تغييرات

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سطر 39: سطر 39:  
منذ القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن العشرين، كانت الغالبية العظمى من ولادات النساء من الطبقات الفقيرة والوسطى تُجرى إما على يد قابلات غير خاضعات لأي تنظيم مهني، وكان كثير منهن لا يجدن القراءة والكتابة، أو على يد أطباء عامين. أما الطبقتان الوسطى والعليا، فكانتا تستعين بما سُمي بالممرضة الشهرية (Monthly Nurse)، وهي قابلة كانت تقيم في منزل الحامل، وتقدم لها الرعاية والتمريض منذ الفترة السابقة للولادة وحتى ثلاثة أو أربعة أسابيع بعدها، بينما يتولى الطبيب العام عملية التوليد ويتقاضى أجرها. كما ظهرت، منذ أواخر القرن التاسع عشر، بعض العيادات الخاصة أو بيوت التمريض، التي أتاحت للأطباء العامين توليد مريضاتهم من الطبقتين الوسطى والعليا <ref name="GPOBG"/>.
 
منذ القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن العشرين، كانت الغالبية العظمى من ولادات النساء من الطبقات الفقيرة والوسطى تُجرى إما على يد قابلات غير خاضعات لأي تنظيم مهني، وكان كثير منهن لا يجدن القراءة والكتابة، أو على يد أطباء عامين. أما الطبقتان الوسطى والعليا، فكانتا تستعين بما سُمي بالممرضة الشهرية (Monthly Nurse)، وهي قابلة كانت تقيم في منزل الحامل، وتقدم لها الرعاية والتمريض منذ الفترة السابقة للولادة وحتى ثلاثة أو أربعة أسابيع بعدها، بينما يتولى الطبيب العام عملية التوليد ويتقاضى أجرها. كما ظهرت، منذ أواخر القرن التاسع عشر، بعض العيادات الخاصة أو بيوت التمريض، التي أتاحت للأطباء العامين توليد مريضاتهم من الطبقتين الوسطى والعليا <ref name="GPOBG"/>.
   −
===النقابات والأنظمة الطبية في أوروبا===
+
===النقابات وتوحيد الأنظمة الطبية===
+
خلال القرن التاسع عشر، كان تقديم الرعاية الصحية في أوروبا منقسمًا على أسس طبقية وتعليمية واجتماعية؛  وتجسد ذلك من خلال فصل الممارسين وفقًا لاختلاف مسارات التعليم والترخيص، قبل أن تتجه المهن الصحية تدريجيًا نحو مزيد من التنظيم القانوني والتوحيد المهني.
خلال القرن التاسع عشر، فصل نظام طبقي صارم بين مقدمي الرعاية الصحية في أوروبا، فهناك من جهة، الأطباء الذين ينتمون إلى الطبقة العليا في المجتمع وحصلوا على فرصة لتعلّم الطب عبر المؤسسات الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك الجراحون المعالجون، وهم من أبناء الطبقة الوسطى ويحصلون تعليمهم عبر التلمذة المهنية على يد ممارسين أكبر منهم سنًا وأكثر منهم خبرة، بعضهم جراحون حلاقون، مارسوا وتعلموا الجراحة عبر مهنة الحلاقة (تقليد متوارث منذ مئات السنين)، وبعضهم صيادلة أو كيميائيون، طوروا خبرة في التشخيص وقدرة على منح الاستشارات الطبية من خلال خبرتهم في الأدوية والمستحضرات الكيميائية. في أدنى الهرم كانت القابلات، وغالبيتهن تعلمن القبالة أيضًا عبر التلمذة المهنية وتناقلن معرفة قديمة امتدت على مدار قرون طويلة، وبعضهن درس وتعلم في مدارس للقبالة أسسها أطباء وأكاديميون ذكور. على أن هذا الفصل ظل في النهاية فصلًا طبقيًا حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، وتمثل من خلال بعض الأجساد النقابية التي فصلت بين الممارسين المختلفين ولكن لم يُرسَّم على الأرض باستخدام القوانين.
  −
  −
كانت الخطوة الأولى لترسيخ السلطة على أجساد المرضى من خلال المؤسسة الطبية هي بترسيم المؤسسة الطبية ذاتها أولًا. حصل ذلك عبر عدة خطوات كان أولها تنظيم المهنة باستخدام القوانين والنقابات. تأسس الاتحاد الطبي البريطاني British Medical Association في 1836 وتأسست الجمعية الملكية لجراحي لندن Royal College of Surgeons of London في 1800 (وتحول اسمها إلى الجمعية الملكية لجراحي إنجلترا Royal College of Surgeons of England في 1843)، وقد هدفت الأخيرة لتشكيل جسد نقابي خاص بالجراحين ورفضت أن تقبل في عضويتها أي جراحين لم يحصلوا على تعليم جامعي أو أي قابلات حتى لو حصلن على تدريب مهني عن طريق مدارس القبالة.<ref name="GPOBG"/> في عام 1858، صدر أول قانون لتنظيم مهنة الطب في إنجلترا ويُعتبر من أوائل القوانين المشابهة التي صدرت على مستوى أوروبا، وقد استُنتسخ القانون وأعيد إصداره في عدد من المستعمرات والتابعيات البريطانية (مثل أستراليا في 1877 ولاحقا الهند في 1916،<ref>[https://www.nmc.org.in/acts-amendments/the-indian-medical-degree-act-1916/ THE INDIAN MEDICAL DEGREES ACT, 1916 (ACT No. VII of 1916)]</ref> وقد ركز القانون الهندي على توضيح التسميات الوظيفية لممارسي المهن الصحية وعقوبات من يستخدمها بغير استحقاق). صدر في فرنسا قانون الثلاثين من نوفمبر 1892 الذي أغلق مهنة الطب ومنح احتكارًا بممارستها للأطباء بشكل حصري، أما في أسبانيا فقد صدر قانون الخدمة العامة في 1855 وقد تمخض عنه تشكيل هيئات تفتيش ومحاكم طبية تلاحق أي ممارسين للعمل الصحي بدون ترخيص.<ref>[https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/technical_reports/2009/RAND_TR691.pdf  RAND Corporation: International Comparison of Ten Medical Regulatory Systems (Technical Report)]</ref>
     −
;صعود المستشفى كمركز للمؤسسة الطبية
+
من جهة، كان الأطباء الذين ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية العليا في المجتمع، يحصلون على فرص التعلم في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية. ومن جهة أخرى، كان الجراحون المعالجون (الصيادلة)، المنتمون  في الغالب إلى الطبقة الوسطى، يتلقون تعليمهم عبر التلمذة المهنية على يد ممارسين أكبر منهم سنًا وأكثر خبرة. وضم هؤلاء عدة فئات، منها الجراحون الذين ورثوا تقاليد الجراحة المرتبطة تاريخيًا بمهنة الحلاقة ومنهم الصيادلة والكيميائيين، الذين اكتسبوا خبرة في التشخيص وتقديم الاستشارات الطبية من خلال عملهم في تحضير الأدوية والمستحضرات الكيميائية.
 +
أما  القابلات، فمعظمهن تعلمن القبالة عبر التلمذة المهنية وتوارث المعرفة والخبرات العملية المتراكمة على مدار قرون طويلة، وبعضهن درسًا تعليمًا نظاميًا في مدارس للقبالة أسسها أطباء وأكاديميون ذكور. 
 +
 
 +
رسخ تنظيم مهنة الطب سلطة المؤسسة الطبية على الأجساد من خلال إخضاع ممارسة المهن الصحية لتنظيم قانوني ومؤسسي موحد. حصل ذلك عبر عدة خطوات كان أولها سن القوانين المنظمة للمهنة وإنشاء النقابات.
 +
في إنجلترا، تأسست الجمعية الملكية لجراحي لندن (Royal College of Surgeons in London) في 1800، والتي أصبح اسمها الجمعية الملكية لجراحي إنجلترا (Royal College of Surgeons of England) في 1843،  واقتصرت عضويتها على الجراحين المؤهلين وفقًا لمعاييرها التي شملت على التعليم الجامعي وتدريب مهني محدد، ولم تشمل القابلات. كما تأسس الاتحاد الإقليمي الطبي والجراحي  (Provincial Medical and Surgical Association) في 1832، واتخذ اسمه الحالي الاتحاد الطبي البريطاني (British Medical Association) في  1856<ref name="GPOBG"/>.
 +
 
 +
في عام 1858، صدر أول قانون لتنظيم مهنة الطب في إنجلترا، والذي أثرت مبادئه في تشريعات لاحقة صدرت في عدد من المستعمرات البريطانية، من بينها أستراليا في 1877 ولاحقا الهند في 1916<ref>[https://www.nmc.org.in/acts-amendments/the-indian-medical-degree-act-1916/ The Indian Medical Degrees Act, 1916 (Act No. VII of 1916)]</ref>. وركز القانون الهندي على توضيح المسميات الوظيفية لممارسي المهن الصحية، وعقوبات من يستخدمها بغير استحقاق. في فرنسا، صدر قانون 30 نوفمبر 1892، الذي أغلق مهنة الطب ومنح احتكارًا بممارستها للأطباء الحاصلين على المؤهلات القانونية فقط. أما في أسبانيا، فصدر قانون الصحة العامة في 1855، ونتج عنه تشكيل هيئات تفتيش ومحاكم طبية تلاحق ممارسي العمل الصحي بدون ترخيص<ref>[https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/technical_reports/2009/RAND_TR691.pdf  RAND Corporation: International Comparison of Ten Medical Regulatory Systems (Technical Report)]</ref>.
 +
 
 +
===صعود المستشفى كمركز للمؤسسة الطبية===
 
   
 
   
 
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت تتطور الممارسة الطبية منفصلة عن شكلها التقليدي في أوروبا  في قرون ما بعد عصر النهضة، فأصبحت الخدمة الطبية متمحورة أكثر وأكثر حول المستشفى باعتباره مركز المؤسسة الطبية بعد أن كانت المستشفيات مخصصة فقط للمرضى الفقراء وكمأوى أخير للمحتضرين والمصابين بالأمراض العضال أو كمكان لعزل المصابين بالأوبئة مثل الطاعون [[زهري|والسفلس]]، أصبح المستشفى مؤسسة بحثية وتعليمية، والخيار الأول للسلطات لتوفير العلاج للمرضى، كان للثورة الصناعية أثر كبير على الاقتصاد والعسكرية في أوروبا، حيث احتاجت الدول إلى أعداد أكبر من السكان من أجل تغذية حاجتها إلى الأيدي العاملة وإلى الجنود. حيث أن  الأيدي العاملة مطلوبة من أجل تغذية المصانع والجيوش مطلوبة من أجل استعمار الجنوب العالمي، وهو الأمر الحيوي من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية وخلق أسواق استهلاكية للمنتجات الصناعية في أوروبا. وقد ساهمت الحربان العالميتان أيضًا في تطوير مكانة المستشفى كمكان للعلاج والاستشفاء بسبب العدد الضخم من الضحايا الذي تسببت به هذه الحرب وضرورة إعادة تأهيل مصابي الحرب من الجنود للعودة إلى صفوف القتال مرة أخرى. خلال هذه الفترة بدأ المستشفى يتحول من الملاذ الأخير للمريض إلى الخيار الأول للعلاج.<ref>[https://www.encyclopedia.com/science/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/hospital-modern-history Encyclopedia.com: Hospital, Modern History of the]</ref>
 
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت تتطور الممارسة الطبية منفصلة عن شكلها التقليدي في أوروبا  في قرون ما بعد عصر النهضة، فأصبحت الخدمة الطبية متمحورة أكثر وأكثر حول المستشفى باعتباره مركز المؤسسة الطبية بعد أن كانت المستشفيات مخصصة فقط للمرضى الفقراء وكمأوى أخير للمحتضرين والمصابين بالأمراض العضال أو كمكان لعزل المصابين بالأوبئة مثل الطاعون [[زهري|والسفلس]]، أصبح المستشفى مؤسسة بحثية وتعليمية، والخيار الأول للسلطات لتوفير العلاج للمرضى، كان للثورة الصناعية أثر كبير على الاقتصاد والعسكرية في أوروبا، حيث احتاجت الدول إلى أعداد أكبر من السكان من أجل تغذية حاجتها إلى الأيدي العاملة وإلى الجنود. حيث أن  الأيدي العاملة مطلوبة من أجل تغذية المصانع والجيوش مطلوبة من أجل استعمار الجنوب العالمي، وهو الأمر الحيوي من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية وخلق أسواق استهلاكية للمنتجات الصناعية في أوروبا. وقد ساهمت الحربان العالميتان أيضًا في تطوير مكانة المستشفى كمكان للعلاج والاستشفاء بسبب العدد الضخم من الضحايا الذي تسببت به هذه الحرب وضرورة إعادة تأهيل مصابي الحرب من الجنود للعودة إلى صفوف القتال مرة أخرى. خلال هذه الفترة بدأ المستشفى يتحول من الملاذ الأخير للمريض إلى الخيار الأول للعلاج.<ref>[https://www.encyclopedia.com/science/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/hospital-modern-history Encyclopedia.com: Hospital, Modern History of the]</ref>
8٬425

تعديل

قائمة التصفح