وثيقة:كي لا يضيع مفهوم الحرية

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

240عنصورة
مقالة رأي
تأليف حلا مرشود
تحرير غير معيّن
المصدر جدلية
اللغة غير معيّنة
تاريخ النشر 2017-12-16
مسار الاسترجاع http://www.jadaliyya.com/Details/34869/كي-لا-يضيع-مفهوم-الحرية
تاريخ الاسترجاع 2018-01-01



قد توجد وثائق أخرى مصدرها جدلية



"ما يمكن أن نتعلمه من ماركس، والذي يمكننا من تقييم وضعنا السياسي والاجتماعي، هي النظرية التي تنظر إلى الطريقة التي يطمس بها العالم الرأسمالي حريتنا، يضعها تحت الخطر ويقضي عليها". (ويليام كلير روبترس، بتصرف).

لقد حققت الرأسمالية حلمها بالتحول إلى نظام نيو-ليبرالي. تغيّر التوجهات النيوليبرالية الواقع الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي مستعينًة بخطاب يؤثر بدوره على الممارسات الاجتماعية والحياة اليومية للأفراد، خاصًة في كل ما يتعلق بخصخصة الحالة الاجتماعية والسياسية. لم يكن بالإمكان إتمام هذا المشروع السياسي- على حد قول عالم الإنسان دافيد هارفي- دون استخدام مفهوم الحرية. سنركّز في هذه المادة على الخطاب النيوليبرالي (مع الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات على البنى التحتية الاقتصادية لهذا الخطاب)، واستخدام هذا الخطاب لأكثر المفاهيم التي نعتقد أنها واضحة وبديهية، وهي مفهوم الحرية، والذي سنعيد مراجعته وقراءته أيضًا من خلال هذا النص. سيتم التركيز تحديدا على المشهد الفلسطيني، وعلى الجنسانية والنسوية في فلسطين بشكل خاص فيما يتعلق بالخطاب النيوليبرالي الآخذ بالتصاعد وتأثير الخطاب على الممارسات الاجتماعية والسياسية.

للنيوليبرالية تأثيرات اقتصادية فعلية أكبرها تعميق الفجوات بين الطبقات الغنية والطبقات الفقيرة، القضاء على دولة الرفاه وخصخصة الخدمات الاجتماعية. السياسات النيوليبرالية غير منفصلة عن الخطاب النيوليبرالي الذي ينظم من جديد الأفراد والمجتمع لما يملكه من منطق سياسي له إسقاطات مجتمعية كبيرة، والسوق لا يحكم فقط الجوانب الاقتصادية، إنما ايضًا الساحات السياسية، الاجتماعية وحتى الشخصية، فخصخصة السوق تؤدي إلى خصخصة الصراعات الاجتماعية والسياسية الجماعية لتتحول إلى صراعات فردية لها علاقة بالحرية الشخصية والفردية وبالإمكان إيجاد حلولها في السوق. بالتالي، يمكن اعتبار النيوليبرالية بالأساس نمط إنتاج رأسمالياً ذا خطاب اجتماعي وسياسي. إن هذا هو أعمق التأثيرات الاجتماعية التي خلفتها النيوليبرالية، وهي الفردانية وتقديس حرية الاختيار، ليتحول كل صراع ناتج عن قمع بنيوي ومتجذر إلى صراع فردي له علاقة باختيارات الفرد.

إسقاطات أخرى، خاصة في حالتنا الفلسطينية، لها علاقة بمؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في العالم، وفي فلسطين تحديدًا في أعقاب اتفاقية أوسلو وتعظيم السياسات النيوليبرالية والاعتماد على الممولين الأجانب والمؤسسات الغير ربحية. يقول الباحث طارق دعنا إن هذا الاعتماد حوّل المؤسسات الاجتماعية من مؤسسات تسعى نحو نضال جماعي وكجزء من حركة تحرر شعبية إلى نضال بايدي أفراد يعملون وفق متطلبات السوق والعمل، وحوّل النضال من نضال مسيّس إلى نضال فردي لا يسعى لأن يكون جزءاً من بناء الوعي المجتمعي، الشعبي والسياسي. لازدياد المؤسسات الغير ربحية، والتي تسعى عادة إلى المهنية على حساب النشاط السياسي والاجتماعي، تأثير على الواقع الطبقي والاقتصادي للشعب الفلسطيني، إذ تدعي الباحثة ريما حمامي إن تطور المؤسسات الغير ربحية في مناطق الضفة على وجه الخصوص يؤدي إلى زيادة الفروقات الطبقية وخلق طبقة وسطى وما فوق تعيش من معاشات المؤسسات العالية مقارنًة بالأعمال في السوق العامة. هذه هي بعض عواقب هذا الواقع الذي نراه الآن والذي تطور بفضل النيوليبرالية. قبل التعمق في هذه العواقب، من المهم بدايًة أن نلقي الضوء على مفهوم الحرية المُستخدم لدى كثيرين في الخطاب النيوليبرالي ونعرض سرداً بسيطاً للتعريفات المختلفة التي أعطيت لهذا المفهوم.

قد يكون مفهوم الحرية هو أكثر مفهوم استخدم في الخطاب النيوليبرالي كي يحصل على شرعية وكي يعرض نفسه كحامي الحريات وليس كالنظام الهدّام الذي يعمق الفجوات الطبقية ويزيد الفقر في العالم، متجاهلًا استحالة الحرية في واقع يملأه الفقر والقمع الطبقي. نقطة الانطلاق هي أن الحرية أمر يرغب به الجميع، لذلك هو أمر بات واضحاً و بديهياً وينادى به في جميع أنحاء العالم، وأهم حرية هي حرية الأفراد وحرية اختيارهم. وهنا يقع على عاتقنا أن نعيد قراءة وتحليل مفهوم الحرية. يقول الباحث دافيد هارفي إن النيوليبرالية عرضت قيم ومفاهيم الحرية الفردية كقيم أساسية بعد ان طُمست على يد أنظمة وخطابات شمولية أكثر فرضت حكماً جماعياً سيطر على الأفراد، ولذلك تحوّلت فكرة النيوليبرالية إلى فكرة جذابة وتحررية. لقد قيل الكثير عن الخطاب النيوليبرالي، أيضًا من قبل مفكرين لم يكن لهم موقف محسوم وواضح من النيوليبرالية ولم يتحدثوا عن النيوليبرالية من وجهة نظر طبقية بالذات إنما كتحليل خطابي، كميشيل فوكو على سبيل المثال. يقول فوكو إن هذا النظام العصري الجديد (النيوليبرالي) "الانسيابي" كان بحاجة الى الحرية كي يضمن عمله، فالحرية كانت إحدى ظروف نشوء الأنماط هذا النوع من الرأسمالية.

يمكننا أن نسأل من هي الشخصيات التي تنعم بهذه الحرية وبالتالي تنعم بالاستمتاع بالسوق، إيجاد اوقات الفراغ وحتى تلك التي لديها الحرية بأن تحمي نفسها من جشع الشركات الخاصة. لننظر إلى خطابات ميلتون فريدمان على سبيل المثال، وهو اقتصادي وسياسي أمريكي ويُعتبر من أشد المؤيدين للاقتصاد الحر، فنرى أن ما يقع في صلب خطابه هو "الحرية". بل وأكثر من ذلك، أن الرأسمالية والسوق الحرة هما الطريق للوصول إلى التحرر السياسي. على أرض الواقع، نرى العديد من الخطابات الاجتماعية التي تأثرت من النيوليبرالية والتي تزداد قوًة، حتى في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وهو ما سنراه لاحقًا، كخطاب التنوع وتعدد الثقافات، الذي سنتناوله وننظر الى إشكاليته وطرق استخدامه من قبل "اسرائيل" والمجتمع الاسرائيلي عمومًا، خاصًة تجاه النساء و المتحولين جنسيًا.

يذكرّنا طرح فريدمان بالحالات التي تم فيها استنساخ التوجهات العالمية إلى المحلية، كالحالة الفلسطينية على سبيل المثال. فإذا نظرنا مثلُا إلى سلام فياض، والذي يُعتبر أكبر المروجين للمشاريع النيوليبرالية، نراه مُستخدمًا هو الآخر مفهوم الحرية، مدعيًا أن التحرر الشعبي، الذي ينادي به الشعب الفلسطيني منذ أكثر من سبعين عاماً، هو السلام الاقتصادي. قد يبدو هذا الطرح منطقياً وصحيحاً للبعض، لكن يبقى السؤال هنا، أي نوع من السلام الاقتصادي وكيف نحصل عليه؟ إذ أن مشاريع فياض ورؤيته للسلام الاقتصادي أدت في نهاية المطاف إلى خلق طبقة رأسمالية فلسطينية جديدة بينما بقيت شرائح أخرى من المجتمع تحارب يوميًا من أجل لقمة العيش. لكن الأمر لا ينتهي هنا، فمع ازدياد هذه المشاريع، تزداد أيضًا قدرة "إسرائيل" الاقتصادية ويزداد التطبيع الاقتصادي معها، فإن كان المهم هنا هو السلام الاقتصادي، بمعزل عن السياسي، فيصبح التعامل اقتصاديًا مع إسرائيل شرعياً ومتاحاً. بالاضافة الى ذلك، عززت النيوليبرالية من دعم الشركات الكبرى للمشروع الاستيطاني، والذي يتجلى أيضا في حقيقة أن إسرائيل قد تحولت إلى بؤرة للإنتاج الصناعي العسكري والتي تصدّره إلى العالم، وبات من السهل انتشار السلاح والعسكرة التي تستفيد منها أكثر الانظمة القمعية والديكتاتورية في العالم.

السيطرة العسكرية الإسرائيلية الآخذة بالتطور والتوجهات الاقتصادية الجديدة التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية داخليًا من جهة، مع ازدياد تدفق الأموال الخارجية والمؤسسات الغير حكومية في مناطق الضفة من جهة أخرى، جميعها مركبات تؤثر على واقع الشعب الفلسطيني السياسي والاجتماعي، هذا بالاضافة إلى حقيقة أن غالبية الاقتصاد الفلسطيني ما زال رهينة الاقتصاد الإسرائيلي، ويرافق هذه الحالة استغلال للأيدي العاملة الفلسطينية والموارد البشرية. وبالتالي لا يمكن أن تكون النيوليبرالية وسيلة للتخلص من الاحتلال، بل هي تحقق الأرباح له ولنخبة فلسطينية معينة، وتتطور عبر استغلال مناطق الصراع. نرى نوبات النيوليبرالية في كل من ممارسات رؤوس أموال الفلسطينيين الذين يعملون على تدمير ما تبقى من أي حاضنة شعبية، كما عملت النيوليبرالية في العديد من المناطق في العالم، وفي الممارسات الداخلية الاقتصادية لرئيس الحكومة الصهيوني نتنياهو الذي يثبت لنا من جديد تقاطع الاستعمار مع الرأسمالية والأرباح الاقتصادية، وتعزيز الرأسمالية للاحتلال.

يقول الباحث توفيق حداد في كتابه "فلسطين المحدودة: النيوليبرالية والوطنية في الأراضي المحتلة"، إن السياسات النيوليبرالية المتبعة من قبل السلطة الفلسطينية هي استمرار للاستعمار الصهيوني، وكلاهما وجه من أوجه الرأسمالية العالمية. إن الاقتصاد الذي يقع بين أيدي الفلسطينيين هو بالواقع في أيدي النخب الاقتصادية وأفراد من الطبقة الاقتصادية الغنية، والمشروع الصهيوني هو مشروع استعماري احتلالي يعتمد على إلغاء الاخر ونهب الأرض الفعلي، ولا ينسى أن يستغل النهب لجني الأرباح التي تعزز وتزيد المشروع قوة وتزيد الفلسطيني فقرًا، مشكلًا بهذا دوامة يصعب الخروج منها، أو بالأصح دوامة لا يريد الخروج منها. من الضروري فهم طبيعة علاقتنا مع النظام الاستعماري، فالهدف هنا ليس الادعاء أن علاقة الفلسطينيين بالدولة الصهيونية هي كعلاقة المُشغّل والعامل، إنما الادعاء أن الاستثمار والاستغلال الصهيوني للأرض هو شكل من أشكال الرأسمالية الاستعمارية، والذي يتخذ أشكالُا عديدة.

إسقاطات الواقع الاقتصادي على الفلسطيني/ة هي عديدة، مركبة ومتنوعة، كما رأينا سابقًا، وسيحاول النص أن يُلقي الضوء على جانبين أساسيين لهذه الإسقاطات في عصرنا هذا: تأثير السياسات الاسرائيلية على الفلسطيني/ة، كخطاب اولًا والذي لا يكون منفصلاً عن تأثيرات النيوليبرالية كنظام اقتصادي بالأساس يعتمد على نمط الإنتاج الرأسمالي، والطرق التي يتجلى بها هذا الخطاب عبر المجتمع الإسرائيلي وتعامله خاصًة تجاه المرأة الفلسطينية و الكويريين/ات الفلسطينيين/ات، وتاثير ثقافة الاستهلاك المعاصرة المستشرية في العالم وتأثير كل هذه الظروف على النضال الاجتماعي النسوي أو الكويري وعلى فكرة الحرية وخطاب الجنسانية بشكل عام.

كما ذكرنا سابقًا، لم تعمل النيوليبرالية في العالم كله على خلق حالة من التوحش الاقتصادي فقط، بل عملت أيضًا على مركزة الفرد وتحويله إلى كيان حر باختياراته وسلوكه، فلا شيء قد يمنع الفرد من المشاركة في هذه السوق العالمية وتذوق الاستهلاك على أشكاله، ويتم هنا تناسي الحالة الاجتماعية والطبقات التي ما زالت تقبع تحت الاستعمار المباشر والتي لا تملك القدرات والامتيازات ولم تنته من حل صراعاتها. فيمكننا أن نتساءل هنا، من هي الشخصيات وما هي الحاجات الإنسانية التي يمكن ان تظهر في هذا الفضاء؟ بل وأكثر من ذلك، ماذا يعني هذا الظهور أصلًا؟ يضع هذا الواقع علامة استفهام كبيرة على مفهوم "الحرية" الذي نستخدمه دومًا، ويعيدنا إلى التفكير مجددًا بمعناه وإمكانية تقاطعه مع المساواة والتكافل الاجتماعي التي نادت وتنادي بها حركات نسوية وتحررية راديكالية عديدة على مر التاريخ. الادعاء الأساسي هنا هو أن تحقيق الحرية لا يتم الّا بتحقيق العدالة الاجتماعية وتعميمها على جميع الأفراد، وسنتوسع حول هذه النقطة فيما بعد.

بوسعنا هنا أن ننقل النقاش إلى الساحة اليومية، لنرى إسقاطات هذا الواقع المعقد والمرّكب. مثال على ذلك، قد تتيح هذه المساحة ظهور هوّيات معينة، كالهوّيات الجنسية، كوحدات مرّت بعمليات تنميط وباتت تُسوق لنا على أنها هويات جاهزة لها مميزاتها الخاصة والثابتة. إن هذا التنميط للهوية يتم وفق معايير استهلاكية يحددها النظام الرأسمالي والذي يحدد ما هي "الاحتياجات" البشرية "الشرعية" للإنسان وما هو شكلها، ومن الذي يمكنه أصلًا أن يحمل هوية معينة. هذا التوجه هو الذي قد يقود حركات تحرر مثلية ونسوية وغيرها إلى اتباع سياسة الهوية التي تبني "نجومًا" و تؤطر الأفراد في قوالب جاهزة، بدلًا من السعي نحو توجه كويري جذري يسعى لتفكيك الهويات ويسعى نحو توجه تقاطعي- أي الإيمان بأن البنى القمعية (الطبقية، العرقية، الجندرية...) تعمل سويًة وليست منفصلة عن بعضها البعض، على الرغم من أنه يجب أن نفهم سياقنا الفلسطيني المعقد وننتبه لعمليات صياغة الهوية الفلسطينية التي تشكّل في الكثير من الأحيان أساساً متيناً للعمل السياسي، فالهدف هنا أن تكون النظرية الكويرية متقاطعة مع الهم الفلسطيني الشعبي وهنا تكمن مسؤوليتها في الملاءمة بين هذه المركبات. إن هذا الواقع الذي يتحول فيه التركيز على الأفراد هو ما قد يجعلنا نرى استغلال للمثليين/ات أو النسويات الفلسطينيات الذين يسعون لقبولهم في فضاء المجتمع الإسرائيلي، عبر استغلالهم لقصصهم الشخصية وظروفهم الصعبة ليتم عرضهم كسلع في هذه المساحة الاستهلاكية ولكي يتعاطى معها المجتمع الإسرائيلي، والذي يتغذى من الادعاء أن "اسرائيل" هي مساحة متنوعة، متعددة ثقافيًا و مشتركة تنعم بال"حرية" وتعطي الفرد قابلية للتفاعل والتحرك الغير منضبط.

إن "تسليع الذات" و"تسليع الآخر" هما تصرف نيو- ليبرالي صارخ تملأه نزعة الفيتيشية، تتجذر فيه النيوليبرالية لتصبح الرؤية للحرية متجاهلة للتاريخ، ولأي نوع من الفروقات الطبقية والاجتماعية والسياسية البنيوية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، وبالأخص أكثر فئاته تهميشًا وإقصاءً والتي تعاني من الإسقاطات المضاعفة، ويصبح التركيز على "التعددية-الثقافية" بدلًا من التركيز على السياق الاجتماعي- السياسي العام لأولئك الأفراد. بالإضافة إلى ذلك، المثليين/ات من الاسرائيليين/ات الذين يعتبرون أنفسهم "راديكايليين/ات" يتعاملون مع المثليين/ات الفلسطينيين/ات بنوع من ثقافة "التآخي"، مع محاولة لخلق هوية عابرة للهويات الوطنية، وكأن المثلي الفلسطيني والمثلي الإسرائيلي وأي مثلي في العالم هم متشابهون، كما ادعى أحد النشطاء الإسرائيليين في مقال له في "هاارتس": "هذه الهوية مبنية على تاريخ مشترك، الذي يشمل مآسي الكراهية و الإقصاء وفي بعض الأحيان مميزات ثقافية ولسانية مشتركة...في نهاية المطاف، القصة المركزية لكل مثلي/ة إسرائيلي/ة ومثلي/ة فلسطيني/ة هي متشابهة". بتعبير آخر،الافراد أيضًا يمروّن بسيرورة العولمة هذه. في جميع الحالات المذكورة أعلاه، يتحول المثلي/ة الفلسطيني/ة إلى اداة، إلى مجرد صورة، وإلى سلعة.

الخطر هنا هو أن يتحول النضال من نضال يسعى لحل المشكلة من جذورها ويرى القمع مرفوضاً بكل أشكاله، إلى نضال نحو الظهور المريح والذي يستفيد منه القامع عادًة الذي كان أحد أسباب تكوّن المشكلة من الأساس، وبهذا يكون السعي نحو التفاعل مع النظام القائم بدلًا من تغييره، ككل صناعة "الكويرية الوردية" التي عملت على إنتاج ثقافة استهلاكية منفصلة للمثليين/ات وتشمل مطاعم، ومقاهي، وملابس الخ، وبالتالي تحويل الصراع المثلي إلى جزء من ثقافة الاستهلاك. هنا، في حالتنا، يتحول الجنس والجسد الفلسطيني ليس فقط إلى مُستغل من قبل المُستعمر ليعزز فوقيته ويزيد من تدفق السياحة والدعم المادي ل"إسرائيل" كما يحدث ضمن مشاريع " الغسيل الوردي" الإسرائيلية (كالمسيرة السنوية المقامة في تل أبيب على سبيل المثال)، أو كما ادعى صحفي في مجلة "تام ااوت" الإسرائيلبة "الجنس (بين اليهودي والعربي) قد يُشكل في بعض الأحيان جسراً فوق مياه هائجة"، وقد يشكل أيضًا جنساً وجسداً قابلين للبيع والاستهلاك، وبارعين بالبيع والاستهلاك، وهنا يتم استهلاك هذه الأجساد لأهداف اقتصادية ترافق عمليات تعزيز المستعمر لفوقيته. في هذا السياق، يتحدث الكاتب مهدي عامل، وأيضًا الباحثة بل هوكس، عن "المثقف الهامشي" و"المساحة الهامشية" وهي تلك المساحة التي نخلقها لأنفسنا ويمكن أن ننشط ونعمل فيها بإبداع، بعيدًا عن النظام القائم وليس من خلاله، وهو الهامش الذي فيه لا ينتظر شرعية أو اعتراف من أحد ومن أصحاب السلطة والقوة، وهو نشاط لا يقبل بمعايير النظام القائم وربما السعي يجب أن يكون نحو بناء هذه المساحات بدلًا من الانزلاق نحو خطاب "التعددية- الثقافية" الآخذ بالتطور والذي تستعين به "إسرائيل" كي تحتوي النساء الفلسطينيات، الشباب الفلسطيني، والمثليين/ات الفلسطينيين/ات. إن التحدث عن الهوية الجنسية والنضال الاجتماعي لا يُهدد إسرائيل طالما لا يدمج البعد السياسي الرافض للكيان الصهيوني. يبقى الهدف هنا هو ضمان تكوّن هذه المساحات الهامشية لدى جميع الطبقات والفئات في المجتمع، ولا يحدث ذلك إلّا بضمان الإمكانيات المتساوية للجميع.

ظاهريًا، لا يهم النظام النيوليبرالي أي شخصيات تدخل وتخرج إلى الفضاء الواسع طالما هنالك استمرارية للسوق، وكما تدعي الباحثة روزماري هنسي، يمكننا أن نعتبر أن النظام الرأسمالي لم يعد يعتمد على تقسيم عمل مبني على التفرقة الجندرية، لكنه يبقى تقسيم عمل مبنياً على التفرقة. في الحقيقة، الطبقة الاجتماعية، الاحتلال والسياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة التي يؤثر عليها المشروع النيوليبرالي ذاته ما زالت تؤثر على الأفراد وعلى إمكانياتهم. فإن كنّا نتحدث دومًا عن الجسد الفلسطيني تحت الاستعمار، علينا أن نعي الآن أن التوجهات الاقتصادية لها الأثر الأكبر في تعزيز هذا الاستعمار وبالتالي تعزيز استعلائية وقوة المجتمع الإسرائيلي وإسقاطات هذا الواقع على الجسد والهوية. الآن، وأكثر من أي وقت مضى، بات علينا أن نبني مشروعاً تحررياً يرى بأن الحرية على أنواعها، ومنها الجنسية، هي حاجات تُمارس، وهي تمارس من خلال المجتمع، وفي هذا الواقع، فقط فئات معينة تملك القدرة على ممارستها بحرية، وهي بالتأكيد ليست الفئات القابعة تحت الاحتلال المباشر والسيطرة الأبوية والمُستعبدة من قبل المتطلبات المعيشية والفئات التي ما زال هذا النظام يحظر ظهورها ويحرمها أصلًا من حاجاتها الأكثر أساسية، وفي ظل هذا الواقع الذي نتحدث فيه عن مجتمع غير متماسك تصعب فيه ممارسة الحريات، ناهيك عن دور الرأسمالية في هدم وتخريب المكون الأساسي للهوية والإنسان، الأرض. وفي حالتنا، تدمير الأرض، مع ابقاءنا رهائن للاقتصاد الإسرائيلي الذي يزيدنا فقرًا، وتبني توجهات نيوليبرالية فلسطينية تؤدي إلى عدم التسييس الاقتصادي وإلى خطاب تحرر وتغيير اجتماعي ينزع الطابع السياسي الثوري عن الصراعات ولا يعمل على بناء مجتمع متين وموحد يمكّن أفراده من تلبية الاحتياجات، وتوجهات "إسرائيل" الاقتصادية والسياسية الجديدة وانهزامية بعض الشخصيات التي تستغل المساحات الإسرائيلية لتشويه صورة النساء الفلسطينيات أو الكويريين/ات الفلسطينيين/ات جميعها عوامل علينا أن نأخذها في عين الاعتبار حين نطمح إلى بناء خطاب اجتماعي سياسي تحرري يسعى لتفكيك البنى القمعية المتداخلة ببعضها البعض وضرب علاقات القوى التي فرضها الاستعمار والرأسمالية، لا أن نأخذ النيوليبرالية المستغِلة للحرية مرآة نضالنا، فكما رأينا لدى نتنياهو، تُؤدي السياسات النيوليبرالية هنا إلى تغذية المساحة الاستهلاكية الثقافية للمجتمع الإسرائيلي وتعزيزها، والمزيد من العسكرة والاستثمار في الاستيطان وتحويل المنطقة إلى بؤرة استعمارية-تجارية كبيرة، وكما رأينا لدى السلطة الفلسطينية فإن النيوليبرالية عززت من قوة "إسرائيل" وفئة معينة من المجتمع وخلقت ثقافة استهلاكية لتتغلب على ثقافة المقاومة والتحرر من الاستعمار، وهذا عدو أي حرية ممكنة.

نقف هنا في واقعنا المحلي والخاص أمام مؤسسة فريدة من نوعها، التي بنيت على عقيدة صهيونية متينة والتي تبلور الآن جهازاً اقتصادياً يتماشى مع التغييرات لكن يحافظ على الهدف الأساسي للصهيونية، وهو النهب المستمر للأرض، مستعينًا بالنخب الاجتماعية ليس فقط الأسرائيلية بل أيضاً بجزء من النخب الفلسطينية التي تملك قوة أكبروبالجهاز الأبوي الفلسطيني أيضًا كي يقوم بتفكيك المجتمع ومنع أي إمكانية لتطور طبيعي، ومن يقع الضحية الأكبر لهذا الوضع هم الفئات الأكثر تهميشًا في المجتمع المحلي، كالنساء أو المثليين/ات الذين يقعون ضحية العنف المضاعف من قبل المجتمع والاستعمار، وهم ايضًا أكثر من يحاول المجتمع الإسرائيلي والكيان الصهيوني أن يستعين بهم. يحاول النقاش هنا أن ينظر إلى جميع إسقاطات الاستعمار الإسرائيلي والرأسمالية العالمية على المجتمع الفلسطيني من دون تهميش أو استثناء الإسقاطات الاقتصادية-الاجتماعية على الصعيد اليومي للفلسطينيين والفلسطينيات، الغلاف الخطابي الذي يؤطر هذه السياسات، ونحو بناء رؤيا مستقبلية للتحرر الفلسطيني في إطار نسوي متين. السرد لوضعنا الاقتصادي التاريخي والحالي على سبيل المثال هو ضروري من أجل أن نعي أننا كشعب وكمجتمع لم نملك أي إمكانية للتطور والتمتع بصيرورة مجتمعية تسمح لنا بالعيش حتى على الأصعدة التي نعتبرها أساسية جدًا لأي انسان، ويفشل خطابنا إن لم يعِ هذه الجوانب.

في إحدى المحاضرات التي ألقاها الباحث فارس جقمان حول الاقتصاد السياسي، قال(بتصرف): "يكون فهمنا ووعينا للرأسمالية هاماً في تكوين رؤيتنا لما بعد التحرير". يصبح هذا الادعاء مهماً بشكل مضاعف حينما نبني خطابنا النسوي والكويري الذي يقع تحت خطر الانزلاق نحو الفردانية ليتماشى مع الرأسمالية ومع الاستعمار، اللذين لا يريدان شعوباً ومجتمعات موحدة تملأ الشوارع مطالبة بحقوقها. علينا ان نطمح لأن تشكل نسويتنا وخطابنا الكويري خطاباً شاملاً نستطيع من خلاله تخيل فلسطين ما بعد التحرير تنعم بالتكافل الاجتماعي والمساواة الاجتماعية والمساواة بين جميع البشر. فهل نريد أن نكون نظاماً رأسمالياً بأيدي البرجوازيات، كما يقول الباحث باتريك بوند حدث في جنوب افريقيا، والتي تعتبر أكبر الأمثلة للتحرر، بسبب المساومات الاقتصادية بين القوى السابقة والحالية وتمسك النخبة البرجوازية بالحكم، أم أن نسويتنا هي النسوية العضوية، التي تؤمن بالعدالة الاجتماعية والتي ترى نفسها جزءاً من عملية البناء المجتمعي؟ كيف يمكن لنسويتنا التي ترى التحرر من الاستعمار هدفاً أساسياً ألا تعي إسقاطات التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال على تحررنا وانعتاقنا كشعب وكنساء وكويريين من أكثر الأنظمة وحشية؟ بل أكثر من ذلك، على نسويتنا وعمليات تخلصنا من التمييز الجنسي والجندري أن ترافق عمليات التحول الديمقراطي والاشتراكي، وألّا تقصي النساء من الطبقات الاجتماعية الأقل امتيازاً وربّات المنازل، والنساء اللواتي يقعن ضحايا القتل و العنف في ظل الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي على سبيل المثال. ووجود هذه الحالات المذكورة أعلاه يعني انعدام أي إمكانية لوجود حرية حقيقية يتمتع فيها الناس بالمساحة لممارسة الاحتياجات الأساسية وغير الأساسية. بل أكثر من ذلك، نحن، الناشطات/ين من أجل التحرر الجنسي والجندري، نريد أن نكون أول من يبني ويعزز مفهوم الحرية الذي يرفض التفرقة على أنواعها، وكمبدأ عام لا يقبل التجزئة.