تغييرات

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إضافة روابط
سطر 42: سطر 42:       −
وُضِعت جدتي ومثيلاتها على رأس المستهدفات ببرامج صحة الأمومة والطفولة، وبعدها في برامج تنظيم الأسرة وتحديد النسل، ليس فقط لكونها امرأة، بل لكونها فقيرة أيضًا! لم تساهم جدتي في صناعة أي من السياسات التي تناقش إنجابيتها أو حياتها الجنسية، ولم يُنظر لها كإنسانة تمتلك أفكار ومشاعر ورغبات وأحلام وأمنيات لحياتها ومستقبلها ومستقبل أطفالها، بل في خضم عملية “الإصلاح” الاجتماعي والسياسي، نُظِر لجسد جدتي باعتباره هدفا للتحكم والتوجيه، ووسيلة لتحقيق السياسة السكانية للدولة. وبالرغم من معرفتي المسبقة برتوش من هذه المعلومات، إلا أنه مع الاستمرار في القراءة ومعرفة المزيد من التفاصيل، شعرت بالثقل الشديد وانهكتني المعرفة. وفي كثير من الأحيان طوال رحلة البحث والكتابة، داهمني الشعور بالعجز، فكيف لي ولنا تغيير أثر قرون من سياسات وممارسات وخطابات تجردنا –كنساء – من إنسانيتنا وتعزلنا عن أجسادنا؟ وتذكرت جملة قالتها إحدى”كاتبات الخزانة“: “الحقيقة أن أبي وأمي وعائلتي والطبيب والمستشفى ووزارة الصحة يمتلكون جسدي.” وددتُ أن أكمل “وكذلك يمتلك السياسيون والدولة والمنظمات الدولية أجسادنا.” وتساءلت: يا ترى ماذا كانت تشعر جدتي تجاه جسدها مع كل هذا؟ هل كانت هناك مساحة ما تشارك فيها ما تشعر به؟ هل شعرت بالوحدة تجاه ألم تجربة قاسية كالختان؟ هل كان هناك مساحة حقيقية لها حتى “تختار” ألا تختن بناتها؟ لكن ماذا يعني “الاختيار” في سياق يُنظَر فيه للختان كضمان “للعفة”؟ وتصبح العفة بدورها هي الضمان لقابلية المرأة للزواج، ويصبح الزواج بدوره ضرورة اقتصادية وطريقة للهروب من وقع ظروف حياة قاسية ومساحة لتصور بداية جديدة لحياة أقل قسوة -حتى لو لم يكن هذا التصور قابل للتحقيق. هل “اختارت” خالاتي حقًا الزواج في سن صغيرة؟
+
وُضِعت جدتي ومثيلاتها على رأس المستهدفات ببرامج صحة [[أمومة|الأمومة]] والطفولة، وبعدها في برامج تنظيم الأسرة وتحديد النسل، ليس فقط لكونها امرأة، بل لكونها فقيرة أيضًا! لم تساهم جدتي في صناعة أي من السياسات التي تناقش إنجابيتها أو حياتها الجنسية، ولم يُنظر لها كإنسانة تمتلك أفكار ومشاعر ورغبات وأحلام وأمنيات لحياتها ومستقبلها ومستقبل أطفالها، بل في خضم عملية “الإصلاح” الاجتماعي والسياسي، نُظِر لجسد جدتي باعتباره هدفا للتحكم والتوجيه، ووسيلة لتحقيق السياسة السكانية للدولة. وبالرغم من معرفتي المسبقة برتوش من هذه المعلومات، إلا أنه مع الاستمرار في القراءة ومعرفة المزيد من التفاصيل، شعرت بالثقل الشديد وانهكتني المعرفة. وفي كثير من الأحيان طوال رحلة البحث والكتابة، داهمني الشعور بالعجز، فكيف لي ولنا تغيير أثر قرون من سياسات وممارسات وخطابات تجردنا –كنساء – من إنسانيتنا وتعزلنا عن أجسادنا؟ وتذكرت جملة قالتها إحدى”كاتبات الخزانة“: “الحقيقة أن أبي وأمي وعائلتي والطبيب والمستشفى ووزارة الصحة يمتلكون جسدي.” وددتُ أن أكمل “وكذلك يمتلك السياسيون والدولة والمنظمات الدولية أجسادنا.” وتساءلت: يا ترى ماذا كانت تشعر جدتي تجاه جسدها مع كل هذا؟ هل كانت هناك مساحة ما تشارك فيها ما تشعر به؟ هل شعرت بالوحدة تجاه ألم تجربة قاسية كالختان؟ هل كان هناك مساحة حقيقية لها حتى “تختار” ألا تختن بناتها؟ لكن ماذا يعني “الاختيار” في سياق يُنظَر فيه للختان كضمان “للعفة”؟ وتصبح العفة بدورها هي الضمان لقابلية المرأة للزواج، ويصبح الزواج بدوره ضرورة اقتصادية وطريقة للهروب من وقع ظروف حياة قاسية ومساحة لتصور بداية جديدة لحياة أقل قسوة -حتى لو لم يكن هذا التصور قابل للتحقيق. هل “اختارت” خالاتي حقًا الزواج في سن صغيرة؟
      سطر 51: سطر 51:       −
استهدف صوت أولئك النسويات استعادة امتلاك الكلام عن أجساد النساء وجنسانياتهن، وأخرج الألم المرتبط بممارسة ختان الإناث من وحدة وكتمان الصمت لفضاء مسموع، ولوح بإمكانية وجود حياة مختلفة، لا تكون أجساد النساء فيها عبئًا أو عارًا عليهن، ولا يكون فيها انتهاكهن “طبيعي” أو سبيلهن الوحيد للتفاوض.  
+
استهدف صوت أولئك النسويات استعادة امتلاك الكلام عن أجساد النساء [[جنسانية|وجنسانياتهن]]، وأخرج الألم المرتبط بممارسة ختان الإناث من وحدة وكتمان الصمت لفضاء مسموع، ولوح بإمكانية وجود حياة مختلفة، لا تكون أجساد النساء فيها عبئًا أو عارًا عليهن، ولا يكون فيها انتهاكهن “طبيعي” أو سبيلهن الوحيد للتفاوض.  
    
أعتقد أن هذا هو ما احتاجته جدتي، وما وجدته أمي. أن تسمع صدى ألمها في مكانٍ آخر خارج رأسها، وأن تعلم أنها لن تكون الوحيدة التي تكسر الدائرة، ولن تضطر للتضحية بالحقوق البسيطة التي تفاوض عليها يوميًا وغالبًا ما تدفع ثمنها إذلالًا وألمًا، وأن تدرك أن ألمها حقيقي ومرئي، وأن مشاعرها ليست جنونًا أو هيستيريا، وأن لها مساحة في المجال العام. هذا هو الأثر الحقيقي الذي تركته حملات التوعية. أعتقد أن جدتي لم تحتاج أن يوعيها أحدٌ بما اختبرته هي بنفسها، فالشخص المضروب لا يحتاج لشخص آخر يقول له أنه ضُرب، لكنه يحتاج أن يثق في عدم تعرضه للعقاب إذا ما اعترض أو حاول وقف الاعتداء الواقع عليه، ولن يوصم ولن يُتهم بالجنون.  
 
أعتقد أن هذا هو ما احتاجته جدتي، وما وجدته أمي. أن تسمع صدى ألمها في مكانٍ آخر خارج رأسها، وأن تعلم أنها لن تكون الوحيدة التي تكسر الدائرة، ولن تضطر للتضحية بالحقوق البسيطة التي تفاوض عليها يوميًا وغالبًا ما تدفع ثمنها إذلالًا وألمًا، وأن تدرك أن ألمها حقيقي ومرئي، وأن مشاعرها ليست جنونًا أو هيستيريا، وأن لها مساحة في المجال العام. هذا هو الأثر الحقيقي الذي تركته حملات التوعية. أعتقد أن جدتي لم تحتاج أن يوعيها أحدٌ بما اختبرته هي بنفسها، فالشخص المضروب لا يحتاج لشخص آخر يقول له أنه ضُرب، لكنه يحتاج أن يثق في عدم تعرضه للعقاب إذا ما اعترض أو حاول وقف الاعتداء الواقع عليه، ولن يوصم ولن يُتهم بالجنون.  
staff
2٬303

تعديل

قائمة التصفح