صحة إنجابية

من ويكي الجندر
(بالتحويل من الصحة الإنجابية)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الصحة الإنجابية شعور الأفراد بحالة من السلامة والمعافاة الجسدية والنفسية والاجتماعية في كل ما يتعلق بالقضايا الخاصة بنشاطهن/م الإنجابي، بما يشمل سلامة الجهاز التناسلي وخلوه من الأمراض والتعامل معها إن وجدت، والقدرة على اتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالإنجاب والخصوبة على أن تكون واعية وحرة ومسؤولة ومبنية على معرفة مسبقة، بدون أي تمييز أو إكراه أو أي نوع من الضغوطات. ({{#arraymap:Reproductive Health@en|،|x|بx: | و }}) {{#set:دلالة=شعور الأفراد بحالة من السلامة والمعافاة الجسدية والنفسية والاجتماعية في كل ما يتعلق بالقضايا الخاصة بنشاطهن/م الإنجابي، بما يشمل سلامة الجهاز التناسلي وخلوه من الأمراض والتعامل معها إن وجدت، والقدرة على اتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالإنجاب والخصوبة على أن تكون واعية وحرة ومسؤولة ومبنية على معرفة مسبقة، بدون أي تمييز أو إكراه أو أي نوع من الضغوطات.}} {{#arraymap:|،|x|{{#set:مرادف=x@ar}}}} {{#set:مرادف=Reproductive Health@en|+sep=،}} {{#set:ذات صلة=صحة جنسية، حقوق جنسية وإنجابية|+sep=،}}

الصحة الإنجابية مكون أساسي من مكونات الصحة العامة، وهي حق راسخ من حقوق الإنسان، وتستهدف جميع الأفراد في المجتمع خلال مختلف مراحل حياتهم، أي أنها لا تقتصر على سن الإنجاب فقط. تتضمن الصحة الإنجابية القدرة على الوصول الكامل إلى خدمات الرعاية الصحية الإنجابية بما يشمل رعاية الحمل والولادة وما بعد الولادة وخدمات الإجهاض الآمنة، على أن تُتاح هذه الخدمات لجميع أفراد المجتمع بدون تفرقة عنصرية أو اجتماعية أو جندرية.

لكن الصحة الإنجابية لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تشمل الصحة النفسية والاجتماعية والعاطفية كذلك، وتتضمن وصول الأفراد إلى معرفة شاملة بخصوص صحتهم ونشاطهم الإنجابي، وهي مرتبطة بشكل عضوي بالصحة الجنسية ومكوناتها.

أهمية الصحة الإنجابية والعوامل المؤثرة بها

الصحة الإنجابية جانب مهم من جوانب الصحة العامة يهدف إلى منح النساء والأفراد تجربة عملية إنجابية سلسة وسهلة وبأقل قدر من التعقيدات. توفر الصحة الإنجابية الأدوات اللازمة من أجل ضمان الصحة الجسدية والنفسية للنساء قبل وخلال فترة الحمل ومنحهن القدرة على التحكم في قراراتهن الخاصة بالإنجاب.

تستمر تدخلات الصحة الإنجابية قبل وخلال وأثناء عملية الإنجاب، وتبدأ منذ اللحظة الأولى التي تنشط فيها النساء جنسيًا حيث توفر هذه التدخلات الوسائل المطلوبة للنساء للتحكم في الخصوبة واتخاذ قرار الإنجاب بشكل واعٍ مبني على المعرفة في الوقت الذي تراه مناسبًا وبما يتسق مع ظروفها الشخصية، وتعمل على أن تُوفر للنساء خلال العملية الإنجابية جميع وسائل الرعاية الضرورية من أجل قضاء فترة الحمل والولادة بدون صعوبات (بما يشمل التدخلات المطلوبة لإنهاء الحمل في حال أثر سلبًا على صحتها الجسدية أو في حال رغبت في ذلك). تستمر تدخلات الصحة الإنجابية أيضًا بعد الولادة وتشمل الرعاية المقدمة للأطفال حديثي الولادة، ومساعدة النساء في تنظيم العملية الإنجابية في حال رغبت في الاستمرار في الإنجاب لاحقًا خلال فترة نشاطها الإنجابي.


تخضع الصحة الإنجابية أيضًا للعديد من المؤثرات، فقدرة الأفراد على الإنجاب تتأثر بوضعهم الصحي وسلامتهم الجسدية وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وحقوقهم الشخصية والجنسية، تؤثر بعض الحالات المرضية سلبًا على قدرة النساء على الإنجاب (سواء بتأثيرها على الخصوبة أو تأثيرها على قدرة جسد المرأة على تحمل الحمل)، مثل تكيس المبايض وبطانة الرحم المهاجرة، أو الضغط والسكري وأمراض القلب وغيرها. بالتالي فإن جودة الصحة الإنجابية مرتبطة بجودة المنظومة الصحية والخدمات التي تقدمها، وهو أمر يرتبط بدوره بالوضع الاقتصادي للدولة والمنظور الذي تُقارب منه الحكومات سياستها الصحية. فالصحة الإنجابية في بعض الأحيان قد تكون مفهومًا اختزاليًا يستخدم كغطاء لسياسات تنظيم وضبط النمو السكاني، وفي أحيان أخرى فإن الاختزال يطال خدمات الصحة الإنجابية نفسها، فإما أن يتم حصر المستفيدين منها في فئات معينة وحرمان فئات أخرى (مثل النساء غير المتزوجات أو اللاجئات أو الأفراد ذوي الهويات الجندرية غير النمطية)، وإما أن تُحرم جميع النساء من بعض الخدمات مثل الإجهاض وتُقصر الاستفادة منه على حالات محدودة. إذا فالصحة الإنجابية لا تتأثر بجودة الخدمات الصحية فقط ولكنها تتأثر بالبيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية كذلك.

تُعد الصحة الإنجابية قضية نسوية أساسية لأنها ترتبط بالعمل غير المرئي والرعاية وهو ما تسميه سيلفيا فيدريتشي "بإعادة الإنتاج الاجتماعي"; أي كل أشكال العمل التي تُنتج الحياة وتُحافظ عليها يوميًا، مثل الحمل، والولادة، والرضاعة، ورعاية الأطفال والعمل المنزلي. هذا العمل أساسي لاستمرار المجتمع والاقتصاد، لكنه غالبًا غير مرئي وغير مدفوع الأجر، ويقع بشكل غير متكافئ على عاتق النساء. وتنتقد فيدريتشي في مقالتها " أجور مقابل الأعمال المنزلية" فكرة “الأجور مقابل العمل المنزلي” كحل، حيث تُختزل في كونها مجرد دخل مادي، وتؤكد أنها في جوهرها موقف سياسي ثوري. فالمطالبة بالأجر لا تعني القبول بالعمل المنزلي، بل هي خطوة أولى لكشفه كعمل، وجعله مرئيًا، ومن ثم رفضه.[1]

كما تنتقد النسوية فرض نماذج "عالمية" لسياسات الصحة الإنجابية تتجاهل السياقات والخصوصيات المحلية; "فالعالمي" ليس منظورًا محايدًا، بل شبكة من المؤسسات الدولية والمانحين التي تنتج معايير وسياسات تعكس أولويات الشمال العالمي ومصالحهم. كما ينتقدن اعتماد سياسات الصحة الإنجابية على مؤشرات رقمية، مثل معدل وفيات الأمهات أو نسب استخدام وسائل منع الحمل; فتحويل تجارب النساء المعقدة إلى أرقام يؤدي إلى التكريس لإخفاء الأبعاد الاجتماعية والسياسية مثل الإكراه والعنف داخل المؤسسة الزوجية والطبية.[2]

مكونات الصحة الإنجابية

تنقسم الصحة الإنجابية إلى عدة مكونات تتكامل جميعًا من أجل توفير منظور شامل للصحة الإنجابية:

الصحة الجنسية

أحد أهم مكونات الصحة الإنجابية ويعتبر تحقيقها اشتراطًا أساسيًا من أجل الوصول إلى صحة إنجابية متكاملة، وقد ارتبطت الصحة الإنجابية تاريخيًا بالصحة الجنسية خاصة في منشورات ووثائق الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وهو ما أعطى على الدوام انطباعًا بأن المستويات الرسمية تتعامل في أغلب الوقت مع الصحة الجنسية كوسيلة ومكون من مكونات الصحة الإنجابية فحسب، على الرغم من أنها في واقع الأمر غاية في حد ذاتها يجب تحقيقها بصرف النظر عن قرار الإنجاب، ولا يجب ربط المفهومين ببعضهما البعض بشكل مطلق، بحيث تظهر الصحة الجنسية وكأنها تستمد أهميتها من كونها شرط في السياق الإنجابي وتفقد أهميتها في حال غياب هذا السياق.

المقال الرئيسي لهذا الموضوع ”صحة جنسية

الرعاية الصحية

مسار حيوي مستمر يتضمن تقديم الرعاية الصحية الشاملة للنساء والأفراد يبدأ منذ اللحظة التي تقرر فيها خوض تجربة الإنجاب.[3] تشمل الرعاية الصحية التعامل مع الأمراض والاضطرابات التي تؤثر سلبًا على قدرة الأفراد على الإنجاب، سواء أثرت على فرص حدوث الحمل (أمراض الجهاز التناسلي مثل تكيس المبايض وبطانة الرحم المهاجرة والتشوهات الخلقية في الجهاز التناسلي) أو على قدرة النساء على تحمله (مثل أمراض القلب والسكري والأمراض المناعية والسرطانات). تستمر الرعاية أيضًا خلال فترة الحمل بحيث تشمل زيارات دورية إلى مراكز رعاية صحية متخصصة تجري فيها الحامل فحوصًا مخبرية وسريرية للتأكد من سلامتها وسلامة الجنين (وتتلقى المساعدة للتعامل مع الآثار الصحية السلبية المرافقة للحمل). وتتضمن الرعاية خلال الحمل أيضًا بروتوكولات استجابة لأي أحداث طبية طارئة خلال شهور الحمل، وذلك حتى الولادة وما بعدها. يجب أن تحتوي الرعاية الصحية الإنجابية أيضًا دعمًا اجتماعيًا ونفسيًا للنساء والشركاء من أجل مساعدتهن على الوصول إلى تجربة إنجابية إيجابية بأقل قدر ممكن من المعيقات والتعامل مع أي مشاكل نفسية قد تنشأ عن تجربة الإنجاب مثل اكتئاب ما بعد الولادة.

تنظيم الإنجاب والتحكم في الخصوبة

تنظيم الإنجاب أو الأسرة هو استخدام وسائل منع الحمل من أجل تحديد عدد الأطفال الذين ترغب كل امرأة في إنجابهم والفترة الزمنية الفاصلة بين كل طفل وآخر بحسب ما تقرره بنفسها وبما يتناسب مع وضعها الصحي.[4] توفر العديد من الدول خدمات "تنظيم الأسرة" التي تتمحور حول السياسات التنموية التي تفرضها ضمن جهود التحكم والضبط السكاني، ولذا فإنها قد تكون - بحسب السياق الذي توجد فيه - خدمات تفرضها المنظومة الصحية لا تقدمها. في بعض الحالات تعكس خدمات تنظيم الأسرة سياسات رسمية عنصرية وذلك عن طريق تطويعها لتستهدف بشكل خاص نساء المجموعات السكانية الأضعف والأكثر تعرضًا للتهميش مثل المهاجرين والأقليات الإثنية والسكان الأصليين، وتصل إلى حد إجبار النساء على استخدام وسائل منع الحمل بشكل قسري. ولكن في سياقات ثقافية أخرى فإن بعض الحكومات تستثني بعض النساء من الاستفادة من هذه الخدمات خاصة الشابات المراهقات والنساء غير المتزوجات وتقصر خدمات تنظيم الأسرة على النساء اللواتي يشكلن جزء من أسر وعائلات "رسمية". يمكن الحديث كثيرًا عن أهمية تنظيم الإنجاب وفوائده الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن ما لم يُقارب - سواء كمفهوم أو كممارسة عملية - من خلال منظور نسوي، وليس باعتباره مفهومًا تنمويًا أو سياسية حكومية، فإنه يفقد أهميته ومغزاه كمكون للصحة الإنجابية. إن تنظيم الإنجاب في جوهره هو قدرة النساء على التحكم في خصوبتهن واتخاذهن لقرارات إنجابية واعية ومستنيرة تتسق مع رغباتهن الشخصية وبما يتسق بشكل مطلق مع استقلاليتهن ووصايتهن الكاملة على أجسادهن وقدرتهن على ممارسة حريتهن الشخصية والجنسية بدون استثناءات أو اشتراطات سواء كانت رسمية أو اجتماعية، ويشمل ذلك جميع النساء بدون تمييز أو تفرقة. ينطبق ذلك على النساء والأفراد الراغبات بالإنجاب أو بالامتناع عنه، سواء كان هذا الامتناع مؤقتًا أو دائمًا، وسواء كانت الوسائل المستخدمة في التحكم في الإنجاب قصيرة الأمد أو طويلة الأمد أو دائمة. ويمكن استخدام العديد من وسائل منع الحمل لتحقيق تحكم كامل في الخصوبة وتنظيم الإنجاب، مع إمكانية اللجوء إلى الإجهاض في حال فشل هذه الوسائل لأي سبب.

الاستقلالية الجسدية والرضائية والعدالة الإنجابية
تنطلق العديد من الأدبيات النسوية من أن العملية الإنجابية بمطلقها تقع تحت مظلة الاستقلالية الجسدية  الكاملة للمرأة ووكالتها على جسدها، وعليها أن تحتفظ بالحق الكامل في اتخاذ جميع القرارات المتعلقة بها بدءًا من قرار الإنجاب نفسه، بدون تدخلات أو تحكم من العائلة أو الشريك أو أي مظلة اجتماعية أخرى، على أن تتلقى الرعاية المطلوبة لدعم أي قرار تتخذه بهذا الخصوص بدون اشتراط تفرضه السياسات السكانية أو الاستثناءات القانونية الحكومية وبدون تدخلات تفرضها المؤسسة الصحية التي تحول الحمل والولادة من عمليات طبيعية إلى حالة مرضية تستوجب إدارة طبية. فمن حقها الإنجاب في الوقت الذي تراه مناسبًا، وبالطريقة التي تراها مناسبة، وبدون وضع شروط بخصوص وضعها الاجتماعي أو طبيعة علاقاتها العاطفية، مع وجوب نيل موافقتها على أي تدخل طبي يتعلق بصحتها الإنجابية، مع احتفاظها بالحق الكامل في التحكم في خصوبتها بشكل مطلق إذا ما اختارت عدم الإنجاب أو إنهاء الحمل في حال حدوثه بشكل غير مخطط له. وبدون الوصاية الجسدية الذاتية الكاملة تفقد الصحة الإنجابية جانبًا مهما مغزاها وقدرتها على أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة الإنجابية.[5]

تطبيقات عملية للصحة الإنجابية

فيما يلي مواضيع مختارة من التطبيقات العملية للصحة الإنجابية:

منع الحمل والجنس الآمن

منع الحمل والجنس الآمن تطبيقات عملية للصحة الجنسية ويعتبر كلاهما ركيزة أساسية من أجل تحقيق الصحة الإنجابية. ترتبط وسائل منع الحمل باستقلالية النساء الجسدية وتمنحهن إمكانية ممارسة حياة جنسية صحية وحرة بدون القلق من حدوث الحمل غير المقصود وتجنب الاضطرار للقيام بالإجهاض، وأيضًا تخطيط مواعيد الحمل وعدد الولادات بحسب ما يواتي رغباتهن، والفصل بين الولادات birth spacing لتجنب أضرار الولادات المتكررة وتأثيراتها السلبية على صحة المرأة العامة. تحمي وسائل منع الحمل أيضًا من خطر التعرض للحمل في وقت مبكر (خلال المراهقة) أو في وقت متأخر (قبل انقطاع الطمث) من فترة النشاط الإنجابي، وهو ما يحمل أيضًا مضار صحية وقد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.

أيضًا فإن ممارسات الجنس الآمن والوقاية من العدوات والأمراض المنقولة جنسيًا (وأهمها استخدام الواقيات سواء الذكرية أو الأنثوية) متطلب حيوي وضروري من أجل تحقيق صحة إنجابية شاملة. فالعدوات الجنسية تؤثر على سلامة الجهاز التناسلي وأحيانا تتداخل سلبًا مع الخصوبة وتؤدي إلى العقم (مثل الكلاميديا)، بالإضافة إلى خطر انتقالها إلى الجنين (مثل السفلس والسيلان) والإيدز). وتتطلب الحوامل المصابات اللواتي يُشخَّصن بالأمراض المنقولة جنسيًا خلال الحمل رعاية طبية خاصة من أجل ضمان ألا يتسبب الحمل بمضاعفات للحامل وألا ينتقل المرض إلى الجنين خلال الولادة. وتجادل العديد من الأدبيات النسوية أن مسؤولية الجنس الآمن أو منع الحمل تقع بشكل غير متكافئ على النساء ويجب أن يتشارك الرجال المسؤولية.[6]

رعاية الحمل والولادة وما بعد الولادة

مجموعة من الخدمات والإجراءات التي يُتوقع أن تتلقاها الحامل من منظومة الرعاية الصحية خلال العملية الإنجابية. من المنظور الصحي والأممي (المؤسساتي)، فإن هذه الخدمات والإجراءات تعتبر جوهر خدمات الصحة الإنجابية وأهمها. تقيِّم الهيئات الطبية الحكومية ومنظمة الصحة العالمية مستوى خدمات الصحة الإنجابية في كل دولة استنادًا إلى رعاية الحمل والولادة وما بعد الولادة، وتعتمد في التقييم بشكل شبه حصري على كل من معدل وفيات الأمهات Maternal Mortality care ومعدل وفيات الأطفال حديثي الولادة Neonatal mortality rate، وهي مخرجات مباشرة لمستوى رعاية الحمل والولادة وما بعد الولادة من منظور طبي بحت.[7][8]

تنقسم الرعاية المقدمة إلى النساء الحوامل بحسب المرحلة الزمنية، وتبدأ قبل بداية الحمل ذاته وتتضمن الفحوصات والإجراءات الطبية المخصصة للتأكد من الصحة العامة وعدم وجود أي مشاكل مرضية تعيق قدرة الأفراد على الإنجاب وعلاجها عند وجودها. كما تشمل أيضًا رعاية الحمل، وهي تتضمن زيارات دورية تقوم بها الحامل لمركز متخصص في الرعاية الصحية للحمل والولادة، بالإضافة إلى رعاية الولادة ذاتها، ثم رعاية ما بعد الولادة للأمهات الجدد والأطفال حديثي الولادة.

لقد طرأت العديد من التحولات على مقاربة الصحة العامة لعمليتي الحمل والولادة، حيث تحولت بالتدريج - خلال القرنين الماضيين - من عملية طبيعية واجتماعية إلى شأن طبي يُدار داخل المؤسسة الصحية. لقد خضعت عمليتا الحمل والولادة لسلطة النظام الطبي وطب الولادة الحديث الذي قام بدوره بإقصاء شبكات الدعم الاجتماعية التقليدية المتمحورة حول القبالة الشعبية. وهي شبكات راكمت معرفتها عن الحمل والولادة عبر قرون طويلة وتوارثتها جيلًا بعد جيل استنادًا لتجارب النساء المشتركة، وذلك بدعوى أن هذه المعرفة عتيقة وغير مبنية على أسس علمية.

لقد عزز النظام الطبي سلطة المجتمع الأبوي على أجساد النساء وخلق طب الولادة بنية سلطوية يُمارس من خلالها التمييز الجندري والاستهداف الأبوي الممنهج ضد النساء والأفراد ذوي الهويات الجندرية غير النمطية والفئات الاجتماعية المهمشة. ظهر هذا الاستهداف في سلوك ممارسي العمل الصحي. وبينما غُلِّف ظاهريًا بالقرارات الطبية، فإنه استبطن عنفًا بنيويًا ممنهجًا شمل العنف الجسدي واللفظي والنفسي والجنسي المباشر الذي يقع على النساء خلال تقديم الخدمة الصحية، وأيضًا يظهر على شكل تدخلات طبية انتهاكية تُطبق خلال الولادة بدون مناقشتها مع النساء أو أخذ موافقتهن، وغالبًا ما تكون غير ضرورية ولا يمكن إثبات حاجة النساء لإجرائها.

إن رعاية الحمل والولادة وما بعد الولادة تستند بمجملها - شأنها شأن كل ما يتعلق بالرعاية الصحية طبقًا لمبادئ الطب الحديث - إلى معايير تحددها توصيات وتوجيهات إرشادية تعتمدها الهيئات الصحية في مختلف الدول، وغالبًا فإن هذه المعايير والتوجيهات الإرشادية تستند بشكل أو بآخر إلى التوصيات التي تنشرها وتعتمدها منظمة الصحة العالمية وهيئات طبية أخرى تلقى أدبياتها قبولًا واسعًا من المجتمع الطبي في مختلف دول العالم (مثل الجمعية الأمريكية لطب الولادة والجمعية الملكية "البريطانية" لأطباء النساء والولادة).

عادة ما تركز التوصيات والتوجيهات الإرشادية الطبية بشكل حصري على الولادة داخل المستشفى أو المؤسسات الصحية مع تجاهل السياقات الأخرى للولادة (مثل الولادة المنزلية) ولا تخاطب مقدمي رعاية الولادة من غير ممارسي العمل الصحي الرسميين (مثل القابلات الشعبيات). وخلال العقود الماضية تطورت هذه التوصيات لتتضمن جوانب سلوكية تحكم العلاقة بين ممارسي العمل الصحي من جهة وبين النساء اللواتي تُقدم لهن رعاية الحمل والولادة وما بعد الولادة جهة أخرى، وهو ما يظهر جانبًا من تأثر صانعي السياسات في الأمم المتحدة والهيئات الطبية الحكومية في بعض الدول الأوروبية والأمريكية بالنشاطية السياسية النسوية في أمريكا اللاتينية والهند ودول الجنوب العالمي، وكانت نسويات أمريكا اللاتينية بالذات أول من عمل بشكل منظم وممنهج على صياغة مصطلح "العنف التوليدي" ونجحن في التأثير على السياسات المحلية للعديد من دول أمريكا اللاتينية من أجل الإدراج القانوني للعنف الذي يمارسه العاملون في النظام الطبي ضد النساء الحوامل وخلال الولادة كأحد أشكال العنف ضد النساء.

تحرص توصيات منظمة الصحة العالمية والتوصيات المحلية في الدول التي تعترف بمشكلة العنف التوليدي والعنف ضد النساء داخل المؤسسة الصحية على الموازنة ما بين أهمية المعرفة الطبية الحديثة المبنية على الدليل العلمي، وبين الحرص على منح النساء الحق في معاملة مبنية على أساس "الاحترام" وبهدف تحقيق ما تسميه منظمة الصحة العالمية "تجربة ولادة إيجابية" تتضمن إشراك النساء في عملية اتخاذ القرارات الواعية المستنيرة الخاصة بالحمل والولادة مع الحد قدر الإمكان من التدخلات الجراحية مثل شق العجان والولادة القيصرية. إن التوصيات المذكورة تُحدث باستمرار بناء على التطورات والاكتشافات العلمية الحديثة. ولكن بالرغم من ذلك فإنها لا تزال تعاني من قصور بنيوي ولا تعالج، أو على الأقل تناقش، الأسباب البنيوية للعنف ضد النساء داخل هيكل طب الولادة ولا تقدم توصيات حقيقية لاستئصال المشكلة بشكل جذري.

العنف والإكراه الإنجابي

العنف الإنجابي هو أي سلوك عنيف يتداخل مع الاستقلالية الجسدية للنساء والأفراد فيما يخص قدرتهم الإنجابية وقرارتهم الجنسية ومحاولة فرض التحكم بها وذلك إما بالإجبار على الحمل، أو الإجبار على الحفاظ عليه أو إنهائه.[9]

يمكن أن يشمل العنف الإنجابي سلوكيات متعددة مثل منع النساء من الحمل وإجبارهن على استخدام وسائل منع الحمل وإجبارهن على الإجهاض، كما يشمل أيضًا إجبارهن على الحمل بالقسر وتحت طائلة التهديد أو تحت ضغوطات الدوائر الاجتماعية القريبة (خاصة خلال علاقات الزواج). يمكن أن تمارس الدولة أيضًا العنف والإكراه الإنجابي عن طريق تطبيق سياسات الضبط والتحكم السكاني، وهي سياسات تُمارس باستهداف جميع السكان مثل الصين (سياسة الطفل الواحد) أو تُوجه ضد مجموعات محددة وفئات مهمشة مثل السكان الأصليين واللاجئين ونزلاء السجون ومستشفيات الأمراض العقلية.

يُمارس العنف الإنجابي أيضًا خلال الحروب وأعمال العنف التي تمارسها الجيوش والجماعات المسلحة من خلال الاستهداف الممنهج لمستشفيات الولادة والمنشآت والبنية التحتية المخصصة للرعاية الجنسية والإنجابية.[10] ومن أهم الأمثلة على ذلك استهداف جيش الاحتلال الصهيوني لمنظومة الرعاية الصحية في قطاع غزة خلال حرب الإبادة (2023 - 2025).

الإجهاض

الإجهاض هو الإنهاء المتعمد للحمل، وهو من أكثر تطبيقات الصحة الجنسية والإنجابية إثارة للجدل بسبب رفضه الواسع اجتماعيًا ودينيا وقانونيًا بالرغم من أهميته وضرورته. يشكل الاجهاض ركيزة أساسية لصحة النساء العامة وأكثر هذه تطبيقات الصحة الإنجابية تعبيرًا عن الاستقلالية الجسدية للنساء. ويعتبر أيضًا تعبيرًا عن حمايتهن من تعامل السلطة والمجتمع مع الجسد الأنثوي كملكية اجتماعية. يعزز الإجهاض قدرة النساء على التحكم في قراراتهن الإنجابية، واتخاذ قرار تحمل مسؤولية الأمومة في الوقت المناسب لهن بما يتوافق مع وضعهن الاجتماعي والاقتصادي ورغباتهن الشخصية.

يُرفض الإجهاض في كثير من السياقات ويُعتبر محرمًا اجتماعيًا ودينيًا كما تجرمه القوانين الرسمية في العديد من الدول،[11] ويستند الرفض إلى كون الجنين كائنًا حيًا لأن الحياة تبدأ منذ لحظة إخصاب البويضة وبالتالي فإن الإجهاض يعتبر "جريمة قتل"، وفي الإسلام لا يوجد نص ديني صريح بتحريم الإجهاض ولكن هناك إجماع على تحريمه إلا في حالات ضيقة كالضرورات الطبية أو في حالة إجهاض حالات الحمل الناتجة عن الاغتصاب وسفاح المحارم.

إن تجريم الإجهاض لا يؤدي إلى منع حدوثه، إنما يتسبب فحسب في حرمان النساء من القيام به بشكل آمن، أي قيام النساء بالإجهاض بمساعدة شخص لا يملك التدريب الكافي للقيام به أو في بيئة غير آمنة ومجهزة صحيًا، وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن 45% من مجمل حالات الإجهاض التي حدثت على مستوى العالم خلال الفترة ما بين عامي 2010 و 2014 (حوالي 25 مليون حالة إجهاض) قد تمت بشكل غير آمن (إما باستخدام وسائل غير آمنة أو بدون إشراف طبي).[12] وحوالي ربع حالات الإجهاض غير الآمن حدثت في دول تفرض حظرًا مطلقًا على الإجهاض. وتستخدم في حالات الإجهاض غير الآمن أدوات ميكانيكية لكشط الرحم أو تستخدم أدوية الإجهاض (مثل الميزوبروستول) بدون إشراف طبي مما يؤدي إلى استخدام جرعات خاطئة أو فشل التعامل مع الآثار الجانبية حال حدوثها.

قد يتسبب الإجهاض غير الآمن في مضاعفات خطيرة تستلزم تدخلًا طبيًا عاجلًا، مثل النزيف الحاد أو ثقب الرحم أو الالتهابات الحادة والإنتان، وقد تؤدي هذه المضاعفات إلى الوفاة (حوالي 8% من وفيات الأمهات خلال الفترة من 2009 - 2020 حدثت بسبب مضاعفات الإجهاض غير الآمن).

يُستخدم بالعادة علاج (ميزوبروستول) لاستحثاث الإجهاض، وهو علاج يُحاكي تأثير البروستاجلاندين (مواد دهنية تُفرز بشكل طبيعي داخل الخلايا لها فعالية ووظائف خلوية متعددة ومسؤولة عن استحثاث انقباض العضلات الملساء في الرحم). ويُفضل أن تُسبق جرعات الميزوبروستول بجرعة ميفبريستون (مضاد للبروجسترون، وهو الهرمون الضروري لاستمرار الحمل)، وسويًا تبلغ درجة فعاليتهم لاستحثاث الإجهاض 95 - 98%. أحيانا تستخدم أدوية أخرى مثل ميثوتركسات لعلاج حالات مختلفة مثل الحمل خارج الرحم. تُحدد الطبيبة أو المختصة الجرعات المطلوبة لإتمام عملية الإجهاض وتقوم بتزويد الحامل التي تنفذ الإجهاض بالمساندة والمراقبة الضرورية لمنع حدوث أي مضاعفات.

مصادر