وثيقة:المتعة البصرية والسينما الروائية

من ويكي الجندر
اذهب إلى: تصفح، ابحث

محتوى هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لأغراض أرشيفية، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و\أو ضُمِّنَت فيه روابط بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المصدر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

مقالة رأي

تأليف لورا مولفي
تحرير غير معيّن
المصدر معهد جوته في مصر
اللغة العربية
تاريخ النشر 2016

تاريخ الاسترجاع 2018-05-06

ترجمة عبد الرحيم يوسف
لغة الأصل الإنجليزية
العنوان الأصلي Visual Pleasure and Narrative Cinema
تاريخ نشر الأصل 1999


نُشرت هذه الترجمة في كتيب السينما الألمانية الجديدة من وجهة نظر نسوية ص.13-24. يوجد ترجمة أخرى لهذه المقالة، من ترجمة هشام روحانا ونشر موقع قديتا 2017.
قد توجد وثائق أخرى من نفس المصدر هذا النصّ موجود كذلك في ملف:السينما الألمانية الجديدة من وجهة نظر نسوية.pdf

مقدمة

استخدام سياسي للتحليل النفسي

تهدف هذه الورقة إلى استخدام التحليل النفسي لاكتشاف أين وكيف يتعزز سحر الفيلم عن طريق نماذج الافتتان سابقة الوجود العاملة بالفعل داخل ذات الفرد والتكوينات الاجتماعية التي شكلته. وتتخذ كنقطة بدء لها الطريقة التي يعكس بها الفيلم ويكشف بل ويلعب على التأويل المباشر والراسخ اجتماعيا للاختلاف الجنسي الذي يتحكم في الصور والطرق الإيروتيكية للنظر والمشاهدة. من المفيد أن نفهم ما كانت عليه السينما، وكيف عمل سحرها في الماضي؛ في الوقت الذي نحاول فيه الوصول إلى نظرية وممارسة ستتحديان سينما الماضي تلك. هكذا تكون نظرية التحليل النفسي ملائمة هنا كسلاح سياسي، يوضح الطريقة التي كوَّن بها لا وعي المجتمع البطريركي شكل الفيلم.

إن المفارقة في مفهوم مركزية القضيب بكل تجلياته هي أنه يعتمد على صورة المرأة المخصية كي يعطي نظاما ومعنى لعالمه. فكرة تقف فيها المرأة كمحور العجلة بالنسبة للنظام: فنقصها هو ما يجعل للقضيب حضورا رمزيا، ورغبتها هي حل مشكلة نقصها التي يشير إليها القضيب. ثمة كتابة حديثة في مجلة (سكرين Screen) عن التحليل النفسي والسينما لم تُبرز بشكل كاف أهمية تمثيل الشكل الأنثوي في نظام رمزي يعبر فيه هذا الشكل – في الملاذ الأخير – عن الإخصاء ولا شيء آخر. لنوجز الأمر باختصار: وظيفة المرأة في تكوين اللاوعي البطريركي لها شقان: فهي ترمز أولا إلى التهديد بالإخصاء عن طريق عدم امتلاكها فعلا لقضيب، وبهذه الطريقة ثانيا تربي طفلها داخل النظام الرمزي. وبمجرد تحقق هذا، يصل معنى وجودها في العملية إلى نهايته، فهي لا تدوم في عالم القانون واللغة إلا كذكرى تتأرجح بين ذكرى الوفرة الأمومية وذكرى الاحتياج. وكلتاهما تقومان على الطبيعة (أو على التشريح بعبارة فرويد الشهيرة). وتخضع رغبة المرأة لصورتها كحاملة للجرح الدامي، فهي لا يمكن أن توجد إلا فيما يتعلق بالإخصاء ولا يمكنها تجاوز هذا والتسامي عليه. إنها تحول طفلها إلى دال على رغبتها في امتلاك قضيب (وهو شرط الدخول – كما تتخيل – في النظام الرمزي). وعليها إما أن تفسح المجال بكياسة للكلمة – اسم الأب والقانون – أو أن تناضل لإبقاء طفلها مقموعا معها في غبشة الوهم. إذن تقف المرأة في الثقافة البطريركية كدال على الآخر بالنسبة للذكر، مقيدة بنظام رمزي يمكن للرجل فيه أن يحيا خيالاته وهواجسه كلها عبر السيطرة اللغوية بفرض هذه الخيالات والهواجس على الصورة الصامتة للمرأة التي مازالت مقيدة في مكانها كحاملة للمعنى، وليست كصانعة له.

هناك فائدة واضحة في هذا التحليل للنسويات، نوع من الجمال في تقديمه الدقيق لخبرة الإحباط في ظل نظام مركزية القضيب. إنه يقربنا من جذور قمعنا، ويقدم تعبيرا أوضح عن الأزمة، ويواجهنا بالتحدي الأساسي: كيفية محاربة اللاوعي المتشكل مثل لغة (المتكون بشكل أساسي عند لحظة قدوم اللغة) في الوقت الذي مازلنا فيه في قبضة اللغة البطريركية. لا توجد أي طريقة يمكننا بها إنتاج بديل على حين غرة، لكن يمكننا البدء في أخذ استراحة عن طريق دراسة وفحص البطريركية بالأدوات التي توفرها، والتي لا يُعد التحليل النفسي هو الأوحد فيها؛ بل هو أداة مهمة منها. مازالت هناك هوة هائلة تفصلنا عن موضوعات هامة للاوعي الأنثوي الذي قلَّما يتفق مع نظرية مركزية القضيب: تحديد جنس الطفلة الأنثى وعلاقتها بالرمزي، المرأة الناضجة جنسيا وليست أُمًا، الأمومة خارج دلالة القضيب، المهبل... لكن عند هذه النقطة، يمكن لنظرية التحليل النفسي كما وصلت إليه الآن أن تحسّن فهمنا على الأقل للوضع الراهن، للنظام البطريركي الذي نعيش في قبضته.

تدمير المتعة سلاح راديكالي

كنظام تمثيل متقدم، تطرح السينما أسئلة تتعلق بالطرق التي يبني بها اللاوعي (المتشكل على يد النظام السائد) وسائل الرؤية ومتعة المشاهدة. لقد تغيرت السينما طوال العقود القليلة الماضية. لم تعد ذلك النظام المتكتل المعتمد على الاستثمار الرأسمالي الكبير كما تمثل في أفضل أحواله في هوليوود خلال الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. لقد غيرت التطورات التكنولوجية (الـ 16 مللي، إلخ) الشروط الاقتصادية للإنتاج السينمائي، الذي يمكنه الآن أن يكون حِرَفيًا مثلما هو رأسمالي. وبالتالي غدا من الممكن لنوع من السينما البديلة أن يتطور. ومهما كان مقدار الوعي الذاتي والتهكم الذي تمكنت هوليوود من بلوغه، فقد قيدت نفسها دائما بترتيب المشهد التقليدي الذي يعكس التصور الأيديولوجي المهيمن للسينما. توفر السينما البديلة مساحة لميلاد سينما راديكالية بكلا المعنيين السياسي والجمالي، وتتحدى الادعاءات الأساسية للأفلام السائدة. ليس هذا من أجل رفض الأخيرة بشكل أخلاقي، بل لتسليط الضوء على الطرق التي تعكس من خلالها الانشغالات التقليدية لهذه الأفلام الهواجس العقلية للمجتمع الذي أنتجها، وعلاوة على ذلك للتأكيد على أنه يجب على السينما البديلة أن تبدأ على وجه التحديد بمقاومة هذه الهواجس والادعاءات. إن شكلا من السينما الطليعية سياسيا وجماليا ممكن الآن، لكنه يمكن أن يوجد فقط كنقيض.

لقد نشأ سحر الأسلوب الهوليوودي في ذروته (وفي كل السينما التي وقعت في مجال تأثيره) - ليس حصريا ولكن في أحد الجوانب الهامة - من تلاعبه الماهر والمُرضي بالمتعة البصرية. بلا منازع، قامت أفلام التيار السائد بصياغة الرموز الإيروتيكية في لغة النظام البطريركي المهيمن. في سينما هوليوود عالية التطور حدث عبر هذه الرموز فقط أن اقترب الموضوع المغترب – الممزق في ذاكرته الخيالية بإحساس الخسارة وبالرعب من نقص محتمل في الخيال – من إيجاد لمحة من الرضا: عبر الجمال الشكلي لهذه السينما ولعبها على الهواجس التكوينية لهذا الموضوع. سيناقش هذا المقال نسج هذه المتعة الإيروتيكية في الأفلام، ومعناها، وبشكل خاص المكان المركزي لصورة المرأة. يقال أن تحليل المتعة – أو الجمال – يدمرها. وهذا هو مقصد ذلك المقال. فلابد من الهجوم على شعور الأنا بالرضا والتعزيز اللذين يمثلان ذروة تاريخ الأفلام حتى الآن. ليس لصالح متعة جديدة يعاد بناؤها – والتي لا يمكن أن توجد في المجرد – ولا لصالح إجهاض متثاقف للمتعة؛ ولكن من أجل فتح طريق لرفض تام للسهولة والإحساس بالاكتمال المميزين للأفلام الروائية. والبديل هو ذلك الانفعال النابع من ترك الماضي في الخلف دون رفضه، متجاوزين الأشكال البالية أو القمعية، أو التجرؤ على كسر التوقعات بالمتعة العادية من أجل إنشاء لغة جديدة للرغبة.

متعة النظر/الافتتان بالتكوين البشري

أ‌

تقدم السينما عددا من المتع الممكنة. إحداها هي شهوة النظر. هناك ظروف يكون فيها النظر في حد ذاته مصدرا للمتعة، مثلما تكون هناك متعة على الجانب المقابل في أن تكون موضعا للنظر. في كتابه (ثلاث رسائل في نظرية الجنس)، قام فرويد في الأصل بعزل شهوة النظر كواحدة من الغرائز المكونة للجنس والتي توجد كمحركات مستقلة إلى حد كبير عن المناطق المثيرة للغريزة الجنسية. في هذه النقطة ربط فرويد شهوة النظر بالتعامل مع الآخرين كأشياء، بإخضاعهم لتحديقة مسيطرة وفضولية. وتتمركز أمثلته المحددة حول أفعال الأطفال التلصصية، ورغبتهم في رؤية الخاص والمحرم والتحقق منهما (الفضول تجاه الوظائف التناسلية والجسدية للآخرين، تجاه حضور أو غياب القضيب، وتجاه المشهد الأول بأثر رجعي). في هذا التحليل تكون شهوة النظر فعالة بشكل جوهري. (فيما بعد، في مقاله الغرائز والأهواء، طوَّر فرويد نظريته حول شهوة النظر إلى مدى أبعد، رابطا إياها بدايةً بمرحلة الإيروتيكية الذاتية ما قبل التناسلية، والتي تنتقل بعدها متعة النظر إلى الآخرين عن طريق المقارنة التناظرية. هناك علاقة عمل حميمة هنا بين الغريزة النشطة وتطورها اللاحق في شكل نرجسي. ورغم أن الغريزة تتغير على يد عوامل أخرى، خاصة تكوين الأنا، إلا أنها تستمر في الوجود كقاعدة إيروتيكية لمتعة النظر إلى شخص آخر كهدف. في أقصى الحدود يمكن أن تغدو ثابتة في شكل انحراف، منتجة أشخاصا مهووسين بالتلصص، يتحقق إشباعهم الجنسي الوحيد عن طريق مشاهدة شخص آخر مُشيَّأ، بمعنى مسيطر فعال.

لدى النظرة الأولى، ستبدو السينما بعيدة عن العالم التجسسي للمراقبة الخفية لضحية غير عارفة ولا راغبة. ما يُرى من الشاشة هو المعروض بوضوح شديد. لكن الحجم الكبير لأفلام التيار السائد، والتقاليد التي تطورت في إطارها بطريقة واعية، تُصور عالما مغلقا بإحكام ينفتح بطريقة سحرية – غير مبال بوجود الجمهور – منتجا لهم إحساسا بالانفصال ولاعبا على خيالهم التلصصي. علاوة على ذلك، يساعد التناقض البالغ بين الظلام في صالة العرض (التي تعزل كذلك المتفرجين أحدهم عن الآخر) والتماع الأشكال المتحركة من الضوء والظل على الشاشة في تعزيز وهم الانفصال التلصصي. ورغم أن الفيلم يُعرض بالفعل، وموجود هناك كي تتم مشاهدته، إلا أن ظروف العرض والتقاليد السردية تعطي المتفرج وهما بالنظر إلى عالم خاص. وسط العديد من الأشياء، فإن وضع المتفرجين في السينما هو على نحو صارخ وضع كبت لرغبتهم في الاستعراض وإسقاط للرغبة المكبوتة على المؤدي.

ب‌

تُشبع السينما رغبة أولية في النظر الممتع، لكنها تذهب أيضا إلى أبعد من ذلك، مطورة شهوة النظر في جانبها النرجسي. تركز تقاليد أفلام التيار السائد الاهتمام على الشكل البشري. المقاييس والفضاء والقصص كلها مجسمة. هنا يمتزج الفضول والرغبة في المشاهدة مع الافتتان بالتشبه والتمييز: الوجه البشري، الجسد البشري، العلاقة بين الشكل البشري ومحيطه، الحضور المرئي للشخص في العالم. وقد وصف جاك لاكان كيف تكون اللحظة التي يتعرف الطفل فيها على صورته الخاصة في المرآة ذات أهمية كبيرة في تكوين الأنا. هناك العديد من الجوانب في هذا التحليل التي تتفق مع سياقنا هنا. تحدث مرحلة المرآة في الوقت الذي تتجاوز فيه طموحات الطفل البدنية قدرته الحركية، وينتج عن ذلك أن يكون تعرفه على نفسه مبهجا لأنه يتخيل أن صورته في المرآة ستكون أكثر اكتمالا وأكثر كمالا مما يختبره في جسده نفسه. هكذا تغطي طبقة من سوء التمييز على التمييز: فالصورة التي تم التعرف عليها تُرى باعتبارها الجسد المنعكس للذات، لكن إساءة تمييزها على أنها أكثر تفوقا يُسقط ذلك الجسد خارج ذاته كأنا مثالية، إنها الذات المغتربة التي – بإعادة اندماجها كأنا مثالية – تثير التوليد المستقبلي للتطابق مع الآخرين. إن لحظة المرآة تسبق اللغة بالنسبة للطفل.

هناك حقيقة هامة لهذا المقال؛ ألا وهي أن ما يُكوِّن منظومة الخيال – والتمييز وسوء التمييز والتطابق – هو صورة، وبالتالي تلك الصورة كذلك هي ما يُكوِّن أول تعبير عن الـ "أنا"، عن الذاتية. تلك لحظة يصطدم فيها افتتانٌ أقدم بالنظر (لوجه الأم كمثال صريح) مع اللمحات الأولى للوعي بالذات. من هنا ولدت علاقة الحب / اليأس الطويلة بين الصورة وصورة الذات، والتي وجدت مثل هذا التعبير القوي عنها في الفيلم ومثل هذا التمييز المبهج لها في جمهور السينما. بعيدا إلى حد ما عن التشابهات العارضة بين الشاشة والمرآة (على سبيل المثال تأطير الشكل البشري داخل محيطه)، فإن السينما لديها أنساق من الفتنة قوية بما يكفي للسماح بالفقد المؤقت للأنا وبتعزيزها في نفس الوقت. إن الإحساس بنسيان العالم كما تصورته الأنا بعد ذلك (نسيت مَن أكون وأين كنت) هو بمثابة تذكار نوستالجي لتلك اللحظة قبل الذاتية للتعرف على الصورة. في نفس الوقت فقد ميزت السينما نفسها بإنتاج الأنا المثالية كما يتمثل بشكل خاص في نظام النجم السينمائي، فالنجوم يتصدرون كلا من وجود الشاشة وقصة الشاشة بينما يقومون بتقديم عملية معقدة من التشابه والاختلاف (حيث يجسد النجم اللامع حياة الشخص العادي).

ت‌

النقطتان أ و ب من القسم الثاني في هذا المقال قد عرضتا جانبين متناقضين من أنساق متعة المشاهدة في الوضع السينمائي التقليدي. الجانب الأول – شهوة النظر – ينشأ من متعة استخدام شخص آخر كهدف للإثارة الجنسية عبر الرؤية. أما الجانب الثاني – الذي يتطور عبر النرجسية وعملية تكوين الأنا – فيأتي من التطابق مع الصورة المرئية. هكذا – بمصطلحات السينما – يتضمن الجانب الأول فصل الهوية الإيروتيكية للذات عن الموضوع على الشاشة (شهوة النظر الفعالة)، بينما يتطلب الجانب الآخر تطابق الأنا مع الموضوع على الشاشة عبر افتتان المتفرج بشبيهه وتعرفه عليه. الجانب الأول هو وظيفة الغرائز الجنسية، والثاني هو رغبة الأنا الجنسية (الليبيدو). كان هذا الانقسام بالغ الأهمية لفرويد. ورغم أنه رأى الجانبين متفاعلين ومتراكبين على بعضهما البعض، إلا أن التوتر بين المحركات الغرائزية والحفاظ على الذات يظل بمثابة استقطاب دراماتيكي فيما يتعلق بالمتعة. فكلاهما نسقان تكوينيان، ميكانيزمات وليست معنى. في حد ذاتهما لا يملكان أي مغزى، فلابد أن يُلحقا بميكانزم المعالجة المثالية. كلاهما يتعقبان أهدافهما بلا مبالاة بالواقع الحسي، خالقين المفهوم التصويري ذا الطابع الإيروتيكي للعالم الذي يشكل إدراك الذات ويسخر من الموضوعية التجريبية.

خلال تاريخها، ببدو أن السينما قد طورت وهما خاصا عن واقع وجد فيه هذا التناقض بين الليبيدو والأنا عالما خياليا تكميليا بشكل جميل. في الواقع يخضع عالم الشاشة الوهمي للقانون الذي أنتجه. إن الغرائز الجنسية وعمليات التطابق لديها معنى داخل النظام الرمزي الذي يعبر عن الرغبة. تسمح الرغبة – المولودة مع اللغة – بإمكانية التسامي بالغرائزي والخيالي، لكن نقطتها المرجعية تعود باستمرار إلى لحظة ميلادها الصادمة: عقدة الإخصاء. وبالتالي فإن النظرة الممتعة شكلا يمكن أن تكون مهددة موضوعا، والمرأة كتمثيل / صورة هي ما يبلور هذه المفارقة.

المرأة كصورة، والرجل كحامل للنظرة

أ‌

في عالم ينظمه اختلال التوازن الجنسي، انقسمت متعة النظر بين الذكر/الفاعل والأنثى/المفعول بها. تُسقط نظرة الذكر الحاسمة تخيلها على جسد الأنثى الذي يجرى تصميمه وفقا لذلك. في دورهن الاستعراضي التقليدي تكون النساء محط النظر والعرض في نفس الوقت، ويُصاغ مظهرهن ليعكس أثرا بصريا وإيروتيكيا قويا بحيث يمكن القول أنهن يُشرن ضمنا إلى حالة (أن تكون محط النظر). النساء المعروضات كموضوع جنسي هن موتيفة متكررة في العروض الإيروتيكية: من الملصقات المثيرة إلى عروض التعري، من زيجفيلد إلى بازبي بيركلي، تخطف المرأة الأبصار وتلعب على رغبة الذكر وتشير إليها. ربطت أفلام التيار السائد بعناية بين الاستعراض والسرد. (لاحظ مع ذلك كيف تكسر أعداد الأغاني والرقصات في الأفلام الموسيقية تدفق الحبكة). إن وجود المرأة عنصر مشهدي لا يمكن الاستغناء عنه في الفيلم الروائي العادي، حتى لو مال حضورها المرئي إلى العمل ضد تطور أحد خطوط القصة، أو إلى تجميد تدفق الحدث في لحظات من التأمل الإيروتيكي.

عندئذ لابد لهذا الحضور الغريب من أن يندمج في كتلة متماسكة مع السرد. كما صاغها بود بيتيكر:

"المهم هو ما تثيره البطلة، أو بالأحرى ما تمثله. إنها الشخص الذي يجعل البطل يتصرف على النحو الذي يتصرف به، أو لعله الحب أو الخوف الذي توحي به إليه، أو الاهتمام الذي يشعر به نحوها. أما المرأة في حد ذاتها فليس لها أقل أهمية."

(هناك ميل حديث في الأفلام الروائية للاستغناء عن هذه المشكلة كلية؛ وهو ما يُعد تطويرا لما أسمته مولي هاسكل "أفلام الرفاق" حيث يمكن للإيروتيكية المثلية الفعالة للشخصيات الرجالية المركزية أن تحمل القصة دون إلهاء.) بشكل تقليدي فقد عملت المرأة المعروضة على مستويين: هدف إيروتيكي للشخصيات داخل قصة الشاشة، وكهدف إيروتيكي للمتفرج داخل صالة العرض، مع حالة من التوتر المنتقل بين النظرات على جانبي الشاشة. على سبيل المثال، يسمح ابتكار (فتاة الاستعراض) بتوحيد النظرتين تقنيا دون أي كسر ظاهر في الحبكة. تؤدي المرأة داخل الفيلم الروائي، وتتوحد نظرة المشاهد مع نظرة الشخصيات الرجالية في الفيلم بطريقة منظمة دون كسر المصداقية السردية. للحظة يأخذ التأثير الجنسي للمرأة المؤدية الفيلم إلى عالم لا وجود له خارج زمانه ومكانه. هكذا يكون الظهور الأول لمارلين مونرو في فيلم River of No Return (نهر بلا عودة) وأغاني لورين باكال في To Have or Have Not (أن تملك ولا تملك). على نحو مشابه، تقوم اللقطات المقربة close-ups للسيقان (مارلين ديتريش على سبيل المثال) أو الوجه (جريتا جاربو) بدمج حالة مختلفة من الإيروتيكية داخل السرد. إن جزءا واحدا من جسد متشظٍ يدمر أبعاد المكان القادمة من عصر النهضة، وهم العمق الذي يتطلبه السرد، ويقدم للشاشة التسطيح، سمة الشكل المقصوص أو الأيقونة بدلا من المصداقية.

ب‌

على نحو مشابه تحكَّم تقسيم للعمل محب للجنس الآخر بشكل فاعل / مفعول به في البنية السردية. وفقا لمبادئ الأيديولوجيا الحاكمة والأنساق العقلية التي تدعمها، لا يمكن للشخصية الرجالية أن تتحمل عبء التشيؤ الجنسي. يأنف الرجل من النظر إلى مثيله المستعرض لجسده. وبالتالي يقوم الانفصال بين الاستعراض والسرد بدعم دور الرجل باعتباره الفاعل في دفع القصة إلى الأمام، في جعل الأشياء تحدث. يتحكم الرجل في خيال الفيلم ويبرز كذلك كممثل للسلطة بمعنى إضافي: كحامل لنظرة المتفرج، محولا إياها خلف الشاشة ليُحيّد الميول الزائدة على السرد التي تمثلها المرأة كمحط للأنظار. يغدو هذا ممكنا عبر العمليات التي يحركها بناء الفيلم حول شخصية متحكمة رئيسية يمكن للمتفرج أن يتطابق معها. وبينما يتطابق المتفرج مع البطل الرئيسي الذكر ، يُسقط نظرته على نظرة مثيله، بديله على الشاشة، وهكذا تتطابق قوة البطل الذكر أثناء تحكمه في الأحداث مع القوة الفاعلة للنظرة الإيروتيكية، إذ تعطي الاثنتان إحساسا مُرضيا بالقدرة الكلية. إن السمات الباهرة للنجم السينمائي الذكر من ثَمَّ ليست هي سمات الهدف الإيروتيكي للنظرة، لكنها سمات الأنا المثالية الأكثر كمالا واكتمالا وقوة التي يتم تخيلها في اللحظة الأصلية للتعرف على الذات أمام المرآة. تستطيع الشخصية في القصة أن تجعل الأشياء تحدث وتتحكم في الأحداث أفضل من التابع / المتفرج، بالضبط مثلما كانت الصورة في المرآة أكثر تحكما في تنسيق الحركة. على النقيض من المرأة كأيقونة، تتطلب الشخصية الرجالية الفاعلة (وهي الأنا المثالية لعملية التطابق) فضاء ثلاثي الأبعاد يتطابق مع فضاء التعرف المرآوي الذي استبطن فيه التابع المغترب تمثيله لهذا الوجود التخيلي. إنها شخصية في محيط طبيعي. وهنا تكون وظيفة الفيلم هي أن ينتج بأكبر دقة ممكنة ما يُطلق عليه الظروف الطبيعية للإدراك الحسي البشري. إن تكنولوجيا الكاميرا (كما تتمثل في البؤرة العميقة deep focus على وجه الخصوص) وحركات الكاميرا (التي يحددها تحرك البطل الرئيسي) بالاشتراك مع عملية التصحيح المتوارية (التي تتطلبها الواقعية) كل هذا يميل إلى تشويش حدود فضاء الشاشة. إن البطل الرئيسي الذكر حر في قيادة خشبة المسرح، مسرح من وهم مكاني يعبر فيه عن النظرة ويخلق الفعل.


ت‌

ا.

لقد عرضت النقطتان أ و ب من القسم الثالث في هذا المقال للتوتر بين حالة تمثيل المرأة في الفيلم والتقاليد المحيطة بتقديم الحبكة. وترتبط كل منهما بنظرة: نظرة المتفرج في اتصال مباشر شبقي النظرة بالهيئة الأنثوية المعروضة لمتعته (موحية بخيالات ونزوات ذكورية) ونظرة المتفرج المفتون بصورة مثيله الموضوعة في وهم المكان الطبيعي، وعبرها يكتسب التحكم والامتلاك للمرأة الموجودة داخل الحكاية. (هذا التوتر والانتقال من قطب إلى آخر يمكنه أن يُكوّن نصا واحدا. لذلك في فيلمي ( الملائكة فقط تملك أجنحةAngels Only Have Wings) و(أن تملك ولا تملك To Have and Have Not) يبدأ الفيلم بالمرأة كهدف للتحديق المشترك من المتفرج وجميع الأبطال الرئيسيين الذكور في الفيلم. وتكون هي معزولة، فاتنة، متاحة للعرض، ذات طابع جنسي. لكن مع تطور السرد تقع في الحب مع البطل الرئيسي وتصبح ملكا له، وتفقد سماتها الخارجية الباهرة، وطاقتها الجنسية الواسعة، ودلالاتها كفتاة استعراض؛ إذ تخضع إيروتيكيتها للنجم الذكر وحده. وعن طريق التطابق معه، عبر المشاركة في سلطته، يمكن للمتفرج أن يمتلكها أيضا بطريقة غير مباشرة.)

مارلين مونرو وروبرت ميتشوم في لقطة إعلانية من فيلم نهر بلا عودة (1954). "وبينما يتطابق المتفرج مع البطل الرئيسي الذكر، يُسقط نظرته على نظرة مثيله، بديله على الشاشة، وهكذا تتطابق قوة البطل الذكر أثناء تحكمه في الأحداث مع القوة الفاعلة للنظرة الإيروتيكية، إذ تعطي الاثنتان إحساسا مُرضيا بالقدرة الكلية."

لكن وفقا لمصطلحات التحليل النفسي، تطرح الشخصية الأنثوية مشكلة أعمق. فهي تشير كذلك إلى شيء ما تدور النظرة حوله باستمرار لكنها تتنصل منه: افتقارها إلى القضيب، وما يوحي به ذلك من تهديد بالإخصاء وبالتالي إجهاض المتعة. في النهاية يكون معنى المرأة هو الاختلاف الجنسي، غياب القضيب كشيء يمكن التحقق منه بالنظر، الدليل المادي الذي تستند عليه عقدة الإخصاء اللازمة لتنظيم الدخول إلى النظام الرمزي وقانون الأب. هكذا تثير المرأة كأيقونة معروضة لتحديق ومتعة الرجال – المتحكمين الفاعلين في النظر – دائما القلق الذي كانت تدل عليه. ويمتلك لا وعي الذكر سبيلين للهروب من هذا الخوف من الإخصاء: الاستغراق في إعادة تجسيد الصدمة الأصلية (فحص المرأة، وتبديد الغموض الذي يكتنف سرها)، مع إعادة التوازن عن طريق تخفيض القيمة أو العقاب أو الاقتصاد في الموضوع الآثم (وهو سبيل يجد تجسيده في اهتمامات الفيلم نوار Film Noir)؛ أو الإنكار التام للإخصاء عن طريق التعويض بشيء فيتيشي a fetish object أو تحويل الشخصية المُمَثَّلة نفسها إلى (فيتيش) حتى تصبح شيئا مطمئنا بدلا من كونها مصدر خطر (وبالتالي المبالغة في التقييم، وعبادة النجمة الأنثى). هذا السبيل الثاني، شهوة النظر الفيتيشية، ينشئ الجمال المادي للهدف، ويحوله إلى شيء مشبع في حد ذاته. أما السبيل الأول، التلصص، فهو على النقيض يحمل ارتباطات بالسادية: حيث تكمن المتعة في التأكد من الذنب (المرتبط فورا بالإخصاء)، معززا بذلك التحكم ومخضعا الشخص المذنب من خلال العقاب أو العفو. يتلاءم هذا الجانب السادي تماما مع السرد. فالسادية تتطلب قصة، وتعتمد على جعل شيء ما يحدث، محدثة تغييرا بالقوة في شخص آخر، معركة إرادة وقوة، نصر / هزيمة، وكلها تحدث في زمن خطي له بداية ونهاية. على الجانب الآخر يمكن لشهوة النظر الفيتيشية أن توجد خارج الزمن الخطي حيث يتم تركيز الغريزة الإيروتيكية على النظر فقط. يمكن توضيح هذه التناقضات والالتباسات ببساطة أكبر عن طريق استخدام أعمال لهيتشكوك وستيرنبرج، حيث يتخذ كلاهما من النظرة في الأغلب المحتوى والموضوع للكثير من أفلامهما. هيتشكوك هو الأعقد، حيث يستخدم كلا الآليتين، بينما تقدم أعمال ستيرنبرج على الجانب الآخر أمثلة كثيرة نقية لشهوة النظر الفيتيشية.

2.

من المعروف جيدا أن ستيرنبرج قال ذات مرة أنه يرحب بعرض أفلامه مقلوبة حتى لا تتداخل القصة وتورط الشخصة مع تقدير المتفرج غير المخفف للصورة على الشاشة. هذه الجملة كاشفة لكنها ساذجة. ساذجة لأن أفلامه تتطلب أن تكون شخصية المرأة (ديتريش في مجموعة أفلامه معها، كمثال مطلق). لكنها كاشفة لأنها تؤكد حقيقة أنه بالنسبة له فإن المساحة التصويرية المحاطة بإطار أكثر أهمية من السرد أو عمليات التطابق. في الوقت الذي يدخل فيه هيتشكوك إلى الجانب الاستقصائي من التلصص، ينتج ستيرنبرج الفيتيش المطلق، آخذا إياه إلى حد انكسار النظرة المهيمنة للبطل الرئيسي الذكر (وهي سمة الفيلم الروائي التقليدي) لمصلحة الصورة في علاقة إيروتيكية مباشرة مع المتفرج. يندمج جمال المرأة كشيء مع مساحة الشاشة؛ فهي لم تعد حاملة للذنب لكنها مُنتَج نموذجي، جسدها – المؤسلب والمتشظي عن طريق اللقطات المقربة – يغدو هو محتوى الفيلم، والمتلقي المباشر لنظرة المتفرج. يقلل ستيرنبرج من أهمية وهم عمق الشاشة؛ فتميل شاشته لأن تكون ذات بعد واحد، حيث يعمل الضوء والظل، والدانتيل، والبخار، وأوراق الشجر، والشبك، وشرائط الزينة على تقليل مجال الرؤية. هناك القليل من التدخل أو حتى لا يوجد أي تدخل من النظرة عبر عيني البطل الرئيسي الذكر. وعلى النقيض من ذلك، تعمل التواجدات الظلالية مثل شخصية لاباسيير La Bessière في فيلم (مراكش Morroco) كنائبين عن المخرج، متحررين كما هم من تطابق الجمهور معهم. ورغم إصرار ستيرنبرج على أن قصصه لا علاقة لها بالموضوع، فمن الأهمية بمكان أنها متعلقة بالموقف وليس بالتشويق، وبالزمن الدائري أكثر من الزمن الخطي، بينما تدور تعقيدات الحبكة حول سوء التفاهم أكثر من الصراع. أهم غياب هو غياب النظرة الذكرية المسيطرة داخل مشهد الشاشة. إن ذروة الدراما العاطفية في أكثر أفلام ديتريش النموذجية، ولحظاتها القصوى من المعنى الإيروتيكي، تحدث في غيبة الرجل الذي تحبه في القصة. هناك شهود عيان آخرون، متفرجون آخرون يشاهدونها على الشاشة، نظرتهم تنضم إلى نظرة الجمهور ولا تحل محلها. في نهاية فيلم (مراكش)، يكون توم براون قد اختفى بالفعل في الصحراء عندما تركل إيمي جولي صندلها الذهبي وتمشي وراءه. في نهاية فيلم (المُهان Dishonoured ) لا يكترث كراناو بمصير ماجدة. في كلتي الحالتين، يُعرض التأثير الإيروتيكي – المُطهَّر من الخطيئة بالموت – كمشهد للفرجة أمام الجمهور. يسيء البطل الذكر الفهم، ناهيك عن أنه لا يرى.

على العكس من ذلك في أفلام هيتشكوك يرى البطل بدقة ما يراه الجمهور. مع ذلك، وفي الأفلام التي سأناقشها هنا، فإنه يأخذ الافتتان بالصورة عبر الإيروتيكية المتعلقة بشهوة النظر كمادة الفيلم. علاوة على ذلك، في تلك الحالات يصور البطل التناقضات والتوترات التي يشعر بها المتفرج. في فيلم (فيرتيجو Vertigo) على وجه الخصوص، لكن في (مارني Marnie) و(النافذة الخلفية Rear Window) كذلك، تكون النظرة مركزية للحبكة، متأرجحة بين التلصص والافتتان الفيتيشي. كحيلة، أو استغلال أكبر لعملية المشاهدة العادية التي تكشفها بمعنى ما، يستخدم هيتشكوك عملية التطابق المرتبطة في العادة بالنزاهة الأيديولوجية وتمييز الأخلاقيات الراسخة ويُظهر جانبها المنحرف. لم يُخفِ هيتشكوك أبدا اهتمامه بالتلصص، السينمائي وغير السينمائي. إن أبطاله هم مثال للنظام الرمزي والقانون – رجل بوليس (فيرتيجو)، ذكر مسيطر يمتلك المال والسلطة (مارني) – لكن دوافعهم الإيروتيكية تؤدي بهم إلى مواقف مشينة. إن القدرة على إخضاع شخص آخر للإرادة بطريقة سادية أو على التحديق بطريقة متلصصة تتحول إلى المرأة كموضوع للاثنتين. تتدعم السلطة بيقين الحق القانوني وإثم المرأة الراسخ (المستدعي للإخصاء، بلغة التحليل النفسي). بالكاد يتم إخفاء الانحراف الحقيقي تحت قناع ضحل من النزاهة السياسية – الرجل على الجانب الصحيح من القانون، والمرأة على الجانب الخطأ. إن استخدام هيتشكوك الماهر لعمليات التطابق واستخدامه الوافر للكاميرا الذاتية من وجهة نظر البطل الرئيسي الذكر يشدان المتفرجين بعمق إلى موقعه، ويجعلانهم يشاركونه نظرته القلقة. يستغرق الجمهور في موقف تلصصي داخل المشهد على الشاشة وفي حكاية تحاكي على نحو ساخر حكايته في السينما. في تحليله لفيلم (النافذة الخلفية) يأخذ دوشيه Douchet الفيلم كمجاز للسينما. جيفريز Jeffries هو الجمهور، والأحداث في شقة العمارة المقابلة تتطابق مع الشاشة. وأثناء مراقبته، يُضاف بُعد إيروتيكي إلى نظرته، صورة مركزية للدراما. وكانت فتاته ليزا Lisa ذات أهمية جنسية قليلة بالنسبة له، تقريبا بمثابة عائق، طالما ظلت في جانب المتفرج. وعندما تعبر الحاجز بين حجرته والعمارة المقابلة، تولد علاقتهما من جديد إيروتيكيًا. إنه لا يراقبها فقط عبر عدساته، كصورة بعيدة ذات مغزى، لكنه يراها كذلك كمتطفلة مذنبة يكشفها رجل خطر يهددها بالعقاب، وهكذا ينجح أخيرا في إنقاذها. لقد ترسخت استعراضية ليزا بالفعل عن طريق اهتمامها المهووس بالملبس والموضة، في كونها صورة سلبية للكمال البصري: كما ترسخ تلصص جيفريز ونشاطه عبر عمله كمصور صحفي، صانع للقصص وملتقط للصور. لكن قعوده القسري الذي يربطه إلى كرسيه كمتفرج، يضعه مباشرة في موضع خيال جمهور السينما.

في فيلم (فيرتيجو) تغلب الكاميرا الذاتية، باستثناء فلاش باك واحد من وجهة نظر جودي Judy، ويتم نسج السرد حول ما يراه سكوتي Scottie أو ما يفشل في رؤيته. يتتبع الجمهور نمو هوسه الإيروتيكي ويأسه اللاحق بدقة من وجهة نظره. إن تلصص سكوتي صارخ: فهو يقع في حب امرأة يتتبعها ويتجسس عليها دون أن يكلمها. وجانبه السادي صارخ كذلك: فقد اختار (واختار بحرية، لأنه كان محاميا ناجحا) أن يكون رجل شرطة، مع كل الإمكانيات المصاحبة للمتابعة والتحري. وكنتيجة لذلك، يتتبع ويراقب ويقع في حب صورة نموذجية للجمال والغموض الأنثوي. وفي المرة التي يواجهها فيها بالفعل، يكون محركه الإيروتيكي هو جعلها تنهار وإجبارها على الكلام عبر استجواب تفصيلي مستمر. بعد ذلك، في الجزء الثاني من الفيلم، يعيد تجسيد تورطه المهووس مع الصورة التي أحب أن يراقبها سرا. إنه يعيد بناء جودي على شاكلة مادلين Madeleine، ويجبرها على التطابق في كل تفصيلة مع المظهر الجسدي الفعلي لمعبودته. وتجعلها استعراضيتها و مازوخيتها نظيرا سلبيا مثاليا لتلصص سكوتي الفعال السادي. إنها تعرف أن دورها هو أن تؤدي، وأنها فقط بلعب هذا الدور وإعادة لعبه ستتمكن من الإبقاء على اهتمام سكوتي الإيروتيكي. لكنه في الإعادة يجعلها تنهار وينجح في كشف ذنبها. ينتصر فضوله وتُعاقَب هي. في فيلم (فيرتيجو) يكون التورط الإيروتيكي بالنظر مربكا: إذ ينقلب افتتان المتفرج ضده حيث يمضي به السرد ويضفره مع العمليات التي يمارسها هو نفسه. يقف بطل هيتشكوك هنا بثبات داخل النظام الرمزي، باستخدام المفردات السردية. لديه كل سمات الأنا الأعلى البطريركية. ومن ثمَّ فإن المتفرج الذي يركن إلى إحساس زائف بالأمان عن طريق الشرعية الواضحة لبديله، يرى عبر نظرته ويجد نفسه مكشوفا كمتواطئ، واقع في الغموض الأخلاقي للنظر. بعيدا عن كونه ببساطة حوارا جانبيا عن انحراف الشرطة، يركز فيلم (فيرتيجو) على آثار الانقسام بين النظر / الفاعل والمنظور إليه / المفعول به وفقا للاختلاف الجنسي وسلطة الرمز الذكوري المغلفة في البطل. تؤدي مارني Marnie كذلك دورا أمام ناظري مارك روتلاند Mark Rutland وتتنكر في هيئة الصورة النموذجية المنظور إليها. هو أيضا في جانب القانون حتى يدفعه هوس بإثمها، بسرها، فيتوق إلى رؤيتها تقوم بارتكاب جريمة، وجعلها تعترف ومن ثمَّ ينقذها. هكذا يصبح هو أيضا متواطئا بينما يقوم بتنفيذ نواتج سلطته. إنه يتحكم في المال والكلمات، بمقدوره الحصول على كعكته وأكلها.

الملخص

إن خلفية التحليل النفسي التي تمت مناقشتها في هذا المقال وثيقة الصلة بالمتعة والألم اللذين يقدمهما الفيلم الروائي التقليدي. إن غريزة شهوة النظر (أي متعة النظر إلى شخص آخر كموضوع إيروتيكي) وعلى العكس منها ليبيدو الأنا (أي تكوين عمليات التطابق) يعملان كتكوينات، أو ميكانزمات، تلعب عليها هذه السينما. أما صورة المرأة كمادة خام (مفعول بها) لنظرة الرجل (الفاعلة) فتأخذ المناقشة خطوة أبعد داخل بنية التمثيل structure of representation، مضيفة طبقة أخرى تتطلبها أيديولوجية النظام البطريركي كما تتحقق في شكلها السينمائي المفضل: الفيلم الروائي الخيالي. تتحول المناقشة نحو خلفية التحليل النفسي في موضوع أن المرأة كتمثيل تشير إلى الإخصاء، مثيرة ميكانيزمات تلصصية أو فيتيشية للتحايل على تهديدها. ولا واحدة من هذه الطبقات المتفاعلة جوهرية بالنسبة للفيلم، لكنها فقط من خلال شكل الفيلم يمكنها الوصول إلى تناقض تام وجميل، بفضل الإمكانية الموجودة في السينما والمتعلقة بتحويل وقع النظرة. إن محط النظرة هو ما يحدد شكل السينما، بإمكانية تنويعها وكشفها. هذا هو ما يجعل السينما مختلفة إلى حد كبير في إمكانيتها التلصصية عن – مثلا – عروض التعري والمسرح والاستعراضات.. إلخ. تذهب السينما إلى ما هو أبعد من إلقاء الضوء على قابلية المرأة لأن تكون منظورا إليها، فتنشئ الطريقة التي يتم النظر إليها بها داخل فعل الفُرجة نفسه. باللعب على التوتر بين الفيلم كمتحكم في بُعد الزمان (المونتاج، السرد) والفيلم كمتحكم في بُعد المكان (التغييرات في المسافة، المونتاج)؛ تخلق القوانين السينمائية نظرة، وعالما، وموضوعا، وتنتج بذلك وهمًا مُفصَّلاً على مقاس الرغبة. إنها تلك القوانين السينمائية وعلاقتها بالبُنى الخارجية التشكيلية هي ما لابد من كسره قبل أن يمكن تحدي أفلام التيار السائد والمتعة التي تقدمها.

على سبيل البداية (وكنهاية) فإن النظرة الشبقية التلصصية التي تعتبر جزءا حيويا من المتعة السينمائية التقليدية يمكن تدميرها هي نفسها. هناك ثلاث نظرات مختلفة مرتبطة بالسينما: نظرة الكاميرا وهي تسجل الحدث قبل الفيلمي، ونظرة الجمهور وهو يشاهد المنتج النهائي، ونظرة الشخصيات لبعضهم البعض داخل وهم الشاشة. تنكر تقاليد الفيلم الروائي النظرتين الأوليتين وتضعهما في مرتبة أدنى من الثالثة، والهدف الواعي هو دائما إلغاء الوجود التطفلي للكاميرا ومنع الوعي المتخذ مسافة لدى الجمهور. دون هذين الغيابين (الوجود المادي لعملية التسجيل، والقراءة الناقدة لدى المتفرج) لا يمكن للدراما التخيلية أن تحقق الواقعية والوضوح والصدق. ومع ذلك، كما جادل هذا المقال، فإن بنية النظر في الفيلم الروائي الخيالي تحتوي على تناقض في مبناها: صورة الأنثى كتهديد بالإخصاء دائما ما تُعرِّض للخطر وحدة الحكاية وتبرز عبر عالم الوهم كمعبودة فيتيشية مقتحمة واستاتيكية وذات بُعد واحد. هكذا يجرى بهوس إخضاع النظرتين الحاضرتين ماديًا في الزمان والمكان إلى الاحتياجات العصابية للأنا الذكورية. وتصبح الكاميرا آلية لإنتاج وهم المكان بمقاييس عصر النهضة، بحركات متدفقة منسجمة مع العين البشرية، في أيديولوجيا للتمثيل تدور حول الإدراك الحسي للذات؛ فيتم التنصل من نظرة الكاميرا من أجل خلق عالم مقنع يمكن لبديل المتفرج فيه أن يؤدي بمصداقية محتملة. في نفس الوقت يتم إنكار القوة الجوهرية لنظرة الجمهور: بمجرد أن يهدد التمثيل الفيتيشي لصورة الأنثى بكسر تعويذة الوهم، وتظهر الصورة الإيروتيكية على الشاشة مباشرة (دون وسيط) أمام المتفرج، فإن حقيقة خلق الفيتيش – التي تخفي بطريقتها الخوف من الإخصاء – تجمد النظرة، وتسمر عيني المتفرج، وتمنعه من اتخاذ أي مسافة من الصورة الماثلة أمامه.

هذا التفاعل المعقد للنظرات أمر خاص بالفيلم. أول ضربة توجه إلى التراكم التكتلي لتقاليد الفيلم التقليدي (والتي يقوم بها بالفعل صناع الأفلام الراديكاليون) هي تحرير نظرة الكاميرا إلى ماديتها في الزمان والمكان ونظرة الجمهور إلى المنطق الجدلي، والانفصال العاطفي. ليس هناك شك في أن هذا يدمر الرضا والمتعة وامتياز "الضيف الخفي"، ويسلط الضوء على كيف كان الفيلم يعتمد على ميكانيزمات تلصصية فاعلة / مفعول بها. أما النساء – اللاتي سُرقت صورتهن باستمرار وتم استخدامها لهذه الغاية – فلا يمكنهن أن يشهدن انهيار شكل الفيلم التقليدي بأي شيء أكثر من الأسف العاطفي.