تغييرات

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
←‏الجدل حول وسائل منع الحمل: تطوير ومراجعة جزء تنظيم الأسرة ودمجه مع جزء مالتوس
سطر 198: سطر 198:  
كانت وسائل منع الحمل ولا تزال مثارًا لجدل اجتماعي عميق قائم على رفض مطلق لها في مواجهة التوجهات الداعمة، سواء كانت أفكارًا نسوية أو فلسفات اجتماعية أو سياسات حكومية. وبالنسبة للكثير من المجتمعات تعتبر وسائل منع الحمل وخطط تنظيم الأسرة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها إلا في سياقات محددة.
 
كانت وسائل منع الحمل ولا تزال مثارًا لجدل اجتماعي عميق قائم على رفض مطلق لها في مواجهة التوجهات الداعمة، سواء كانت أفكارًا نسوية أو فلسفات اجتماعية أو سياسات حكومية. وبالنسبة للكثير من المجتمعات تعتبر وسائل منع الحمل وخطط تنظيم الأسرة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها إلا في سياقات محددة.
    +
===خدمات تنظيم الأسرة ===
 +
منذ عام 1798 طرح توماس مالتوس نظريته لإظهار أثر النمو السكاني على إنتاج الغذاء والذي قد يؤدي إلى الفقر والمجاعة. ورغم رفضه لوسائل منع الحمل بسبب خلفيته الثقافية كرجل دين إنجيلي، واكتفاءه بالدعوة إلى تبني ممارسات العفة الجنسية وتأخير الزواج، فقد ألهمت أفكاره حركات اجتماعية وسياسية في مطلع القرن العشرين وأعيد إحياء نظرياته وصياغتها مرارًا. وقد هيمنت الأفكار النيو-مالثوسية على السياسات العامة لأكثر من أربعة عقود <ref>[https://www.dawnfeminist.org/library/fertility-management-policies-past-present-and-challenges-for-the-future Sonia Corrêa, Rebecca Lynn Reichmann, ‘’Population and Reproductive Rights: Feminist Perspectives from the South’’ (1994)]
 +
</ref>
   −
===خدمات تنظيم الأسرة ===
+
وفي محاولة لمواجهة هذا الاتجاه، جُمعت أدلة علمية لإثبات أن النمو الديموغرافي السريع سيؤثر سلبًا على قدرة الدول النامية على الادخار، وعلى تكوين رأس المال، وعلى الاستثمارات في القطاع العام. وبحلول ستينيات القرن العشرين، انتشرت وسائل منع الحمل الحديثة. ومع عقد مؤتمر السكان العالمي في بوخارست عام 1974، روجت إرشادات السياسات العامة لمزيج من النمو الاقتصادي وتنظيم الأسرة الممول بشكل واسع من القطاع العام، من خلال برامج حكومية وغير حكومية. وفي تسعينيات القرن العشرين، أصبح الجدل السكاني قائمًا على الاعتقاد بأن النمو السكاني في بلدان الجنوب هو السبب الأساسي للتدهور البيئي عالميًا، مما دفع صناع السياسات مرة أخرى إلى اعتبار خصوبة النساء عائقًا أمام التنمية.  
ترتفع معدلات الولادة والخصوبة دائمًا داخل المجتمعات النامية والفقيرة، وينطبق ذلك على دول العالم الثالث وعلى المجتمعات الهامشية داخل الدول الغربية على السواء، فمعدلات الخصوبة لدى الأقليات الإثنية والعرقية في أوروبا والولايات المتحدة أعلى من مثيلاتها لدى السكان البيض، وبالتالي فإن مخاطر الولادة المتكررة ترتفع بالذات داخل هذه المجتمعات.<ref>[https://www.cdc.gov/maternal-mortality/php/pregnancy-mortality-surveillance-data/?CDC_AAref_Val=https://www.cdc.gov/reproductivehealth/maternal-mortality/pregnancy-mortality-surveillance-system.htm Data from the Pregnancy Mortality Surveillance System]</ref> ولا تقتصر أسباب ارتفاع معدلات الخصوبة في هذا السياق على العوامل الاقتصادية فقط، بل تكون مدفوعة أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية ودينية، حيث لا تمثل قضايا مثل صحة المرأة الجسدية والنفسية هاجسًا كبيرًا بالنسبة للمجتمعات الأبوية، بقدر ما تهتم المجتمعات بخصوبتها وقدرتها على التناسل وأداء مهام الأمومة على أكمل وجه حسب معايير المجتمعات الأبوية، بصرف النظر عن قدرتها على أداء هذه المهام وتحقيق المعايير المتوقعة. وعلى الجانب المناقض فإن تنظيم الأسرة.
+
 
 +
وكانت تهدف هذه البرامج، نظريًا، إلى تقليل عدد المواليد من خلال تمكين الأفراد والشركاء من اتخاذ "قرارات واعية" بشأن الإنجاب، في سبيل التحكم في الولادات وتحديد الفواصل الزمنية بين الحمل بحيث تُراعى صحة الأم وأطفالها والوضع الاقتصادي للأسرة وقدرتها على تحمل تبعات تربية الأطفال وتنشأتهم. وتركز هذه البرامج بشكل كبير على مؤشرات رقمية مثل معدلات الخصوبة والنمو السكاني والإنتاج الغذائي والناتج الاقتصادي، وتنظر للإنجاب كمسألة يمكن “إدارتها” تقنيًا من خلال أدوات مثل وسائل منع الحمل، دون المراعاة الكافية للسياقات الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية. وبالتالي يكون تنظيم الأسرة هنا يكون هدفًا حكوميًا من أجل "السيطرة على أعداد السكان" ومعدلات الخصوبة، من خلال فرض سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على أجساد النساء وقدرتهن على التحكم في أجسادهن. وفي بلدان الجنوب يعشن النساء تحت ظروف الفقر والنزاعات والهجرة القسرية، وتتحول برامج تنظيم الأسرة في هذا السياق من كونها خدمات صحية اختيارية إلى أدوات تُستخدم ضمن منطق أوسع لضبط الفئات الفقيرة أو المتأثرة بالنزاعات (المصدر ص8-9)
 +
 
 +
وتتسم هذه البرامج في سياقات أخرى بدرجات عالية من الإكراه وتظهر على شكل ممارسات قسرية تنفذها أجهزة السلطة ضد النساء. فعلى سبيل المثال، فقد أجبرت النساء على استخدام وسائل منع الحمل خلال برامج حكومية قسرية مثل تلك التي نُفذت وتنفذ حاليًا في دول مثل الصين والهند، أو طُبقت على نساء الشعوب الأصلانية في العالم الجديد ضمن سياسات الدول الاستعمارية.
 +
 
 +
على عكس ممارسي تنظيم الأسرة الذين عدّلوا خطابهم وممارساتهم لتجنب الصدام مع القيادات الدينية، أعادت الحركات النسوية تشكيل هذا الجدل من خلال التركيز على الحقوق الإنجابية للنساء، والجدال ضد فكرة أن الأسرة والأدوار الجندرية والإنجاب أمور «طبيعية» وليست بناءات اجتماعية. وقد أدى ذلك إلى توترات كبيرة مع القوى السياسية والدينية المحافظة، التي عارضت تغييرات مثل الاعتراف بحقوق الإجهاض والاستقلالية الإنجابية(مصدر ص2). تمكنت النساء من إدخال هذه الرؤى إلى النقاش الدولي نتيجة لتنظيم طويل امتد لعقود. وأسهمت المنظورات النسوية في إدخال تعديلات جوهرية على مشروع خطة العمل العالمية للسكان لعام 1994، رغم استمرار المقاومة الشديدة لها.  
 +
 
 +
طورت النسوية إطارًا بديلًا وانطلقت من حقيقة مفادها أن التكاثر البشري يحدث عبر أجساد النساء، وأن المؤسسات الدينية والثقافية وكذلك مؤسسات السكان تعمل من خلال أنظمة الجندر القائمة. وفي مختلف المجتمعات، خاصة في اقتصادات الجنوب المتضررة، تعتمد استمرارية الحياة الاجتماعية على العمل اليومي غير المرئي للنساء في إعالة أسرهن. ويُعرف هذا "بإعادة الإنتاج الاجتماعي"، المرتبط بتقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي، والذي يستند بدوره إلى افتراض أن مسؤوليات الإنجاب امتداد طبيعي لبيولوجيا المرأة. وتؤدي هذه الافتراضات إلى الحد من استقلالية النساء في اتخاذ قرارات تتعلق بأجسادهن وجنسانيتهن وخصوبتهن (المصدر ص4-5)
   −
تظهر في هذا السياق أهمية خدمات وبرامج تنظيم الأسرة، وهي برامج صحية تقدمها الحكومات والمؤسسات غير الحكومية المعنية وتهدف، نظريًا على الأقل، إلى تمكين الأفراد والشركاء من اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة بشأن الإنجاب، عن طريق تقديم التوعية والتثقيف الجنسي والصحي وتقديم وسائل منع الحمل الآمنة، وذلك في سبيل تخطيط الولادات وتحديد مواعد الحمل والفواصل الزمنية بين الإنجاب بيحث تُراعى صحة الأم وأطفالها والوضع الاقتصادي للأسرة وقدرتها على تحمل تبعات تربية الأطفال وتنشأتهم. تنتشر خدمات تنظيم الأسرة في المجتمعات النامية والفقيرة التي تعاني من معدلات خصوبة عالية، وهي غالبًا برامج مدعومة حكوميًا وتكون ممولة أحيانًا بواسطة المانحين الدوليين، وتتبع هذه البرامج النماذج الغربية للتنمية السكانية، حيث أنها لا تراعي الاهتمام بالأبعاد الثقافية للمجتمعات وتحاول فرض مفاهيم حكومية تنفيذية على برامج تنظيم الأسرة، بمعنى أن تنظيم الأسرة هنا يكون هدفًا حكوميًا من أجل السيطرة
+
وترتفع معدلات النمو السكاني والولادة داخل المجتمعات النامية والفقيرة {{مطلوب مصدر}}،  سواء في دول الجنوب العالمي أو في المجتمعات المهمشة داخل الدول الغربية. فمعدلات الولادة لدى الأقليات الإثنية والعرقية في أوروبا والولايات المتحدة أعلى من مثيلاتها لدى السكان البيض، وبالتالي فإن مخاطر الولادة المتكررة ترتفع بالذات داخل هذه المجتمعات.<ref>[https://www.cdc.gov/maternal-mortality/php/pregnancy-mortality-surveillance-data/?CDC_AAref_Val=https://www.cdc.gov/reproductivehealth/maternal-mortality/pregnancy-mortality-surveillance-system.htm  Data from the Pregnancy Mortality Surveillance System]</ref>
على أعداد السكان ومعدلات الخصوبة، وذلك من خلال فرض سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على أجساد النساء وقدرتهن على التحكم في أجسادهن. ويمكن أن تعبر هذه البرامج عن درجات عالية من القسوة وتظهر على شكل ممارسات عنيفة تنفذها أجهزة السلطة ضد النساء. وعلى سبيل المثال، فقد أجبرت النساء على استخدام وسائل منع الحمل خلال برامج حكومية قسرية مثل التي نُفذت وتنفذ حاليًا في دول مثل الصين والهند، أو طُبقت على نساء الشعوب الأصلانية في العالم الجديد ضمن سياسات الدول الاستعمارية.  
     −
إن خدمات تنظيم الأسرة ضرورية وحيوية على أن يتم تقديمها ضمن سياقات وتحت اشتراطات محددة، وأن تتمحور حول حق النساء في التحكم بخصوبتها، وأن تتعامل مع مفهوم تنظيم الأسرة باعتباره جزءًا من الحقوق الجنسية والإنجابية للنساء وليس هدفًا تنمويًا ينبغى تحقيقه بما يتوافق مع سياسات الحكومة الاقتصادية.
+
لا تقتصر أسباب ارتفاع معدلات الولادة على السياسات العامة والعوامل الاقتصادية فقط، بل تكون مدفوعة بمنظومة من العوامل الاجتماعية والثقافية والدينية. ففي العديد من المجتمعات، يُنظر إلى الزواج والإنجاب بوصفه المسار الطبيعي والوحيد للحياة، خاصة للنساء. فلا تمثل صحة المرأة الجسدية والنفسية هاجسًا بالنسبة للمجتمعات الأبوية، بقدر ما تهتم بقدرتها على الإنجاب وأداء مهام الأمومة في إطار الزواج، بصرف النظر عن قدرتها أو رغبتها لأداء هذا الدور. وغالبًا ما يتوقع من النساء إثبات خصوبتهن بعد الزواج مباشرة وتُتخذ القرارات المتعلقة بالإنجاب داخل إطار عائلي وليس كخيار فردي للمرأة، مما يؤدي إلى تقليل قدرة النساء على التفاوض بشأن توقيت الحمل وعدده، خاصة في ظل عدم توازن ديناميكيات القوة داخل العلاقات الزوجية.
    
===منع الحمل في السياق الديني===
 
===منع الحمل في السياق الديني===
   
تختلف المواقف الدينية تجاه وسائل منع الحمل باختلاف العقائد والمدارس الفقهية. المسيحية،<ref>[https://www.newadvent.org/fathers/3001022.htm رسالة القديس جيروم (الرسالة 22)]</ref> خاصة الكاثوليكية، ترى في الخصوبة نعمة إلهية وتاريخيًا رفضت جميع أشكال منع الحمل الحديثة، مكتفية بقبول وسائل طبيعية لتنظيم النسل لضمان صحة الأم والأسرة، مع استثناء الكنيسة القبطية التي تسمح بالوسائل الصناعية. أما في الإسلام،<ref>المكتب المرجعي للسكان: الصحة الإنجابية والجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ص16</ref> فيُسمح باستخدام وسائل منع الحمل لأغراض تنظيم النسل وحماية صحة الأمهات والأجنة، مع التشديد على التمييز بين تنظيم النسل وتحديده بشكل نهائي، وذلك استنادًا إلى الأحاديث النبوية التي تشجع على التكاثر. جدير بالذكر أن جميع هذه المذاهب ترفض بشكل قاطع أي ممارسة جنسية خارج الزواج وبالتالي ترفض بشكل قاطع كذلك أي استخدام لوسائل منع الحمل باعتبارها تحض على نشر الرذيلة وتشجع الأفراد على ممارسة الجنس خارج الزواج.
 
تختلف المواقف الدينية تجاه وسائل منع الحمل باختلاف العقائد والمدارس الفقهية. المسيحية،<ref>[https://www.newadvent.org/fathers/3001022.htm رسالة القديس جيروم (الرسالة 22)]</ref> خاصة الكاثوليكية، ترى في الخصوبة نعمة إلهية وتاريخيًا رفضت جميع أشكال منع الحمل الحديثة، مكتفية بقبول وسائل طبيعية لتنظيم النسل لضمان صحة الأم والأسرة، مع استثناء الكنيسة القبطية التي تسمح بالوسائل الصناعية. أما في الإسلام،<ref>المكتب المرجعي للسكان: الصحة الإنجابية والجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ص16</ref> فيُسمح باستخدام وسائل منع الحمل لأغراض تنظيم النسل وحماية صحة الأمهات والأجنة، مع التشديد على التمييز بين تنظيم النسل وتحديده بشكل نهائي، وذلك استنادًا إلى الأحاديث النبوية التي تشجع على التكاثر. جدير بالذكر أن جميع هذه المذاهب ترفض بشكل قاطع أي ممارسة جنسية خارج الزواج وبالتالي ترفض بشكل قاطع كذلك أي استخدام لوسائل منع الحمل باعتبارها تحض على نشر الرذيلة وتشجع الأفراد على ممارسة الجنس خارج الزواج.
    
في المقابل، لا تضع الهندوسية قيودًا صريحة على منع الحمل رغم تشجيعها على الإنجاب، بينما ترفض البوذية أي وسيلة قد تؤدي إلى إجهاض بويضة مخصبة لاعتبارها بداية الحياة، لكنها تقبل الوسائل التي تمنع حدوث الإخصاب أساسًا.<ref>[https://www.bbc.co.uk/religion/religions/hinduism/hinduethics/contraception.shtml BBC Birth control in Hinduism]</ref> <ref>[https://www.bbc.co.uk/religion/religions/buddhism/buddhistethics/contraception.shtml BBC Birth Control in Buddhism]</ref>
 
في المقابل، لا تضع الهندوسية قيودًا صريحة على منع الحمل رغم تشجيعها على الإنجاب، بينما ترفض البوذية أي وسيلة قد تؤدي إلى إجهاض بويضة مخصبة لاعتبارها بداية الحياة، لكنها تقبل الوسائل التي تمنع حدوث الإخصاب أساسًا.<ref>[https://www.bbc.co.uk/religion/religions/hinduism/hinduethics/contraception.shtml BBC Birth control in Hinduism]</ref> <ref>[https://www.bbc.co.uk/religion/religions/buddhism/buddhistethics/contraception.shtml BBC Birth Control in Buddhism]</ref>
  −
===مالتوس، من الانفجار السكاني إلى تحسين النسل وتنظيم الأسرة===
  −
  −
في عام 1798 طرح توماس مالتوس نظريته التي توقعت أن النمو السكاني غير المنضبط سيتجاوز قدرة الأرض على توفير الغذاء، مؤديًا إلى الفقر والمجاعة. ورغم رفضه لوسائل منع الحمل بسبب خلفيته الثقافية كرجل دين إنجيلي، واكتفاءه بالدعوة إلى تبني ممارسات العفة الجنسية وتأخير الزواج، فقد ألهمت أفكاره حركات اجتماعية وسياسية في مطلع القرن العشرين سعت إلى تطوير وسائل فعالة لتحديد النسل، متقاطعة مع أفكار الموجة النسوية الأولى في الولايات المتحدة.
      
===حركة تحديد النسل===
 
===حركة تحديد النسل===
8٬160

تعديل

قائمة التصفح