وثيقة:من يملك فانون؟

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

Circle-icons-document.svg
مقالة رأي
تأليف إسلام الخطيب
تحرير غير معيّن
المصدر الكومل
اللغة العربية
تاريخ النشر 2023-11-11
مسار الاسترجاع https://alcarmel.net/articles/5809/
تاريخ الاسترجاع 2023-11-12



قد توجد وثائق أخرى مصدرها الكومل



في عام ٢٠١١ كتبت جوديث بتلر، متدربة جاك دريدا الدائمة، عن موقعية فلسطين في الأمم المتحدة، معلنةً بنصها وفاة أوسلو. تنتقد أولًا موقف باراك أوباما مما يتعلق بتأسيس دولة فلسطينية وترى أن موقفه ضد “حقوق” الفلسطينيين غير متماسك، تصفه على أنّه خارج عن المنطق. ومن بعد سياقها المحلي، تنطلق بتلر لتشكك بمحورية الأمم المتحدة في خطابات حقوق الإنسان، وتستمر في الحديث عن آثار هذه السردية على “حقوق الأقليات” في “إسرائيل”. في هذا النص، تعلن بتلر بفخر أنّه حتى لو لم يتم إنشاء دولة فلسطينية على الفور، فإنّ مجرد الطرح، والدفع بالطرح، قد يحفّز تغيّرات في الديناميكيات الجيوسياسية للمنطقة. كانت تحلم بتلر حينها بتحول ديمقراطي جوهريّ يهز الأصول التي بُنيت عليها الديمقراطية الغربية؛ نادت بضرورة المس بالإقليم. ولكن، بتلر التي تعلمت في مدرسة حنة آرندت على أن الحقوق لا تهم بقدر أهمية الحق في الحصول على الحقوق أصلًا، قررت، منذ أيام، وفي نفس المجلة التي نُشر فيها هذا المقال، أن تخرج بمقال جديد يتعارض بالضرورة مع كامل مواقفها السابقة، والتي في أحسن الأحوال، كانت ترى الفلسطيني على أنّه قد يستحق العيش، أحيانًا. مقالها الجديد -المحذوف الآن- لم يركّز على الدولة الفلسطينية، أو القضية أصلًا، بل في الواقع، ركز كثيرًا على الجغرافيا السياسية وعلى الحروب بالوكالة وسياسات الرعب والإرهاب. بتلر، في مواجهة الزلزال المعرفي الناجم عن فعل المقاومة يوم ٧ أكتوبر، تخلت عن القوة والديمقراطية والحقوق، وأصابها الوعي الحاد بداء مكافحة الكراهية.

في عام ٢٠١١ أيضًا، ركزت بتلر على اتفاقات أوسلو وبترها للهوية الفلسطينية واحتمالات العدالة؛ وكتاباتها هذه ليست بمستغربة، فهي تأثرت بنقد إدوارد سعيد لأوسلو وفهمه لها كمحاولة لخلق بانتوستان في فلسطين. لكن فجأة، في ٢٠٢٣، أرادت بتلر استعادة أوسلو. وفي لحظة ذعرها، لم تعد تهتم لسياسات التعددية؛ فجأة، قواعد ما قبل الـ ٦٧ عادت إلى السطح، لم تعد كل الأرواح تستحق الرثاء، وهي أول من انغمس في الكتابة عن الرثاء، طبعًا كمحاولة لخلق صورة “الشهيد العلماني”، بعيدًا عن الإسلام.

استلهمتُ عنوان النص من نص بتلر: “من يملك كافكا؟”، وهو النص الذي أوضح حبّها لإدوارد سعيد. بشكلٍ ما، أجد هذا السؤال حول من يملك كاتبًا أو مدرسة فكرية أو فلسفة أكثر مفتاحًا في محاولة لفهم، ليس فقط خيانة بتلر، بل مجموعة كاملة من الأكاديميين الغربيين لفلسطين. في مقالها عن كافكا، تشرح بتلر تفاصيل المحاكمة السابقة في تل أبيب حول ملكية عدة صناديق تحتوي على كتابات كافكا الأصلية، والموجودة حاليًا في زيورخ وتل أبيب. في ذلك الوقت، اعتبرت “مكتبة إسرائيل الوطنية” أن كتابات كافكا تمثل رصيدًا ثقافيًا للشعب اليهودي ولا ينبغي تسويقها. يعارض موقف المكتبة تحويل أعمال كافكا إلى سلعة، مع التركيز على وصول الجمهور إليها على حساب المكاسب المالية. في هذا السياق، استحضرت بتلر كتابات سعيد وربطت قضية كافكا بقضايا أوسع تتعلق بالهوية اليهودية والشتات والرعاية الثقافية. اعتبرت أن كافكا كتب لكل من هو بالمنفى، كما سعيد، وهنا، رأت أنّ امتلاك كاتب شبه مستحيل، فأغلب الكتّاب ينتمون، في نهاية المطاف، إلى المنفى، وهنا ركزت على مفهوم سعيد للمنفى المشترك لكل من اليهود والفلسطينيين وإمكانية أن يشكل ذلك أساسًا لمجتمع موحد في فلسطين.

لكن المشكلة هنا أنّه في نصها الجديد، استدعت بتلر إدوارد سعيد من جديد، كمحاولة لامتلاكه، كمحاولة لوضعه ضد مسار تاريخه وعمله، علمًا أنهما من المدرسة نفسها. وليست هذه الحالة الأولى، ولا الأخيرة، التي يحاول فيها أكاديميو الغرب استعمال كرت “أكاديمي فلسطيني” لتبرير خيانتهم لمفاهيم التحرر. في الحقيقة، ٧ اكتوبر، وما قبلها وما يليها، يشكّل حالة تهديد للأكاديميين الذين بنوا أعمالهم على أساس تعريف الفلسطينيين من خلال ما يتعرضون له. فهم لم يشتبكوا حقًا مع أدبيات المقاومة، ولا يعرفون الفرق بين الجماعات الإسلامية التي خلقتها دولهم وبين مدارس المقاومة الإسلامية. وهذه ليست مشكلة استشراق وحسب، وهنا أحاول أيضًا استدعاء مصطلحات إدوارد سعيد، الذي وقف بشكل حاد ضد “أسلمة القضية”، وهو أكثر موقف استشراقي له. المشكلة تتعدى ذلك إلى فكرة أن أغلب المدارس الفلسفية لا تستطيع الانقلاب على أسسها، حتى لو رغبت في ذلك. و٧ أكتوبر، كحادثة وفعل وحركة وواقع، يصطدم مع ماكينيات الوجود الأكاديمي، القائم على الذات قبل الجماعة، وحتى وإن ادعى غير ذلك. لا تسطيع بتلر أن تخون جلدها، أن تخون نفسها ومدرستها، التي هي ذاتها، بينما نحن نتربى على مبادئ أكثر تعقيدًا (كتمنّي الشهادة، مثلًا) من أغلب المدارس الفلسفية التي تحاول تفسيرنا وتقديمنا على أنّنا ظاهرة وجبت دراستها.

في اللحظات الأولى بعد اصطدام الناس بواقع ٧ أكتوبر، بدأت محاولات تحليل ما حدث، ومن بعدها انطلقت مسارات التأييد والإدانة. لا يهمني التركيز على الإدانة، بقدر ما أود تحليل التأييد المقنع. في الساعات الأولى، رأيت اقتباسات لفانون على الإنترنت أكثر من الأخبار: نزع الاستعمار عملية عنيفة. حق المقاومة للشعوب المضطهدة. لا يمكن نزع الاستعمار دون العنف. العنف ضد المُستعمر مبرر… فانون قال كل هذا وأكثر. وأصطدم بحقيقة أن فانون، لو كان على قيد الحياة اليوم، لكان هو من كتب نص بتلر بدلًا منها. فانون الذي فُرض علينا كعدسة، لم يهتم حقًا لفلسطين ولم يرها في ثوريتها ولا في استعمارها، وهذا ليس بالضرورة محاولة “إلغاء” لفانون من المنهاج، بقدر ما هي محاولة نقد احتياج العدسة لرؤية ما هو أمامك؛ وضرورة الاعتراف بأن العدسات أحيانًا لا تهدف إلّا إلى تغييم الرؤية. وهذا ما تمظهر بشكل واضح عند خروج نصوص شاعرية عدّة لبتلر وجيجك وفاروفاكيس وكل من يملك كيبوردًا ودكتوراه، وكلها، بشكل أو بآخر، أدانت المقاومة، إمّا عبر اعتبارها إرهابًا أو ردة فعل. لطالما أحب جيجك الكتابة عن الإمبريالية والتدخل الغربي ولطالما أحب الكتابة عن الشرق الأوسط لما يضمنه من روايات دينية وثقافية رمزية تسمح له بالكتابة عن فعل “الخيالية” في السياسة وتحليلها في إطار لاكاني. سقط كل هذا أمام حقيقة ما يعنيه الفعل المقاوم. اليوم، أصبحت الكتابة عن مقاومة الإمبريالية غير مُربحة. كان بإمكان جيجك الصمت، أو الاستعانة ببعض من دراسات نزع الاستعمار التي طالما انتقدها، كان بإمكانه التخفي والتقنع، ولكنّه قرر، ولضرورات لا نفقهها بالضرورة، الإجهار بتموضعه مع الغرب. وهنا، يلتقي، ولسخرية القدر، مع جوردان بيترسون. وبذلك، لم تعد فلسطين المعيار الأخلاقي والبوصلة وحسب، بل أصبحت أيضًا، نقطة التقاطع حيث يلتقي الأعداء مع بعضهم البعض.

في المقابل الآخر، دعم جوزف مسعد المقاومة، وبشكل واضح وصريح، يسميها ومن ثم يحتفي بها، ومن بعدها يفسرها لمن يجهلها. لا ينطلق من التبرير، ولا يسعى للإرضاء، جل ما يقوم به هو الأرشفة. لا يحتاج لعدسات عدّة، فهو يرى الصورة بشكل واضح. ومن بعدها، يتلقى تهديدات بالقتل وبالطرد. وعلى الأطراف، يكتب باقي من هم على الهامش أن نزع الاستعمار ليس فعلًا مجازيًا، يستعينون بمدرسة مالكي فانون دون أن يوضحوا حقًا موقفهم. نعرف أنهم مع فلسطين، دون تحديد أي نسخة منها. ومن الواضح أن لفلسطين نسخات عدّة في الأكاديميا: هناك “بالسطاين”، وهي عبارة عن شعار لا يتعدى محاولة التقدم الأخلاقي، وهناك فلسطين (بنبرة حزينة)، والتي تُحصر في صفحات المقارنة مع جنوب أفريقيا، وهناك فلسطينيون وهنا تتمركز سياسات الهوية الضيقة التي لا ترى فلسطين في سياق منطقتها، تعزلها عن عربيتها، كما تفعل الصهيونية، وهنا نجد فائض الفانونية. وهناك فلسطين العربية، والتي نراها في أدبيات المقاومة وبياناتها، وهتافات شعبها، ووصيات شهدائها، تترجم لغويًا ولا سياسيًا، تغيب تمامًا في الأكاديميا، وبغيابها نذوب نحن أيضًا. نصبح مجرد “ردة فعل”، نصبح مجرد “عنفًا ضد الاستعمار”، دون رؤية ودون مستقبل ودون تاريخ. نصبح يتامى؛ يطلب من الأكاديمي تيتيم موضوع دراسته، حتى يستطيع أن يحقق من خلاله “ابتكاراته”. يستخدم الأكاديمي “حماس” و”الجهاد” على أنهما نفس الفصيل، لا يرى الفرق بين مقاومة وأخرى، لا يحاول أن يتعرّف أصلًا. كل ما يراه، في النهاية، إمّا “نزع استعمار” أو ردة فعل؛ أي تصبح المقاومة مجرد مصطلحها: لا تاريخ ولا مسار ولا مدرسة.

قد يكون من الاستحالة وصف موقعية فلسطين ومقاومتها اليوم دون فهم كيف يفوض ذلك كل الابستمولوجيا الغربية عن العالم. فهم يملكون فانون، وبالتالي، نحن لا يمكننا بالضرورة تحليل موقعنا على أساس مصطلحاتنا. تصبح كلماتنا إرهابًا، ومدارسنا عنفًا غير بناء، واستراتيجياتنا تخاذل. قرأت تغريدة تقارن أحداث مايو ٦٨ بفلسطين اليوم من ناحية احتمالية تأثيرها على انقسام المدارس الفلسفية. في الواقع، إن فلسطين لطالما كانت منطقة نزاع كما التقاء. فأكبر نزاع بين فوكو ودولوز (والمدرسة الفرنسية ككل فعليًا) تمركز حول الموقف من فلسطين–ومن بعد ذلك، عملت المدرسة النقدية على محاولة تحييد فلسطين من استثنائيتها، واليوم تعود لتثبت فشل ذلك. ولهذا، يحاولون سرقة سرديتها من أصحابها، في لحظة محاولة سرقة الأرض المستردة من ناسها أيضًا، وهنا، يُصبح سؤال “من يملك” كاتبًا يضعنا بمواجهة مباشرة مع من يكتب ضدنا. من يملك فانون هو نفسه من يملك بتلر وجيجيك ووو…ولذلك، تستدعي اللحظة الحفاظ على فلسطين العربية وحمايتها مِن مَن يحاول شيطنتها أولًا، ليسرقها لاحقًا.