وثيقة:ثورتان في ثورة - السودان

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

مجلة كحل.png
مقالة رأي
العنوان ثورتان في ثورة
تأليف وئام شوقي حسن
تحرير غير معيّن
المصدر مجلة كُحل لأبحاث الجسد والجندر
اللغة العربية
تاريخ النشر 2019
مسار الاسترجاع https://kohljournal.press/ar/Two-Revolutions-in-One
تاريخ الاسترجاع 2022-03-22
نسخة أرشيفية https://archive.is/EjTwK


نشرت هذه المقالة في المجلد 5، عدد 3 في مجلة كحل.



قد توجد وثائق أخرى مصدرها مجلة كُحل لأبحاث الجسد والجندر



"كيف لي أن أطالب بإسقاط نظام سياسي وأنا أعاني من نظام قمعي أكثر داخل منزلي؟" هذا ما وصفت به صديقتي ثورة النساء السودانيات وهي تسترجع ذاكرة المواكب، كيف أنها وصديقاتها كنّ يواجهن نظام الأسرة قبل نظام البشير. وأضافت: "كان يجب ان أكسر هذه السلطة".

إن النظام الذكوري للمجتمع وتأثيره على نظام الأسرة له علاقة وطيدة بآثار القمع السياسي. وقد ظهر هذا جليا في تذمر النساء من عملية التفاوض السياسية الأخيرة، حيث ذكرت إحداهن أنها كانت تُواجه دوما بمقولة: "انتي بت، إحترمي رأي الرجال الكبار". ذلك في حين أن كلا الجانبين من نساء ورجال على دراية سياسية بالأحداث الحالية، غير أنّ المراة الشابة كانت أكثر دراية بأحوال الشارع، كونها شاركت بصورة فعالة ودورية خلال التظاهرات، ولعبت أدوارا مهمة ومفصلية في ميدان إعتصام القيادة العامة.

تقول صديقتي الأخرى: "كانت لحظة فارقة، حينما إنكسر خوفي من ضرب أبي. ما دامت قوات الكجر ستضربني خلال المواكب"، والكجر هو وصف يطلق على قوات جهاز الأمن السوداني ومكافحة الشغب والتي كانت مهمتها الرئيسية قمع الإحتجاجات وإعتقال المتظاهرين.

إنطلقت الثورة السودانية ضد نظام الجبهة الإسلامية ما يعرف بـــ(الإنقاذ) في شهر ديسمبر 2018 على شاكلة إحتجاجات شعبية على زيادة سعر الخبز وإنعدام البنزين والأوراق النقدية في البنوك. ما لبثت أن تطورت المطالب لإسقاط النظام، بعد يأس طويل من الوعود بتحقيق الإستقرار الإقتصادي لبلد فرضت عليه العقوبات منذ 1983 حينما عجز عن سداد الديون، وفي عام 1993، تم إدراجه ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب ردا على إستضافته لزعيم القاعدة أسامة بن لادن، وبرغم مغادرته للبلاد منذ عام 1996، الا أنه تم تجديد بقاء السودان ضمن القائمة بسبب عدة احداث متتالية محليا.

ومع دخول شهر ديسمبر وإحتفلات الدولة السودانية بذكرى الثورة المجيدة، كانت سياسة وسلطة القمع، والتي يقوم عليها المجتمع السوداني الذكوري إلى حدّ ما، هي الرابط بين أغلب الفتيات السودانيات خلال الثورة. فالأبوية الذكورية متأصلة جدا في كل من ثقافة المجتمع والأسرة، تحت مبرر حفظ العرض وصون الشرف، معتمدة على القوانين الممنهجة التي تتبعها سياسة الدولة في مسلكها للتمييز ضد النساء، مثل قانون الاحوال الشخصية، وقوانين النظام العام. يمتدّ هذا المبرّر إلى مختلف مراحل الحياة من الحصول على التعليم، والإستمرار والتطور في السلم الأكاديمي، وعدم الأحقية في إختيار أي وظيفة دون موافقة الأسرتين الصغيرة والممتدة، بل وتحت شروط ذكورية عالية في بيئة العمل. فيرتبط نجاح النّساء بوصولهنّ مبكرا لمحطة الزواج وإنجاب الأطفال. وإن لم تصل إليهما فتاة ما سريعا، ستلاحقها الوصمة المجتمعية بأنها "بت بايرة".

ورغم تعارض المفهوم الثوري مع مبادئ الشرف المتعارف عليها، فإنّ الأخيرة، غالبا ما تحكم مصير الثائرات. ومن سخرية القدر أن إحتفاء المجتمع، على مستوى القاعدة الثورية، بدور المرأة في الثورة قد تمثل في انطلاقة المواكب جميعها بزغرودة وتجاوز ذلك لإعتراف علني بهتاف "هوي يا بنات ابقو الثبات، الثورة دي ثورة بنات". وبرغم ذلك، كانت إزدواجية المعايير ظاهرة جليا خلال مسيرة الثورة، بداية من الهتافات التي أبدت تمييزا واضحا ضد النساء، مثل:

"هوي ي بشير أرجع ورا

ثورتنا دي مابتقدرا

ود المرا يرجع ورا"


"ثلاثين سنة، من دون جنا.

وداد نعرسها ليك، وداد نحملها ليك"

من خلال هذه الهتافات، تظهر الوصمة المجتمعية الأخرى على صعيدين: أوّلا، في الإساءة اللفظية تجاه العدو حسب الحالة الإجتماعية والوظيفة البيولوجية، أي في مدى القدرة على الانجاب. كان المخلوع موصوما دوما بعقمه وأنه طيلة فترة حكمه وبرغم من زواجه بإمرأتين لم يكن له أطفال. ومن ناحية ثانية، كنت أرى في الهتاف تبريرا لإغتصاب المرأة طالما أنها تقبع في خانة العدو، مع تصوير الرجل الثّائر كفحل بما فيه الكفاية لتخصيبها.

كانت ردود الفعل سريعة وفورية وحاسمة تجاه هذه الهتافات. فكانت الفتيات الشابات والنساء كبيرات السن يصححن الهتافات آنيّا، وينبهن بلهجة حازمة وحاسمة بأنه لايمكن أن نمارس التقليل المقصود من شأن النساء، وإن كان ذلك جرّاء حماسة ثورية. قوبلت تلك المواجهات الشجاعة بتهكم شديد، في البداية. لاحقا، وعي الثوار بأهمية مراعاة المصطلحات المكونة للهتافات، فهي ثورة غضب ووعي في النهاية.

ولد هتاف آخر من رحم إعتصام القيادة العامة، ومازال مستمرا:

"الترس ده مابتشال، الترس وراه رجال"

والمتاريس هي حاجز الحماية الذي يصنعه الثوار من الطوب والسيارات وكل الأدوات الثقيلة لحماية المواكب والإعتصام من دخول القوات الامنية وهجماتها. وبرغم أن الثوار كانوا يتشاركون بناء الترس وحمايته مناصفة بين نساء ورجال، إلا أن الهتاف التشجيعي لقوة المتاريس أتى من إختزال الشجاعة والقوة في تكوين الرجال فقط. وهنا، صححته النساء أيضا، قائلات:

"الترس ده مابتشال، الترس وراه ثوار"

أتذكر مجزرة ٨ رمضان التي حدثت في منطقة كولمبيا، وهي منطقة أسفل جرف النيل تتم فيها تجارة بيع البانقو والشراب البلدي، وقد تمّ اتهامها مرارا وتكرارا بأنها مرتع للمخدرات. أصدر حينها تجمع المهنيين السودانيين بيانا مخزيا بتحديد حدود الإعتصام خارج حدود كولمبيا، في تقليل واضح من شأن شباب المنطقة ودورهم في حماية الإعتصام وما قدموه من شهداء، فقط لأنهم موصومون بصفات لا يتقبّلها المجتمع من كونهم "مساطيل" أو "سكارى". حينما هجمت القوات الأمنية من جهة كولمبيا على إعتصام القيادة العامة، كنا أنا وصديقاتي نخلع طوب الرصيف لبناء الترس. حينها، أصرّ أحد الثوار أننا، كنساء، يجب أن نحمل عددا قليلا من الطوب بما يتناسب مع إستطاعتنا. كنت في حالة من الغضب لدرجة أنني حملت حجارة خمسة، لأثبت مرارا قدرتي على التحمل، إذ لطالما مقتّ الحكم القائل بقلة قدرتي كإمراة على فعل شيء، لم أبدي فيه قدرتي من عدمها.

أيضا لا أنسى ذلك المقطع من الأغنية الثورية "رصاصة حية"، حينما يصف المغني "الواشي" من الأجهزة الأمنية بــ"الكوز الني، ينقل في الكلام بس تقول مشاطة". تطلق مفردة "ني" على الرجل الذي يتهم بميول جنسية مثلية، بينما "المشاطة" هي المرأة التي تعمل في صوالين التجميل في تصفيف الشعر بطريقة افريقية، وقد تمّ وصمها بالنميمة بين النساء. بالإضافة إلى ذلك، ارتبطت هذه الوظيفة بالنساء الفقيرات اللاتي لا يملكن القدرة على الولوج لسوق الوظائف المتمدنة، إما لعدم تلقيهن التعليم أو لأوضاعهن الإقتصادية المتردية. وبنظرة تشمل المجتمعين الحضري والريفي، فإن النساء يعملن في الزراعة والبناء كعمالة رخيصة وغير مدفوعة الأجر، كما يشكلن ما يقارب ال40% من قطاع العمل غير المنظم، كبائعات للأطعمة والشاي.

"أرحل أرحل مادايرنك، الكنداكة أرجل منك"

وبسبب قلة الوعي إتجاه حساسية اللغة وتبرير المجتمع الدائم للتمييز والعنف المبني على النوع، ردّدت بعض النساء هذه الهتافات أيضا.

بعد حدوث مجزرة الثالث من يونيو، بفض إعتصام القيادة العامة، كان سلاح الحرب المستخدم غير القتل هو الإغتصاب للجنسين، وبنسبة أكبر للنساء، والإهانة اللفظية للثائرات والتّعدي الجسدي والنفسي كعقاب لمشاركتهن في الإعتصام.

"مش قلتي صاباها يا كنداكة يا مطلوقة" كانت من الجمل التي رددها المنتهكون من القوات النظامية لإهانه النساء، بالاضافة إلى "ديل الكنداكات القعدو في الميدان لزنا العبيد" وغيرها من الجمل والعبارات المهينة والمسيئة والعنصرية الحاملة لأوصام مجتعمية وجنسية. كانت هذه المفردات تستخدم أثناء عملية الإغتصاب بحسب شهادة إحدى الناجيات، كما استخدم الضرب بالسياط بتركيز على المناطق الحساسة للنساء.

ماحدث بعد هذه المرارة كان الأسوأ. بحكم الوصمة المجتمعية، لم تخرج الناجيات/ون للمجتمع بشخصياتهن/م بعد الانتهاكات، ولم يتمكنوا حتى من فتح بلاغات رسمية لتتم معاقبة الجناة. ذلك مع أن البعض منهن لا يزلن يتعرضن للإبتزاز من قوات الجنجويد الذين يهدّدونهنّ إمّا بالحضور ليتم إغتصابهن أو بإشاعة خبر تعرضن للإغتصاب.

خلال هذه الفوضى المؤلمة، تمّ الإتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري على الوثيقة الدستورية الإنتقالية دون تعديل نسبة ال40% المحددة للنساء، إذ كانت ردة الفعل المجتمعي بــ"ده ماوقتو، إنتو مافي منكم شهيدات". هكذا ظهرت المفاضلة مابين الشهادة والموت ومابين الإنتهاكات الجنسية للنساء. تواصل العنف المجتمعي خصوصا من قبل الأسر التي علمت بخروج بناتها إلى المواكب من قبل أو تواجدهن السابق في ميدان الإعتصام. ومازالت النساء يواجهن الإضطهاد المجتمعي الذي يبرر بأنه غير مقصود، وأنه أصبح جزءً من اللاوعي المجتمعي.

في الذكرى السادسة لمجزرة فض اعتصام القيادة العامة، اذكر كتابتي على جدران شارع الكلينك:

"لم تكن ثورتي ضد البشير فقط، بل كان اسقاطه احدى اصغر المحطات

أمس واليوم وغدا، أثور على كل الديكتاتوريات وأمراض الوصاية

أثور لأحصل على وطن حر...أكون فيه حرة للابد".

مازال الطريق طويلا، معبدا بالمتاريس في طريق النساء. وكما قالت صديقتي، ثورتنا ثورة غضب، ومازال هذا الغضب يغلي.