| سطر 1: |
سطر 1: |
| − |
| |
| − |
| |
| − |
| |
| − |
| |
| | ==قابلات ومولدون: تحولات تاريخية== | | ==قابلات ومولدون: تحولات تاريخية== |
| | | | |
| | ===القبالة في العصور القديمة=== | | ===القبالة في العصور القديمة=== |
| − | تعتبر النصوص المصرية القديمة "بردية كاهون" لطب النسائية والتوليد، التي كُتبت حوالي 1825 قبل الميلاد، أقدم توثيق متوفر للمعرفة الطبية المتعلقة بالولادة والخصوبة وصحة النساء والحوامل. إلا أنها لم تذكر مهنة القبالة بشكل صريح على العكس من "بردية إبريس"، التي كُتبت حوالي 1550 قبل الميلاد، وذكرت القابلات وحددت مهامهن وخبراتهن في التعامل مع النساء الحوامل والولادة<ref>[https://www.youtube.com/watch?v=qk3u_7HfrOU The Unexpected History Of Midwives (Youtube Video)]</ref>. | + | تعتبر النصوص المصرية القديمة "بردية كاهون"، التي كُتبت حوالي 1825 قبل الميلاد، أقدم توثيق متوفر للمعرفة الطبية المتعلقة بالولادة والخصوبة وصحة النساء والحوامل. إلا أنها لم تذكر مهنة القبالة بشكل صريح على العكس من "بردية إبريس"، التي كُتبت حوالي 1550 قبل الميلاد، وذكرت القابلات وحددت مهامهن وخبراتهن في التعامل مع النساء الحوامل والولادة<ref>[https://www.youtube.com/watch?v=qk3u_7HfrOU The Unexpected History Of Midwives (Youtube Video)]</ref>. |
| | تشير الأدبيات التاريخية أيضًا إلى وجود مساهمات في طب الولادة تعود إلى زمن الحضارة اليونانية القديمة، إذ تشير النصوص إلى مساهمات قدمها أطباء مثل أبقراط، وإفسوس، وسورانوس، وجالينوس<ref name="ign">[https://www.osmosis.org/blog/a-history-of-obstetrics-and-gynecology-from-ancient-midwifery-to-modern-medicine A History of Obstetrics and Gynecology: From Ancient Midwifery to Modern Medicine]</ref>. | | تشير الأدبيات التاريخية أيضًا إلى وجود مساهمات في طب الولادة تعود إلى زمن الحضارة اليونانية القديمة، إذ تشير النصوص إلى مساهمات قدمها أطباء مثل أبقراط، وإفسوس، وسورانوس، وجالينوس<ref name="ign">[https://www.osmosis.org/blog/a-history-of-obstetrics-and-gynecology-from-ancient-midwifery-to-modern-medicine A History of Obstetrics and Gynecology: From Ancient Midwifery to Modern Medicine]</ref>. |
| | | | |
| سطر 12: |
سطر 8: |
| | | | |
| | ===طب الولادة الإسلامي=== | | ===طب الولادة الإسلامي=== |
| − | [[ملف:Zahrawi1.png|تصغير|يسار|رسم توضيحي لأدوات جراحية إسلامية من العصور الوسطى، مأخوذ من كتاب التصريف لأبي القاسم الزهراوي. نسخة من القرن 15 لمخطوطة تعود إلى القرن11.]] | + | [[ملف:Zahrawi1.png|تصغير|يسار|رسم توضيحي لأدوات جراحية إسلامية من العصور الوسطى، مأخوذ من كتاب التصريف لأبي القاسم الزهراوي. نسخة من القرن 15 لمخطوطة تعود إلى القرن11]] |
| − | انطلق خلال القرنان الثامن والتاسع الميلاديان حركة نشطة لترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية والسنسكريتية والفارسية والمصرية إلى العربية. ولم يقتصر دور الأطباء المسلمين على ترجمة هذه المؤلفات، بل قاموا بمراجعتها ونقدها وتصويب عدد من مفاهيمها، وأضافوا إليها ملاحظاتهم المستندة إلى الممارسة والتجريب. وشهد علم التوليد تطورات كبيرة في العصر الإسلامي، والتي أسهمت في إرساء الأسس المعرفية التي بني عليها في أوروبا في عصر النهضة وما بعده. ويعد العلماء المسلمون أول من فصل طب الولادة كفرعًا مستقلًا من فروع الطب، في حين لم يعترف به في أوروبا كتخصص مستقل إلا في القرن التاسع عشر، إذ ظل يعد جزءًا من الجراحة العامة أو لم يكن ينظر إليه كفرعًا طبيًا من الأساس.
| |
| | | | |
| | + | في العصور الوسطى، خلال العصر الإسلامي المبكر، تحديدًا في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، انطلق حركة نشطة لترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية والسنسكريتية والفارسية والمصرية إلى العربية. ولم يقتصر دور الأطباء المسلمين على ترجمة هذه المؤلفات، بل قاموا بمراجعتها ونقدها وتصويب عدد من مفاهيمها، وأضافوا إليها ملاحظاتهم المستندة إلى الممارسة والتجريب. |
| | + | نتج عن ذلك تطورات كبيرة في علم التوليد، والتي أسهمت في إرساء الأسس المعرفية التي بني عليها في أوروبا في عصر النهضة وما بعده. ويعد العلماء المسلمون أول من فصل طب الولادة كفرعًا مستقلًا من فروع الطب، في حين لم يعترف به في أوروبا كتخصص مستقل إلا في القرن التاسع عشر، إذ ظل يعد جزءًا من الجراحة العامة أو لم يكن ينظر إليه كفرعًا طبيًا من الأساس. |
| | يمكن تتبع إسهامات العلماء المسلمين في طب الولادة في نصوص ابن عباس المجوسي (الأهوازي)، والطبيب الأندلسي الإشبيلي ابن زهر، الذي كانت ابنته وحفيدته من أوائل وأشهر طبيبتي ولادة في الأندلس. | | يمكن تتبع إسهامات العلماء المسلمين في طب الولادة في نصوص ابن عباس المجوسي (الأهوازي)، والطبيب الأندلسي الإشبيلي ابن زهر، الذي كانت ابنته وحفيدته من أوائل وأشهر طبيبتي ولادة في الأندلس. |
| | كما قدم أبو بكر الرازي وابن سينا إسهامات في هذا المجال، إلى جانب الزهراوي، الذي وصف حوالي 200 أداة تشخيصية وجراحية، كان بعضها من تصميمه، استخدمت في طب النساء والتوليد. كما ينسب إليه أول شرح منهجي لخطوات التعامل مع الولادات المتعسرة الناتجة عن التجمعات المائية في الدماغ وكذلك إجراءات استخراج الأجنة المتوفاة داخل الرحم <ref name="Islamicera> | | كما قدم أبو بكر الرازي وابن سينا إسهامات في هذا المجال، إلى جانب الزهراوي، الذي وصف حوالي 200 أداة تشخيصية وجراحية، كان بعضها من تصميمه، استخدمت في طب النساء والتوليد. كما ينسب إليه أول شرح منهجي لخطوات التعامل مع الولادات المتعسرة الناتجة عن التجمعات المائية في الدماغ وكذلك إجراءات استخراج الأجنة المتوفاة داخل الرحم <ref name="Islamicera> |
| | [https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9444839/ Fadel and Al-Hendy: Development of Obstetric Practice During the Early Islamic Era]</ref>. | | [https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9444839/ Fadel and Al-Hendy: Development of Obstetric Practice During the Early Islamic Era]</ref>. |
| | | | |
| − | وعالج أحمد بن يحيى البلدي العوارض السابقة للولادة لأول مرة كوضوعَا مستقلًا في كتابه "[[:ملف:تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وتدبير أمراضهم | تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وتدبير أمراضهم]]". وفي كتابه ناقش مسألة النشاط الجنسي أثناء الحمل، فرأى أن الامتناع التام عنه ليس في مصلحة الحامل، لأنه قد يؤدي إلى تعسر الولادة وزيادة آلامها. لذلك أوصى بتجنبه خلال الشهرين الأولين، ثم بعد الشهر السادس من الحمل. ففي المرحلة الأخيرة يصبح الجنين أكبر حجمًا، وقد تؤدي الحركة الزائدة أثناء الإيلاج إلى الإضرار بالحمل، لا سيما أن الجنين يكون قد اقترب من موعد الولادة. وفي المقابل، حذر أيضًا من الإفراط في ممارسة الجنس الإيلاجي لأنه قد يضعف الجنين وربما يسهم في حدوث الإجهاض. ولا تزال التوصيات الطبية الحديثة تنصح النساء اللواتي لديهن تاريخ من الإجهاض بالامتناع عن الجنس الإيلاجي خلال الثلث الأول من الحمل، كما تنصح من لديهن تاريخ من الولادة المبكرة بتجنبه خلال الثلث الأخير <ref name="Islamicera"/>. | + | وعالج أحمد بن يحيى البلدي العوارض السابقة للولادة لأول مرة كموضوعًا مستقلًا في كتابه "[[:ملف:تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وتدبير أمراضهم | تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وتدبير أمراضهم]]". وفي كتابه ناقش مسألة النشاط الجنسي أثناء الحمل، فرأى أن الامتناع التام عنه ليس في مصلحة الحامل، لأنه قد يؤدي إلى تعسر الولادة وزيادة آلامها. لذلك أوصى بتجنبه خلال الشهرين الأولين، ثم بعد الشهر السادس من الحمل. ففي المرحلة الأخيرة يصبح الجنين أكبر حجمًا، وقد تؤدي الحركة الزائدة أثناء الإيلاج إلى الإضرار بالحمل. وفي المقابل، حذر أيضًا من الإفراط في ممارسة الجنس الإيلاجي لأنه قد يضعف الجنين وربما يسهم في حدوث الإجهاض. ولا تزال التوصيات الطبية الحديثة تنصح النساء اللواتي لديهن تاريخ من الإجهاض بالامتناع عن الجنس الإيلاجي خلال الثلث الأول من الحمل، كما تنصح من لديهن تاريخ من الولادة المبكرة بتجنبه خلال الثلث الأخير <ref name="Islamicera"/>. |
| | | | |
| | لم يكن هناك فصل في الممارسة بين القبالة والطب. شاركت النساء في ممارسة الطب، ولا سيما في رعاية الحوامل والولادة، وعُرفن باسم "الدايات" (القابلات). وكانت معظمهن يعملن تحت إشراف الأطباء الرجال، في حين مارست أخريات المهنة بصورة مستقلة، وكانت شروحات الأطباء وتعليماتهم النظرية موجهة إليهن. فأوصى الرازي القابلات بفحص المرأة قبل الشروع في توليدها. وشدد على ضرورة تقييم مدى اتساع عنق الرحم، وتحديد الجزء المتقدم من الجنين، ومتابعة تقدم اتساع عنق الرحم حتى يكتمل بالقدر الكافي، ثم توجيه المرأة إلى الدفع لإتمام عملية الولادة <ref name="Islamicera"/>. | | لم يكن هناك فصل في الممارسة بين القبالة والطب. شاركت النساء في ممارسة الطب، ولا سيما في رعاية الحوامل والولادة، وعُرفن باسم "الدايات" (القابلات). وكانت معظمهن يعملن تحت إشراف الأطباء الرجال، في حين مارست أخريات المهنة بصورة مستقلة، وكانت شروحات الأطباء وتعليماتهم النظرية موجهة إليهن. فأوصى الرازي القابلات بفحص المرأة قبل الشروع في توليدها. وشدد على ضرورة تقييم مدى اتساع عنق الرحم، وتحديد الجزء المتقدم من الجنين، ومتابعة تقدم اتساع عنق الرحم حتى يكتمل بالقدر الكافي، ثم توجيه المرأة إلى الدفع لإتمام عملية الولادة <ref name="Islamicera"/>. |
| سطر 25: |
سطر 22: |
| | وبالتالي، ظلت الحدود بين القبالة والطب غير واضحة، وكان المجالان متداخلين إلى حد كبير. ولم يسع الأطباء المسلمون إلى تعطيل مهنة القبالة أو السيطرة عليها، ولم تظهر محاولات من هذا القبيل إلا في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث بدأ طب الولادة يشغل حيزًا متزايدًا ضمن العمل في الجراحة، كتخصصًا يوازي مهنة القبالة ولا يتقاطع معها. | | وبالتالي، ظلت الحدود بين القبالة والطب غير واضحة، وكان المجالان متداخلين إلى حد كبير. ولم يسع الأطباء المسلمون إلى تعطيل مهنة القبالة أو السيطرة عليها، ولم تظهر محاولات من هذا القبيل إلا في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث بدأ طب الولادة يشغل حيزًا متزايدًا ضمن العمل في الجراحة، كتخصصًا يوازي مهنة القبالة ولا يتقاطع معها. |
| | | | |
| − | ===طب الولادة الأوروبي=== | + | ===بداية طب الولادة الأوروبي=== |
| | + | في العصر الحديث المبكر، في أوروبا، بدأ تنظيم مهنة القبالة مع عصر النهضة وما بعده. ففي القرن السادس عشر، كانت القابلات في أوروبا لا يزلن يمارسن المهنة بالاعتماد على كل من المعارف المتوارثة شفهيًا والخبرات المكتسبة بالتجربة. وهو ما أشارت إليه النصوص الطبية المبكرة في عصر النهضة، ومنها كتابات المعالج الألماني "إيوكاريوس روزالين"، الذي سعى إلى إعادة إحياء دراسات الطبيب اليوناني "سورانوس من أفسس"، وأضاف إليها نتائج أبحاثه الخاصة. ولم يمارس روزالين القبالة ولم يقم بتوليد النساء، بل كان يدرَّس النصوص اليونانية القديمة لطلابه، وقلل من شأن القابلات، واعتبرهن جاهلات ومؤمنات بالخرافات. |
| | + | وتجاهل روزالين ومعاصريه حقيقة أن القابلات راكمت خبراتهن ومعارفهن عبر قرون طويلة، وتناقلنها شفهيًا من جيل إلى جيل. بالإضافة إلى أن تعليم القابلات في أوروبا منذ العصور القديمة، حتى عندما كان يتم داخل مؤسسات تعليمية معتمدة، لم يكن قائمًا على القراءة والكتابة أو المناهج النظرية، إنما كان تعليمًا عمليًا وتطبيقيًا. |
| | + | |
| | + | بعد نشر كتابات روزالين والطبيب النمساوي "ياكوب روف"، الذي اعتمد أيضًا على مؤلفات سورانوس، بدأ الأطباء الذكور تعلّم الأساسيات الخاصة بالقبالة والتوليد بشكل نظري. في فرنسا، أسس الحلاق الجراح "أُمبرواز باريه" مدرسة للقبالة في باريس، وبلغت بعض متدرباته مكانة مرموقة في البلاط الفرنسي. وتولت إحدى طالبته توليد "ماري دي ميديتشي"، زوجة الملك هنري الرابع، كما أشرفت على ولادة ابنتها، هنريتا ماريا، التي أصبحت لاحقًا ملكة بريطانيا. وينسب إلى "باريه"، أو إلى إحدى طالباته، إجراء أول جراحة قيصرية لامرأة بقيت على قيد الحياة، حيث نجحوا في السيطرة على النزيف خلال الولادة <ref name="start">[https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12151591/ The start of life: a history of obstetrics ]</ref>. |
| | | | |
| − | في أوروبا، بدأت مهنة القبالة تتطور مع عصر النهضة وما بعده. في القرن السادس عشر، كانت القابلات في أوروبا لا يزلن يخلطن في مهنتهن بين المعرفة المتوارثة بالمشافهة وتلك المكتسبة بالتجربة، وهو ما أشارت إليه النصوص الطبية المبكرة في عصر النهضة مثل كتابات المعالج الألماني إيوكاريوس روزالين الذي حاول إعادة إحياء دراسات اليوناني سورانوس وأضاف إليها نتائج أبحاثه الخاصة. لم يمارس روزالين القبالة ولم يقم بتوليد النساء لكنه درَّس النصوص اليونانية القديمة لطلابه، وقلل من شأن القابلات في أوروبا بسبب جهلهن وإيمانهن بالخرافات. لم يعطِ روزالين أو معاصروه اهتمامًا بحقيقة أن تعليم القابلات في أوروبا منذ العصور القديمة، حتى عندما تلقينه داخل مؤسسات تعليمية معتمدة، لم يركز على القراءة والكتابة أو المناهج النظرية، إنما كان تعليمًا عمليًا وتطبيقيًا، وأن خبراتهن ومعرفتهن راكمنها على مدى قرون طويلة ونقلنها إلى بعضهن البعض مشافهة جيلًا بعد جيل. أما الأطباء الذكور، الذين لم يكن يُسمح لهم بالنفاذ إلى هذا المجتمع المغلق، فأصبحوا قادرين بعد نشر كتابات روزالين وطبيب نمساوي آخر يُدعى ياكوب روف (اعتمد أيضًا على مؤلفات سورانوس) على تعلّم الأساسيات الخاصة بالقبالة والتوليد بشكل نظري. في فرنسا، قام حلاق جراح يُدعى أُمبرواز باريه بتأسيس مدرسة للقبالة في باريس، وقد بلغت بعض المتدربات لديه مكانة مرموقة في البلاط الفرنسي وقامت إحداهن بتوليد ماري دي ميديتشي زوجة الملك هنري الرابع، والابنة التي أنجبتها، هنريتا ماريا، أصبحت لاحقًا ملكة بريطانيا. باريه (أو واحدة من طالباته) كان/ت أول من أجرى/ت جراحة قيصرية لسيدة لا تزال على قيد الحياة وينجح في الحفاظ على حياتها رغم النزيف.<ref name="start">[https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12151591/ The start of life: a history of obstetrics ]</ref>
| + | في القرن السابع عشر، بدأت ظاهرة االمولّدين الذكور بالانتشار في فرنسا، وكان من أشهرهم فرانسوا موريسيو (Francois Mauriceau) الذي عمل في بلاط الملك لويس الرابع عشر. كما أسهم لاجئ فرنسي يُدعى "بيتر تشامبرلين" في نقل المهنة إلى إنجلترا. ويُعتقد أنه، أو أحد أبنائه، طور نسخة من الملاقط الطبية المستخدمة في الولادات التدخلية لتسريع الولادات البطيئة أو المتعسرة. وحافظت عائلة تشامبرلين على سر ابتكارهم لما لا يقل عن قرن من الزمان، قبل أن ينتشر استخدامه في مختلف أنحاء أوروبا. |
| | | | |
| − | في القرن السابع عشر، بدأت تنتشر صيحة المولّدين الذكور في فرنسا، أشهرهم كان فرانسوا موريسيو Francois Mauriceau الذي عمل في بلاط لويس الرابع عشر. لاجئ فرنسي يُدعى بيتر تشامبرلين كان له أثر في نقل المهنة إلى إنجلترا، ويُعتقد أنه، أو أحد أبناءه، قد طوروا نسخة من الملاقط الطبية التي تستخدم في الولادات التدخلية وتسريع الولادات البطيئة أو المتعسرة، وقد حافظوا على سر ابتكارهم طيلة قرن من الزمان على الأقل قبل أن يشهد انتشارًا في مختلف أنحاء أوروبا.
| + | في القرن الثامن عشر، نشر الطبيب والمولد الأسكتلندي "ويليام سميلي" أطروحته عن نظرية وممارسة القبالة (A Treatise on the Theory and Practice of Midwifery)، وطور أساليب لتدريس القبالة لطلابه بناء على معرفته بالبنية التشريحية للحوض والجهاز التناسلي الأنثوي. |
| − |
| + | في ذلك الوقت، بدأت القبالة تحولها التدريجي في أوروبا من ممارسة اجتماعية تعتمد على دوائر الدعم التقليدية المحيطة بالحامل، والتي تضم نساء العائلة الأكبر سنًا والجارات والقابلات، إلى مجال أكثر ارتباطًا بالمؤسسة الطبية والأكاديمية التي يهيمن عليها الذكور، وتزايد انخراط الأطباء الرجال في مهنة القبالة، خاصة في إنجلترا وفرنسا<ref name="ign"/>. |
| − | في القرن الثامن عشر، نشر الأكاديمي الأسكتلندي ويليام سميلي أطروحته في نظرية وممارسة القبالة وقام بتدريس طلابه بناء على معرفته بالبنية التشريحية للحوض والجهاز التناسلي الأنثوي. في ذلك الوقت، بدأت القبالة تحولها التدريجي من شأن اجتماعي متعلق بدوائر الدعم التقليدية المحيطة بالحامل والتي تشمل نساء العائلة الأكبر سنًا والجارات بالإضافة إلى القابلات إلى شأن علمي وأكاديمي خاضع للهيمنة الذكورية، وقد بدأ الأطباء الأوروبيون - خاصة في إنجلترا وفرنسا - بالإنخراط أكثر في مهنة القبالة.<ref name="ign"/> قام سميلي، سنة 1740، بتأسيس مدرسة لتعليم الذكور فنون القبالة، وقد عمل هؤلاء المولدون الذكور في المستشفيات العامة التي كانت تقدم خدمات الولادة المجانية للنساء الفقيرات، ولكن هدفها الحقيقي كان منح المولّدين الذكور خبرة أكبر في التعامل مع النساء الحوامل وكسر احتكار النساء للمهنة. كثير من هذه الولادات حصلت بمساعدة الملاقط الطبية المعدنية، وقد عنى ذلك وجود إجراءات تدخلية invasive procedures غير مسبوقة ترافقت مع انتشار واسع لحمى النفاس، وقد ارتبطت معظم حالات حمى النفاس بالأطباء والمولدين الذكور في تلك الفترة واستمر الحال لعقود طويلة بسبب غياب إجراءات التعقيم، ورفض المجتمع الطبي لها في بعض الأحيان. | + | |
| | + | وفي عام 1740، أسس سميلي مدرسة لتعليم المولدين الذكور فنون القبالة، الذين اكتسبوا خبرتهم العملية من خلال العمل في المستشفيات العامة، التي كانت تقدم خدمات الولادة المجانية للنساء الفقيرات. نتج عن ذلك إتاحة فرص أكبر للذكور لاكتساب الخبرة العملية مع النساء الحوامل، وتراجع تواجد النساء في مهنة القبالة. كما استخدمت الملاقط الطبية المعدنية في كثير من هذه الولادات، وهو ما أدى إلى زيادة الإجراءات الطبية التدخلية (invasive procedures) في الولادات بشكل غير مسبوق. وبالتوازي مع ذلك، انتشرت حمى النفاس في مستشفيات الولادة، وارتبطت معظم الحالات بانتقال العدوى عن طريق الأطباء والمولدين الذكور بسبب غياب إجراءات التعقيم، ورفض المجتمع الطبي لمفهوم العدوى. |
| | + | |
| | + | حتى بدايات القرن الثامن عشر، كانت القبالة تُمارس خارج المجال الطبي الرسمي بشكل كامل، ولكن مع العقود اللاحقة، وبالرغم من تحقير المجتمع الطبي الرسمي لمهنة القبالة ومحدودية مقابلها المادي، إلا أن الأطباء العامّون والجراحون المعالجون (Surgeons - Apocatheries) انخرطوا في توليد نساء الطبقتين الوسطى والعليا في المنازل، خاصة في إنجلترا وفرنسا. وبالرغم من أن آراء الأطباء بأن المهنة غير لائقة وتصريح أحد رؤساء الجمعية الملكية البريطانية للجراحة بأن توليد الرجال للنساء أمر منافٍ للأخلاق وللمنطق السليم، إلا أن الجراحين المعالجين استمروا في القيام بعمليات التوليد في المنازل، وباستخدام الملاقط الطبية المعدنية، من أجل توطيد علاقتهم بالعائلات التي يولدون نسائها، إذ غالبًا ما كانت الولادة الوحد بداية علاقة علاجية مستمرة بين الطبيب والعائلة <ref name="GPOBG">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC2586862/ Irvine Loudon: General practitioners and obstetrics: a brief history]</ref>. |
| | | | |
| − | في بدايات القرن الثامن عشر، كانت القبالة موجودة بشكل تام خارج المجال الطبي، ولكن بنهاية القرن تقريبًا بدأ الأطباء العامّون (الجراحون المعالجون Surgeons - Apocatheries) في أوروبا بالعمل في المجال أكثر حيث أصبحوا يولّدون نساء الطبقات الوسطى والعليا في إنجلترا وفرنسا داخل البيوت، وذلك رغم ازدراء المجتمع الطبي في غرب أوروبا لمهنة القبالة وضعف مردودها المادي. أحد رؤساء الجمعية الملكية البريطانية للجراحة صرح بأن توليد الرجال للنساء أمر منافٍ للأخلاق وللمنطق السليم، ولكن بالرغم من ذلك فإن الجراحين المعالجين كانوا يفضلون القيام بعمليات التوليد في المنازل (خاصة باستخدام الملاقط الطبية المعدنية) من أجل توطيد علاقتهم بالعائلات التي يولدون نسائها، فولادة واحدة تعني أن الجراح الذي أجراها أصبح طبيب العائلة الدائم.<ref name="GPOBG">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC2586862/ Irvine Loudon: General practitioners and obstetrics: a brief history]</ref>
| |
| | | | |
| − | ;النقابات والأنظمة الطبية في أوروبا
| + | ===النقابات والأنظمة الطبية في أوروبا=== |
| | | | |
| | خلال القرن التاسع عشر، فصل نظام طبقي صارم بين مقدمي الرعاية الصحية في أوروبا، فهناك من جهة، الأطباء الذين ينتمون إلى الطبقة العليا في المجتمع وحصلوا على فرصة لتعلّم الطب عبر المؤسسات الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك الجراحون المعالجون، وهم من أبناء الطبقة الوسطى ويحصلون تعليمهم عبر التلمذة المهنية على يد ممارسين أكبر منهم سنًا وأكثر منهم خبرة، بعضهم جراحون حلاقون، مارسوا وتعلموا الجراحة عبر مهنة الحلاقة (تقليد متوارث منذ مئات السنين)، وبعضهم صيادلة أو كيميائيون، طوروا خبرة في التشخيص وقدرة على منح الاستشارات الطبية من خلال خبرتهم في الأدوية والمستحضرات الكيميائية. في أدنى الهرم كانت القابلات، وغالبيتهن تعلمن القبالة أيضًا عبر التلمذة المهنية وتناقلن معرفة قديمة امتدت على مدار قرون طويلة، وبعضهن درس وتعلم في مدارس للقبالة أسسها أطباء وأكاديميون ذكور. على أن هذا الفصل ظل في النهاية فصلًا طبقيًا حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، وتمثل من خلال بعض الأجساد النقابية التي فصلت بين الممارسين المختلفين ولكن لم يُرسَّم على الأرض باستخدام القوانين. | | خلال القرن التاسع عشر، فصل نظام طبقي صارم بين مقدمي الرعاية الصحية في أوروبا، فهناك من جهة، الأطباء الذين ينتمون إلى الطبقة العليا في المجتمع وحصلوا على فرصة لتعلّم الطب عبر المؤسسات الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك الجراحون المعالجون، وهم من أبناء الطبقة الوسطى ويحصلون تعليمهم عبر التلمذة المهنية على يد ممارسين أكبر منهم سنًا وأكثر منهم خبرة، بعضهم جراحون حلاقون، مارسوا وتعلموا الجراحة عبر مهنة الحلاقة (تقليد متوارث منذ مئات السنين)، وبعضهم صيادلة أو كيميائيون، طوروا خبرة في التشخيص وقدرة على منح الاستشارات الطبية من خلال خبرتهم في الأدوية والمستحضرات الكيميائية. في أدنى الهرم كانت القابلات، وغالبيتهن تعلمن القبالة أيضًا عبر التلمذة المهنية وتناقلن معرفة قديمة امتدت على مدار قرون طويلة، وبعضهن درس وتعلم في مدارس للقبالة أسسها أطباء وأكاديميون ذكور. على أن هذا الفصل ظل في النهاية فصلًا طبقيًا حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، وتمثل من خلال بعض الأجساد النقابية التي فصلت بين الممارسين المختلفين ولكن لم يُرسَّم على الأرض باستخدام القوانين. |