تغييرات

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أُزيل 1٬739 بايت ،  قبل شهر واحد
←‏تجربة الولادة الإيجابية: مراجعة وإعادة صياغة بعض الأجزاء وإعادة ترتيب المحتوى
سطر 195: سطر 195:  
</p></blockquote>
 
</p></blockquote>
   −
==تجربة الولادة الإيجابية==
+
==رعاية الولادة وتجربة الولادة الإيجابية==
 +
بالرغم من أن تجربة الولادة تجربة غنية ومعقدة ومؤلمة، وتختلف باختلاف السياقات والبيئات التي تحدث فيها، وما يترتب عليها من تأثيرات جسدية ونفسية متنوعة لا يمكن التحكم بها أو اختزالها في إطار موحد،  إلا أن الجهود النسوية تسعى إلى صياغة إطار عام من المبادئ التي توصي بها لضمان تجربة ولادة كريمة وآمنة قائمة على الاحترام والحقوق. وتنطلق هذه الجهود من اعتبار أن الولادة ليست عملية طبية بحتة، بل عملية فسيولوجية طبيعية، ينبغي أن تتمحور جميع الممارسات والتدخلات إلى تحسين تجربة الولادة للحامل واحتياجاتها وتجربتها الفردية. وبالتالي، لا تُعدّ الولادة بالضرورة حدثًا سريريًا، أي حدثًا يتطلب تدخلًا طبيًا أو أن تعامل كحالة مرضية تستوجب الرعاية الطبية المكثفة. فمع أهمية المراقبة والتدخل الطبي عند الحاجة في بعض الحالات، يمكن لغالبية الولادات أن تتم خارج البيئة الطبية، أو بأدنى حد ممكن من التدخل والإشراف الطبي {{مطلوب مصدر}}.
   −
تجربة الولادة كثيفة ومعقدة ويمكن أن تحدث في بيئات مختلفة ينتج عنها مخرجات متنوعة لا يمكن التحكم بها أو وضعها بشكل كامل في إطار موحد، ولذلك من الصعب الوصول إلى توجيهات إرشادية موحدة يمكن تطبيقها على جميع الولادات خاصة وأن تحديد موعد الولادة بدقة أمر صعب وغالبًا ما تحدث الولادات بشكل طارئ ما لم يكن مخططًا  بشكل مسبق لإجرائها بمساعدة تدخلية طبية. لكن يمكن صياغة إطار عام للمبادئ التي يجب أن تطبق والاعتبارات التي يجب أن توضع بالحسبان خلال الولادة من أجل ضمان تجربة ولادة إيجابية في كل مرة.
+
بالإضافة إلى ذلك فإن رعاية الولادة ينبغي أن تقوم على احترام استقلالية الحامل وحقها في اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها وتجربة ولادتها، بما يشمل الحصول على معلومات كافية، وحفظ خصوصيتها، والموافقة الحرة حول اختيارها أوضاع الولادة والتدخلات الطبية أو رفضها. كما تؤكد على ضرورة الحد من التدخلات الطبية غير الضرورية، وتوفير الدعم النفسي والعاطفي والاجتماعي المستمر {{مطلوب مصدر}}.  
 
  −
لا تعني تجربة الولادة الإيجابية تجريدها من صعوباتها، فالولادة ستظل حدثًا مؤلمًا ومحكومًا بتقلبات فسيولوجية حادة وسينتج عنها تأثيرات جسدية ونفسية عميقة، إن تجربة الولادة الإيجابية يجب أن تكون بتقديم الدعم النفسي والمعنوي والمادي للأم خلال مرحلة الولادة من أجل مساعدتها على إتمام هذه المرحلة بأعلى نتيجة إيجابية ممكنة، وتلافي التدخلات الطبية ما لم يكن لها ضرورة، ومنح الأم الوصاية والسيطرة على جسدها والقرارات المتخذة بشأنه. كما يجب أن تراعي حفظ كرامتها ومنحها الدعم النفسي والعاطفي بشكل مستمر خلال الولادة وبعدها.
  −
 
  −
إن التدخلات الطبية في الولادة ليست أمرًا سلبيًا في حد ذاتها، لقد ساهم طب الولادة الحديث في خفض معدلات الوفيات بين الأمهات والرضع وقدم حلولًا لكثير من المشاكل والتعقيدات المهددة للحياة، ولكن المعرفة الحديثة والتطور الطبي الكبير الذي عاصرته البشرية خلال القرن السابق قد وُظَّفا من أجل السيطرة على الولادة لا من أجل تحسينها، ومن أجل تأطيرها، تغيير طبيعتها، وتحويلها إلى حدث طبي، بعد أن استمرت تُعامل كحدث طبيعي واجتماعي لقرون طويلة من عمر البشرية، وحتى عندما كانت المعرفة الطبية في العصور الوسطى والقديمة تُوظَّف من أجل تحسين تجربة الولادة ومخرجاتها فإنها لم تؤثر سلبًا على حقيقة أن الولادة حدث متمحور حول النساء وتجربة خاصة بهن، وهذا هو المعيار الأساسي الذي يجب أن يحكم التدخلات الطبية في الولادة على الدوام.
  −
 
  −
من ناحية أخرى يجب الأخذ بالاعتبار أن الولادة ليست بالضرورة حدثًا سريريًا كذلك، وعلى الرغم من أهمية المراقبة الطبية في بعض الحالات إلا أن الغالبية العظمى من الولادات يمكن أن تتم بعيدًا عن البيئة الطبية، أو بالحد الأدنى من الرقابة الطبية في أفضل الأحوال.
  −
 
  −
;توصيات منظمة الصحة العالمية لتحقيق تجربة ولادة إيجابية
  −
 
  −
أصدرت منظمة الصحة العالمية مجموعة توصيات لرعاية الولادة وتجربة الولادة الإيجابية في كتيب بعنوان: WHO recommendations: Intrapartum care for a positive childbirth experience،<ref>[https://www.who.int/publications/i/item/9789241550215  WHO recommendations: intrapartum care for a positive childbirth experience]</ref> تضم هذه التوصيات مجموعة من التوجيهات الإرشادية المتعلقة بمراحل الولادة الثلاثة ورعاية الطفل حديث الولادة، وهي سلوكيات مقسمة إلى أربعة تصنيفات: سلوكيات موصى بها، سلوكيات غير موصى بها، سلوكيات موصى بها حسب السياق، وسلوكيات موصى بها في سياق البحث الدقيق. تضم الطبعة الصادرة في العام 2018 ستة وخمسين توصية مبنية على الأدلة العلمية Evidence-Based.
  −
 
  −
تعرف منظمة الصحة العالمية تجربة الولادة الايجابية بأنها:
      +
===توصيات منظمة الصحة===
 +
يعود مصطلح الولادة الإيجابية - الذي تستخدمه المنظمات الأممية- إلى الكاتبة وناشطة حقوق الأمومة البريطانية ميلي هيل (Milli Hill)، والتي أسست "حركة الولادة الإيجابية" (Positive Birth Movement) في عام 2012 كدعوة "لتغيير الخوف والصورة السلبية الذي يحيط بعملية الولادة" {{مطلوب مصدر}}. وتعرف منظمة الصحة العالمية تجربة الولادة الإيجابية بأنها:
 
<blockquote><p>"تحقق أو تتجاوز التوقعات الشخصية والاجتماعية الثقافية المسبقة للنساء، والتي تتضمن ولادة طفل/ة تتمتع بصحة جيدة في بيئة سريرية ونفسية آمنة مع استمرارية الدعم العملي والعاطفي من المرافق(ين) خلال الولادة وطاقم طبي متمكن تقنيًا. معظم النساء يرغبن في مخاض وولادة فسيولوجية (طبيعية) وتحقيق شعور بالانجاز الشخصي والتحكم من خلال المشاركة في اتخاذ القرار، حتى عندما تكون التدخلات الطبية ضرورية أو مطلوبة."</p></blockquote>
 
<blockquote><p>"تحقق أو تتجاوز التوقعات الشخصية والاجتماعية الثقافية المسبقة للنساء، والتي تتضمن ولادة طفل/ة تتمتع بصحة جيدة في بيئة سريرية ونفسية آمنة مع استمرارية الدعم العملي والعاطفي من المرافق(ين) خلال الولادة وطاقم طبي متمكن تقنيًا. معظم النساء يرغبن في مخاض وولادة فسيولوجية (طبيعية) وتحقيق شعور بالانجاز الشخصي والتحكم من خلال المشاركة في اتخاذ القرار، حتى عندما تكون التدخلات الطبية ضرورية أو مطلوبة."</p></blockquote>
   −
أول التوصيات المذكورة تستند إلى مفهوم رعاية الولادة القائمة على الاحترام Respectful Maternity Care RMC، وتعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها:
+
أصدرت منظمة الصحة العالمية مجموعة توصيات لرعاية الولادة وتجربة الولادة الإيجابية experience،<ref>[https://www.who.int/publications/i/item/9789241550215  WHO recommendations: intrapartum care for a positive childbirth experience]</ref> تضم مجموعة من التوجيهات الإرشادية المتعلقة بمراحل الولادة الثلاث، ورعاية الطفل حديث الولادة، مقسمة إلى أربعة تصنيفات: سلوكيات موصى بها، وسلوكيات غير موصى بها، وسلوكيات موصى بها حسب السياق، وسلوكيات موصى بها في سياق البحث الدقيق. وتضم النسخة الصادرة في عام 2018 ستة وخمسين توصية مبنية على الأدلة العلمية (Evidence-Based Recommendations). وتستند أول التوصيات إلى مفهوم رعاية الولادة القائمة على الاحترام Respectful Maternity Care RMC))، وتعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها:
 
+
<blockquote><p>"الرعاية التي تُنظم وتُقدم إلى جميع النساء (الحوامل) بطريقة تحفظ كرامتهن، خصوصيتهن، وسريتهن، وتؤكد خلو الخدمة المقدمة لهن من الأذى وسوء المعاملة، مع تمكين اتخاذ القرارات المستنيزة والرعاية والدعم المستمرين خلال المخاض والولادة."</p></blockquote>
<blockquote><p>"تشير إلى الرعاية التي تُنظم وتُقدم إلى جميع النساء (الحوامل) بطريقة تحفظ كرامتهن، خصوصيتهن، وسريتهن، وتؤكد خلو الخدمة المقدمة لهن من الأذى وسوء المعاملة، مع تمكين اتخاذ القرارات المستنيزة والرعاية والدعم المستمرين خلال المخاض والولادة."</p></blockquote>
  −
 
  −
وتشترط التوصيات أيضًا وجود متطلبات وموارد من أجل تحقيق هذا المفهوم بشكل واقعي، منها العدد الكافي لأفراد الطاقم الطبي المدرب والتدريب المناسب بالإضافة إلى الأدوات والموارد والبنية التحتية وأنظمة الرقابة.
  −
 
  −
يجب الأخذ بالاعتبار أيضًا أن التوصيات أكثر شمولية من مفهوم رعاية الولادة القائمة على الاحترام، وتنقسم من حيث موضوعها إلى قسمين، بعضها '''توجيهات أخلاقية وسلوكية''' للطاقم الطبي المشرف على الولادة، ولكن '''معظمها طبي'''، ويشرح التدخلات المطلوبة خلال الولادة من أجل تحقيق أفضل نتائج سريرية، والاشتراطات من أجل تنفيذها.
  −
 
  −
;توصيات منظمة الصحة العالمية من منظور نسوي
  −
 
  −
توصيات منظمة الصحة العالمية مهمة ويمكن التعامل معها كإنجاز في جوانب متعددة، فهي تعطي بعض الاعتبار للتجربة الفردية والاجتماعية للولادة، وتتعامل معها بشكل أو بآخر باعتبارها حدثًا متمحورًا حول المرأة، وتؤكد على مفاهيم مهمة مثل رعاية الولادة القائمة على الاحترام RMC وضرورة الحد من التدخلات الطبية غير الضرورية، لكنها على الرغم من ذلك لا تزال متأثرة بالمنطق الطبي وتعطي الأولوية لنموذج المؤسسة الطبية بدلًا من تبني نماذج متعددة.
     −
* '''الولادة حدث طبي بالدرجة الأولى''':
+
وتشير التوصيات أيضًا إلى أن تطبيق هذه المبادئ على نحو واقعي يتطلب توافر مجموعة من المتطلبات المؤسسية، من بينها وجود عدد كافٍ من أفراد الطاقم الطبي المؤهلين، وتوفير التدريب المناسب، والأدوات والموارد اللازمة، والبنية التحتية الملائمة، بالإضافة إلى  أنظمة فعالة للرقابة. يجب الأخذ بالاعتبار أيضًا أن هذه التوصيات أشمل من مفهوم رعاية الولادة القائمة على الاحترام، إذ لا تقتصر على المبادئ الأخلاقية والسلوكية لتعامل الطاقم الطبي مع الحوامل، وإنما تشمل أيضًا عددًا كبيرًا من التوصيات الطبية، والتي تشرح التدخلات المطلوبة خلال الولادة.
الغالبية العظمى من التوصيات طبية وموجهة للأطباء وطواقم العمل في المستشفيات وتركز على الجانب الصحي والطبي وتناقش تدخلات طبية وتحديد درجة ضرورتها مع إهمال الجانب الاجتماعي للولادة.
     −
* '''الأدلة العلمية الكمية''':
+
ومن منظور نسوي، يمكن النظر إلى  هذه التوصيات كخطوة نحو الاعتراف بالتجربة الفردية والاجتماعية كجزء أساسي من معايير الرعاية الصحية للولادة. فهي تمنح قدرًا من الاهتمام لخبرة الحامل، وتتعامل مع الولادة، كتجربة متمحورة حول المرأة. كما تؤكد على مفاهيم مثل رعاية الولادة القائمة على الاحترام، والحد من التدخلات الطبية غير الضرورية. ومع ذلك، تظل هذه التوصيات متأثرة بالمنطق الطبي، إذ تفترض في معظمها أن الولادة تتم داخل المؤسسة الطبية، وتعطي الأولوية لهذا النموذج بدلًا من الاعتراف بتعدد نماذج الرعاية والولادة.  
توضح منظمة الصحة العالمية بأن التوصيات المنشورة مستندة إلى أدلة علمية، أي أنها مبنية على نتائج أبحاث كمية وتقوم بقياس متغيرات تحددها الجهة التي تجري البحث. علميًا فإن الأبحاث الكمية تعطي نتائج واضحة وقابلة للقياس والتطبيق ويمكن التعامل معها بسهولة، وهذه المواصفات ما يجعلها خيارًا مفضلًا عند إنتاج المعرفة الطبية والسياسات المرتبطة بالمؤسسة الطبية كذلك، لكن البحث الكمي يتجاهل أيضًا الخبرة الذاتية والسياق الاجتماعي والثقافي، كما أنه لا يخلو من التحيزات، ونتائجه مبنية على معايير يحددها معد البحث ذاته، ولذا فإن النتيجة النهائية للبحث الكمي عن فعالية سلوك طبي أو اجتماعي تُحدد بناء على ما يراه معد البحث باعتباره نتيجة إيجابية أو نتيجة سلبية، أي أن الأدلة الكمية تُنتج من خلال المؤسسة الطبية ذاتها وبناء على معاييرها.
     −
في واقع الأمر فإن عملية الولادة تمثل تجربة ذاتية وتتسم بالتعقيد، والولادة داخل المؤسسة تخضع لعلاقات السلطة المعرفية والقانونية التي ترسخها، ولذا فإن أي توصيات بخصوص هذه العملية يجب أن تأخذ البعد الاجتماعي بعين الاعتبار، وهو ما لا تقوم به توصيات منظمة الصحة العالمية.
+
وينعكس هذا التوجه في محدودية تناول التوصيات لخيارات الولادة خارج المؤسسات الصحية، بما في ذلك الولادة المنزلية وحق الحامل في اختيار مكان الولادة. ورغم أن الولادة المنزلية لا تُعد خيارًا مناسبًا لجميع الحوامل، فإن الأدلة تشير إلى أنها قد تكون خيارًا آمنًا في حالات الحمل منخفضة الخطورة، وتحت إشراف مقدمي رعاية مؤهلين، مع التأكد وجود آلية للإحالة إلى المستشفيات عند الحاجة. وأصدرت بعض الهيئات الطبية الحكومية أدلة ومعايير لتنظيم الولادات المنزلية استجابة لظروف استثنائية; فعلى سبيل المثال أصدرت وزارة الصحة السعودية دليلًا للولادات المنزلية خلال وباء كوفيد-19، بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفيات في تلك الفترة.<ref>[https://www.moh.gov.sa/en/Ministry/MediaCenter/Publications/Pages/The-Saudi-Home-Birth-Standards.pdf The Saudi Home Birth Standards]</ref> كما ارتفع الإقبال على الولادات المنزلية بشكل كبير خلال تلك الفترة في أوروبا والولايات المتحدة.<ref>[https://www.bbc.com/news/stories-52098036 Birth in a pandemic: 'You are stronger than you think']</ref><ref>[https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0266613825000804 Choosing for a Homebirth during COVID-19 Lockdown in The Netherlands, who and why: A national prospective questionnaire study]</ref><ref>[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9115086/ Interest in Home Birth During the COVID‐19 Pandemic: Analysis of Google Trends Data]</ref>
   −
* '''الخصوصيات الثقافية''':
+
أما في العراق، فقد صدر قانون لتنظيم مهنة القبالة عام 2012 استجابة للطلب المجتمعي على خدمات  القابلات المنزليات،  والذي تزايد بسبب الغزو الأمريكي في 2003. ويعترف القانون بالقابلات الشعبيات اللواتي يمارسن المهنة استنادًا إلى الخبرة العملية، دون اشتراط تعليم أكاديمي.<ref>[https://jummar.media/10097 نشوى نعيم: وجوه القابلات في العراق: من الأزقّة الشعبية إلى العيادات الخاصة ]</ref> وعلى الرغم من تراجع أعمال العنف في العراق خلال السنوات اللاحقة، إلا أن الإقبال على القابلات المنزليات لا يزال متزايدًا بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الطبية داخل المستشفيات. كما تمثل الولادة المنزلية في بعض السياقات ضرورةً عملية أكثر منها مجرد خيار شخصي، ولا سيما في المناطق التي تعاني ضعف البنية التحتية الصحية أو محدودية انتشار المؤسسات الطبية {{مطلوب مصدر}}. بالإضافة إلى ذلك، تدفع تجارب العنف التوليدي والتمييز داخل بعض المؤسسات الصحية بعض الحوامل، خاصة المنتميات إلى الأقليات العرقية والإثنية أو الفئات الاجتماعية الأكثر فقرًا، إلى تفضيل نماذج بديلة للرعاية والولادة. وفي المكسيك لا تزال القابلات الشعبيات في بعض الولايات مسؤولات عن حوالي 25 - 75 % من الولادات {{مطلوب مصدر}}.
تستند التوصيات في جوهرها إلى المدرسة الغربية للطب الحيوي، وهي مدرسة تُقدم باعتبارها عالمية الانتشار والتأثير وتفترض أن معاني المرض واحدة في كل الثقافات على الرغم من أن انتشارها أصلًا كان مرتبطًا بالحدث الاستعماري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع الأخذ بالاعتبار أن الولادة ليست مرضًا أو حدثًا طبيًا، ولكن حدث طبيعي وثقافي، ولذا فإن فرض منطق المؤسسة الطبية الغربية والممارسات المبنية على الأدلة العلمية على الولادة يفرض تهميشًا عنيفًا للخصوصيات الثقافية والاجتماعية ويقصي المعارف الشعبية المتوارثة على الرغم من قيمتها وتأثيراتها في العديد من البيئات والمجتمعات.  
     −
إن الأدلة العلمية - بحسب من ينتجها - غير مرتبطة بحدود ثقافية أو جغرافية، إلا أن عملية إنتاجها من الأصل ارتبطت بسياقات ثقافية وخصوصيات غربية لها تحيزاتها الخاصة. كما أن الأدلة تُجمع غالبًا من خلال بيئات طبية خاضعة للتحكم تتوفر غالبًا داخل بلدان ذات دخل مرتفع أو متوسط وبالتالي فإن أصوات النساء وتجاربهن في الدول ذات الدخل المنخفض أو دول الجنوب العالمي تظل مهمشة وأقل حضورًا وتأثيرًا في صياغة الدليل العلمي والتوصيات المبنية عليه.
+
بالإضافة إلى ذلك، فإن الغالبية العظمى من التوصيات طبية، وموجهة بالأساس للأطباء وطواقم الرعاية الصحية في المستشفيات، وتركز على التدخلات الطبية وتحديد  مدى ضرورتها، مع إهمال تفصيل الجانب الاجتماعي والأبوي للولادة، الذي قد يشمل على عنف جسدي أو نفسي أو تمييز في تقديم الخدمة الطبية. وتشير التوصيات إلى غياب أدلة كافية على فعالية التدخلات التي تهدف إلى تعزيز ممارسات رعاية الأمومة القائمة على الاحترام، وتشير إلى أن تعقيد العوامل المؤدية إلى إساءة المعاملة أثناء الولادة يستدعي تدخلات على مستويات متعددة، تشمل العلاقات بين الأفراد، والمؤسسات الصحية، والنظام الصحي. كما تؤكد على أهمية تعزيز الحوار بين مقدمي الرعاية الصحية والحوامل، وإشراك ممثلات المنظمات المدافعة عن حقوق النساء.  
   −
* '''تجاهل الولادة المنزلية''':
+
ويكشف هذا الطرح اعتراف منظمة الصحة العالمية بوجود فجوة بين المبادئ التي تقوم عليها رعاية الأمومة وبين واقع تطبيقها داخل المؤسسات الصحية. إلا أن تفسيرها يظل محدودًا، إذ يركز على تحسين العلاقات بين الحوامل ومقدمي الرعاية، دون أن يضع المسؤولية المطلوبة على البنى والمؤسسات وعلاقات القوة التي تنتج العنف التوليدي وتعيد إنتاجه. فمن منظور نسوي، لا يمكن فهم العنف التوليدي  كنتيجةً لخلل في التواصل أو في العلاقة بين الأشخاص، بل هو نتاج لبنى اجتماعية ومؤسسية أوسع، تتقاطع فيها علاقات الجندر والطبقة والعرق وغيرها.
توصيات منظمة الصحة العالمية لا تزال لحد الآن متمحورة حول التعامل مع الولادة كحدث سريري أو طبي، وأهم المؤشرات على ذلك هو غياب تام للتوصيات بخصوص الولادات المنزلية أو لحق المرأة في اختيار مكان الولادة. إن الولادة داخل المنزل ليست خيارًا رجعيًا أو خطيرًا ولا يتعارض مع إمكانية الإشراف الطبي، وقد ثبت ذلك بالدليل العملي خلال السنوات السابقة، حيث أصدرت بعض الهيئات الطبية الحكومية أدلة ومعايير للولادات المنزلية استجابة لأوضاع خاصة. وعلى سبيل المثال فإن وزارة الصحة السعودية أصدرت دليلًا مشابهًا استجابة للوضع الوبائي الخاص بمرض كوفيد-19 بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفيات في تلك الفترة.<ref>[https://www.moh.gov.sa/en/Ministry/MediaCenter/Publications/Pages/The-Saudi-Home-Birth-Standards.pdf The Saudi Home Birth Standards]</ref> كما أن الطلب على الولادات المنزلية قد ارتفع بشكل كبير خلال تلك الفترة في أوروبا والولايات المتحدة.<ref>[https://www.bbc.com/news/stories-52098036 Birth in a pandemic: 'You are stronger than you think']</ref><ref>[https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0266613825000804 Choosing for a Homebirth during COVID-19 Lockdown in The Netherlands, who and why: A national prospective questionnaire study]</ref><ref>[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9115086/ Interest in Home Birth During the COVID‐19 Pandemic: Analysis of Google Trends Data]</ref>
     −
أما العراق فقد أصدرت قانونًا لتنظيم مهنة القبالة منذ عام 2012 وذلك استجابة للطلب المجتمعي على القابلات المنزليات، والذي تزايد بسبب حوادث العنف الناتجة عن الغزو الأمريكي في 2003، ويعترف القانون بالقابلات الشعبيات اللواتي يمارسن المهنة بدون تعليم أكاديمي.<ref>[https://jummar.media/10097 نشوى نعيم: وجوه القابلات في العراق: من الأزقّة الشعبية إلى العيادات الخاصة ]</ref> وعلى الرغم من انحسار أعمال العنف في العراق منذ سنوات إلا أن الطلب على القابلات المنزليات لا يزال متزايدًا بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الطبية داخل المستشفيات. الولادة المنزلية ضرورية أيضًا في بعض المناطق الجغرافية بسبب ضعف المنشآت الطبية من حيث التواجد والانتشار وقدرتها على تغطية عدد كبير من السكان، كما أن بعض المؤسسات الطبية تمارس عنفًا توليديًا يظهر على شكل تفرقة عنصرية موجهة نحو أفراد الأقليات العرقية والإثنية والطبقات الأدنى والأكثر فقرًا. وفي المكسيك لا تزال القابلات الشعبيات في بعض الولايات مسؤولات عن حوالي 25 - 75 % من الولادات.
+
كما توضح منظمة الصحة العالمية أن توصياتها تستند إلى الأدلة العلمية (Evidence-Based)، أي إلى نتائج الأبحاث التي تقيس فعالية التدخلات الصحية باستخدام مناهج بحثية تحددها الجهة التي تجري البحث ويغلب عليها الطابع الكمي. وتوفر هذه الدراسات نتائج قابلة للقياس والمقارنة، وهو ما يجعلها جزءًا أساسيًا من إنتاج المعرفة الطبية وصياغة السياسات المرتبطة بمؤسستها. إلا أن الاعتماد على الأدلة الكمية يطرح حدودًا منهجية، إذ يركز على متغيرات ومعايير المحددة  تدعي الحيادية، بالإضافة إلى تجاهل الخبرات الذاتية للحوامل والأبعاد الاجتماعية والسياسية التي تشكل تجربة الولادة.  
   −
* '''إهمال العنف المؤسسي''':
+
تستند هذه التوصيات في جوهرها إلى المدرسة الغربية للطب الحيوي، الذي يقدم باعتبار نموذجًا عالميًا صالحًا للتطبيق في مختلف السياقات،  ويفترض فهمًا موحدًا للمرض والصحة وممارسات الرعاية. إلا أن انتشار هذا النموذج ارتبط تاريخيًا بعمليات التوسع الاستعماري خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وبالتالي، فإن فرض منطق المؤسسة الطبية الغربية والممارسات المبنية على الأدلة العلمية على الولادة يؤدي إلى تهميش الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، وإقصاء المعارف الشعبية المتوارثة المتعلقة بالولادة، رغم استمرارها وأهميتها في العديد من المجتمعات.
توضح التوصيات غياب أدلة كافية على نجاعة التدخلات من أجل تعزيز السلوكيات المرتبطة برعاية الأمومة القائمة على الاحترام، واستنادًا لذلك فإن تعقيد الدوافع وراء إساءة المعاملة خلال الولادة يتطلب وجود تدخلات على مستوى العلاقات بين الأشخاص وعلى مستوى المستشفى والنظام الصحي. بالإضافة إلى التأكيد على أهمية الانخراط في الحوار وتعزيز التواصل بين مقدمي الرعاية الصحية والنساء وممثلات مجموعات الدفاع عن حقوق النساء.  
     −
تشخص منظمة الصحة العالمية من خلال ما سبق واقعًا حقيقيًا يشير إلى ضعف نجاعة المبادئ المرتبطة برعاية الأمومة القائمة على الاحترام في إحداث تغيير ملموس على الأرض، ولكنها تفشل في تحميل مسؤولية هذه المعطيات للمسؤول الحقيقي، فالعنف خلال الولادة - أي العائق أمام تحقيق تجربة الولادة الإيجابية - بجميع صوره وأشكاله تقع مسؤوليته على عاتق بُنى وهياكل خارجة عن تحكم النساء وتشمل أبعادًا أكبر من مجرد العلاقات بين الأشخاص (النساء الحوامل ومقدمي الرعاية الصحية)، والتي لا تنجح في تفسير هذا العنف ودوافعه (وهي أيضًا ما تفشل التوصيات في تعريفها بشكل دقيق).
+
إن الأدلة العلمية -بحسب من ينتجها- غير مرتبطة بحدود ثقافية أو جغرافية، إلا أن عملية إنتاجها ارتبطت، في الأصل، بسياقات ثقافية وخصوصيات غربية تحمل تحيزاتها الخاصة. كما تُجمع هذه الأدلة غالبًا في بيئات طبية خاضعة للتحكم، تتوافر في معظمها داخل بلدان ذات دخل مرتفع أو متوسط. وبالتالي، تظل أصوات النساء وتجاربهن في البلدان ذات الدخل المنخفض ودول الجنوب العالمي مهمشة، وأقل حضورًا وتأثيرًا في صياغة الأدلة العلمية والتوصيات المبنية عليها.
    
=={{أمر مجندر|طالع}} كذلك==
 
=={{أمر مجندر|طالع}} كذلك==
8٬468

تعديل

قائمة التصفح