيته ووظائفه أثناء مراحل الدورة استجابة للتغيرات هرمونية. وتشمل وظائف هذا الجزء على تنظيم البيئة الداخلية للرحم، ودعم تطوير البيئة المناسبة في حال حدث الحمل. ويتبدل الجزء الوظيفي دوريًا، إلا في حالة حدوث الحمل، حيث ينفصل عن الجزء القاعدي من بطانة الرحم (Stratum basale) خلال فترة الحيض، بينما يبقى الجزء القاعدي ويساعد في تجديد الجزء الوظيفي خلال الدورة التالية. يبدأ الجزء الوظيفي بالنمو مرة أخرى بعد بدء الحيض الجديد، ويستمر نموه مع ارتفاع الاستروجين خلال المرحلة الجُريبية حتى الإباضة [10]. أما عند حدوث الحمل، لا يُطرح الجزء الوظيفي، بل تستمر بطانة الرحم في التغير وتتحول إلى نسيج يُعرف بالساقطة الرحمية (Decidua)، التي تساعد في تطوير البيئة المناسبة لاستمرار الحمل، وتكون المشيمة، ونمو الجنين في مراحله الأولى.
يؤدي انخفاض مستويات البروجسترون والاستروجين إلى زيادة إنتاج مواد دهنية شبه هرمونية تُسمى البروستاغلاندينات تعمل كوسيط التهابي، مع وسائط التهابية أخرى، وتسبب بيئة التهابية موضعية في بطانة الرحم تشمل انقباض الأوعية الدموية في البطانة وتقلصات عضلات الرحم. يحفز انخفاض البروجسترون أيضًا زيادة إنتاج إنزيمات MPP's التي تحفز تفكيك الجدار الخلوي لخلايا القسم الوظيفي من بطانة الرحم. ويمكن اعتبار مرحلة الحيض جزئيًا كعملية التهابية، تتضمن تفكك الأنسجة ثم إعادة بنائها سريعًا. أي أنه التهاب محسوب بدقة ويشكل جزء من توازن فسيولوجي يهدف إلى إنهاء الدورة السابقة وبداية دورة جديدة[17].
فترة ما بعد الحيض
تستمر الفترة ما بعد الحيض بين 6 و19 يومًا (مطلوب مصدر)، وتتميز هرمونيًا بارتفاع تدريجي لهرمون الاستروجين. وتختفي الآلام المرتبطة بالحيض بعد انتهاء النزف. قد تشعر بعض النساء بتحسن تدريجي في الحالة المزاجية أو الطاقة الجسدية خلال تلك الفترة (مطلوب مصدر). وتتغير عادة الإفرازات المهبلية تدريجيًا مع ارتفاع مستويات الاستروجين. فبعد الحيض تكون قليلة، ثم تصبح أكثر شفافية ومطاطية مع اقتراب الإباضة (مطلوب مصدر).
تختلف وتتباين نتائج الدراسات بشأن علاقة ارتفاع مستويات الاستروجين بالتغيرات الجسدية والنفسية. فتجادل دراسة نُشرت في 2010 في مجلة "الرياضة الطبية" (Sports Medicine) إلى أن ارتفاع الاستروجين بالتزامن مع انخفاض البروجسترون خلال النصف الثاني من المرحلة الجُريبية قد يرتبط بتغيرات في استخدام الجسم لمصادر الطاقة، والذي قد يحسن قدرة بعض النساء على ممارسة النشاط البدني. فتشير الدراسة أن بعض النساء يشعرن بقدرة أكبر على ممارسة التمارين الرياضية في الأوقات التي تكون فيها نسبة تركيز الاستروجين إلى البروجسترون في الدم مرتفعة، أي استروجين عالي وبروجسترون منخفض. ومع ذلك تشير الدراسة إلى أنه بالرغم من أن عددًا من الدراسات توصل إلى أن الأداء الرياضي يختلف باختلاف مراحل الدورة الشهرية، فإن عددًا مماثلًا من الدراسات لم يجد فروقًا بين هذه المراحل [18].
وفي مراجعة منهجية نشرت في 2023، درس باحثون من مستشفى جامعة جينان في مدينة غوانغجو الصينية تأثير تأثير الإستروجين المُعطى من الخارج في المزاج الاكتئابي لدى النساء. وأظهرت النتائج أن النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أكثر حساسيةً للاستروجين مقارنة بالنساء في مراحل إنجابية أخرى. كما أن الدراسة عزت المزاج الاكتئابي الذي يصحب النساء خلال بعض مراحل الدورة إلى التقلبات التي تحدث في مستويات الاستروجين، مؤكدة على أن الحفاظ على مستوى مستقر من الاستروجين أكثر فائدة من الوصول إلى مستوى مرتفع منه في الدم. [19].
وفي مراجعة نطاقية نُشرت في ديسمبر 2024 في مجلة Cureus الأمريكية إلى أن بعض النساء قد يختبرن تغيرات في الخصائص الهيكلية للجلد خلال مراحل الدورة المختلفة، حيث يساعد التركيز العالي للاستروجين على مراكمة كمية أكبر من الكولاجين في طبقات الجلد، وهو ما ينتج عنه زيادة سُمك الجلد وتحسين خصائصه التي تشمل الحماية ضد التقلبات البيئية واختلاف درجات الحرارة. وتضيف ملاحظة زيادة في تدفق الدم إلى الجلد خلال منتصف المرحلة الأصفرية مقارنةً بالمرحلة الجُريبية. وتضيف النتائج أن بعض الخصائص الفسيولوجية للجلد قد تتغير خلال الدورة الشهرية، لكن الأدلة المتاحة لا تزال محدودة حول هذه التغيرات وآليات حدوثها [20].
كما يمكن أن يسبب الاستروجين انخفاضًا في الشهية وتناول الطعام من خلال تأثيره على المراكز العصبية المسؤولة عن التحكم في الشهية وتوازن الطاقة [21]، مع ملاحظة أن هذه التغيرات غير ثابتة وتختلف من شخص لآخر ومن دورة لأخرى.
الإباضة
الإباضة (Ovulation) هي مرحلة قصيرة تستغرق بين 16 إلى 32 ساعة، وتبدأ مع تمزق الجُريب المسيطر الذي تشكل خلال المرحلة الجريبية وإخراج بويضة ناضجة من المبيض وتنتقل إلى قناة فالوب، التي تصل بين الرحم والمبيض.
وتتأثر الإباضة بالتغيرات الهرمونية في المرحلة السابقة، فمع نمو الجريب المسيطر في المرحلة الجريبية، ترتفع مستويات الاستروجين تدريجيًا إلى أن يصل عند تركيز أعلى من 200 بيكوجرام/مل، خلال الجزء الأخير من المرحلة الجُريبية، وتستمر لمدة بين 36–48 ساعة قبل الإباضة. يسهم ذلك في تحفيز زيادة إفراز GnRH، ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في إفراز الهرمون الملوتن LH من الغدة النخامية، مع ارتفاع طفيف في مستوى FSH. وتحدث الإباضة بعد حوالي 10–12 ساعة من بلوغ الهرمون الملوتن إلى أقصى تركيز له في الدم.
تستمر البويضة في طورها النشط لمدة تتراوح ما بين 12 - 24 ساعة بعد خروجها من الجريب المسيطر. وتنتقل من المبيض إلى قناة فالوب خلال هذه الفترة، حيث يمكن أن يحدث الإخصاب. في حال لم يحدث الإخصاب، تتحلل البويضة. ولا تبقى أي من أجزاء البويضة في الرحم بعد تحللها، ولا يتكوّن دم الحيض من البويضة نفسها. ولا يعني حدوث الإخصاب بالضرورة استمرار التطور والوصول للحمل. إذ تحتاج البويضة المُخصبة إلى عدة أيام للوصول إلى الرحم والمرور بعملية تطور مبدئية لتبدأ انغراسها في بطانة الرحم. ويعد الانغراس بداية الحمل وفق التعريف الطبي الشائع.
قد يتزامن مع مرحلة الإباضة شعور النساء بألم في أحد جانبي البطن، ويحدد مكان الألم أي المبيضين الذي يكون مسؤولًا عن الإباضة خلال تلك الدورة. ويتغير خصائص مخاط عنق الرحم، فمع اقتراب موعد الإباضة، تنخفض لزوجته بالتدريج، مما يهيئ الظروف المناسبة لاحتمالية مرور الحيوانات المنوية وبقائها [10].
المرحلة الأصفرية

تبدأ المرحلة الأصفرية (Luteal Phase) بعد إتمام الإباضة، وتتراوح مدتها ما بين 11 إلى 17 يوم[22]. بعد خروج البويضة من الجريب خلال الإباضة، ونتيجة لتأثير الهرمون الملوتن LH، تتفكك بعض خلايا الجريب المسيطر، وتتحول خلاياها المتبقية إلى الجسم الأصفر. وتمر بعملية تلوتن (Luteinization)، تتضمن تراكم كمية كبيرة من الدهون والكولسترول داخلها بالإضافة إلى صبغة الليوتين التي تُكسبها لونًا أصفرًا مميزًا. وينمو الجسم الأصفر وتزداد فيه الأوعية الدموية التي تزوده بالكولسترول والدهون والأكسجين والعناصر المغذية. ويتحول إلى مصدر أساسي للبروجستيرون وهرمون إنهيبين أ. تصل التروية الدموية للجسم الأصفر إلى أقصاها خلال 5 - 9 أيام بعد بدء الإباضة، وترتفع معدلات هرمون البروجسترون والاستروجين وتكون عند أعلى مستوياتها خلال هذه الفترة. من جهة أخرى يعمل البروجستيرون على كبح إفراز GnRH من الوطاء، ويثبط هرمون إنهبين أ من إفراز FSH من الغدة النخامية، وبالتالي يُمنع تشكل جُريبات جديدة في المبيض.
تسهم هذه الهرمونات في تحفيز بعض التغيرات الهرمونية والفسيولوجية الأخرى. حيث يسهم البروجستيرون في تحويل بطانة الرحم من الحالة التكاثرية، التي تنمو خلالها بطانة الرحم مجددًا، إلى الحالة الإفرازية، التي تصبح فيها البطانة غنية بالغدد والأوعية الدموية. فيحفز البروجستيرون خلايا بطانة الرحم ويغير نشاط الغدد الرحمية وخلايا السدى، وهي النسيج الداعم للغدد والأوعية الدموية، لتصبح البيئة النسيجية للبطانة سميكة ومستعدة لإمكانية إنغراس الكيسة الأريمية، وهي مرحلة مبكرة من تطور الجنين، في بطانة الرحم. وفي حال حدث إخصاب وتشكلت المشيمة فإنها تفرز هرمون hCG الذي يحافظ على الجسم الأصفر ويضمن استمرار نشاطه خلال الفترة المبكرة من الحمل ويساعد على إبقاء هرموني الاستروجين والبروجسترون في مستويات مرتفعة[23]. في حال عدم الإخصاب، يضمر الجسم الأصفر ويتفكك بسبب تراجع مستويات الهرمون الملوتن، وتنخفض مستويات البروجسترون والاستروجين، مما يؤدي إلى تفكك الجزء الوظيفي من بطانة الرحم وخروجها خلال الدورة التالية [10].
تتضمن المرحلة الأصفرية تغيرات جسدية أخرى نتيجة للتغيرات الهرمونية، ومنها ارتفاع مستوى البروجيستيرون بعد الإباضة، ثم انخفاضه في النصف الثاني من المرحلة الأصفرية، بالإضافة إلى تغير مستوى الاستروجين. قد تؤدي هذه التغيرات إلى احتباس السوائل في الجسم، وارتفاع متوسط درجة حرارة الجسم لحوالي 0.3 - 0.7 درجة مئوية، وتورم أنسجة الثدي وزيادة حساسيتها. كذلك قد يؤدي ارتفاع البروجيستيرون إلى إبطاء حركة الجهاز الهضمي. ويمكن أن تصاحب هذه التغيرات أعراض مثل الانتفاخ والغثيان وحساسية وألم في الثديين، والتي قد تبدأ بعد الإباضة وتشتد خلال الأسبوع الأخير من المرحلة الأصفرية، مع اقتراب الحيض [24]. وقد يسبب البروجسترو[25]. لا
تؤثر هذه الأعراض بالضرورة قدرة النساء على ممارسة أغلب نشاطاتهن اليومية إلا عندما تكون الأعراض شديدة، كما في بعض حالات اضطراب ما قبل الحيض. لكن ارتفاع درجة حرارة الجسم خلال المرحلة الأصفرية قد تكون له أهمية عند ممارسة الرياضة، إذ تشير مراجعة نشرت في عام 2002 في مجلة (Sports Medicine) أن البروجسترون قد يزيد من احتمالية تعرض النساء لضربة الحرارة خلال ممارسة الرياضة، إلا أن ذلك يعتمد على ظروف البيئة والرطوبة وتروية الجسم وتأقلمه الحراري[26]. قد يعكس البروجستيرون تأثير الاستروجين الخافض للشهية، فقد تزداد شهية بعض النساء خلال هذه المرحلة [21]، ومع ذلك، لا تزال العلاقة بين التغيرات الهرمونية والشهية خلال الدورة بحاجة إلى المزيد من الدراسة، بحسب مراجعة منهجية نُشرت في مجلة (Plos one) في 2020[27].
أعراض دورة الحيض
عسر الطمث
عسر الطمث أو الحيض (Dysmenorrhea) حالة تتضمن مجموعة أعراض واسعة الانتشار تصيب بعض النساء خلال مرحلة الحيض. يتميز عسر الطمث بشعور بالألم في أسفل البطن ناتج عن تقلصات عضلات الرحم، ويمكن أن يمتد إلى الظهر وإلى منطقة الحوض والساقين. يبدأ الألم عادة قبل الحيض بقليل أو مع بدايته، ويستمر غالبًا خلال اليومين الأول والثاني، ولكن يمكن أن يستمر لمدة أطول.
ينقسم عسر الطمث بحسب العامل المسبب إلى نوعين:
- عسر الطمث الأولي: يرتبط بالتركيز العالي للوسائط الالتهابية وأهمها البروستاغلاندينات. إذ تفرز خلايا بطانة الرحم مركبات البروستاغلاندين مع بداية الدورة، وهي تتسبب بانقباض عضلات الرحم، كما يمكن أن تسبب تضيق الأوعية الدموية في بطانة الرحم، مما يؤدي إلى نقص في التروية الدموية والأكسجة. يسبب ذلك آلام تختلف بحسب تركيز البروستاغلاندينات التي تفرزها البطانة. قد تسبب أيضًا أعراضًا أخرى مثل: الصداع والغثيان والإسهال واختلاف وتيرة حركة الأمعاء.
- عسر الطمث الثانوي: آلام خلال مرحلة الحيض يتسبب بها خلل وظيفي أو بنيوي داخل أو خارج الرحم مثل الانتباذ البطاني الرحمي أو العضال الغدي الرحمي أو غيرها، ويشكل حوالي 10% من حالات عسر الطمث عالميًا.
تشير المصادر الطبية إلى عدد من العوامل التي استخدمت تاريخيًا للتفرقة بين نوعي عسر الطمث:
| وجه المقارنة | عسر الطمث الأولي | عسر الطمث الثانوي |
|---|---|---|
| موقع الألم | في منتصف أسفل البطن | يختلف موقع الألم بحسب موقع الخلل البنيوي أو الوظيفي الذي يسبب عسر الطمث |
| شدة الألم | من خفيفة إلى متوسطة | شديدة |
| بداية الألم بالنسبة للدورة | قبل الحيض بساعات قليلة أو بالتزامن معه، يستمر ليومين أو ثلاثة | يبدأ خلال المرحلة الأصفرية (بعد الإباضة) ويتصاعد عند بداية الحيض |
| بداية الألم بالنسبة لعمر المرأة | يبدأ خلال أول عامين من أول دورة شهرية | قد تبدأ في أي وقت بعد الحيض الأول، وقد تظهر على شكل عرض جديد خلال الثلاثينات أو الأربعينات من العمر |
| الأعراض المصاحبة خلال مرحلة الحيض | مرتبطة بإفراز البروستاغلاندينات والوسائط الالتهابية الأخرى، مثل:الإرهاق والصداع والإسهال والغثيان | مرتبطة بالعامل المسبب للحالة، مثل: آلام خلال التبول و ممارسة الجنس أو إفرازات مهبلية أو تضخم في حجم الرحم وزيادة معدل النزيف المهبلي عن 80 مل |
| تأثير الإنجاب | يتقلص بعد الإنجاب الأول. ارتفاع معدل حالات عسر الطمث الأولي في الوقت الحاضر قد يُعزى إلى ارتفاع سن الإنجاب الأول لدى النساء[29] | مثال |
تمنح الإشارات السابقة تصورًا مبدئيًا عن سبب عسر الطمث رغم أنها غير حاسمة، فالنوع الأولي قد يكون شديدًا أما النوع الثانوي قد لا يصحبه أعراض بذات الشدة المتوقعة. ولذا يلزم المرأة مزيد من الفحوص السريرية لتأكيد نوع الحالة ومسبباتها، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية أن يكون فحص الحوض غير حاسمًا في تحديد النوع حتى مع استخدام التصوير بالأشعة. وعلى سبيل المثال، فإن بعض حالات الانتباذ البطاني الرحمي لا يمكن الكشف عنها إلا بخزعة أو منظار استكشافي لمنطقة البطن[30]. وقد تتسبب هذه العوامل في تأخير تشخيص عسر الطمث الثانوي.
متلازمة ما قبل الحيض
متلازمة ما قبل الحيض (Premenstrual syndrome (PMS)) تُعرَّف في المصادر الطبية بأنها مجموعة من الأعراض الجسدية والنفسية[31] (وأحيانًا السلوكية[32] التي تظهر خلال المرحلة الأصفرية من الدورة الشهرية وتسبق مرحلة الحيض بحوالي إسبوع إلى إسبوعين. ترتبط هذه الأعراض بضائقة وضعف في قدرة المرأة الوظيفية[33]. تتميز هذه الأعراض بأنها تظهر بشكل شهري، وتبدأ بالتحسن مع بداية مرحلة الحيض وتختفي مع نهايتها تقريبًا.
تؤثر متلازمة ما قبل الحيض على 47.8%[33] من النساء في سن الحيض (أي الفترة الزمنية الفاصلة بين أول دورة شهرية وبين انقطاع الطمث الطبيعي)، منهن حوالي 20% يعانين من أعراض شديدة تعطل سير نشاطاتهن اليومية. وبحسب المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة فإن الدراسات العلمية تفيد بأن الفئة الأكثر تعرضًا للإصابة بالمتلازمة هي طالبات الجامعات وتؤثر المتلازمة غالبًا على تحصيلهن الأكاديمي.
سُجل للمتلازمة قائمة طويلة من الأعراض، منها أعراض جسدية مثل تغير الشهية والزيادة في الوزن والصداع وألم في منطقة البطن والظهر، وقد تشمل أيضًا انتفاخ وترقق الثديين والغثيان والإمساك. ومنها أعراض نفسية مثل التوتر والغضب والأرق والتقلبات المزاجية والشعور بالرغبة في البكاء. في بعض الأحيان (حوالي 2 - 3% من الحالات) تظهر الأعراض بقوة أكبر وتكون مصحوبة بأعراض نفسية أكثر حدة فيما يُعرف طبيًا باسم اضطراب ما قبل الحيض الاكتئابي. وقد أدرجت الجمعية الأمريكية للطب النفسي مرض اضطراب ما قبل الحيض الاكتئابي ضمن قائمة الاضطرابات الاكتئابية في الطبعة الخامسة من دليلها التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية.
لا يوجد اتفاق على سبب متلازمة ما قبل الحيض. ولكن تقترح بعض المصادر الطبية ربطها بتقلب مستوى الاستروجين وتأثيره على هرمون السيروتونين خلال الدورة. أيضًا تربط بعض الدراسات ظهور أعراض المتلازمة بعوامل البيئة ونمط الحياة، حيث يرتفع احتمال وجود المتلازمة في حال تناول كمية أكبر من الأغذية الغنية بالسكريات. وفي ذات السياق تثبت العديد من الدراسات الميدانية من بلدان متعددة أن نسبة انتشار المتلازمة بين طالبات الجامعات يتفاوت بشكل كبير بين كل دولة وأخرى. على سبيل المثال: 33.82% في الصين، 37% في إثيوبيا، 39.9% في تايوان، 65% في مصر و 91.8% في تركيا. وبحسب المعهد الوطني للصحة في أمريكا فإن هذه التباينات قد تعود إلى عوامل مثل الاختلافات الجينية والغذائية وأنماط الحياة المتعددة[33].
النقد النسوي لتطبيب الدورة
- تحويل الحيض من تجربة جسدية إلى مشكلة طبية
التطبيب (Medicalization) هو تحويل عملية جسدية إلى شأن طبي خاضع لسلطة المؤسسة الصحية. وبحسب كريستينا ريتشي فإن التطبيب في سياق الصحة الجنسية والإنجابية للنساء يحدث عندما يتعامل "خبراء الصحة"، العاملين وفقًا للتقليد الطبي الخاضع للمنظور الذكوري، مع عمليات طبيعية تختبرها أجساد النساء حصرًا وهي: الحيض والحمل والولادة والرضاعة وانقطاع الطمث، باعتبارها مرضية وتحتاج إلى تدخل طبي من أجل علاجها[34]. يحتكر هذا التقليد الحق في تعريف العملية الجسدية وتحديد الفارق بين "الطبيعي" و "المرضي". ولا يقدم بالضرورة حلولًا عملية "للمرض" بقدر ما يوسع سلطة المؤسسة الصحية على أجساد النساء.
من التحديات التي تواجه النقد النسوي للتطبيب، الاعتراف بالواقع الذي تمثله أعراض الدورة كتجربة حقيقية معاشة تشترك فيها مئات الملايين من النساء حول العالم. مع عدم استغلالها لتصويرهن ككائنات معيبة جسدًيًا ونفسيًا "يخضعن لرحمة أجهزتهن التناسلية". إذ قد ينتج عن ذلك ترسيخ خطاب يعزز سلطة النظام الصحي على أجساد النساء، ويبرر إقصائهن من المجال العام، على سبيل المثال اعتبر الطب النفسي في القرن التاسع عشر أن فترة الحيض تمثل مرحلة تزداد فيها مخاطر الاضطرابات النفسية، وهو ما يعترف بجوانب من تجارب النساء، لكنه استخدم في الوقت نفسه لتبرير معارضة تعليم النساء. بالإضافة إلى أنه يضع اشتراطات على منحهن المساعدة لإدارة أعراض الدورة. في ذات الوقت، يستلزم هذا الاعتراف ألا يتسبب بخسارة النتائج الإيجابية التي يوفرها التدخل الطبي للتعامل مع هذه الأعراض، خاصة وأنه يبرر توفير غطاء من الرعاية الصحية المطلوبة لإدارتها[35].
- تطبيع الألم والصمت في عسر الطمث
يشكل عسر الطمث نموذجًا للتطبيب، إذ عرَّفه النص الطبي باستخدام مفردات طبية ومنحه تسمية لاتينية مركبة (Dysmenorrhea) تستخدم بشكل شبه حصري في الدراسات والمراجع الطبية كأي مرض آخر، وذلك لتحويله إلى حالة تُوصف وتُفسَّر حصرًا من خلال المنظور الطبي مع إهمال جوانبها الاجتماعية. كما أن الطبيب يحتكر سلطة تحديد طبيعته ونوعية التدخل المناسب له. ويسيء الأطباء غالبًا استخدام هذه السلطة انطلاقًا من تحيز ذكوري كامن في طبيعة النظام الصحي، يظهر في التشخيص والتعامل مع الأعراض الجسدية، حيث يتجاهل الأطباء في أغلب الأوقات لآلام الدورة والتشكيك في رواياتهن والتعامل معها على أنها من مكونات الحيض الطبيعية ويُتوقع من النساء التعامل معها بصمت.
وتجادل جيدا ويغلتون-ليتل (Jada Wiggleton-Little) بأن الدورة تمثل للمؤسسة الطبية معيارًا بيولوجيًا لدونية الجسد الأنثوي. وتفسر عسر الطمث من خلال هذه الدونية كحتمية يُتوقع من النساء تحملها بصمت، وليس كمشكلة تحتاج حلًا. وتُجبر النساء على تطبيع سلوكياتهن مع هذا المنظور، فيتعرضن لضغط اجتماعي يمنعهن من الشكوى وطلب المساعدة ويجبرهن على رفض التعامل مع الألم كمشكلة على الرغم من تأثيره على حياتهن اليومية[36].
وما يفاقم المشكلة أن الأطباء لا يملكون قدرة على تشخيص الألم بدون شكوى من الشخص المتألم، فالألم عَرَض وليس علامة حيوية تُكتشف بالفحص السريري والمخبري. وبحسب العديد من الدراسات فإن كثيرًا من النساء لا يقدرن على مجابهة عسر الطمث بدون وسائل التحكم في الألم. أجريت دراسة على على 970 مراهقة هندية نشرت نتائجها في العام 2010، وقد أفادت بأن 80% يعانين من عسر الطمث، بينهن 40% على الأقل يعانين من عسر طمث شديد[37]. وأجريت دراسة في بولندا في عام 2020 شاركت بها 166 امرأة أفاد نصفهن بأنهن يعانين من آلام شديدة تضطرهن إلى إعادة ترتيب مشاركتهن في مناسبات اجتماعية[29].
- التشكيك في روايات النساء والتأخر في التشخيص
ورغم ما سبق فالتوجه السائد في المؤسسة الصحية هو تجاهل آلام الحيض، واعتبار شكاوى النساء منها جزء من ضعفهن البيولوجي، وهو أيضًا جزء من تحيز بنيوي واسع الانتشار ضد النساء في المؤسسات الصحية[38]. كما يسبب تجاهل الأطباء لآلام الدورة والانتقاص من مصداقية روايات النساء بخصوص الألم، إلى تأخير في تشخيص عسر الطمث الثانوي والحالات التي تسببه (كالانتباذ البطاني الرحمي والعضال الغدي الرحمي وغيرها). فعلى سبيل المثال، تفيد مراجعة بحثية نشرت في 2024 بأن مرض الانتباذ البطاني الرحمي يستغرق ما بين 5 - 12 سنة من أجل تشخيصه بشكل صحيح [39].
- عسر الطمث وتواجد النساء من المجال العام
في ذات السياق توضح إيميلي مارتن بأن عسر الطمث ومتلازمة ما قبل الحيض استُخدما منذ نهاية القرن 19 لتوجيه سلوك سوق العمل تجاه النساء في الدول الصناعية. وتمحورت الأدبيات الطبية عن الدورة حول تأثيراتها الجسدية والذهنية على النساء وبالتالي تأثيرها على قدرتهن على العمل. وقد تغير الموقف الطبي أعراض الدورة بحسب متطلبات السوق، فكان إيجابيًا خلال الحربين العالميتين بسبب الحاجة للنساء لسد النقص في العمالة الذي خلفه إرسال الرجال إلى الحرب، وتحول إلى موقف سلبي في فترة ما بين الحربين وبعد الحرب العالمية الثانية من أجل تبرير الاستغناء عن النساء في سوق العمل لصالح الجنود العائدين من الحرب. وتكرر الأمر خلال السبعينيات استجابة للتطبيع المتزايد لمساهمة النساء في سوق العمل بتأثير من الموجة النسوية الثانية[6].
وتؤكد على مقاربة مارتن أيضًا الانتقادات التي وُجهت لطريقة "إنتاج" متلازمة ما قبل الحيض كحالة مرضية. وبحسب سوزان بل فإن الأدبيات الطبية لا تحتوي على إجماع واضح بخصوص أعراض ما قبل الحيض بشكل يسمح باعتبارها جزءًا من "متلازمة". حيث أن التجارب التي تفحص دور العوامل الفسيولوجية والنفسية والبيئية في تفسير وعلاج أعراض ما قبل الحيض ملغومة بالعديد من الأخطاء المنهجية ولا تنجح في إثبات صحتها أمام الفحص الصارم بالدراسات السريرية[40]. وبالرغم مما سبق، فإن النصوص الطبية من القرن الماضي تضم ما يزيد عن 150 عرض جسدي ونفسي وسلوكي للمتلازمة بلا أي دليل على ارتباطها بالمتلازمة بالفعل
- ربط النساء بحالات نفسية محددة وتطبيب هذه الحالات
أما لويز لاندر فتجادل بأن الأعراض النفسية والسلوكية التي ترتبط بمتلازمة ما قبل الحيض، مثل الغضب والانفعال والضيق، هي في الأصل سلوكيات تتنافى مع التصورات الذكورية النمطية عن النساء - وبخاصة الزوجات والأمهات - المفترض أن يكن هادئات وصبورات ومطيعات. وبالتالي فإن أي خروج عن هذه الصورة، خاصة لو اتخذ صفة دورية وتحول إلى ظاهرة منتشرة داخل المجتمع، يجب أن يصور كعرض مرضي وأن يتدخل النظام الصحي من أجل السيطرة عليه وتعريفه وتحديد كيفية تصحيحه[8].
من جانب آخر تلفت تمارا كيالي براون النظر إلى جانب مهم لتبعات تطبيب الأعراض النفسية للدورة. حيث أن اعتراف المؤسسة الصحية بأعراض معينة كمرض نفسي يؤثر على الممارسة الطبية والنصوص العلمية المرتبطة بها، ويوجه مسارات البحث العلمي والتطوير في شركات الأدوية ويؤثر على الممارسة القضائية وصياغة القوانين، وبشكل عام يصوغ الوعي الجمعي والخطاب العام المتعلق بأعراض الدورة. وتشير براون إلى خطر إساءة استخدام أعراض ما قبل الدورة في نزع الأهلية القانونية عن النساء، سواء لتبرير تجريدهن من حضانة أطفالهن أو لتبرير جرائم قتل ترتكبها النساء. وهو ما قد يرسخ ذات الصورة النمطية عن المرأة ككائن محكوم بحتمية يفرضها اختلاف النساء عن الرجال بيولوجيًا.
وفي ذات السياق تكشف براون عن مخاطر تطبيب اضطراب ما قبل الحيض الاكتئابي (PMDD). إذ تشير إلى الانتقادات النسوية التي رافقت إدراج "المرض" المذكور ضمن الاضطرابات الاكتئابية في الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية (DSM-5). فهي خطوة تثير القلق من المقاربات التشخيصية والعلاجية لقضايا الصحة العقلية، المرتبطة بمجموعة تتعرض للقمع والتمييز داخل المجتمع الأبوي. وتوضح بروان أن أعراض الضيق والغضب التي تظهر ما قبل الدورة ليست بالضرورة مؤشرًا على مرض نفسي مرتبط بدورة الحيض، وذلك حتى لو كانت حالة دورية ومتكررة وتظهر لدى النساء أكثر من الرجال. وتستشهد براون بالعديد من الدراسات التي تثبت أن الأعراض النفسية لمرحلة ما قبل الدورة مبررة وشرعية ولها تفسيرات اجتماعية وليست دليلًا على اضطراب نفسي، كما تلفت النظر إلى أنها مرتبطة بالسياق الثقافي وتظهر في مجتمعات الدول الغربية أكثر من غيرها[41].
إدارة الألم خلال الحيض
تعاني مئات الملايين من النساء حول العالم من الألم خلال الدورة، ويعتبر تحديًا يحتاج إلى المزيد من البحث من أجل فهم ميكانيزماته وطبيعته وتأثيره على أجساد النساء. كما أن ألم الدورة لا يزال أحد قنوات تمرير التمييز الجندري ضد النساء والأشخاص العابرين، والذي تعرض لمستوى مرتفع من التطبيب عبر العقود الماضية.
ولا يزال البحث الطبي بحاجة إلى فهم أعمق لطبيعة وتأثيرات ألم الدورة. فالتصور السائد مجتمعيًا هو أن هذا الألم موضعي وتأثيره مؤقت حتى لو كان يتكرر دوريًا، إلا أن بعض الدراسات بدأت تتحدى هذه التصور. وقد نشرت مجلة (The Journal of Pain) في سبتمبر 2024 نتائج تجربة هدفت إلى دراسة تكرار تأثير عسر الطمث الشديد على حساسية الجهاز العصبي للألم خلال المراحل المختلفة للدورة. لقد أجريت التجربة على 60 امرأة نصفهن يعاني من عسر الطمث الشديد (مجموعة اختبار) في مقابل 30 امرأة أخرى لا تعاني من أي آلام تؤثر على سير الحياة اليومية خلال مرحلة الحيض (مجموعة تحكم)، وأفادت النتائج أن النساء اللواتي يعانين من عسر الطمث قد يختبرن أيضًا حساسية متزايدة تجاه مصادر الألم الأخرى حتى في غير مرحلة الحيض.
تستنتج الدراسة أن آلام عسر الطمث الشديدة ليست مجرد حالة دورية مؤقتة تنتهي بانتهاء مرحلة الحيض، إذ أن تكرارها يخلق حالة مرضية تتفاقم باستمرار (Progressive)، يتطور من خلالها رد فعل الجهاز العصبي تجاه أي مؤثر خارجي غير مرتبط بالدورة بحيث يصبح أكثر استعدادًا لتفسيره كألم، أي يصبح لديهن زيادة في حساسية الألم قد تظهر خارج منطقة الحوض وخارج أيام الحيض. ولذا يصبح من الضروري الاستجابة لآلام النساء والفتيات مبكرًا وبجدية كافية لمنع حدوث هذا التدهور. ومن جهة أخرى تعمل هكذا دراسات على إعادة صياغة مفهوم الطب عن آلام الدورة بشكل قد يخدم مستقبلًا تطوير وسائل جديدة من أجل مواجهته [42].
بحسب مقالة منصة StatPearls عن عسر الطمث فإن علاج آلام مرحلة الحيض يهدف إلى "تمكين النساء من تلطيف حدة الألم إلى الحد الذي يسمح لهن بتأدية نشاطاتهن اليومية"[28]. ولا يوجد لحد الآن أي وسيلة علاجية آمنة يمكن أن تتخلص من آلام الدورة بشكل كامل لدى 100% من النساء. وتنقسم طرق إدارة الألم خلال الدورة إلى قسمين: طرق دوائية وطرق غير دوائية.
الطرق الدوائية لإدارة ألم الدورة
- العلاج بالمسكنات
تعد مجموعة مضادات الالتهابات اللاستيرويدية (NSAIDs) من أكثر الخيارات استخدامًا لعلاج آلام عسر الطمث بنوعيه. تعطل هذه الأدوية مسار تصنيع البروستاغلاندينات المسؤولة عن تقلصات الرحم. كما قد تقلص كمية النزف الإجمالي خلال الحيض. وتنتج مضادات الالتهابات اللاستيرويدية تأثيرها من خلال تثبيط نشاط إنزيم الأكسدة الحلقية (Cyclooxygenase, COX) المسؤول عن تصنيع البروستاغلاندينات. يوجد عادة نوعان مختلفان من إنزيمات الأكسدة الحلقية، النوع الأول (COX-1) يوجد في الجسم بشكل طبيعي ويقوم بانتاج البروستاغلاندينات لتأدية وظائف طبيعية مثل حماية القناة الهضمية والتحكم في التروية الدموية لبعض الأنسجة ومنها الكلى، والنوع الثاني (COX-2) يظهر فقط في المناطق التي تنشط فيها عمليات التهابية. ويوجد نوعان من مضادات الالتهابات اللاستيرويدية، النوع الأول يقوم بتثبيط انزيمات الأكسدة الحلقية في الجسم بنوعيها، أما الآخر فالجرعة الدوائية منه تثبط النوع الثاني لوحده بشكل انتقائي.
تعتمد هيئة الدواء والغذاء الأمريكية (FDA) ستة أدوية المضادات الالتهاب اللاستيرويدية لعلاج عسر الطمث وهي: ديكلوفيناك (Diclofenac)، وأيبوبروفين (Ibuprofen)، وكيتوبروفين (Ketoprofen)، وميكلوفيناميت (Meclofenamate)، وميفاناميك أسيد (Mefenamic acid) ونابروكسين (Naproxen)، وجميعها من المثبطات غير الانتقائية لإنزيمات الأكسدة الحلقية (COX). ويمكن أيضًا استخدام أدوية أخرى من مجموعة مضادات الالتهابات اللاستيرويدية مثل بيروكسيكام (Piroxicam)[43] وسيليكوكسيب (Celecoxib)[44] وغيرها.
تبدأ مضادات الالتهاب اللاستيرويدية في تخفيف الألم خلال نحو 30-60 دقيقة من تناولها، إلا أن المدة تختلف باختلاف الدواء والجرعة، و إذا كان تناوله مع طعام أو على معدة فارغة.
وإدارة ألم الحيض من خلال تلك المسكنات قد تبدأ قبل بداية النزف واشتداد الألم. إلا أن العديد من النساء تواجه صعوبة في تحديد الوقت المناسب لبدء العلاج بسبب إمكانية تغير توقيتات الدورة، حتى المنتظمة منها. وقد يساعد الانتباه إلى الأعراض الواضحة الأخرى التي تسبق النزف مثل الإفرازات البنية أو بدء التقلصات السابقة للنزيف على تحديد الوقت المناسب للجرعة الأولى.
يوجد بعض الفروقات بين الأدوية المذكورة فيما يتعلق بفعاليتها العلاجية وأعراضها الجانبية، إلا أن اختيار الدواء المناسب يتوقف على الاستجابة الفردية للدواء، والحالة الصحية للشخص والوزن، والآثار الجانبية التي يسببها، والجرعة ومدة استخدامه. وتفيد مراجعة منهجية منشورة عبر شبكة Cochrane أنه إذا حققت 18% من النساء اللواتي يتناولن دواءً وهميًا تسكينًا للألم بدرجة متوسطة أو ممتازة، فإن ما بين 45% إلى 53% من النساء اللواتي يتناولن مضادات الالتهاب اللاستيرويدية سيحققن ذات الدرجة من تسكين الألم[45].
قد لا يكون استخدام الأسبرين(Aspirin) فعالًا بنفس قدر فعالية مضادات الالتهاب اللاستيرويدية الأخرى. كما أن الأسبرين يتميز باحتمال تسببه بزيادة حجم النزف خلال مرحلة الحيض وإطالة فترتها، حيث تستخدم الجرعات المنخفضة من الأسبرين كمضاد للتجلطات بسبب تأثيرها على نشاط الصفائح الدموية[46]. وقد يصلح الباراسيتامول (Paracetamol) لعلاج آلام الدورة الخفيفة، إلا أن الباراسيتامول قد يكون مفيدًا في حال كانت مضادات الالتهاب اللاستيرويدية ممنوعة على المريضة لأسباب صحية أخرى.
يمكن أن تسبب مضادات الالتهاب اللاستيرويدية بعض الأعراض الجانبية وخاصة في الجهاز الهضمي، مثل الغثيان والإسهال ومغص المعدة، ويمكن أن يقلل تناول مضادات الالتهاب اللاستيرويدية مع الطعام من الآثار الجانبية المرتبطة بالجهاز الهضمي[47]. كما قد تسبب بعض هذه الأدوية، مثل أيبوبروفين (Ibuprofen) ونابروكسين (Naproxen)، الصداع والنعس بالإضافة لأعراض نفسية مثل الشعور بالاكتئاب والتقلبات الانفعالية، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الأعراض نادرة، وتصيب ما بين 0.1 - 1% فقط من مستخدمي هذه الأدوية وتزول عند التوقف عن استخدام الدواء[48]. ويعتبر إيبوبروفين ونابروكسين أدوية آمنة بالمجمل ويمكن شراؤها بدون الحاجة إلى وصفة طبية[49][50]
ويعتبر استخدام مضادات الالتهابات اللاستيرويدية لعلاج عسر الطمث آمنًا بالمجمل، إذ أنها تستخدم لفترة قصيرة في كل دورة وليس بشكل مستمر وطويل الأمد. إلا أن من الممكن أن تسبب مضادات الالتهاب اللاستيرويدية بعض الأعراض الجانبية، ومن أهمها اضطرابات القناة الهضمية (GI upset). يوجد احتمال ضئيل أن تسبب هذه الأدوية أعراض جانبية خطيرة في حالات الاستخدام المستمر طويل الأمد مثل النزيف المعدي والفشل الكلوي الحاد. ورغم أن ذلك لا ينطبق على استخدامها لعسر الطمث التي تستخدم لعدم أيام كل شهر، إلا أن هذه التأثيرات تشير إلى ضرورة الاحتراس والامتناع عن استخدامها في حالات الإصابة المسبقة بالتهاب المعدة والقرحة الهضمية والفشل الكلوي. كما أن بعض أنواع مضادات الالتهاب اللاستيرويدية (مثل الإندوميثاسين Indomethacin) يتوجب تجنبها بجميع الأحوال بسبب احتمال أعلى بتسببها للأعراض الجانبية.
في حال نتج عن استخدام مضادات الالتهاب اللاستيرويدية أعراض جانبية هضمية، بسبب تأثيرها على إنزيمات الأكسدة الحلقية (COX) بنوعيها بشكل غير انتقائي، يمكن استخدام مثبطات إنزيم (COX-2) الانتقائية مثل ميلوكسيكام (Meloxicam) وإتريوكوكسيب (Etoricoxib)، والتي تُسبب تأثيرات جانبية أقل على الجهاز الهضمي.
ولا يُنصح باستخدام المسكنات الأفيونية ومشتقاتها على الرغم من فعاليتها العالية في تسكين الألم بسبب خطر التعرض للإدمان، وينحصر استخدامها في حالات الطوارئ[51].
- العلاج بالمشتقات الهرمونية
يمكن استخدام موانع الحمل الهرمونية كوسيلة لتخفيف آلام الحيض لدى النساء اللواتي يرغبن باستخدام وسيلة لمنع الحمل، سواء المركبة أو التي تحتوي على البروجستين فقط. تعمل هذه الأدوية على إعادة رسم مستويات البروجسترون والاستروجين ومنع الإباضة وحصر إنتاج البروستاغلاندين، ومع الاستخدام المستمر يتقلص حجم بطانة الرحم وقد يساعد في خفض حدة ألم الحيض وكمية النزيف ومدته.
يمكن استخدام موانع الحمل الهرمونية طويلة الأمد مثل الحقن والغرسات تحت الجلد واللولب الهرموني، ويمكن أن يؤدي استخدامها المنتظم لفترة تصل ما بين 3 - 6 أشهر، أو تتجاوز السنة، إلى انقطاع الدورة[28].
- خيارات دوائية أخرى
تشير بعض الدراسات إلى فعالية مجموعة من الأدوية في تخفيف آلام الدورة بشكل نسبي. ولكن لا يوجد لحد الآن أدلة علمية كافية تدعم استخدامها كبدائل للمسكنات. منها على سبيل المثال: المغنيسيوم (Magnesium)، والنيتروجليسرين (Nitroglycerin)، وبعض أدوية ارتفاع ضغط الدم مثل بروبرانولول (Propranolol) ونيفاديبين (Nifedipine)[28].
الطرق غير الدوائية والوقائية
يمكن تخفيف آلام الدورة من خلال الحرارة الموضعية، أي توجيه الحرارة إلى منطقة أسفل البطن باستخدام مياة ساخنة محفوظة في قربة جلدية أو الاستحمام بماء دافئ. والعلاج بالحرارة من أول الخيارات التي تُنصح النساء باستخدامها قبل البدء باستخدام المسكنات خاصة في الحالات الطفيفة.
يسهم النشاط البدني المستمر والتدريب الرياضي أيضًا في تخفيف آلام الدورة أو يقلل من مدة ألم الدورة. وتتفق الدراسات على أهمية التمارين الرياضية لكن الأدلة العلمية المتوفرة لا تحسم أي أنواع التمارين أفضل تأثيرًا على عسر الطمث وما درجة شدتها أو الفترة الزمنية المطلوبة للتمرين أسبوعيًا.
أيضًا تُنصح النساء بتعزيز نظامهن الغذائي بمستخلصات عشبية ومكملات غذائية مثل شاي البابونج والقرفة والشومر والزنجبيل والأغذية الغنية بفيتامينات إي وسي وزيت السمك والزنك والحديد. الأدلة العلمية التي تثبت فعالية هذه الأغذية والمكملات ضد ألم الدورة ضعيفة الجودة[52]، إلا أن من المتفق عليه أن نظامًا غذائيًا غنيًا بالخضروات والبروتين والفيتامينات والمعادن مع الابتعاد عن التدخين وشرب الكحول سيساهم في تحسين الألم [28] [51].
المسؤولية المؤسسية عن الألم
- البحث العلمي حول الدورة
تتحمل المؤسسة الرسمية مسؤولية رعاية البحث العلمي الذي يشكل ركيزة أساسية للممارسة الطبية. ويخضع إنتاج المعرفة الطبية لمنظور أبوي يركز على جسد الذكر كمعيار للبحث ويقصى النساء من البحث العلمي سواء كباحثات أو مشاركات في التجارب السريرية. وتجادل كونستانتينا دافاكي (Konstantina Davaki) أن ما سبق يُنتج منظور طبي أحادي يُفرض على أجساد الذكور والإناث رغم الاختلافات البيولوجية، ويؤدي لتمايزات في طبيعة العلاج الذي يتلقاه الذكور والإناث لعلاج نفس الأمراض. وينعكس ذلك سلبًا على البحث في الأمراض التي تخص الجسد الأنثوي بشكل حصري[53].
من جهة أخرى، يتعرض ألم النساء للإهمال أيضًا داخل المؤسسات الصحية. نشرت في مايو 2008 نتائج دراسة أجريت على 981 مريض مصاب بألم حاد في البطن، في قسم طوارئ أحد المستشفيات التعليمية في الولايات المتحدة. وأفادت أن الأطباء أكثر ميلًا لصرف المسكنات للذكور مقارنة بالإناث حتى في حال تشابه الأعراض وشدة الألم[54]. وتزداد حدة تجاهل آلام النساء في حال تعلق الأمر بآلام الدورة لكونها تتعلق حصرًا بأجساد النساء، وتُعامل باعتبارها "طبيعية" ويُتوقع من النساء تحملها[36].
- تأثير مفهوم "الرعاية الذاتية" على التنصل المؤسسي
تُعد الخيارات الدوائية المتوفرة للتعامل مع ألم الحيض محدودة التأثير،حيث قد لا توفر تخفيفًا كافيًا للألم أو يسبب بعضها أعراض جانبية لا يمكن تحملها. ولذلك ظهرت دعوات لاستخدام منظور "شمولي" للتعامل مع آلام الدورة يعتمد على مزج الطرق الدوائية وغير الدوائية (كالرياضة والمستحضرات العشبية والحرارة الموضوعية)[55].
تستند هذه الدعوات إلى مفهوم "الرعاية الذاتية" الذي طورته منظمة الصحة العالمية في عام 2019 استجابة للنقص العالمي في ممارسي المهن الصحية[56]. انتشرت فكرة الرعاية الذاتي في أمريكا خلال السبعينيات على يد حركة اجتماعية تدعو الفرد لتولي مسؤولية صحته بدون الاعتماد على المؤسسة الصحية. وبحسب روبرت كراوفورد (Robert Crawford) تنطلق هذه الدعوة من توجه أيديولوجي يسميه "الصحَّويَّة" (Healthism)، يحول الصحة لمسؤولية فردية ويسهم بالتبعية في تنصل المؤسسة الصحية منها[57]. وكما يوضح فران ميشيل (Fran Michel) فإن "الصحوية تشمل النظر إلى الصحة كشأن فردي، وقيمة أولية، ومؤشرٍ أخلاقي: بشكل أساسي، إن أصيب الفرد بالمرض، فهي غلطته[58].
في ذات السياق يمكن فهم الدعوة إلى تبني خيارات غير دوائية للتعامل مع ألم الحيض، ولا يعني ذلك أنها غير فعالة، ولكنها تتجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية. فمثلًا، قد يكون خيار المكملات الغذائية ذا مادية عالية، أو قد تواجه النساء تحديات مجتمعية عند ممارستهن الرياضة في المجال العام، أو لا يتوفر لهن وقت كاف للرياضة بسبب مسؤوليات العمل المهني والمنزلي. وفي النهاية إن لم تتمكن المرأة من تعديل نمط حياتها للتوافق مع المنظور الصحي الشمولي فإنها من سيتحمل مسؤولية ألم الدورة أمام المجتمع، وتنجح المؤسسة بذلك في التنصل من مسؤوليتها عن تقديم حلول أكثر فعالية.
الدورة في سياقات مركبة
اللجوء والحروب
انتقل السكان خلال العقود الماضية إلى قائمة أهداف الحروب، حيث تستهدف العمليات العسكرية شروط الحياة ومقومات صمود المجتمع بما فيها المؤسسات الصحية. وتعرضت كثير من الدول مثل كوبا والعراق والسودان وسورية وفلسطين لاستهداف أنظمتها الصحية سواء بالحصار أو التدمير المباشر[59][60][61].
وتكون النساء أكثر فئات السكان تضررًا، وتفقد رواياتهن بخصوص صحة الحيض أي أولوية، ويصبح وصولهن إلى الخدمات الصحية، مثل المسكنات والاستشارات الطبية عند اشتداد الألم أو النزيف أو المتابعة الطبية لمن لديهن أمراض مرتبطة بالدورة، أكثر صعوبة. وينطبق ذلك أيضًا على مخيمات اللجوء التي تعاني من محدودية الوصول إلى الخدمات الصحية.
من الممكن أن تخلق الحرب آثارًا نفسية مثل القلق والتوتر قد تؤثر سلبًا على صحة الحيض. من جهة قد يسبب التوتر خللًا في انتظام الدورة، فتتأخر أو تنقضي أسرع من موعدها ويصحبها نزف أغزر من العادة[62]. ومن جهة أخرى تُحرم النساء من الوصول إلى منتجات الدورة بسبب الحرب، حيث يفقدن الوصول إليها بسبب النزوح وتدمير البُنى التحتية وفقدان القدرة المادية لشرائها، وقد يكون حرمان النساء منها مُمنهجًا ومتعمدًا فتمنع السلطات دخولها إلى مخيمات اللجوء ومناطق الحرب مبررة ذلك بحجج أمنية. فمثلا يقوم الاحتلال الصهيوني بحظر المئات من المنتجات التجارية والإغاثية إلى غزة بحجة أنها "ثنائية الاستخدام" - تستخدم لغرض مدني وعسكري[63]، وقام خلال حرب الإبادة التي يشنها ضد غزة منذ أكتوبر 2023 بحظر كامل على دخول مواد التنظيف ومنتجات الدورة والأدوية عدة مرات[64]. وقد ارتفعت أسعار منتجات الدورة خمسة أضعاف على الأقل، واضطرت النساء لاستخدام قطع من ملابس قديمة وخيام مهترئة كبديل للفوط الصحية مما سبب تفشي الإصابة بالالتهابات المهبلية[65].
في ذات السياق، أطلقت المبادرة الاستراتيجية للنساء في القرن الأفريقي (SIHA) حملة تبرعات استجابة للحرب السودانية بهدف تزويد اللاجئات بالفوط الصحية، ولفتت النظر لعدم القدرة على استخدام بدائل قابلة للاستخدام المتكرر (مثل كأس الحيض) بسبب شح المياة النظيفة ومواد التنظيف[66]. في سياق آخر، لا تقدم المؤسسات الدولية الناشطة في أماكن النزاعات وسائل لإدارة ألم الدورة للنساء. وتركز استجابتها على أدوات النظافة الشخصية (كالفوط الصحية ومستلزمات الاستحمام) مع تجاهل المسكنات الممكن استخدامها بدون وصفة طبية[67].
النساء ذوات الاحتياجات الخاصة
تشكل إدارة الألم تحديًا مضاعفًا للنساء ذوات الاحتياجات الخاصة بسبب صعوبة تحديده أو التعبير عنه والتعامل معه. إذ قد تعاني النساء المعاقات حركيًا من مشكلة في التمييز بين الألم المرتبط بحالتهن الصحية وألم الدورة، أو تفاقم في الألم المزمن. وقد لا تملك النساء المصابة بإعاقة ذهنية القدرة دائمًا على التعبير عن الألم بسبب الحواجز التي قد تفرضها الإعاقة على قدرتهن على التواصل.
شهدت السنوات الماضية تطوير بعض أدوات التقييم المعيارية لمساعدة ذوي الإعاقة على التعبير عن آلامهم، حيث تُعرض بعض الرسوم التوضيحية التي تصور درجات مختلفة من الألم ويُطلب منهم اختيار ما يتوافق مع شدة الألم لديهم. إلا أن هذه الأدوات لا تزال محدودة الفاعلية وينحصر استخدامها في ذوي الإعاقة الذين يملكون قدرة ذهنية وحركية كافية تمكنهم من التواصل مع مقدمي الرعاية. وبحسب شانتال بارني وزميلاتها فلا يوجد أي دليل علمي يثبت أن هذه الأدوات قد صنعت فارقًا إيجابيًا في هذا الشأن[68].
وقد تعاني ذوات الإعاقة من صعوبة في التعرف إلى ألم الدورة والتعبير عنه خاصة خلال السنوات الأولى من الحيض. أجريت دراسة استكشافية عام 2025 على 93 مراهقة مصرية مصابات بإعاقات سمعية وبصرية، وأفادت نتائجها بأن أغلبية المشاركات بالدراسة يختبرن درجات متفاوتة من عسر الطمث (ما بين المتوسط إلى الشديد)، ومحدودية المعرفة الكافية لتمييز علاقته بالدورة. وقد أكدت الدراسة إصابتهن بعسر الطمث من خلال استبيان كشف عن تاريخ كل فتاة مع الحيض ومواعيد الشعور بالألم خلال الشهر[69]. وتؤكد الدراسة أن تعرض ذوات الإعاقة لعدم المساواة فيما يتعلق بصحة الحيض، المتمثلة في محدودية الوصول للمعلومات وأساليب الرعاية، جزء من حرمان منهجي من الاستقلالية الذاتية و الحقوق الجنسية والإنجابية، وانتهاك يتقاطع مع التمييز على أساس الجندر والإعاقة.
السجون
يصل عدد السجينات على مستوى العالم إلى ما يزيد عن 740 ألف امرأة، تتعرض الكثيرات منهن لانتهاك وغياب العدالة الجنسية والإنجابية[70]. بسبب تدني مستوى الرعاية داخل عيادات السجون ونقص الكادر الطبي وشح الأدوية وتأخر العرض على الطبيب.
وفي عديد من السياقات، قد تستخدم قوى الأمن الدورة كوسيلة لإهانة وإذلال وعقاب السجينات والمعتقلات. وتفيد شهادة لامرأة مصرية تعرضت للاعتقال والإخفاء القسري على يد قوات أمن الدولة في أبريل 2018 خلال أول يوم من دورتها بأنها تُركت تنزف في غرفة الاعتقال وهي معصوبة العينين ومُنعت من الذهاب إلى الحمام لتغيير الفوطة القطنية، وتقول:
"وقفت بدمي أمام خمسة ضباط تقريباً وعدد لا حصر له من العساكر، وهم مستمتعون بالتفرّج على فتاة تنزف. أما الضابط فرفض إعطائي فوط لمدة يومين وتركني أسبح في دمي، حتى عُرضت على النيابة. بقيت يومين غارقة في دمي في غرفة الحجز، أخاف أن أجلس فتجري الدماء على الأرض أو ألطّخ ثيابي أكثر."[71]
ونشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مارس 2019 شهادات خمسة سجينات سابقات، أفادت جميعهن بتدهور أوضاع السجون وعدم ملائمتها لإدارة الدورة، فالحمامات شحيحة والمياه مقطوعة أغلب الوقت والفوط الصحية غير متوفرة إلا عبر الزيارات العائلية وهو ما يرفع احتمال الإصابة بالالتهابات المهبلية. وتؤكد المبادرة بأن القانون في مصر لا يراعي احتياجات السجينات الصحية، ولا يوجد أي تعليمات تتعلق بتقديم أي رعاية خاصة للسجينات إلا للحوامل اللواتي تجاوز حملهن الشهر الثالث[72].
وفي ذات السياق تستخدم مصلحة السجون لدى دولة الاحتلال الدورة كأداة عقاب ضد الأسيرات الفلسطينيات. وأفادت الأسيرتين المحررتين رغد الفني وفيروز سلامة في لقاء صحفي نُشر في نوفمبر 2024 بأن مصلحة السجون قد أصدرت قرارًا بمنع بيع منتجات الدورة الشهرية في السجون، بحيث أصبح الحصول عليها أمرًا في غاية الصعوبة ويمر بتعقيدات إدارية[73].
العبور الجنسي
تصل نسبة انتشار الحالات المرضية التناسلية لدى العابرين جنسيًا وذوي الهويات الجندرية غير النمطية إلى حوالي 51 - 72%، مقارنة بنسبة تصل إلى 26% لدى النساء المتوافقات جندريا. يُعزى هذا الارتفاع إلى الحواجز البُنيوية التي تعيق وصول العابرين جندريًا للخدمات الصحية المتعلقة بالدورة. حيث يُصمم النظام بناء على افتراض مسبق بأن دورة الحيض شأن يتعلق بالنساء اللاتي تتوافق هوياتهن الجندرية مع أجسادهن حصرًا، وهو ما يعززه تحيز الأطباء المسبق ضد العابرين وفقرهم المعرفي بمبادئ الرعاية الطبية المراعية للعبور الجندري.
عادة ما يبلغ العابرات والعابرون جنسيًا عن سوء المعاملة خلال سعيهم لطلب الرعاية الصحية، مثل رفض منح الاعتبار لهويتهم الجندرية، واستجوابهم بخصوص قضايا لا تمت لشكواهم الصحية بصلة، وتنفيذ الفحوص الحوضية بشكل عنيف، ومنعهم من الوصول إلى الإجراءات الطبية المطلوبة لتشخيص أو علاج مشاكلهم الصحية، ويصل الأمر لدرجة إنكار آلامهم بشكل كامل[74].
ويواجه العابرين جنسيًا، أي الذين لديهم أعضاء تناسلية أنثوية لكن يعرفون عن أنفسهم جندريًا كذكور أو غير ثنائيين، تغيرات صحية مرتبطة باستخدام العلاج الهرموني (التستوستيرون) تحتاج امتلاك ممارسي الرعاية الصحية لخبرة خاصة بالرعاية المُؤكدة للعبور الجندري. فالعلاج الهرموني بالتستوستيرون يؤثر على مستويات الاستروجين الطبيعية، والذي ينتج عنه ضمور الأنسجة المهبلية، بما يشبه بعض التغيرات التي تحدث في المهبل بعد انقطاع الطمث. كما قد يسبب جفاف في المهبل وخلل في الرقم الهيدروجيني pH مما يرفع احتمال الإصابة بالعدوى البكتيرية في المهبل وعنق الرحم[75].
أما العابرات جنسيًا، أي اللواتي لديهن أعضاء تناسلية ذكورية لكن يعرفن عن أنفسهن جندريًا كإناث أو غير ثنائيين، فينتج عن العلاج بالإستروجين أعراض مشابهة لأعراض الحيض، أو ما يُسمى بحسب أ.ج. لوويك (A. J. Lowik) "بالدورة عديمة الدم". وطبقًا لهم فإن هذه الحالة غائبة تمامًا عن الأدبيات السريرية والتجريبية المرتبطة بصحة العبور الجنسي[76].
وفي ذات السياق يمكن أن يختبر العابرون جنسيًا مشاكل جسدية تسبب عسر الطمث الثانوي، وهي اضطرابات تظل موجودة حتى خلال العلاج بالتستوستيرون. وبحسب مراجعة منهجية نُشرت في أكتوبر 2025 فإن حوالي 8.9% من العابرين جنسيًا مصابون بالانتباذ البطاني الرحمي[77]، وتختلف تجربتهم مع المرض خلال العبور باختلاف نوعية ومستوى الخدمة الطبية، حيث أن علاج هذه الحالات يحتاج إلى متطلبات خاصة كالتوافق مع متطلبات تأكيد الهوية الجندرية، حيث يمكن أن تؤدي العلاجات التقليدية - التي تتضمن بدائل للاستروجين والبروجسترون - إلى إحداث توتر مع هوية المريض[78][79].
الوصم المجتمعي حول الدورة
- تعريف الوصم
الوصم هو علامة اجتماعية تستخدم لفصل بعض الناس عن بقيتهم. وللوصمة ثلاثة تصنيفات بحسب العامل المُنتج لها: التشوه الجسدي (إعاقة أو مرض أو إصابة جسدية)؛ والصفات الشخصية والسلوكية (جريمة أو سلوك جنسي مرفوض مجتمعيًا)؛ والهويات الفرعية (عرق أو هوية جندرية غير نمطية)[80]. ويتضمن الوصم في ثلاثة أبعاد: درجة "خطورة" الشخص أو المجموعة (مجرم مُدان أو مصاب بالإيدز)، ودرجة وضوح مسبب الوصمة (تشوهات جسدية أو أوشام)، وقدرة الفرد على التحكم فيها (السمنة أو المثلية الجنسية)[81].
أما وصمة الحيض فهي تفسير الدورة بمعاني سلبية بهدف إلزام النساء بإخفائها وتحمل أعبائها بصمت تحت ثقل شعور من الخزي والعار. وتجادل إنغريد جونستون-روبليدو (Ingrid Johnston-Robledo) وجوان سي. كريسلر (Joan C. Chrisler) أن للدورة وصمة تندرج تحت تصنيفات جوفمان الثلاثة. فالدورة حسب كثير من الثقافات تعتبر عيبًا جسديًا وابتلاء بالقذارة، وتلطيخ ملابس المرأة بالدم خلال الحيض يمس بشخصيتها وأنوثتها، والدورة بالمجمل إشارة لهوية فرعية تستند لعملية جسدية تفصل جزءًا من المجتمع عن بقيته[82].
- مصادر الوصمة
- الأصل التاريخي حسب النظريات الأنثروبولوجية
تجادل ليزا زويديما (Lisa Zuidema) وزميلاتها أن وصمة الحيض تتشكل من خلال ربط الدورة بسلوكيات مستمدة من معايير وتوقعات اجتماعية، تحول الدورة من عملية طبيعية إلى حدث مرتبط بشعور عميق بالخزي ورغبة مستمرة بالإخفاء. ولا تتوقف وصمة الدورة عند حدود النزف بل تمتد لتشمل أي أثر مرتبط بالدورة مثل الألم وأعراض ما قبل الحيض الجسدية والنفسية[83].
احتل الحيض تاريخيًا مكانة مميزة في معتقدات الحضارات البشرية المبكرة، حيث صُوِّر كمكون سحري في جسد المرأة. فالنساء تنزف كل شهر بلا جروح وبدون خطر التعب الموت الذي يرافق نزيف الجروح، وهو ما حول الحيض لمصدر للرهبة والخوف غير المنطقي - كما تصفه سيمون دو بوفوار، ولكن اتُخذ كدليل على السحر والقوة الكامنة في الجسد الأنثوي. لاحقًا تطورت الصورة المرتبطة بالحيض تدريجيًا واكتسبت معاني سلبية، وجُرِّد من معاني السحر والقوة والخطورة، وتحول إلى نجاسة يجب التطهر منها، وسميِّة يجب الوقاية من تبعاتها[82]. وبحسب المؤلف الروماني بلينيوس الأكبر (توفي في عام 79م) فإن دم الحيض "يفسد النبيذ الجديد، وتبور المحاصيل التي تلامسه، ويقتل الطعوم الزراعية، ويجفف الحبوب، ويسقط الثمار عن أشجار الفاكهة"[84].
- الدين
وحفظت الديانات المعاصرة هذه التصورات عن الحيض، فبحسب الإسلام واليهودية يعتبر دم الحيض نجسًا يتطلب تنظيفًا طقسيًا من أجل التطهر منه، وتُمنع النساء من التعبد وممارسة الجنس خلال الدورة. والمسيحية تتعامل مع الدورة كتابوه ومع المرأة الحائض كمصدر للخطر يتوجب أن يُفرض عليها العزلة، ويُعتقد أن الدورة كانت سببًا في حرمان النساء من المناصب الكنسية العليا[85]. وأقرت الكنيسة القبطية في عام 2017 بعدم جواز مشاركة النساء في طقس التناول خلال الدورة[86].
- العائلة والمجتمع
تتشكل وصمة الحيض وتنتقل أيضًا عبر مسارات اجتماعية أخرى، ومنها تعليم الفتيات عن الدورة داخل العائلة. إذ تقوم نساء العائلة بتعليمهن بخصوص التعامل مع النزيف، كما يفرضن المعايير الاجتماعية التي تحدد السلوكيات المقبولة والمرفوضة خلال الدورة. وفي هذه العملية تُمرر للفتيات العديد من التصورات الخاطئة المتأصلة في عادات المجتمع، والتي ستسهم بتحديد مشاعرهم تجاهها. فمثلًا تفيد بعض الفتيات المقيمات في مخيم للاجئين السوريين في لبنان فإن أمهاتهن يرفضن منحهن مسكنات للألم خلال الحيض ويمنعهن من شرب كمية إضافية من الماء لظنهن أن المسكنات والماء قد يؤديان للإصابة بالعقم. وجدير بالذكر أن بعض الفتيات أفدن بعدم تلقيهن أي تعليم بخصوص الدورة وفُوجئن بها أول مرة، وتظن الفتيات وقتها أنهن قد آذين أنفسهن، ويخفين أمر الدورة عن عائلاتهن خوفًا من العقاب[87]. ويشير ذلك إلى أن الفتيات قبل بداية الدورة لا يراكمن أي معرفة عنها ولو عبر المراقبة، إذ تحرص نساء العائلة الأكبر سنًا على إخفاء الدورة كليا.
- الطب والبحث العلمي
شارك الطب بدوره في ترسيخ وصمة الحيض. إذ روج النص الطبي منذ القرن التاسع عشر للدورة باعتبارها حتمية بيولوجية تتحكم بسلوك النساء ووضعهن النفسي [6]. وبدأت الأوساط الطبية في عشرينيات القرن العشرين تتداول نظرية تعزو أعراض الدورة إلى مركبات سامة تسمى بالمينوتوكسينات، تُفرز خلال مرحلة الحيض وتظهر في السوائل الحيوية مثل اللعاب والعرق والنزيف. وضع الطبيب بيلا شيك (Béla Schick) نظرية المينوتوكسين (Menotoxin) في 1920، واستقى النظرية من مشاهداته لموت بعض الزهور التي لامستها خادمة منزله خلال الحيض. "أُثبتت" نظرية شيك بواسطة تجارب اختبرت دم الحيض على النباتات والحيوانات المعملية كالجرذان، إذ ماتت النباتات التي أنبتت في تربة تحتوي على دم الحيض، وماتت الجرذان التي حُقنت به. ونسج بشأن المينوتوكسينات استنتاجات أخرى، كطبيعتها الدهنية وعدم تأثرها بالحرارة والبكتيريا وأن تأثيرها على النبات أكبر من تأثيره على البشر[88].
استمر الجدال بشأن المينوتوكسينات[89] - والذي لم يخلو من سخرية الباحثات النسويات[90] - حتى سبعينات القرن الماضي قبل أن يثبت خطأ نظرية شيك وتُفند الأدلة التي أثبتتها[84]. وجدير بالذكر أن النظرية تتوافق مع الخرافات الشعبية الأوروبية عن الدورة، حيث تُمنع النساء خلالها من عجن الخبز أو لمس اللحوم أو بذر البذور[91].
- الإعلانات والمنشورات الدعائية والطبية
تظهر وصمة الحيض أيضًا في المواد الإعلامية مثل الإعلانات والأعمال الفنية والنشرات الطبية التثقيفية. كما تظهر جليَّةً في الطريقة المستخدمة لتصميم وتسويق منتجات الدورة. وتقوم الإعلانات بإعادة إنتاج الوصمة من خلال التأكيد على سريتها وتصويرها كحالة مرضية وأزمة نظافة شخصية. وتخلق الإعلانات حالة من الخوف والقلق والتوتر من احتمال انكشاف سر الدورة وتقدم منتجاتها كوسيلة للتأكيد على حماية هذا السر[92]. ولذلك تُغلف منتجات الدورة في عبوات صغيرة تُحمل في حقيبة اليد، أو تخفي داخل كيس أسود اللون عند شرائها[93]، وتُقاس جودتها بقدرتها على منع تسرب النزيف وإمكانية استخدامها بدون أن تظهر تحت الملابس[94]. وجميع هذه المعايير تُروج من خلال الإعلانات، وبذا تكون "ميزة" المنتج قدرته على التماشي مع وصمة الحيض ذاتها.
وقد نُشرت في عام 2022 نتائج دراسة تضمنت تحليل محتوى 222 إعلان لمنتجات الدورة موجهة للجمهور "العربي والغربي" خلال الفترة من 2000 - 2020. وكشفت الدراسة أن الإعلانات تقدم المنتج كوسيلة إنقاذ يُكسب النساء الثقة بالنفس بسبب قدرته على إخفاء النزيف، وغالبًا لم تذكر هذه الإعلانات مصطلح "حيض" أو "دورة" وأشارت للنزيف بتسميات مجازية (مطلوب مصدر). وتفادت معظم الإعلانات الإشارة للنزيف بصريًا وفي حال صورته فإنه يظهر كسائل أزرق. أما الإعلانات القليلة التي صورت النزف كسائل أحمر وذكرت مصطلح "الدورة" بشكل صريح فجميعها إعلانات غربية وصدر معظمها بعد عام 2017. أيضًا تميل الإعلانات إلى عدم تصوير العارضات قبل استخدام المنتج، وفي حال ظهرن قبل الاستخدام يكن في مكان منعزل وخالٍ من الناس، فتُظهر الإعلانات أن المُنتج هو ما منح المرأة خيار الظهور، وهو ما كسر عزلتها[95].
تبعات الوصم على الفتيات والنساء
- التكريس لمفهوم السرية والرقابة الذاتية
تفرض وصمة الحيض على النساء بناء علاقتهن بالدورة استنادًا إلى "ثقافة الإخفاء"، وتجادل إليزابيت كيسلينغ بأن وصمة الحيض قد حولت الدورة إلى حدث سري لا يجوز الحديث عنه إلا لسبب من ثلاثة: إما للسخرية منها، أو للشكوى من ألمها، أو لمحاولة بيع منتج يخصها[96].
يمكن فحص تأثير وصمة الحيض على النساء من خلال مقاربات ميشيل فوكو (Michel Foucault). وبحسب فوكو، تنتج السلطة الطاعة والامتثال من خلال تسخير المعرفة لإنتاج خطاب يخلق حالة من الرقابة الذاتية. يشرح فوكو مقاربته باستخدام مجاز يستند إلى سجن بانوبتيكون (Panopticon)؛ سجن دائري يتوسطه برج مراقبة يكشف جميع الزنازين، ورغم عجز الحارس عن مراقبتها جميعًا في ذات الوقت، يختار السجناء مراقبة سلوكهم لجهلهم بما ينظر إليه الحارس في تلك اللحظة. ويمثل البانوبتيكون كيف تُنشئ السلطة حالة من الرقابة الذاتية تنفي الحاجة لفرض المعايير الاجتماعية بالقوة طالما أن الأفراد "يختارون" اتباع المعايير بشكل ذاتي[92].
تجادل جيل م. وود (Jill M. Wood) أن بالإمكان تمديد مقاربة فوكو لتشمل ما تسميه خطاب الحيض، وهو تصورات سلبية عن الدورة تدفع النساء للحفاظ على سريتها، وتصور المرأة خلال الدورة بوصفها جسدًا ملوثًا، مثيرًا للخزي، وخاضعًا لسيطرة الدورة وما يصاحبها من تقلبات مزاجية ويستلزم رقابة ذاتية مستمرة. ويُبنى هذا الخطاب من خلال معرفة تستند إلى "العلم" والتابوهات الاجتماعية والعادات المتوارثة. كما أنه يُكتسب من خلال مسارات التعليم الاجتماعي المختلفة، مثل العائلة والأصدقاء والمدرسة والوسائط الإعلامية، ويغذي شعورًا بالذنب والعار ولوم الجسد. وبالنهاية يسهم في بناء معيارية سلوكية حيضية (Menstronormativity) تنظم الحيض على المستويين الاجتماعي والفردي، عبر تصنيف سلوكيات النساء خلاله إلى أفعال محمودة ومذمومة.
يسهم خطاب الحيض أيضًا في إنتاج التشييء الذاتي (Self-Objectification). وبما أن المعيار الذكوري يرى الدورة نقيضًا للجاذبية الأنثوية، فإن إخفاءها يعتبر ضرورة من أجل أن تصبح المرأة جذابة ومرغوبة جنسيًا. والتشييء أمر يمكن أن تستشعر النساء ضرورته وفوائده العملية في ظل الثقافة الأبوية، على الرغم مما يصحبه من خطورة[92]..
في ضوء ما سبق، تكتسب النساء بسبب وصمة الحيض عادات وسلوكيات معينة للتعامل مع الدورة. نُشرت في يونيو 2021 نتائج دراسة نوعية أجريت باستخدام نقاشات جماعية مُركّزة مع فتيات وصلن إلى بداية سن الحيض خلال إقامتهن في مخيم للاجئين السوريين في لبنان. وأشارت النتائج إلى أن المشاركات قد غيَّرن عادات وممارسات يومية بالتزامن مع بداية الدورة، كارتداء ملابس داكنة طويلة تغطي أجسادهن بالكامل، وتساعدهن على التعامل مع التوتر الناتج عن تلطيخ نزيف الدورة. وبدأت الفتيات بتفضيل البقاء داخل المنزل خلال فترة الدورة، مع خفض مستوى النشاط البدني - لدرجة التغيب عن المدرسة - للتعامل مع ألم الدورة والوصول بسهولة إلى الحمام لتغيير الفوط الصحية [87].
- اللغة التي تخفي الحيض
ومن العادات التي تكتسبها النساء إنتاج مصطلحات جديدة للتعبير عن الدورة في المجال العام، تعبر عن محاولة تحاشي ذكر المفردات المحايدة مثل "الدورة" أو "الحيض"، واستبدالها بمفردات مجازية بغرض التلطيف. وقد نفذ الاتحاد الدولي لصحة النساء استقصاء شاركت فيه 90 ألف مستخدمة لتطبيق Clue المخصص لتتبع الدورة الشهرية. وجُمع من خلال هذه الاستقصاء قاعدة بيانات تضمنت 5000 مفردة أو تعبير تستخدم كبديل عن مفردة "الدورة" في حوالي 190 دولة حول العالم[97]. وفي بعض الدول العربية تستخدم النساء مفردات مثل "إجتني" للحديث عن بدء مرحلة الحيض بدون ذكر الدورة بشكل مباشر، أو "معذورة" أو "عندها عذر" التي تحيل الدورة إلى مجاز مرتبط بالفقه الديني الذي يعطي المرأة عذرًا شرعيًا للامتناع عن الصلاة والصيام خلال الحيض، أو "بيريود" وهي الترجمة الانجليزية لكلمة "الدورة" وقد تستخدم في اللغة المحكية (العاميَّة) كنوع من التلطيف ولتحاشي استخدام المفردة العربية[98].
وفي لغات أخرى تستخدم مفردات وتعبيرات تربط بين الدورة وصور مجازية تحول الدورة إلى شخص، مثال: العمة فلو (Aunt Flo) في الانجليزية أو العمة الحمراء (Rote Tante) في الألمانية. وأحيانا تكسبها معاني عنيفة مرتبطة بالقتل أو الغزو العسكري، مثال: الإنجليز أنزلوا قواتهم (Les Anglais ont débarqué) أو في ملابسي الداخلية مسرح جريمة (C'est une scène de crime dans ma culotte) بالفرنسية. وغالبًا ما توحي هذه المجازات وغيرها بالفصل بين نزف الدورة وجسم المرأة، والتعامل معه كعنصر خارجي أو دخيل يتم التخلص منه من خلال الحيض، مع التأكيد على طبيعته المؤلمة [99].
- فهم تجربة الدورة
في سياق آخر تصوغ مورين ماكهيو مصطلح أنين الحيض (Menstrual Moaning) لتفسير المشاعر السلبية التي تستثيرها الدورة لدى النساء والفتيات. وتعرفه ماكهيو بأنه شكوى النساء من ألم الدورة ومشاركتهن للتجارب السلبية المرتبطة بها بين بعضهن البعض. وبحسب ما تنقل ماكهيو فإن العديد من الدراسات تثبت استبطان النساء لمشاعر سلبية تجاه الدورة الشهرية بصرف النظر عما إذا كانت هذه المشاعر مرتبطة بالألم أم لا. حيث تبدأ النساء بتشكيل قناعات سلبية تجاه الدورة كتجربة حتى قبل أن تبدأ، فتكون مرتبطة بالتعب والإرهاق والتقلبات المزاجية والمشاعر السلبية، ويرين فيها "لعنة" ولا يقدرن على التعامل معها كعملية طبيعية. وتجادل ماكهيو أن "أنين الحيض" هو محاولة النساء توظيف الشعور بالألم كوسيلة للتعبير عن مقاومة التابو والوصم الاجتماعي والخزي المرتبط بالدورة، وذلك عن طريق خلق تجربة مشتركة بين النساء تسهم في مقاومة الصمت المفروض من خلال الوصم والمحرمات الاجتماعية. إلا أن تحقيق هذه النتيجة يستوجب وجود نشاطية (عمل سياسي) مصاحبة للأنين والشكوى من الألم حتى لا يتحول إلى مجرد استبطان للمشاعر السلبية وتكريس للصور النمطية الذكورية عن الدورة [94]
مصادر
- ↑ تعريف "الدورة الشهرية" في موقع وزارة الصحة في السعودية
- ↑ تعريف عيادات داوي في مصر "للدورة الشهرية"
- ↑ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أرابيكا: صفحة تعريف الدورة الشهرية
- ↑ MSD Manual, Menstrual Cycle
- ↑ American College of Obstetricians & Gynecologists (acog), Premenstual Syndrome (PMS)
- ↑ 6٫0 6٫1 6٫2 6٫3 Emily Martin, The Woman In The Body: A Cultural Analysis of Reproduction , (1987).
- ↑ Miren Guilló-Arakistain, The Palgrave Handbook of Critical Menstruation Studies - Chapter 63: Challenging Menstrual Normativity:, National Library of Medicine (2020).
- ↑ 8٫0 8٫1 Chris Bobel, New Blood: Third-Wave Feminism and the Politics of Menstruation (2010)
- ↑ 9٫0 9٫1 Louise Lander, Images of Bleeding: Menstruation as an Ideology (1989)
- ↑ 10٫0 10٫1 10٫2 10٫3 10٫4 B. Reed and B. R. Carr, The Normal Menstrual Cycle and the Control of Ovulation, Endotext (internet), Last update (8 Aug. 2018)
- ↑ 11٫0 11٫1 Jessica E. McLaughlin،الطمث (الدورة الطمثية)، أدلة MSD (يوليو 2025)
- ↑ ACOG (committee opinion), Menstruation in Girls and Adolescents: Using the Menstrual Cycle as a Vital Sign (Dec. 2015)
- ↑ Lily R Campbell, Ariel L Scalise, Brett T DiBenedictis, Shruthi Mahalingaiah Menstrual cycle length and modern living: a review, Ovid (2021)
- ↑ Jessica A Grieger and Robert J Norman, Menstrual Cycle Length and Patterns in a Global Cohort of Women Using a Mobile Phone App: Retrospective Cohort Study, Journal of Medical Internet Research (24 June 2020)
- ↑ Ana K Rosen Vollmar, Shruthi Mahalingaiah, Anne Marie Jukic The menstrual cycle as a vital sign: a comprehensive review
- ↑ Heavy menstrual bleeding - Clinical Guideline January 2007 Funded to produce guidelines for the NHS by NICE, ص35
- ↑ Varsha Jain et al., Uterine bleeding: how understanding endometrial physiology underpins menstrual health, Nature reviews endocrinology (Feb 2022)
- ↑ Tanja Oosthuyse and Andrew N Bosch, The effect of the menstrual cycle on exercise metabolism: implications for exercise performance in eumenorrhoeic women, Sports Medicine (March 2010)
- ↑ Jianzhao Zhang et al., The effect of exogenous estrogen on depressive mood in women: A systematic review and meta-analysis of randomized controlled trials, Journal of Psychiatric Research (June 2023)
- ↑ Mai-Linh Nguyen et al., Physiological Changes in Women’s Skin During the Menstrual Cycle: A Scoping Review, Cureus (Dec 2024)
- ↑ 21٫0 21٫1 Sonia Tucci, Effects of Female Sex Hormones on Appetite and Food Intake, In: M. Gosselin (ed,), Menstrual Cycle: Signs and Symptoms, Psychological/Behavioral Changes and Abnormalities (Chapter IV), Nova Biomedical (2013)
- ↑ ASRM, Diagnosis and treatment of luteal phase deficiency: a committee opinion (June 2026)
- ↑ Brij Saxena, hCG Production by Non-Placental Tissue and Its Significance, In: Sheldon Segal (ed), Chorionic Gonadotropin (pp. 465 - 489), Springer Nature (1980)
- ↑ Eve Lepage, Sore breasts before your period: causes and relief, Clue App (last updated 19 Aug 2025)
- ↑ Fiona Baker et al., Temperature regulation in women: Effects of the menstrual cycle, Temperature (March 2020)
- ↑ Susan Marsh and David Jenkins, Physiological responses to the menstrual cycle: implications for the development of heat illness in female athletes, Sports Medicine (2002)
- ↑ Melissa J. Benton et al., Effect of menstrual cycle on resting metabolism: A systematic review and meta-analysis, Plos one (July 2020)
- ↑ 28٫0 28٫1 28٫2 28٫3 28٫4 Karen Carlson et al., StatPearls [Internet]: Dysmenorrhea, NIH/NLM (Jan 2026)
- ↑ 29٫0 29٫1 Urszula Tataj-Puzyna et al., Women’s experiences of dysmenorrhoea – preliminary study, Menopause Review (Oct 2021)
- ↑ Rachael J. Consoli and Karen Carlson, StatPearls [Internet]: Endometriosis, NLM/NIH
- ↑ Managing premenstrual syndrome (PMS), RCOG (March 2018)
- ↑ Celeste Ojeda Hemingway, Premenstrual Syndrome, MedScape (Last update 05 Apr 2024)
- ↑ 33٫0 33٫1 33٫2 Pratyusha R. Gudipally and Gyanendra K. Sharma, StatPearls [Internet]: Premenstrual Syndrome, NLM/NIH (Last update 17 July 2023)
- ↑ Cristina S. Richie, Not Sick: Liberal, Trans, and Crip Feminist Critiques of Medicalization, Bioethical Inquiry (29 June 2019)
- ↑ Andrea Ford et al., The medicalisation of menstruation: a double-edged sword, Wellcome Open Research (Sep 2025)
- ↑ 36٫0 36٫1 Jada Wiggleton-Little, “Just” a painful period: A philosophical perspective review of the dismissal of menstrual pain, Womem's Health (May 2024)
- ↑ A. K. Agarwal and A. Agarwal, A Study of Dysmenorrhea During Menstruation in Adolescent Girls, Indian Journal of Community Medicine, Via Ovid (Jan 2010)
- ↑ Matthijs Fakkel et al., Gender disparities in healthcare access persist even in more equitable societies: A multilevel assessment across 29 countries, Health Policy Via Science Direct (April 2026)
- ↑ Pauline De Corte et al., Time to Diagnose Endometriosis: Current Status, Challenges and Regional Characteristics—A Systematic Literature Review, British Journal of Obstetrics and Gynaecology (7 Oct 2024)
- ↑ Susan E. Bell, PREMENSTRUAL SYNDROME AND THE MEDICALIZATION OF MENOPAUSE: A SOCIOLOGICAL PERSPECTIVE, In: Benson Ginsburg and Bonie Frank Carter, Premenstrual Syndrome: Ethicl and Legal Implications on a Biomedical Prespective, Plenum press (1987)
- ↑ Tamara Kayali Browne, Is premenstrual dysphoric disorder really a disorder? Journal of Bioethical Inquiry (28 August 2014)
- ↑ Rocío Fortún-Rabadán, Facilitated Central Pain Mechanisms Across the Menstrual Cycle in Dysmenorrhea and Enlarged Pain Distribution in Women With Longer Pain History, The Journal of Pain Via Science Direct (Sept 2023)
- ↑ T Saltveit, Piroxicam in primary dysmenorrhea, Acta Obstetricia et Gynecologica Scandinavica (1985)
- ↑ Brandon Cohen and Charles V. Preuss, StatPearls [Internet]: Celecoxib (Last Update 28 Feb 2024)
- ↑ J. Marjoribanks, Nonsteroidal anti-inflammatory drugs for dysmenorrhoea, Cochrane (30 July 2015)
- ↑ Jennifer Rainey Marquez, Could My Meds Affect My Period? WebMD (12 Feb 2026)
- ↑ Kathryn A. McKenna and Corey D. Fogleman, Dysmenorrhea, American Family Physician (2021)
- ↑ Drugs.com, Naproxen Side Effects (for professional use) (Last updated 8 Oct 2025)
- ↑ Keltman Pharmaceuticals Inc., Naproxen Tablets, USP (Lable), Via Daily Med (Revised Oct 2010)
- ↑ Daily Med, IBUPROFEN tablet, film coated (Updated 6 May 2026)
- ↑ 51٫0 51٫1 Rupalakshmi Vijayan, Dysmenorrhea: Treatment & Management, MedScape (updated 10 Apr 2025)
- ↑ Porjai Pattanittum et al., Dietary supplements for dysmenorrhoea, Cochrane Database of Systematic reviews (March 2016)
- ↑ Konstantina Davaki, Gender Inequalities in Medical Research, Drug Development and Access to Care, FEMM EU Parliament (Nov 2025)
- ↑ Esther Chen et al., Gender disparity in analgesic treatment of emergency department patients with acute abdominal pain, Academic Emergency of Medicine (May 2008)
- ↑ Bibi Fatima Choonara et al., Holistic approach to dysmenorrhea management: Integrating pharmacological and non-pharmacological interventions for improved women’s health in the Middle East and Africa, BMC Women's Health (19 Nov 2025)
- ↑ WHO, WHO consolidated guideline on self-care interventions for health: sexual and reproductive health and rights, Semantic Scholar (2019)
- ↑ Robert Crawford, Healthism and the Medicalization of Everyday Life, Sage Journals (July 1980)
- ↑ "Fran Michel, “Healthism”: A Neoliberal Version of Wellness, Solidarity (9 Dec 2012)
- ↑ Mary Kaldor, New and Old Wars, Polity (2012)
- ↑ Matteo Pinna Pintor et al., The impact of economic sanctions on health and health systems in low- and middle-income countries, WHO (2023)
- ↑ MSF, Syria: Medicine as a weapon of persecution (8 Feb 2012)
- ↑ Legacy for women, Is Stress Affecting My Menstrual Cycle? Understanding the Connection (19 Sept 2024)
- ↑ مسلك، ضرورية لكنها محظورة: السياسة الإسرائيلية بشأن إدخال المواد “ثنائية الاستخدام” إلى غزة (17 مارس 2026)
- ↑ Rachel Dixon, 'We feel paralysed': Women in Gaza use strips of tents as period products, itvNEWS ( 20 Jan 2024)
- ↑ Bilal Hamamra, Gazan women’s struggle for menstrual health and dignity during genocide, BMC Women's Health (Nov 2025)
- ↑ SIHA Network, Periods Don’t Stop for War! Stand with Sudanese Women and Girls: They Need Your Help Now! (27 Nov 2023
- ↑ UN News, “Every time my period comes, I wish I wasn’t a girl”: Life in Gaza without water, sanitary pads, or privacy (28 May 2025)
- ↑ Chantal Barney et al., Challenges in pain assessment and management among individuals with intellectual and developmental disabilities, Pain Reports (June 2020)
- ↑ Doaa Osman et al., Dysmenorrhea and its associated symptoms among girls with special needs in Upper Egypt: an exploratory study, Journal of The Egyptian Public Health Association (Oct 2025)
- ↑ Meredith Wise et al., Gynecologic conditions in the context of incarceration: A scoping review, International Journal of Gynecology and Obstetrics (27 Feb 2026)
- ↑ يمنى القاضي، “دماء في السجن”: الدورة الشهرية أداة إذلال السجينات في مصر، درج ميديا (16 نوفمبر 2020)
- ↑ المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الدورة الشهرية في السجون (8 مارس 2019)
- ↑ ميس حجاوي، الأسيرة الحائض..تفاصيل آلام قاسية خلف القضبان، المحرر (2 نوفمبر 2024)
- ↑ Sam Jeffrey et al., Transgender and gender diverse people with endometriosis: A perspective on affirming gynaecological care, Women's Health (May 2024)
- ↑ Juno Obedin-Maliver, Pelvic pain and persistent menses in transgender men, UCSF Gender Affirming Health Program (17 June 2016)
- ↑ A. J. Lowik, “Just because I don't bleed, doesn't mean I don't go through it”: Expanding knowledge on trans and non-binary menstruators, International Journal of Transgender Health (25 Sept 2020)
- ↑ Brigitte Gerst et al., A Systematic Review of the Prevalence of Endometriosis in Trans Men, JMIG (March 2026)
- ↑ Cheryl Eder and Rizwana Roomaney, Barriers to gender affirming healthcare for transgender and non-binary people with endometriosis, PMC (Aug 2025)
- ↑ Aris Kaltsas et al., Endometriosis in Transgender Men: Bridging Gaps in Research and Care - A Narrative Review, BIOMEDICINES (2024)
- ↑ Erving Goffman, Stigma: Notes on the management of spoiled identity, Prentice-Hall (1963)
- ↑ J. Crocker et al., Social stigma, In: D. T. Gilbert et al. (eds), The Handbook of Social Psychology, 4th ed, McGraw-Hill (1998)
- ↑ 82٫0 82٫1 Ingrid Johnston-Robledo and Joan C. Chrisler, The Menstrual Mark: Menstruation as Social Stigma, In: Chris Bobel et al. (eds.), The Palgrave Handbook of Critical Menstruation Studies, Ch 17, NLM Bookshelf (25 July 2020)
- ↑ Lisa Zuidema et al., From concealment to openness: navigating menstrual etiquette, stigma and shame, SSM - Qualitative Research in Health Via Science Direct (June 2026)
- ↑ 84٫0 84٫1 Sophia Davis, Periods on display, The Lancet (25 Sep 2021)
- ↑ Mark Guterman, Menstrual Taboos Among Major Religions, The internet journal of world health and societal politics (2007)
- ↑ كارولين كامل، المرأة في المسيحية: مشكلة الجسد والدم، مدى مصر (19 يوليو 2017)
- ↑ 87٫0 87٫1 Rayan Korri, Sexual and reproductive health of Syrian refugee adolescent girls: a qualitative study using focus group discussions in an urban setting in Lebanon, BMC's Reproductive Health (June 2021)
- ↑ David Macht and Dorothy Lubin, A Phyto-Pharmacological Study of Menstrual Toxin, The Journal of Pharmacology and Experimental Therapeutics, Via Science Direct (Dec 1923)
- ↑ J.A. Bryant et al., THE SEARCH FOR "MENOTOXIN", The Lancet (02 Apr 1977)
- ↑ Virginia Ernster, "Menstrual Toxin", The Lancet (29 Jun 1974)
- ↑ tilscience, Science’s Most Embarrassing Chapter, youtube video (31 July 2026)
- ↑ 92٫0 92٫1 92٫2 Jill M. Wood, (In)Visible Bleeding: The Menstrual Concealment Imperative, In: Chris Bobel et al. (eds.), The Palgrave Handbook of Critical Menstruation Studies, Palgrave MacMillan (25 July 2020)
- ↑ رحمة سامي، التمرد على "الكيس الأسود".. لا شيء يُخجل في الدورة الشهرية، المنصة (17 ديسمبر 2024)
- ↑ 94٫0 94٫1 Maureen McHugh, Menstrual Shame: Exploring the Role of ‘Menstrual Moaning’, In: Chris Bobel et al. (eds.), In: The Palgrave Handbook of Critical Menstruation (Chapter 32), Palgrave MacMillan (25 July 202)
- ↑ Houda Chabih and Mohamad Elmasry, The menstrual taboo and the nuances of misogyny: Comparing feminine hygiene TV advertisements in the Arab and western worlds, JAMMR (2022)
- ↑ E. A. Kissling, CAPITALIZING ON THE CURSE: The Business of Menstruation, Lynne Rienner Publishers (2006)
- ↑ Clue, Talking about periods: an international investigation findings (13 Nov 2017)
- ↑ أحمد ليثي، أساطير وريبة: الدورة الشهرية في ثقافات العالم، منشور (8 مارس 2018)
- ↑ Clue, Top euphemisms for “period” by language (14 Nov 2017)