تغييرات

إضافة روابط داخلية
سطر 28: سطر 28:  
ربما يخص هذا الأمر كل المساجين. لكن حين يتعلق الأمر بمعتقل سياسي، كما هنا في الحالة الفلسطينية، فلا بد من قراءة السجن كإحدى آليات تكريس الاحتلال، ليس للأرض فقط، بل وأيضاً لأجساد الذين يجري احتلالهم، وضبطها بغية إذلالها وإنهاكها وإلحاق الهزيمة بها. وهذا أمر يتأكد أكثر حين يكون الجسد أنثوياً، والأسير امرأة. لهذا يبدو مهماً الإصغاء ملياً لأصوات الأسيرات الفلسطينيات ولتجربة الاعتقال التي مررن بها، وهي مرّة وقاسية في أغلبها. وحين نحفر في البنية الذهنية للعقل الاحتلالي، نتبين كيف أن أسر النساء هو مدخل لإذلال ثقافي ومعنوي للشعب الفلسطيني.
 
ربما يخص هذا الأمر كل المساجين. لكن حين يتعلق الأمر بمعتقل سياسي، كما هنا في الحالة الفلسطينية، فلا بد من قراءة السجن كإحدى آليات تكريس الاحتلال، ليس للأرض فقط، بل وأيضاً لأجساد الذين يجري احتلالهم، وضبطها بغية إذلالها وإنهاكها وإلحاق الهزيمة بها. وهذا أمر يتأكد أكثر حين يكون الجسد أنثوياً، والأسير امرأة. لهذا يبدو مهماً الإصغاء ملياً لأصوات الأسيرات الفلسطينيات ولتجربة الاعتقال التي مررن بها، وهي مرّة وقاسية في أغلبها. وحين نحفر في البنية الذهنية للعقل الاحتلالي، نتبين كيف أن أسر النساء هو مدخل لإذلال ثقافي ومعنوي للشعب الفلسطيني.
   −
صحيح أن سجون الأنظمة العربية هي سجون للإذلال والقمع وممارسة الإرهاب. لكن سجون الاحتلال الإسرائيلي، من خلال تجارب الأسيرات، هي محاكاة على نحو ما لتجربة "الهولوكوست"، حيث يظهر السجّانون في سجون الاحتلال في تطابق مع فكرة عبّرت عنها حنة آرنت بأن "هناك يجري تعلّم كيفية القضاء على الرأفة الحيوانية التي يتأثر بها كافة البشر الأسوياء عندما يشاهدون الإيذاء الجسدي". وانتهاك أجساد الأسيرات يبدو من منظور الاحتلال وكأنه نجاح في انتهاك النظام الثقافي الفلسطيني والعربي. فالفكرة الراسخة لدى كل المحتلين الذين مروا على المنطقة أن معتقدات شعوبها تقوم على المطابقة بين شرفها وأجساد نسائها. وما فعله الاحتلال الفرنسي في نساء الجزائر والاحتلال الأمريكي في نساء العراق يؤكد هذا. وهناك أيضاً أن انخراط المرأة في المقاومة هو، من منظور الاحتلال، تعدٍ على ذكوريته هو. فالذهنية الاحتلالية ذهنية ذكورية دائماً، وهذا ما يتبين في الشهادات المجموعة هنا.
+
صحيح أن سجون الأنظمة العربية هي سجون للإذلال والقمع وممارسة الإرهاب. لكن سجون الاحتلال الإسرائيلي، من خلال تجارب الأسيرات، هي محاكاة على نحو ما لتجربة "الهولوكوست"، حيث يظهر السجّانون في سجون الاحتلال في تطابق مع فكرة عبّرت عنها حنة آرنت بأن "هناك يجري تعلّم كيفية القضاء على الرأفة الحيوانية التي يتأثر بها كافة البشر الأسوياء عندما يشاهدون الإيذاء الجسدي". وانتهاك أجساد الأسيرات يبدو من منظور الاحتلال وكأنه نجاح في انتهاك النظام الثقافي الفلسطيني والعربي. فالفكرة الراسخة لدى كل المحتلين الذين مروا على المنطقة أن معتقدات شعوبها تقوم على المطابقة بين شرفها وأجساد نسائها. وما فعله الاحتلال الفرنسي في نساء الجزائر والاحتلال الأمريكي في نساء العراق يؤكد هذا. وهناك أيضاً أن انخراط المرأة في المقاومة هو، من منظور الاحتلال، تعدٍ على [[ذكوري|ذكوريته]] هو. فالذهنية الاحتلالية ذهنية ذكورية دائماً، وهذا ما يتبين في الشهادات المجموعة هنا.
    
لكن المفارقة أن تجربة الأسر التي تنتهي بالتحرر قد لا تعني دائماً تتويج المرأة المقاوِمة المحررة بإكليل البطولة. فثمة تجربة أخرى قد تكون أكثر وطأة من الأسر نفسه، وهي المتعلقة بحياة ما بعد الأسر، في مجتمع فلسطيني محكوم - على غرار بقية المجتمعات العربية - بتمثلات للمرأة فيها الكثير من النظرة الدونية. ثمة مواجهة ما مع الذات. وقد يكون هناك تراجع. ولهذا تظهر أهمية الاشتغال على المسارات الفردية للأسيرات وكيف عشن تجربة الأسر وما الذي فعلته هذه التجربة في ذواتهن وما معنى أن تكون واحدتهم أسيرة محررة...
 
لكن المفارقة أن تجربة الأسر التي تنتهي بالتحرر قد لا تعني دائماً تتويج المرأة المقاوِمة المحررة بإكليل البطولة. فثمة تجربة أخرى قد تكون أكثر وطأة من الأسر نفسه، وهي المتعلقة بحياة ما بعد الأسر، في مجتمع فلسطيني محكوم - على غرار بقية المجتمعات العربية - بتمثلات للمرأة فيها الكثير من النظرة الدونية. ثمة مواجهة ما مع الذات. وقد يكون هناك تراجع. ولهذا تظهر أهمية الاشتغال على المسارات الفردية للأسيرات وكيف عشن تجربة الأسر وما الذي فعلته هذه التجربة في ذواتهن وما معنى أن تكون واحدتهم أسيرة محررة...
سطر 36: سطر 36:  
الحديث كان مع (ق) من مخيم "جنين" للاجئين في الضفة الغربية، وقد جرى في بيتها. حدثتنا عن نفسها قبل الاعتقال وكيف كانت تريد أن تقدم شيئاً للوطن حيث الحلم بالتحرر من الاحتلال هو جزء من الذات والهوية الفردية. تقول:
 
الحديث كان مع (ق) من مخيم "جنين" للاجئين في الضفة الغربية، وقد جرى في بيتها. حدثتنا عن نفسها قبل الاعتقال وكيف كانت تريد أن تقدم شيئاً للوطن حيث الحلم بالتحرر من الاحتلال هو جزء من الذات والهوية الفردية. تقول:
   −
''"أنا متزوجة وعندي أربعة أبناء، وكنت سعيدة جداً مع زوجي وأولادي. تزوجت صغيرة، كان عمري 15 سنة.. لكن ما كان ينغص حياتنا هو وجود الاحتلال. بدأت حياتنا تتغير عند اجتياح مخيم جنين حيث شاهدنا وعشنا الدمار وسقوط الشهداء والإرهاب الذي خيّم علينا. هذا الشيء غيّر من تفكيري.. فثمة قهر، ولم أرضَ بما حدث للمخيم. وكان هناك أيضاً خوفي على أطفالي، وأن يستشهد أحدهم يوماً ما.. فقررت أن أذهب للمقاومة، وكان أخي ( ف) في صفوفها، وطلبت أن أساعدهم فكان أول ما جوبهت به هو الرفض، لكوني متزوجة وعندي أولاد، وعليّ التركيز على عائلتي. ولكني بقيت مصممة، وتساءلت لماذا فقط الرجال، أين دورنا نحن النساء؟ نحن من حقنا أن نقاوم، فهذا وطننا. بقيت أحكي مع أخي وهو الآن في المعتقل ومحكوم بأحكام عالية.. وأخيراً وافقوا وانضممت لحركة فتح وكُلفت ببعض المهام من بينها حماية بعض الشباب المقاومين في بيتي، ليُطلب مني فيما بعد إيصال أحد الاستشهاديين الى القدس المحتلة، فوافقت مباشرة على القيام بهذه المهمة. قام هو بتفجير نفسه وقتل ثلاثة إسرائيليين وأصاب 85 بجروح. الاحتلال لم يعرف من قام بإيصال هذا الشهيد. ثم كان لي دور أيضاً مع "الجهاد الإسلامي" حين قمت بإيصال استشهادي آخر. ولكن العملية فشلت وتمّ قتل الشهيد واقتحام بيتي الذي قاموا بتدميره كلياً والاعتداء عليّ وعلى أولادي."''
+
''"أنا متزوجة وعندي أربعة أبناء، وكنت سعيدة جداً مع زوجي وأولادي. تزوجت صغيرة، كان عمري 15 سنة.. لكن ما كان ينغص حياتنا هو وجود الاحتلال. بدأت حياتنا تتغير عند اجتياح مخيم جنين حيث شاهدنا وعشنا الدمار وسقوط الشهداء والإرهاب الذي خيّم علينا. هذا الشيء غيّر من تفكيري.. فثمة قهر، ولم أرضَ بما حدث للمخيم. وكان هناك أيضاً خوفي على أطفالي، وأن يستشهد أحدهم يوماً ما.. فقررت أن أذهب للمقاومة، وكان أخي (ف) في صفوفها، وطلبت أن أساعدهم فكان أول ما جوبهت به هو الرفض، لكوني متزوجة وعندي أولاد، وعليّ التركيز على عائلتي. ولكني بقيت مصممة، وتساءلت لماذا فقط الرجال، أين دورنا نحن النساء؟ نحن من حقنا أن نقاوم، فهذا وطننا. بقيت أحكي مع أخي وهو الآن في المعتقل ومحكوم بأحكام عالية.. وأخيراً وافقوا وانضممت لحركة فتح وكُلفت ببعض المهام من بينها حماية بعض الشباب المقاومين في بيتي، ليُطلب مني فيما بعد إيصال أحد الاستشهاديين الى القدس المحتلة، فوافقت مباشرة على القيام بهذه المهمة. قام هو بتفجير نفسه وقتل ثلاثة إسرائيليين وأصاب 85 بجروح. الاحتلال لم يعرف من قام بإيصال هذا الشهيد. ثم كان لي دور أيضاً مع "الجهاد الإسلامي" حين قمت بإيصال استشهادي آخر. ولكن العملية فشلت وتمّ قتل الشهيد واقتحام بيتي الذي قاموا بتدميره كلياً والاعتداء عليّ وعلى أولادي."''
     
staff
2٬193

تعديل