وثيقة:اللّذة البَصرية وسينما السرد

من ويكي الجندر
اذهب إلى: تصفح، ابحث
Emojione 1F4DC.svg

المحتوى في متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

Circle-icons-document.svg
مقالة رأي
تأليف لورا مولفي
تحرير غير معيّن
المصدر قديتا
اللغة العربية
تاريخ النشر 2017-04-20
مسار الاسترجاع http://www.qadita.net/featured/laura-mulvey/
تاريخ الاسترجاع 2017-11-08

ترجمة هشام روحانا
لغة الأصل الإنجليزية
العنوان الأصلي Visual Pleasure and Narrative Cinema
تاريخ نشر الأصل 1975


هناك ترجمة أخرى لهذه المقالة، من ترجمة عبد الرحيم يوسف صادرة عن معهد جوته الإسكندرية.


قد توجد وثائق أخرى من نفس المصدر



مقدّمة

الاستخدام السياسي للتحليل النفسي

تسعى هذه الدِراسة مستخدمةً نظريةَ التحليل النفسي نحو استكشافِ أين وكيف يَتم تعزيزُ الافتتانِ بالفيلم، من قِبَل ما هو قائم وفاعل أصلا من أنماط الافتتان داخل الذات الفردية، ونحو دراسة التشكيلات الاجتماعية التي جَبلت هذه الذات. ونقطة انطلاق هذه الدِراسة هي الطريقة التي يَعكس فيها الفيلمُ ويُوحي بالتمايز الجنسي، أو حتى كيف يتلاعبُ على التأويلات الصريحة والمُتأسسةُ اجتماعيا لهذا التمايز الجنسي، والتي تتحكم بالصور وبالوسائل الشهوانية للنظرة وبالمشهد. وإنه لمن المفيد أن نفهم كيف كانت السينما في الماضي في الوقت الذي نحاول فيه بِناءَ نظرية وممارسة تحاولان تحدي هذه السينما. ولهذا فإن نظرية التحليل النفسي تُشكل سِلاحا سياسيا مُلائما لتَظهير الطريقة التي يَبني فيها لاوعيُ النظامِ البطريركي الشكلَ السينمائي. إنَّ مُفارقة التمركز الفالوسي[1] (Phallocentrism) على جميع مظاهره، تكمن في اعتماده صورةً للمرأة المخصية، كأساس للمعنى في عَالمِه هو.

وهكذا يرتفع هذا الإدراك للمرأة، كعمود الأساس الذي يرتكز عليها النظام كُله؛ إذ انَّ هذا النَقص الذي لديها هو ما يُنتج الفالوسَ كحضورٍ رمزيّ، وإنَّ رَغبتها بما هو خَيرٌ، هو هذا النَقص الذي يدُّل عليه الفالوس. إنَّ النصوص الأخيرة المنشورة في مجلة “الشاشة”[2](Screen) حولَ نظرية التحليل النفسيّ والسينما لم تعطِ كثيرَ اهتمامٍ لموضوع الكيفية التي يتم تَمثُّل – عرض الشَكل الأنثوي في النظام الرمزيّ والذي في نهاية المطاف لا يتحدث الا عن الخِصاء.

وفي تلخيص سريع للأمر فإنَّ وظيفةَ المَرأة في صِياغة اللاوعيّ البطريركيّ مُضاعفةٌ: إنَّها ترمز أولا الى تهديد الخِصاء بما أنها تفتقر للقضيب فعلًا، وثانيا وظيفةُ تنشئةِ طِفلها بما يتلاءم مع دخولِه النظامَ الرمزيّ. وبإنجازها هذا فإنَّ ما تقدمه من معنى لهذا المَسار يَصلُ الى نهايته، فلا يَستمر دخولا لها الى عالم القانون واللّغة الا كذِكرى؛ إما كذِكرى لتَمامِ الكِفاية الامُومية، أو كذِكرى لنَقصٍ، وكِلتَاهما مَطروحتان من قِبل الطَبيعةِ (أو بصياغة فرويد الشهيرة “تشريحيًا”).

تَخضعُ رَغبة المَرأة إذا لصُورتها كحمَّالة لجرحٍ نَازف، فلا تستطيعُ الوجودَ الا من خِلال العَلاقة مع الخِصاء الذي ليس بمقدورها تَجاوزه. إنها تُحوِّل طِفلها الى دال، دال على رَغبتها في امتلاك القضيب (وهو شَرطُ دُخولها- كما تتخيل- الى النظام الرمزيّ). فإما أن تَنصاعَ رَاضية للعالم، لاسم الأب وللقانون، أو أنها تُناضل من أجل الاحتفاظ بطِفلها في سَراب العالم الخياليّ. وتقوم المرأة في الحضارة البطريركية مقام الدّال للآخر الذكر، حَبيسةَ النظام الرمزيّ، هذا النظامُ الرمزيُّ الذي يُمكِّن الرجلَ بَعث أوهامه ومخاوفه الى الحياة بأوامر لّغوية يُلقيها على صُورة صامتةٍ للمَرأة، والتي لا تَزالُ مُقيدةً الى مُوقعها كحاملة للمعنى، دونَ أنّْ تكونَ قَادرةً على صِناعته.

للنسوياتِ هنالك إذا مَصلحةٌ واضحةٌ في مِثل هذا التحليل، وتكمن جَماليته تَحديدا في استدعائه للإحباط المُعاش تحتَ وَطأة هذا النظام التَمركزِ الفالوسيّ. إنه يُقربنا الى جذور هذا الطُغيان ويصيغُ الاشكاليةَ بشكلٍ أكثرَ وُضوحا، ليُوجِهنا نحو التحدي الأوليّ: كيف نُحارب اللاوعيّ المَبنيّ على شكل لّغةٍ (والمُتشكِلُ جذريا في لحظة وصول اللّغة)، بينما نحن ما زلنا في قَبضة لّغةٍ هي لّغةُ البطريركية؟ لا طَريق نستطيعُ سُلوكها لطرح بديلٍ يأتي من العَدم، لكننا نستطيع إحداثَ كَسرٍ يُسائل البطريركية بأدواتها ونظرية التحليل النفسي ليست أداة وحيدة لهذا لكنها أداةٌ هامةٌ. الا اننا ما زلنا بَعيدين بفجوة عميقة عن موضوعاتٍ مُهمة بالنسبة للاوعيّ الانثوي والذي لا يمثل مثار اهتمام يذكر لنظرية التمركز الفالوسيّ: جنوسة (Sexing) الطِفل – الأُنثى وعلاقتها بالرمزيّ، المرأة الناضِجة جِنسيا بوصفها ليست- أما، الأمُومة خارج الدلالة الفالوسية، المهبل… لكن نظرية التحليل النفسي كما هي في موقعها الآن تستطيع على الاقل دفعَ فَهمنا للحالة الراهنة، للنظام البطريركي الذي يصطادُنا.

تفكيك اللذة كسلاح جذري

تَطرح السينما بوصفها نِظام تَمثلات مُتطور، تَساؤلاتٍ عن وَسائل وبُنى اللاوعي (والمُتشكل من قِبل النظام المهيمن) وأصنافَ النَظر واللّذة المُتأتية من مُشاهَدة السينما وتَبدُّلاتها على مدار العقودِ الماضية. لم تَعد السينما ذلك النِظام الأحادي والمُتأسس على توظيف رأسمال كبير كما في نسخته الأفضل؛ هوليود سنوات الثلاثين حتى سنوات الخمسين. لقد غَيرت التقنيات المتطورة (أفلام 16 مم وغيرها) الشُروطَ الاقتصادية الضُرورية للإنتاج السينمائي والذي أصبحَ أكثرَ حِرفيةً وأكثرَ رأسمالية. مما فَتح المَجال لنشوء سينما بديلة. ذلك لأن شكل الوعي الذاتيّ والاستخفاف الذي يتحكم في هوليود يَجعلُها حبيسةَ “تركيب مشهدي” (mise-en-scene) شَكلانيّ الطابِع يَعكسُ المفاهيم الايديولوجية المُهيمنة في السينما.

تَخلق السينما البديلة المجالَ لسينما جذرية بالمعنيين السياسيّ والجماليّ وبمقدورها أن تطرح تَحديا أمام الفرضيات الاساسية لصناعة الافلام التقليدية. ليس هذا بهدف رفض الأخيرة أخلاقيا، بل من أجل تَسليط الضوء على الكيفية التي تعكس فيها تعاملاتها الشكالانية، الاستحواذَ النفسيّ للمجتمع الذي يُنتِجها، وبالمقابل من أجل أنْ تَبدأ هذه السينما البديلة بطرح اعتراضاتها إزاءَ هذه الفرضيات والاستحواذات. إن السينما الطلائعية مُمكِنة الآن ولكنها ما تزال ممكنة فقط كطباق.

تَنبع سَاحرية الأُسلوب الهوليودي في أفضل اشكاله (وجميع أصناف السينما الواقعة تحت تأثيرها) ليس حصرا، بل في جانب مهم منه، من حرفية تَلاعبه الباعث على إشباع اللّذة البَصرية. وتقوم السينما التقليدية، وبدون منازع، بإدراج الايروسية المُشفرّة داخل لُغة النِظام البطريركيّ المُهيمن. وفي سينما هوليود المُتطورة وفقط ومن خِلال هذه الرموز المُشفرة تستطيع الذات المُستلَبة والممزقةَ الذاكرة المُتخيلة بإحساسها بأن شيئا ما ناقصٌ، والواقعة تحت تَهديد نَقص مُحتمل في الهَوام، تستطيع هذه الذات الاقتراب قليلا لتَلمس لحظةً خاطفةً من شُعور بالإشباع، إشباعٍ يتم من خلال جماليات شَكلانية وتَلاعب على الهواجس المُكوِّنة للذاتّ.

سوف تُعالج هذه المقالة الكيفية التي يَتم فيها حياكة نَسيج اللّذة الشبقية في الفيلم، مَعانيها، وعلى وَجه الخصوص الدور الذي تلعبه صُورة المَرأة المعروضة على الشاشة. يُقال بأنَّ تحليلَ الجمالِ يهدمُه، وهذه هي نيّة هذه المَقالة. تجب مُهاجمة إشباع الحواس وتَعزيز الأنا والذي يمثل الهدفَ الأسمى في تاريخ السينما حتى الآن. وذلك ليس من أجل إعادة بناء لّذة جديدة، والتي لا وجود لها في المُجرد، وليس من أجل عَقلنة قُبول انعدام-اللّذة، بل من أجل نَقض شَامل لخِفة وجَزالة فيلم السرد الحكائي (Fiction). والبديل هو القيام بشق طريق مُثير يَحضُر من خلال التخلي عن الماضي دون رفضه في تجاوز لاشكاله المُحبِطة والرَثة، أو التجرُؤ على القطعِ مع توقعات اللّذة المُعتادة نحو تَعقُل لغة جديدة للّذة.

لذة النَظر/ الافتتان بالشكل البَشري

(أ)

تُتيح السينما عددا من المُتع المُمكنة. واحدةٌ منها هي انحراف الدافع البَصري Scopophilia “حُب النظر”. هنالك حالات يكون فيها النَظر بحد ذاتِه مَصدرا للّذة، وبالعكس أيضا هنالك لَذة في أن تكون في محل المَنظورِ إليه.

في مقالته الأصلية “ثلاثة مباحث حول نظرية الجنس” حدد فرويد “حُب النظر” كمكون من مُكونات الغَرائز الجِنسية والموجودة كدافع قائمٍ بشكل مستقلٍّ بَعيدا عن المناطق الشبقية، ويربط فرويد انحرافات الدافع البَصري باتخاذ أُناس آخرين مواضيع، مُعرِضا أياهم للنَظرة المُحدقة المُراقِبة والفُضولية. وتركزت أمثلته المُخصصة لذلك حول نشاطات الاطفال التلصُصية ورَغبتهم بالنَظر الى ما هو خَاص ومَمنوع (الفُضول حول أعضاء الآخرين التَناسُلية، والوَظائف الجسدية لهذه الاعضاء، وجود أو عدم وجود عُضو الذُكورة وبالتوازي أيضا الفُضول حول عناصِر المشهد الأولي[3] Primal scene)). وفي هذا التحليل يتصف الانحراف بالفعالية. (يطور فرويد فيما بعد و في “الغرائز وتقلباتها” نَظريته حول انحرافات الدافع البَصريّ ليربط بينها وبين الشبقية الذاتية المُتصلة بمناطق قرب – تناسلية، وبعد ذلك تتحول اللّذة من النَظر، وبالتناظر، الى الآخرين.

يوجد هنا اشتغال عن قرب على العلاقة المُتبادلة ما بين الغريزة الفعالة وتحولها اللاحق الى الشكل النرجسي). وعلى الرغم من أن هذا الدافع يَمر بتقلبات تحت تأثير عواملَ إضافيةٍ وخصوصا تكوين الأنا، إلا انّه يُواصل وجوده كقاعدةٍ شَبقية للّذة المُتحققة من النَظر الى الآخرين بوصفِهم موضوعا. وفي شَكله الاكثر تَطرُفا يَتم تثبيته على شَكِل انحرافٍ جنسيّ في هَيئة المُتلصصين القَهريين وPeeping Tom[4]، حيث يكون الاشباع الجنسيّ الوحيدُ مُمكنا فقط من خلال المشاهدة بمعناها الفعَّال والمُتحكِم هذه المُشاهَدة التي تَجعل من الآخر موضوعا.

قد يبدو وللوهلة الاولى وكأن السينما بَعيدة عن عالم الخِفية، عالم اختلاس النَظر والمُراقب ضحيةً غيرَ واعيةٍ أو رَاغبة. فما تتم مُشاهدته (على الشاشة) يُعرض عَلنًا لكي يُشاهَد. لكن مُعظم افلام التيار المركزيّ بتقاليده المُتعارف عليها تَرسم عالما مُغلقا بإحكام وينفتح بشكل سحري غير مُكترثٍ لوجود المُشاهِدين، مُولدا لاجلهم شُعورا بالعُزلة ومُتلاعبا بأوهامهم التلصُصية. زِد على هذا التناقض المُتطرف بين العَتمة التي تَسود صَالة العرض (والتي تفصل ايضا المشاهدين الواحد عن الآخر) وتألق الصُور المُراوغة ما بين الضوء والظِل على الشاشة، كلها تساعد على تعزيز وهْم العُزلة التلصُصية. وعلى الرغم من أن الفيلم يُشاهد فِعليا وهو هنا لكي يُشاهد الا ان شروط العرض على الشاشة وتقاليد السرد المُتعارف عليها تمنح المُشاهِد وهما بأنَّه يُشاهد عالما شَخصيا وخاصا.

وبين سائر الأمور فإنَّ موقع السينما هو بوضوح موقعُ كبتِ الرَغبة الاستعراضية الاستعرائية Exhibitionism[5] لديهم واسقاط هذه الرَغبة المكبوتة على المُمثِّل.

(ب)

تُشبع السينما رَغبة أوليَّة في تحقيق اللّذة من النَظر، ولكنها تذهب أبعد من هذا لتُغذي انحرافات الدافع البَصري في اتجاهٍ نَرجسي. يُركز إجماع التيار المركزيّ في السينما الاهتمام بالشكل البَشري. فيتم تأنيس Anthropomorphism[6] كُلِ شيء: المقياس والمكان والحكاية. وها هنا يتداخل حُب الاستطلاع والرَغبة البَصرية بالافتتان بالشبيه والمَألوف؛ الوجهُ البَشري، الجَسد البَشري والعلاقات الانسانية ومُحيطها، إنه الحُضور المَرئيُ للشَخص في هذا العالم.

وَصف لاكان هذه اللحظة التي يَتعرف فيها الطفل على صُورته المُنعكِسة في المِرآة على أنها لحظة حاسِمة تُؤسس لنشوء الأنا. وهنالك في هذا التحليل العديد من الجوانب الوثيقة الصِلة بموضوعنا هنا. تحدث مرحلة المِرآة في الفترة الزمنية التي تكون فيها طُموحات الطفل الجَسدية أكبر من قُدرته الحركية الفعلية، مِما يخلق لديه شُعورا بالبهجة؛ إنه يَنظر الى صُورته في المِرآة فيراها أكثرَ اكتمالا وإتقانا مما يُعايشه بجَسده فِعلا. يُكسى الإدراكُ بالنفسِ هنا بوعيٍ زائفٍ: إذ يَتم التَعرف على الصُورة كانعكاسٍ لجَسد الذات، إلا انه وعيٌ زائفٌ بجسدٍ أكثرَ تفوقا فيسقِطه الى خارج الذات بوصفِه أنا مِثاليا، لتقوم الذات المُغتربة بإعادة إدماجه بوصفِه مثالَ الأنا، خالقا شروط التماهي المستقبلي مع الآخرين، وتَسبِق هذه اللحظة المِرآوية اللّغةَ لدى الطفل.

من المهم لهذه المقالة إظهار حَقيقة أنّ الصُورة هي التي تُكوِّن نسيج الخياليّ، الوعي/ الوعي الزائف والتماهي وبالتالي الصياغة الأولى للـ “أنا” الذاتية. إنها اللحظة التي يَصطدم فيها الافتتان البَصري السَابق (النَظر الى وَجه الأم كمِثال هو الاكثر وُضوحا) مع الشُكوك الاوليّة إزاء وعي ممكنٍ بالذاتّ. وها هنا تُولد قِصة عَلاقة غَرام / إحباط طويلة ما بين الصُورة وصُورة الذات، والتي وَجدت لها تعبيرا مُكثفا في الافلام واعترافا مبتهجا لدى مُشاهدي السينما. وبعيدا عن التشابه الخارجيّ ما بين الشاشة والمِرآة ( تأطير الشَكل البَشري ومُحيطه، على سبيل المثال) فإن للسينما مجموعة من البُنى القادِرة على بَعث افتتان قويّ وكافٍ لأن يَسمح بفقدانٍ مؤقتٍ للأنا في نفس الوقت الذي يعززه. إنّ هذا الشعور بنسيان العالم فورَ أن تم للأنا إدراكه (“لقد نسيت من أنا وأين انا”) هو استِذكارٌ حنينيٌّ لتِلك اللحظة المَاضية والما قبل ذاتية لإدراكِ صُورة الأنا.

وفي نفس الوقت تتميز السينما بإنتاجها أمثلةً عُليا، يُعبَّرُ عنها في مَنظومة من المُمثلين- النجوم بحيث يَحتل النجمُ مركزَ الاهتمام من حيث الحُضور على الشاشة أو في أحداث المَشهد الرُوائي، مُظهرا مَسارات مُعقدة من التشابه والاختلاف (يَحلُّ الفاتنُ الساحرُ محلَّ المُعتاد والمألوف).

(ج)

تم لنا في الفقرتين السابقتين (أ) و(ب) من المَقطع الثاني للمقالة توضيح الجوانب المُتناقضة داخل بُنية اللّذة البَصرية والقائمة في حَالة السينما التقليدية. الأول هو انحراف للدافع البَصري (Scopophilia) ينشأ من اللذة المتأتية من استخدام شخصٍ آخرَ كموضوع تَحفيز جنسيّ من خلال إمعان النظر. أما الثاني فيتطور عبر النرجسية وتكوين الأنا والآتي من التماهي مع الصُورة المُشاهَدة. وهكذا، فإن الأول وبلغة السينما يعني انفصال الهوية الشبقية للذات عن الموضوع والذي يتم عَرضه على الشاشة (انحراف فعال للدافع البَصري)، أما الثاني فيُحتِم تماهي الأنا مع الموضوع المَعروض على الشاشة وذلك من خلال الافتتان بالمشاهدة ومن خلال التَعرف على الشبيه. الأول هو وظيفة غرائزية جنسية والثاني وظيفة ليبيدوالانا (Egolibido).

لقد كانت هذه الثُنائية ثنائية حاسمة بالنسبة لفرويد ومع أنَّه نَظر اليهما بوصفهما متفاعلين متداخلين معا الا ان التوتر القائم بين الدوافع الغرائزية ووظيفة حفظ الذات يستمر على شَكل استقطاب دراماتيكي من وجهة استحقاق اللّذة. وكلاهما بُنى تكوينية، آليات وليست معانيَ، وفي حد ذاتها ليست ذات دلالة بل يجب ان ترتبط بمسار من المثلنة Idealization[7].

في نفس الوقت تتميز السينما بإنتاجها أمثلةً عُليا، يُعبَّرُ عنها في مَنظومة من المُمثلين- النجوم بحيث يَحتل النجمُ مركزَ الاهتمام من حيث الحُضور على الشاشة أو في أحداث المَشهد الرُوائي، مُظهرا مَسارات مُعقدة من التشابه والاختلاف (يَحلُّ الفاتنُ الساحرُ محلَّ المُعتاد والمألوف)

ويَسعى كِلاهما، بدون أدنى اكتراث للواقع المُدرك، الى خَلق مفهوم مُتخيل شَبقي الطابع عن العالم، هذا العالم الذي يُشكل إدراك الذات، في مُحاكة للواقع التجريبي الموضوعي مُحاكاة سَاخرة. وعلى مدى تاريخها يبدو وكأن السينما قامت بانتاج تَصور مُحدد عن الواقع، وجَد فيه التَناقض ما بين الليبيدو والأنا عَالمه الوهميَّ المُكمِّل والجميل. أما في الواقع فإن عَوالم مَشهد الوهم مَحكومة بقانون الواقع الذي يُنتجها. تَحوز الدوافع الجنسية ومَسارات التماهي على معانيها ضِمن النظام الرمزيّ الذي يَصوغ الرَغبة. وتسمح الرَغبة وهي التي تَنشأ مع اللّغة، بانتاج امكانية تجاوز ما هو غرائزيّ وخياليّ، لكنها تَعود دوما الى نقطة انطلاقها الاولى، الى تِلك اللَحظة الصادمة، لَحظة ولادتها- عُقدة الخِصاء. ومن هنا فإنَّ النَظرة البَاعثة للّذة من الشكل قد تغدو عاملا مُهددا من حيث المضمون، والمَرأة كمثال / صُورة هي من يُبلور هذه المُفارقة.

المرأة صورةً، الرجل حامل النَظرة

(أ)

في عالم مَحكوم بانعدام التوازن الجنسي يَتم انفصال اللّذة البَصرية الى لَذة فعالة/الذكر وخاملة/ الانثى. يُلقي الرجل المُتحكم بنَظرته المُحدقة هوامَه على الشخصية الانثى والتي تم تَصميمها خصيصا بما يتلاءم وهذا الهدف. ويَتم عَرض النِساء وفي الآن نفسه النَظر اليهن في أدوارهن الاستعراضية التقليدية وبمظهرهن الذي تم ترميزه ليغدو ذا تأثير شبقيّ وبصري بالغ، حتى ليقال بأنهن وكأنهن خلقن من أجل أن ينظر اليهن.

ويُشكل عرض المَرأة كموضوع جنسي الفكرة المهيمنة على المشهد الشبقيّ بِدءًا بعارضات الملصقات Pinups[8] وحتى متعريات الاغراء، كما لدى زيغفيلد Ziegfeld[9] ولدى بوسبي بيركلي Busby Berkeley[10]، تَقبِض المَرأة على النَظرة وتلعب دورها من أجل رَغبة الرجل وتدل على هذه الرَغبة.

تُوحِّد أفلام التيار المركزي المَشهد مع السرد بكل أناقة (لكن لاحظ كيف تقطع الفقرات الموسيقية /الراقصة سريان الحكاية). يُشكِّل حُضور المَرأة عُنصرا لا غنى عنه في افلام السرد المُعتادة، لكنَّ حُضورها البصري يميل الى العمل ضد تطور مسار القِصة، الى تجميد جَريان الاحداث في لحظة من التأمل الشهواني، ومن ثم فإن على حضورها الدخيل هذا أن يُدمج بشكل متماسك مع السرد، وكما يصف بود بويتشر (Budd Boetticher) الامر:

ما يتم احتسابه هو ما تُثيره النجمة المُمثلة أو بالاحرى ما تُمثله، إنها الشخص وبالاحرى الحُب أو الخوف الذي تُثيره في البطل أو بالاضافة اليه القلق الذي يشعر به نَحوها مما يجعله يقوم بما يقوم به على الشكل الذي يقوم به، أما المرأة في حد ذاتها فليست بذات أهمية.

وتقوم المَرأة المعروضة بوظيفتها على مستويين: كموضوع مُثير للشهوة لدى شخصيات المشهد الروائي وأيضا لدى المُشاهِد في صَالة العرض، حيث يتنقل التوتر بين النظرات على كلا جانبي الشاشة. ويُتيح نموذج فتاة العَرض تَوحد كلتا النظرتين دون ان يتم انقطاع في مسار الحِكاية. يتوالف أداء كل من المَرأة داخل السرد مع النَظرة المُحدقة للمُشاهِد ولشخوص الفيلم بعناية فائقة وبدون ان يُحدِث هذا الامر انقطاعا في مِصداقية مُجريات السرد. وللحظة ما يقود التأثير الجنسي للمِرأة القائمة على أداء دورها، الفيلمَ الى اللامكان، الى خارج الزمان والمكان. وعلى هذا الشكل يتم الظهور الاول لمارلين مونرو في The River of No Return ولأغنية لورين باكال To Have or Have Not. وبالمثل نشاهد ايضا كيف تُدمج لقطات عن قرب (Closeup) ومُتّبعة للسيقان (للممثلة ديترخ Dietrich على سبيل المثال) وللوجه (للممثلة جاربو Garbo مثلا) على المسار السردي نَسقا شهوانيا مُختلِفا. يَهدم جُزءٌ من الجَسد المُتشظي فضاءَ النهضة (أي المشهد البانورامي الشبيه بمشاهد رسومات عصر النهضة) ووَهم العُمق الذي يتطلبُه السرد، ليُحضِر معه سطحية هي في منزلة الوقت المُستقطع دون ان يُحضر معه مصداقيته الى الشاشة.

(ب)

إن ما يتحكم في تَقسيم العمل ما بين فعّال وخامِل هو ما يتحكم أيضا في تفضيل العلاقات مغايرة الجنس (Heterosexuality). إذ أنّه ووفق قواعد الايديولوجيا المُهيمنة والبُنى المادية التي تدعمها، ليس بمقدور الشخصية الذُكورية تَحمل عِبئء أن يتم التعامل معها تعاملا جنسيا تكون هي فيه الموضوع (Objectification). يُعارض الرجل أن يتم عرضه في موقع يكون هو فيه موضوعَ النَظرة المُحدِقة. لهذا فإن الانفصال ما بين السرد والمشهد يُدعِّم دورَ الرجل في الموقع الفعّال؛ ذلك الذي يدفع بمُجريات الامور قُدما، القادر على إتيان الفِعل وتَحريك الاحداث.

يتحكم الرجل بهَوام الفيلم ويصعد كممثل للقوة في المشاهد اللاحقة: كحامل لنَظرة المُشاهِد مُحولا إياها خلف الشاشة ومُبطِلا التوجهات الخارجية للحكاية (Extradiegtic) والمُتمثلة بالمرأة كمُشاهِدة. ويُصبح هذا مُمكنا من خلال مسارات مُتحركة ومن خلال تَصميم بُنية الفيلم التي تدور حول شخصية ذُكورية مُهيمنة يستطيع المشاهد التماهي معها. يلقي المشاهد المتماهي مع شخصية الممثل البطل بنظرته على تلك التي يود؛ شَريكته- البديلة على الشاشة بحيث تتزامن سَيطرة البطل الرئيسي على سير الاحداث مع السيطرة الفعّالة للنَظرة الشهوانية ويقود كلاهما الى الشعور بالرضى والقدرة الكلية.

ليست صِفات النجم السينمائي الذكر هي تلك الصفات التي لموضوع النَظرة المُحدِقة والمثير للشهوة، بل هي صفات تشير الى أنا مثالي، أكثر إتقانا وأتم كمالا وسيطرة من ذلك الأنا المثالي الذي يتم إدراكه في اللحظة الاصلية من مرحلة المرآة. وتستطيع الشخصية في الرواية أن تجعل الامور تحدث وهي تتحكم بسير الاحداث بشكل افضل من الذات/المُشاهِد، بالضبط كما كانت الصورة المِرآوية أكثر قُدرة على التحكم الحركي. وبعكس المَرأة المعروضة كأيقونة، تتطلب شخصية الرجل الفعّالة (الأنا المثالي في مسار التماهي) فضاءً ثُلاثي الابعاد يتلاءمُ مع الادراك المْرآوي حيث تُذوت الذات المُستلبة صورتها المُئمثلة في وجودها الخياليّ. إنه الشخصية داخل المنظر الطبيعي المفتوح. وهنا تدخل وظيفة الفيلم في اعادة انتاج الدِّقة المطلوبة وبالقدر الممكن من أجل خلق ما يسمى الظروف الطبيعية للادراك الانساني. تشترك تقنيات الكاميرا (وتتمثل باللقطات العميقة) وحركاتها (وتحددها حركات البطل) في إخراج غير مرئي (المطلوب من قبل الواقعية) من أجل تشويش حدود فضاء الشاشة. يشعر بطل الرواية الذكر أنه حُرٌّ يأمر المنصة، منصةً من فضاء وهميّ يُعبر فيها عن النَظرة ويصوغها، إنه خالقُ أفعاله.

(ج) 1

تم لنا في الفقرة (أ) و(ب) من المقطع الثالث للمقالة تَظهير التوتر القائم بين نَسق العرض الذي يتم فيه تَمثُل المَرأة في الفيلم وبين الاعراف المُتعارف عليها والمُحيطة بالحكاية السينمائية. وكلا الجانبين مُرتبط بالنظرة: النظرة التي للمُشاهِد والموجهة في علاقة مباشرة مع انحرافات الدافع البَصري نحو الشكل الأنثوي المعروض من أجل لذتِه (والذي يُحيل الى الهَوام الذُكوري)، وتلك النظرة لدى المُشاهِد المسحور بصورة النظير والمعروضة في حيز طبيعيّ مُتوهم يكتسب فيه القُدرة على التحكم وتملك المَرأة في الحكاية السينمائية.

يستطيع هذا التوتر والمُتنقل من قُطب الى آخر بناءَ نصٍ واحد وحيد. وهكذا في كلٍ من (Only Angels Have Wings) و(To Have and Have Not ) يبدأ الفيلم بمشهد المَرأة كموضوع للنَظرة المُحدِقة التي يشترك فيها المُشاهِد مع جميع الشخصيات الذُكورية في الفيلم. ويتم عزل المرأة وتقديمها بشكل جنسي وفاتن، لكن ومع تقدم السرد تقع المَرأة في حُب البطل لتصبح مُلكا له فتفقد تأثيرها الفاتن على الخارج، تفقد جنسانيتها المُعمَمة وإيحاءات فتاة الاستعراض، ويتم اخضاع شَهوانيتها للرجل النَجم وحده. من خلال التماهي مع البطل يستطيع المُشاهِد مُشاركته في سُلطته وتملكها بشكل غير مباشر.

لكنّ شخصية الأنثى في نظرية التحليل النفسي تطرح إشكالا أكثر عمقا، إذ إنها تُفيد ضِمنا أمرا تقوم النظرة بالدوران حوله وتُنكره؛ فقدانها عُضو الذُكورة مما يعني تهديدا بالخِصاء وبالتالي إنعدام اللذة. وفي نهاية المطاف فإن ما تَعنيه المَرأة هو وجود فارق جنسي وغياب عُضو الذُكورة قابلٌ للتحقق بالنظر وهو الدليل المادي الذي تتأسس عليه عقدة الخِصاء الضرورية لتنظيم الدخول الى النظام الرمزي وقانون الأب. لهذا فإن المَرأة معروضةً كأيقونة للنَظرة المُحدِقة وللّذة الرجل المُتحكم بهذه النَظرة، هي مصدرُ تهديدٍ دائمٍ ومصدرُ القلق الذي تدل عليه أصلا. يقف اللاوعي الذكوريّ أمام أحد مخرجين اثنين ممكنين للهرب من قلق الخصاء: إعادة الاشتغال على وتجديد الصدمة الاصلية ( اكتشاف المرأة وإزالة غموض أُحجيتها) يعادله سعي لانزال العقوبة بالموضوع الآثم، الابتعاد عنه أو خَفض قيمته (يتجسد هذا المسار في اهتمامات الفيلم الاسود Film Noir، أما المَخرَج الثاني فهو الانكار الكامل للخِصاء بواسطة التعويض من خلال موضوع - فيتيشي او بتحويل الشخصية المعروضة ذاتها الى فيتيش ليتحول مصدر التهديد الى مصدر طمأنينة (ومن هنا التقدير المبالغ فيه وطقوس عبادة البطلة النجمة).

يُرَفِّع المخرج الثاني-إنحراف الدافع البَصري في المسارالفيتيشي- من منزلة الجمال الجسدي للموضوع مُحولا إياه الى ما هو مُثير بحدّ ذاته للاشباع. بينما يرتبط المَخرَج الأول- شهوة التلصُص- السادية: حيث تَنبُع اللّذة من تثبيت الإثم ( في اتصال مباشر مع عُقدة الخِصاء) وفي تعميم السيطرة وإخضاع الشخص الآخر من خلال عملية فَرض العِقاب / ومنح العَفو. ويتلاءم هذا الجانب السادي مع السرد، إذ انه يتطلب وجود حكاية ما وتتعلق بإحداث نشاط وتغيرات في الشخص الآخر، في معركة ارادة وسيطرة، نصر /هزيمة، وتحدث جميعُها في زمن خطيّ له بداية ونهاية. بينما تستطيع انحرافات الدافع البَصري الفيتيشية، الحدوث خارج الزمن الخطيّ حيث تتركز الغريزة الشهوانية في النَظر وحده.

من الممكن استخدام أعمال كل من هيتشكوك (Hitchcock) وشتيرنبرغ (Sternberg) من أجل إيضاح هذه الاتجاهات المُتعارضة والمُبهمة، حيث تشكل النظرة مضمون الفيلم أو موضوعا بالغ الشأن لدى كليهما. إن أعمال هيتشكوك أكثر تعقيدا إذ أنها تستخدم كلتا الآليتين، بينما تشكل أعمال شتيرنبرغ أمثلة لاستخدام حب النظر الفيتيشي.

(ج) 2

هنالك تَصريح مشهور لشتيرنبرغ يقول فيه انه سيُرحب فيما لو تم عرض أفلامه مقلوبة رأسا على عَقِب بحيث لا تتداخل الحكاية أو أفعال شخصياتها مع استيعاب المُشاهِد لكثافة تدفق الصُور على الشاشة. ومع أن هذا التصريح قد يعتبر نوعا من إفشاء السر الا انه يتميز بالاستقامة. هو مستقيم كون أفلامه تتطلب من صور المرأة (والمثال الأكمل على هذا هو الممثلة ديتريخ في سلسلة أفلام مشتركة لهما) أن تكون قابلة للتعرف الفوري عليها. وهو إفشاء للسر حيث يؤكد على أن الحيز التصويري المؤطر هو بالنسبة اليه أكثر أهمية من السرد ومسارات التماهي. وفي حين يغوص هيتشكوك عميقا باستكشاف التلصُص التلذذي يقوم شتيرنبرغ بانتاج الموضوع الفيتيشي التام والنهائي، آخذا إياه الى النقطة التي تنكسر فيها نظرة البطل الذكر والبالغة القوة، لمصلحة صُورةٍ (للمرأة) تكون هي فيها في تواصل شهواني مباشر مع نظرة المشاهد.

يُدمج جمال المرأة كموضوع مع فضاء المشهد وتتوقف عن كونها حمَّالة الإثم، بل تغدو منتجا مِثاليا ذا جَسد تم ابداعه وتَفصيل أجزائه بلقطات أُخِذت عن قُرب. وهي الآن محتوى الفيلم والمحط الفوري لنظرة المُشاهِد. يُقلل شتيرنبرغ من شأن خدعة الشاشة العميقة الابعاد. فالشاشة لديه تميل لأن تكون أحادية البعد حيث تقوم كلٌ من الاضواء والظلال أو الأبخرة المتصاعدة وأوراق الاشجار أو الشِبَاك واللافتات بتقليص مجال الرؤية. وتكاد تنعدم لديه الامكانية لوجود وسيط يمكننا من مشاركة البطل الرئيسي الرؤية من خلال عينيه، بل على العكس تتعاون الشخوص المحجوبة جزئيا ( كشخصية "لا- بيسيري" في فيلم "مراكش" ) مع المخرج لتقف كالعازل أمام تماهيات المشاهدين.

والى جانب إصرار شتيرنبرغ على أن الرواية في أفلامه ليست بذات أهمية بحد ذاتها، فإنه لمن البارز ان الرواية لديه تتركز بالمواقف متخلية عن قلق الترقب، وهي رواية دائرية أكثر مما هي خطية، الا انها لا تدور حول صراع ما، بل حول التعقيدات الناشئة من إساءة أو انعدام فهم موقف ما. والغائب الأبرز عن المشهد هو النظرة المحدقة والمتحكمة للذكر. ففي ذروة الدراما العاطفية في أدوار ديتريخ النمطية وهي لحظات التسامي ذات المعاني الشبقية، يُغيَّب الرجلُ الذي تُحب عن المشهد. هنالك شهود آخرون، المشاهدون الذين يراقبونها على الشاشة من خلال نظرة محدقة واحدة. يختفي البطل توم براون (Tom Brown) داخل الصحراء في المشهد الختامي من فيلم "مراكش" (Morocco)، بينما تركل البطلة حذاءها الذهبي لتسير وراءه. وفي المشهد الختامي من الفيلم "سيئة السمعة" (Dishonored) يقف الكولونيل كرانو (Kranau) غيرَ مكترثٍ لمصير البطلة ماجدة (Magda). وفي كِلتا الحالتين يُعرض وقعٌ شبقيٌ تم تكريسه بالموت مشهدًا أمام الجمهور، في حين يسيء البطلُ الرجلُ فَهم الموقف وقبل هذا كله فإنه لا يرى.

يرى البطل الذكر في أفلام هيتشكوك بالضبط ما يراه الجمهور. لكن في الافلام التي سأناقشها هنا فإنه يتخذ من الافتتان بالصورة، هذا الافتتان المتكون من خلال التلصُّص التلذذي موضوعا لأفلامه. زد على هذا فإن البطل في هذه الأفلام يُصوِّر ما يُعايشه المُشاهِد من تناقضات وتوترات أثناء مشاهدته العرض. في "الدُوار" (Vertigo) على وجه الخصوص ولكن أيضا في "مارني" (Marnie ) و"النافذة الخلفية" (Rear Window) تُشكل النظرة مركز الأحبولة متنقلة بين التلصص التلذذي والافتتان الفيتيشي.

وفي انعطافة حادة يتلاعب هيتشكوك تلاعبا اضافيا بالمسار البصري الاعتيادي، إذ يستخدم مسار التماهي المرتبط عادة باللباقة الايديولوجية وبالاخلاقيات الحميدة والمعترف بها، ومن ثم يقلبها ليُظهر جانبها المُنحرِف. لا يُنكر هيتشكوك اهتمامه بالتلصُص التلذذي أكان سينمائيا أم لا. أبطاله هم ممثلو النظام الرمزيّ والقانون- في "الدُوار" رجل الشرطة، وفي "مارني" رجل بارز يمتلك المال والسلطة- لكن دوافعهم الشبقية تقودهم الى مواقف فاضحة. توجه سلطة إخضاع إرادة الشخص الآخر، سواء كانت من خلال المسار السادي أو من خلال النظرة التلصُصية التلذذية، ضد المرأة كموضوعٍ لكلتا الحالتين. وتستند هذه السلطة الى قناعة بحقوق شرعية والى الاثم المثبت للمرأة (أي استدعاء الخِصاء، من وجهة التحليل النفسي). وبالكاد يمكن إخفاء الانحراف الحقيقي بأقنعة واهية من اللباقة الايديولوجية - فالرجل على الجانب الصحيح للقانون والمرأة على الجانب الخطأ. إن المهارة الفائقة لهيتشكوك في استخدام مسارات التماهي واستعماله السخيّ للكاميرا الذاتية - التي تصور لقطات المشهد من زاوية نَظر البطل الرئيسي، تُقحِم المُشاهِد عميقا داخل موقف البطل وتشاركه نظرة البطل المحدقة والمضطربة. ينهمك الجمهور بالموقف التلصُصي التلذذي الجاري على الشاشة وفي حكاية تحاكي موقفه هو (أي الجمهور).

في تحليله لفيلم "النافذة الخلفية" يقوم دوتشيت (Douchet) (الناقد والمخرج الفرنسي) بدراسة الفيلم على أنه استعارة تدل على السينما. "جفري" هو الجمهور والأحداث التي تجري في الشقة السكنية المقابلة لشقة جفري هي الشاشة. وخلال مراقبته (لما يحدث في الشقة المقابلة، من خلال النافذة) فإن بُعدا شبقيا يضاف الى نظرته، لتتشكل صورة ذات ثقل مركزي في الدراما. أما فَتاته "ليسا"، فإنها ما دامت في الطرف المُراقِب فإنها تقف كالعائق فلا توقظ لديه قدرا كبيرا من الاهتمام الجنسي. ولكن عندما تقطع الحاجز ما بين العمارة التي يسكن هو فيها والعمارة المقابلة، عندها فقط تخلق علاقة شبقية بها من جديد. إنه لا يراها فقط من خلال عدسته صورةً بعيدةً بدون معنى، إنه يراها كمتطفل آثم يتعرض لتهديد رجل خطير، وبهذا يقوم بإنقاذها. لقد مُهِّد لميولِها الاستعراضية-الاستعرائية من خلال اهتمامها القهري بالموضة والملابس، ومن خلال موقعها كصورة خاملة للكمال البصري، وتم أيضا تأسيس التلصصية التلذذية لدى "جفري" ليكون على الجانب الفعال، من خلال كونه مصورا صحافيا وصانعا للحكايات وصائدا للصور. لكن الخمول المفروض عليه (كونه مصابا بكسر في الساق) يقيده في موقع المُشاهِد، مُبقيا أياه في مُربع الهوام والذي هو موقع جمهور السينما.

تحتل الكاميرا الذاتية المشهد في فيلم "الدُوار". فالى جانب المشاهد الارتجاعية (flashback) من زاوية نظر "جودي" فإن السرد يتأرجح حول ما يراه وما لا يراه "سكوتي". ويتابع الجمهور صعود هوس "سكوتي" الشبقي القاهر، والاحباط الذي يليه، وهذا كله من زاوية نظر "سكوتي". إن التلصُص التلذذي لدى "سكوتي" سافر في وضوحه: إنه يقع في حب إمرأة يراقبها ويتجسس عليها، بدون أن يكلمها. وكذلك هو الجانب السادي سافر في وضوحه أيضا: لقد اختار وبشكل حر، وهو المحامي الناجح، أن يكون شرطيا مع كل ما يفتحه هذا المجال من إمكانيات للمراقبة والتعقب. إنه يتابع ويراقب وجراء هذا يقع في حُب صورة كاملة من الجمال والغموض الأنثوي. وعندما يواجهها فعلا فإن دوافعه الشبقية تُحطِّمها وتدفعها لتكرر الاسئلة. وبعد هذا وفي الجزء الثاني من الفيلم يتولع مهوَّسا من جديد بالصورة التي أحب مشاهدتها خفية. فيعيد تكوين "جودي" كما لو أنها كانت " مادلين" مجبرا إياها على أن تكون في تشابه تام حتى أدق التفاصيل مع موضوعه الفيتيشي. إن ميلها الاستعراضي الاستعرائي، ميلها نحو الماسوخية، يجعلها شريكا خاملا ومثاليا لتلصصية "سكوتي" التلذذية والفعالة. وتدرك أن مهمتها هي في أن تؤدي الدور، وتدرك أيضا انه فقط من خلال أدائها الكامل لدورها وتكرار هذا الأداء تستطيع الحفاظ على اهتمامه الشبقي بها. ولكن فقط في المرحلة التي تكرر فيها دورها ينجح هو بكشف جرمها، ليفوز حب استطلاعه بالكامل وتعاقب هي لجرمها.

في فيلم "الدُوار" يُشكل تداخل الشبقي بالنظرة عاملا مُربِكا: ينقلب افتتان المشاهد عليه، حيث يحمله السرد عابرا به من خلال الافتتان فيغدو مشتبكا في نفس المسار الذي يُشاهده. يُوضع بطل هيتشكوك هنا داخل النظام الرمزيّ، بمفهومه السردي. إنه يمتلك جميع خصائص الانا العليا البطريركية. لهذا فإن المشاهد يُقاد نحو شعور زائف بأمان تزوده به الشرعية التي يظهر بها شريكه (أي بطل الفيلم - الشرطي المحقق)، فيرى من خلال عيني البطل، ويجد نفسه مكشوفا ومتورطا، واقعا في فخ الاشكالية الاخلاقية التي تفرضها النظرة.وبعيدا عن كون الفيلم في جانب ما حكاية بسيطة عن انحرافات شرطي، فإنه يركز على تداعيات الفاعلية/ النظر الى والخمول/ أن يُنظر اليك،بالتوازي مع التمايز الجنسي، ويركز على السلطة الرمزية الذكورية والمتجسدة هنا في البطل. وفي الفيلم "مارني" يُزود البطل "مارك روتلاند" بالنظرة المحدقة وتزود البطلة بأقنعة كافية لتجعل منها الصورة المثالية من أجل أن يُنظَر اليها. هو أيضا في جانب القانون، مُقادا من قبل هوسه باكتشاف اسرار البطلة وجرمها ومنتظرا لكي تُقدم على ارتكاب جرمها التالي أمام عينيه، ليجعلها تقر بالجرم فيقوم عندها بإنقاذها.وهو أيضا يغدو متورطا عندما يفعل ما يفعله خارجا عن ما تستدعيه منه سلطته. إنه يتحكم بالمال وبالكلام، انه من يستطيع أكل الكعكة والاحتفاظ بها في نفس الوقت.


ملخص

إن الخلفية النفس تحليلية التي تم نقاشها هي ذات صلة باللذة/ انعدام اللذة التي يعرضها السرد السينمائي علينا. تستخدم هذه السينما كلا من غريزة حب النظر (تحصيل اللذة من خلال النظر الى الآخر بوصفه موضوعا شبقيا) والى جانبها وبالضد منها ليبيدو الأنا (مشكِّلا مسارات التماهي) بوصفها بنيتها وآلياتها. صورة المرأة كعنصر خامل وخام لنظرة الرجل المُحدقة والفعالة تصل بجدالنا خطوة إضافية الى الأمام الى داخل بُنية التَمثُل - العرض (Representation) لتضيف بُعدا مطلوبا من قبل ايديولوجيا النظام البطريركي المُسيطر، كما يتبدى في شكله السينمائي المفضل- سينما السرد الوهمي.

ويعود الجدال الى الخلفية النفس تحليلية والتي تتمثل فيها المرأة بوصفها دلالة الخِصاء، مُدخلة آليات التلصُص التلذذي والمسار الفيتيشي في محاولة للالتفاف على هذا التهديد. ولا يشكل أي واحد من هذه الابعاد عنصرا أصيلا للسينما، بل إن هذه الابعاد تصل فقط في الشكل السينمائي الى تمام كمالها وتهافتها الجميل، هذا بفضل المجال المتاح في السينما لتنقل مركز ثقل النظرة. وهذا ما يجعل السينما مختلفة تماما، لنقل على سبيل المثال، من مُشاهَدة عُروض التعري أو المسرح وما اليه. وبعيدا عن تركيز السينما على أن المرأة موجودة "من أجل أن يُنظر إليها" فإن السينما تبني، من خلال المشهد، الطريقة التي يجب أن يتم النظر بها إليها. وفي تلاعب بالفيلم بوصفه المتحكم ببعد الزمن (من خلال التحيرير والسرد) وبالفيلم كمتحطم ببعد الحيز المكاني (الاقتراب والابتعاد، الاخراج) تخلق السنن السينمائية نظرة محدقة وعالما وموضوعا وبهذا فإنها تنتج هواما تم تفصيله وفق مقاييس اللذة. وأن ما يجب تحطيمه هوهذه السنن السينمائية وعلائقها الشكلانية بالبنى الخارجية، سوية مع اللذة التي تقدمها، قبل أن يتم تحدي سينما التيار المركزي التقليدي.

و(كنهاية)، يتوجب البدء بالنظرة التلصُصية التلذذية تحديدا، بوصفها الجزء المفصلي في اللذة السينمائية التقليدية، ليتم تحطيمها. هنالك ثلاثة أنواع من النظرة في السينما:

  • نظرة الكاميرا التي تسجل الأحداث ما قبل الفيلم
  • نظرة الجمهور الذي يشاهد المنتج الفيلمي جاهزا
  • نظرة شخصيات الفيلم على بعضها البعض داخل وهم المشهد

تُنكر تقنيات السرد السينمائي المتبعة الشكلين الاولين للنظرة وتخضعهما للشكل الثالث، ويجري هذا بشكل واعٍ تماما بهدف تصفية حضور الكميرا كدخيل وبهدف منع الجمهور من الحفاظ الواعي على مسافة ما دون الانغماس التام بالوهم المشهدي. وبدون هذين الغيابين (الوجود المادي لمسار تسجيل الصور والقراءة النقدية لدى المشاهد) لا تستطيع الدراما الحكائية بلوغ واقعيتها وبديهيتها ولا حقيقيتها. والى جانب هذا، وبحسب ما تدعيه هذه المقالة، تتناقض بُنية النظرة داخل الفيلم الحكائي السردي مع مُسلّماتها الخاصة: تُجازف صورة المرأة كتهديد بالخِصاء بوحدة الحكاية وتنفجر في وجه عالم الوهم كموضوع فيتيشي دخيل، ثابت وذي بُعد واحد. ولهذا يَتم بهوسٍ اخضاعُ كلتا النظرتين الموجودتين ماديا في الزمان وفي الحيز المكاني لحاجاتِ عُصابيةِ الأنا الذكوري.

تصبح الكاميرا آلية لأنتاج وهم فضاء المشهد البانورامي الشبيه بمشاهد عصر النهضة، متعقبة للحركات بما يتلاءم مع حركة العين البشرية، وفي آلية لإنتاج ايديولوجيا من تمثُل وعرض يدور حول وعي محدد للذات يتم تجاهل نظرة الكاميرا، من أجل بناء عالم يُقنع المُشاهِد الشريك بصدقية حدوثه. وبالتزامن مع هذا يتم إقصاء نظرة الجمهور كقوة أصيلة، فباقتراب تهديد صورة المرأة المعروضة كفيتيش من كسر فتنة الوهم، ومع الظهور المباشر للصورة الشبقية على الشاشة أمام عيني المشاهد (دون وسيط) يتم إخفاء حقيقة المسار الفيتيشي، وإخفاء الخوف من الخصاء، ليتم تثبيت النظرة وتثبيت المُشاهِد بما يمنع عنه الحفاظَ على مسافةٍ تنأى به عن الصورة الماثلة أمامه.

إن هذه العلاقات المعقدة من التفاعل المتبادل للنظرة، هي خاصية مميزة للفيلم. إنَّ أول ما يجب فعله ضد هذا التراكم المُوحَّد من تقاليد الفيلم المُتعارف عليها (والذي بُدئ بممارسته فعلا من قبل مخرجين جذريين) هو إطلاق نظرة الكاميرا بما تتضمنه من ملموسية الزمان والحيز المكاني، وتحرير نظرة الجمهور نحو عُزلة انفعالية وجدلية. ولا شك أن هذا سوف يُحطِّم حالةَ الإشباع والرضى واللذة، وسيحطم أيضا الأفضلية التي لهذا "الضيف غير المرئي"، وسوف يُظهِر بدون شك أيضا اعتمادَ الفيلم على آليات التلصُص التلذذي الفاعلة والخاملة. وأما النساء، وهنَّ اللواتي قد تم سلب صورتهن منهن، وهنَّ اللواتي قد تم استغلالهن من أجل هذه النهاية، سوف لن يستطعن النظرَ الى هذا التراجع للشكل السينمائي التقليدي، بأكثرَ من نظرة يعتريها ندمٌ شجيٌّ.


هوامش وحواشي

  1. التمركز الفالوسي (Phallocentrism): مصطلح في النظرية النقدية والتفكيكية وهو نحت من كلمتين فالوس ومركز وضعه دريدا في اشارة الى تفضيل الذكورة -الفالوس- في عملية بناء المعنى.
  2. مجلة “الشاشة” (Screen): مجلة أكاديمية بريطانية رائدة تُعنى بدراسة الأفلام السينمائية والاعمال التلفزيونية.
  3. المشهد الأوليّ (Primal scene): مصطلح في التحليل النفسيّ، يشير الى المرة الاولى التي يشهد فيها الطفل العملية الجنسية، وتكون في العادة بين الوالدين، مما يشكل صدمة في مسار تطور الطفل النفسيّ.
  4. Peeping Tom: دلالة على المتلصص التلذذي، ويعود أصل المصطلح الى حكاية شعبية بريطانية قديمة، حيث تقوم سيدة البلدة بالتجول عارية في محاولة لإقناع زوجها تخفيض الضرائب عن السكان، يمتنع سكان البلدة عن النظر الى سيدتهم عارية ما عدا “توم” (Tom)
  5. الاستعراضية الاستعرائية (Exhibitionism): هي القيام بعرض أجزاء من الجسد والتي لا تعرض في العادة للمشادة، كالثدي أو الاعضاء التناسلية في مكان عام أو شبه عام، وتنبع هذه الممارسة عادة من رغبة أو هوس قهري في إشباع اللذة لدى الآخر أو إحداث صدمة لديه.
  6. التأنيس (Anthropomorphism): هو إسناد خصائص وصفات بشرية إلى الجماد أو الحيوان أو الظواهر الطبيعية والخارقة أو الآلهة.
  7. المثلنة (Idealization): آلية نفسية واعية أو لاواعية يقوم من خلالها شخص ما بتقدير ذاته أو الآخرين تقديرا مبالغا فيه.
  8. Pinupsأو Pin-up girls: صور أو رسومات لعارضات أزياء أو فنانات في وضعيات ولباس مثير، ويتم طباعتها وتوزيعها بكميات كبيره، وتستخدم كملصقات دعائية لمنتج ما أو دعوة لحدث ما ويتم عرضها في الاماكن العامة.
  9. زيغفيلد (Ziegfeld): فلورنس زيغفيلد (1867-1932) منتج ومنفذ أعمال فنية استعراضية على خشبة مسرح برودوي – نيويورك. وتميزت عروضه الفنية بالعدد الكبير من العارضات الجميلات اللواتي سُمِّين “فتيات زيغفيلد” وكُنّ محط إعجاب الكثيرين
  10. بوسبي بيركلي (Busby Berkeley): (1895-1976) مخرج هوليودي واسع التأثير قام باخراج أفلام استعراضية موسيقية راقصة ضخمة.