أُضيف 28٬100 بايت
، قبل 23 يومًا
==قابلات ومولدون: تحولات تاريخية==
===القبالة في العصور القديمة===
تعتبر '''بردية كاهون''' لطب النسائية والتوليد (كُتبت حوالي 1825 قبل الميلاد) أقدم توثيق متوفر للمعرفة الطبية المتعلقة بالولادة والخصوبة وصحة النساء والحوامل، على أنها لم تذكر مهنة القبالة بشكل صريح على العكس من '''بردية إبريس''' (كُتبت حوالي 1550 قبل الميلاد) حيث ذكرت القابلات وحددت مهامهن وخبراتهن في التعامل مع النساء الحوامل والولادة.<ref>[https://www.youtube.com/watch?v=qk3u_7HfrOU The Unexpected History Of Midwives (Youtube Video)]</ref> تشير الأدبيات التاريخية أيضًا إلى وجود مساهمات في طب الولادة تعود إلى زمن الحضارة اليونانية القديمة، إذ تشير النصوص إلى مساهمات قدمها أطباء مثل أبقراط، إفسوس، سورانوس، وجالينوس.<ref name="ign">[https://www.osmosis.org/blog/a-history-of-obstetrics-and-gynecology-from-ancient-midwifery-to-modern-medicine A History of Obstetrics and Gynecology: From Ancient Midwifery to Modern Medicine]</ref> أما في الهند فهناك نصوص تشكل مكونات أساسية للطب الشعبي الهندي (الآيورفيدا) ناقشت مسائل الحمل والولادة والحالات المرضية المتعلقة بهما، مثل '''ساشروتا سهميتا''' و'''تشاراكا سهميتا"'''، ووصفت تدخلات جراحية تستخدم في بعض الحالات المتعلقة بالولادة وطب النسائية.<ref>[https://jogi.co.in/articles/files/filebase/Archives/1966/jun/1966_311_317_Jun.pdf Practice of Midwifery in Ancient India]</ref>
===طب الولادة الإسلامي===
في العصر الإسلامي، شهد طب الولادة تطورات جمة شكلت منعطفًا هامًّا في هذا المجال، وكانت رافعة للتطور الذي شهده هذا الحقل المعرفي في أوروبا في عصر النهضة وما بعده. وكان المسلمون أول من فصل طب الولادة عن الفنون والعلوم الطبية باعتباره فرعًا مستقلًا، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الفصل لم يحدث في أوروبا إلا في القرن التاسع عشر حيث كان طب التوليد يعتبر جزءًا من علوم الجراحة العامة أو لا يعتبر فنًا طبيًا من الأساس. يمكن تتبع إسهامات العلماء المسلمين في طب الولادة في نصوص ابن عباس المجوسي (الأهوازي) والطبيب الأندلسي الإشبيلي ابن زهر الذي كانت ابنته وحفيدته أول وأشهر طبيبتي ولادة في الأندلس، أيضًا يوجد العديد من الإسهامات لدى الرازي وابن سينا بالإضافة إلى الزهراوي الذي وصف حوالي 200 أداة تشخيصية وجراحية بعضها من تصميمه الخاص تستخدم في طب النسائية والتوليد وكان أول من شرح خطوات توليد الأجنة المتعسرة بسبب التجمعات المائية في الدماغ واستخراج الأجنة الميتة.<ref>[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9444839/ Fadel and Al-Hendy: Development of Obstetric Practice During the Early Islamic Era]</ref>
بأي حال، لم تشهد أي من الحضارات المذكورة وجود انفصال في الممارسة بين القبالة والطب، كانت القابلات (الدايات) المسلمات يعملن في بعض الأحيان تحت إشراف الأطباء، وكانت شروحات الأطباء وتعليماتهم النظرية موجهة إلى القابلات، فالحدود بين القبالة والطب كانت ضعيفة وكان المجالان متداخلين بشكل أو بآخر ولم يحاول الأطباء المسلمون تعطيل مهنة القبالة أو السيطرة عليها، ولم تشهد الممارسة الطبية محاولات من هذا القبيل إلا في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث بدأ طب الولادة يحتل حيزًا من العمل في الجراحة بشكل يوازي مهنة القبالة ولا يتقاطع معها.
===طب الولادة الأوروبي===
في أوروبا، بدأت مهنة القبالة تتطور مع عصر النهضة وما بعده. في القرن السادس عشر، كانت القابلات في أوروبا لا يزلن يخلطن في مهنتهن بين المعرفة المتوارثة بالمشافهة وتلك المكتسبة بالتجربة، وهو ما أشارت إليه النصوص الطبية المبكرة في عصر النهضة مثل كتابات المعالج الألماني إيوكاريوس روزالين الذي حاول إعادة إحياء دراسات اليوناني سورانوس وأضاف إليها نتائج أبحاثه الخاصة. لم يمارس روزالين القبالة ولم يقم بتوليد النساء لكنه درَّس النصوص اليونانية القديمة لطلابه، وقلل من شأن القابلات في أوروبا بسبب جهلهن وإيمانهن بالخرافات. لم يعطِ روزالين أو معاصروه اهتمامًا بحقيقة أن تعليم القابلات في أوروبا منذ العصور القديمة، حتى عندما تلقينه داخل مؤسسات تعليمية معتمدة، لم يركز على القراءة والكتابة أو المناهج النظرية، إنما كان تعليمًا عمليًا وتطبيقيًا، وأن خبراتهن ومعرفتهن راكمنها على مدى قرون طويلة ونقلنها إلى بعضهن البعض مشافهة جيلًا بعد جيل. أما الأطباء الذكور، الذين لم يكن يُسمح لهم بالنفاذ إلى هذا المجتمع المغلق، فأصبحوا قادرين بعد نشر كتابات روزالين وطبيب نمساوي آخر يُدعى ياكوب روف (اعتمد أيضًا على مؤلفات سورانوس) على تعلّم الأساسيات الخاصة بالقبالة والتوليد بشكل نظري. في فرنسا، قام حلاق جراح يُدعى أُمبرواز باريه بتأسيس مدرسة للقبالة في باريس، وقد بلغت بعض المتدربات لديه مكانة مرموقة في البلاط الفرنسي وقامت إحداهن بتوليد ماري دي ميديتشي زوجة الملك هنري الرابع، والابنة التي أنجبتها، هنريتا ماريا، أصبحت لاحقًا ملكة بريطانيا. باريه (أو واحدة من طالباته) كان/ت أول من أجرى/ت جراحة قيصرية لسيدة لا تزال على قيد الحياة وينجح في الحفاظ على حياتها رغم النزيف.<ref name="start">[https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12151591/ The start of life: a history of obstetrics ]</ref>
في القرن السابع عشر، بدأت تنتشر صيحة المولّدين الذكور في فرنسا، أشهرهم كان فرانسوا موريسيو Francois Mauriceau الذي عمل في بلاط لويس الرابع عشر. لاجئ فرنسي يُدعى بيتر تشامبرلين كان له أثر في نقل المهنة إلى إنجلترا، ويُعتقد أنه، أو أحد أبناءه، قد طوروا نسخة من الملاقط الطبية التي تستخدم في الولادات التدخلية وتسريع الولادات البطيئة أو المتعسرة، وقد حافظوا على سر ابتكارهم طيلة قرن من الزمان على الأقل قبل أن يشهد انتشارًا في مختلف أنحاء أوروبا.
في القرن الثامن عشر، نشر الأكاديمي الأسكتلندي ويليام سميلي أطروحته في نظرية وممارسة القبالة وقام بتدريس طلابه بناء على معرفته بالبنية التشريحية للحوض والجهاز التناسلي الأنثوي. في ذلك الوقت، بدأت القبالة تحولها التدريجي من شأن اجتماعي متعلق بدوائر الدعم التقليدية المحيطة بالحامل والتي تشمل نساء العائلة الأكبر سنًا والجارات بالإضافة إلى القابلات إلى شأن علمي وأكاديمي خاضع للهيمنة الذكورية، وقد بدأ الأطباء الأوروبيون - خاصة في إنجلترا وفرنسا - بالإنخراط أكثر في مهنة القبالة.<ref name="ign"/> قام سميلي، سنة 1740، بتأسيس مدرسة لتعليم الذكور فنون القبالة، وقد عمل هؤلاء المولدون الذكور في المستشفيات العامة التي كانت تقدم خدمات الولادة المجانية للنساء الفقيرات، ولكن هدفها الحقيقي كان منح المولّدين الذكور خبرة أكبر في التعامل مع النساء الحوامل وكسر احتكار النساء للمهنة. كثير من هذه الولادات حصلت بمساعدة الملاقط الطبية المعدنية، وقد عنى ذلك وجود إجراءات تدخلية invasive procedures غير مسبوقة ترافقت مع انتشار واسع لحمى النفاس، وقد ارتبطت معظم حالات حمى النفاس بالأطباء والمولدين الذكور في تلك الفترة واستمر الحال لعقود طويلة بسبب غياب إجراءات التعقيم، ورفض المجتمع الطبي لها في بعض الأحيان.
في بدايات القرن الثامن عشر، كانت القبالة موجودة بشكل تام خارج المجال الطبي، ولكن بنهاية القرن تقريبًا بدأ الأطباء العامّون (الجراحون المعالجون Surgeons - Apocatheries) في أوروبا بالعمل في المجال أكثر حيث أصبحوا يولّدون نساء الطبقات الوسطى والعليا في إنجلترا وفرنسا داخل البيوت، وذلك رغم ازدراء المجتمع الطبي في غرب أوروبا لمهنة القبالة وضعف مردودها المادي. أحد رؤساء الجمعية الملكية البريطانية للجراحة صرح بأن توليد الرجال للنساء أمر منافٍ للأخلاق وللمنطق السليم، ولكن بالرغم من ذلك فإن الجراحين المعالجين كانوا يفضلون القيام بعمليات التوليد في المنازل (خاصة باستخدام الملاقط الطبية المعدنية) من أجل توطيد علاقتهم بالعائلات التي يولدون نسائها، فولادة واحدة تعني أن الجراح الذي أجراها أصبح طبيب العائلة الدائم.<ref name="GPOBG">[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC2586862/ Irvine Loudon: General practitioners and obstetrics: a brief history]</ref>
;النقابات والأنظمة الطبية في أوروبا
خلال القرن التاسع عشر، فصل نظام طبقي صارم بين مقدمي الرعاية الصحية في أوروبا، فهناك من جهة، الأطباء الذين ينتمون إلى الطبقة العليا في المجتمع وحصلوا على فرصة لتعلّم الطب عبر المؤسسات الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك الجراحون المعالجون، وهم من أبناء الطبقة الوسطى ويحصلون تعليمهم عبر التلمذة المهنية على يد ممارسين أكبر منهم سنًا وأكثر منهم خبرة، بعضهم جراحون حلاقون، مارسوا وتعلموا الجراحة عبر مهنة الحلاقة (تقليد متوارث منذ مئات السنين)، وبعضهم صيادلة أو كيميائيون، طوروا خبرة في التشخيص وقدرة على منح الاستشارات الطبية من خلال خبرتهم في الأدوية والمستحضرات الكيميائية. في أدنى الهرم كانت القابلات، وغالبيتهن تعلمن القبالة أيضًا عبر التلمذة المهنية وتناقلن معرفة قديمة امتدت على مدار قرون طويلة، وبعضهن درس وتعلم في مدارس للقبالة أسسها أطباء وأكاديميون ذكور. على أن هذا الفصل ظل في النهاية فصلًا طبقيًا حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، وتمثل من خلال بعض الأجساد النقابية التي فصلت بين الممارسين المختلفين ولكن لم يُرسَّم على الأرض باستخدام القوانين.
كانت الخطوة الأولى لترسيخ السلطة على أجساد المرضى من خلال المؤسسة الطبية هي بترسيم المؤسسة الطبية ذاتها أولًا. حصل ذلك عبر عدة خطوات كان أولها تنظيم المهنة باستخدام القوانين والنقابات. تأسس الاتحاد الطبي البريطاني British Medical Association في 1836 وتأسست الجمعية الملكية لجراحي لندن Royal College of Surgeons of London في 1800 (وتحول اسمها إلى الجمعية الملكية لجراحي إنجلترا Royal College of Surgeons of England في 1843)، وقد هدفت الأخيرة لتشكيل جسد نقابي خاص بالجراحين ورفضت أن تقبل في عضويتها أي جراحين لم يحصلوا على تعليم جامعي أو أي قابلات حتى لو حصلن على تدريب مهني عن طريق مدارس القبالة.<ref name="GPOBG"/> في عام 1858، صدر أول قانون لتنظيم مهنة الطب في إنجلترا ويُعتبر من أوائل القوانين المشابهة التي صدرت على مستوى أوروبا، وقد استُنتسخ القانون وأعيد إصداره في عدد من المستعمرات والتابعيات البريطانية (مثل أستراليا في 1877 ولاحقا الهند في 1916،<ref>[https://www.nmc.org.in/acts-amendments/the-indian-medical-degree-act-1916/ THE INDIAN MEDICAL DEGREES ACT, 1916 (ACT No. VII of 1916)]</ref> وقد ركز القانون الهندي على توضيح التسميات الوظيفية لممارسي المهن الصحية وعقوبات من يستخدمها بغير استحقاق). صدر في فرنسا قانون الثلاثين من نوفمبر 1892 الذي أغلق مهنة الطب ومنح احتكارًا بممارستها للأطباء بشكل حصري، أما في أسبانيا فقد صدر قانون الخدمة العامة في 1855 وقد تمخض عنه تشكيل هيئات تفتيش ومحاكم طبية تلاحق أي ممارسين للعمل الصحي بدون ترخيص.<ref>[https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/technical_reports/2009/RAND_TR691.pdf RAND Corporation: International Comparison of Ten Medical Regulatory Systems (Technical Report)]</ref>
;صعود المستشفى كمركز للمؤسسة الطبية
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت تتطور الممارسة الطبية منفصلة عن شكلها التقليدي في أوروبا في قرون ما بعد عصر النهضة، فأصبحت الخدمة الطبية متمحورة أكثر وأكثر حول المستشفى باعتباره مركز المؤسسة الطبية بعد أن كانت المستشفيات مخصصة فقط للمرضى الفقراء وكمأوى أخير للمحتضرين والمصابين بالأمراض العضال أو كمكان لعزل المصابين بالأوبئة مثل الطاعون [[زهري|والسفلس]]، أصبح المستشفى مؤسسة بحثية وتعليمية، والخيار الأول للسلطات لتوفير العلاج للمرضى، كان للثورة الصناعية أثر كبير على الاقتصاد والعسكرية في أوروبا، حيث احتاجت الدول إلى أعداد أكبر من السكان من أجل تغذية حاجتها إلى الأيدي العاملة وإلى الجنود. حيث أن الأيدي العاملة مطلوبة من أجل تغذية المصانع والجيوش مطلوبة من أجل استعمار الجنوب العالمي، وهو الأمر الحيوي من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية وخلق أسواق استهلاكية للمنتجات الصناعية في أوروبا. وقد ساهمت الحربان العالميتان أيضًا في تطوير مكانة المستشفى كمكان للعلاج والاستشفاء بسبب العدد الضخم من الضحايا الذي تسببت به هذه الحرب وضرورة إعادة تأهيل مصابي الحرب من الجنود للعودة إلى صفوف القتال مرة أخرى. خلال هذه الفترة بدأ المستشفى يتحول من الملاذ الأخير للمريض إلى الخيار الأول للعلاج.<ref>[https://www.encyclopedia.com/science/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/hospital-modern-history Encyclopedia.com: Hospital, Modern History of the]</ref>
;انتشار الولادات السريرية Hospital Deliveries
تزامنت التحولات على المؤسسة الطبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أيضًا مع تطورين مهمين، أولهما البدء بتنظيم مهنة القبالة بحيث تصبح خاضعة لاشتراطات محددة، ولا يمكن القيام بها أو ممارستها إلا بواسطة متدربات حاصلات على ترخيص ومسجلات لدى الدولة، كما أن حدود تدخل القابلات في الولادة قد تم تقليصها بحيث لا تتجاوز الولادات الطبيعية، وحُظر عليهن التعامل مع الولادات الخطيرة أو المتعسرة. صدر في إنجلترا تشريع مفصل يحدد الإطار القانوني الرسمي لمهنة القبالة في 1902، حيث أصبحت القابلات مسجلات ومرخصات لدى الدولة ويعملن بعد الحصول على تدريب رسمي، كما حُظر على شبكات القابلات التقليدية العمل في حال لم يقمن بتوفيق وتقنين أوضاعهن، وبحلول العام 1910 أصبح محظورًا بشكل كلي على القابلة أن تمارس عملها بدون ترخيص مسبق وإشراف طبي. تزامن ذلك مع إعادة هيكلة مهنة رعاية النساء خلال الولادة كعلم طبي، في إنجلترا على سبيل المثال تأسست جمعية أطباء الولادة والنسائية College of Obstetrics and Gynecology في 1929، ونتج عن تأسيسها ترسيم الشكل الجديد من القبالة وربط الولادة بالطب السريري أو المؤسسة الطبية، وقد تم ذلك بالتزامن مع العديد من الدول الغربية الأخرى. من أحد أهم المظاهر الرمزية لهذا الترسيم كان استبدال مصطلح Midwifery الانجليزي وما يقابله في اللغات الأوروبية الأخرى (بالفرنسية Sage‑femme وبالإسبانية Partería) بمصطلحات أخرى مشتقة من كلمة Obstetrix اللاتينية والتي تعني أيضًا قابلة، وذلك من أجل منح صبغة علمية للتسمية والممارسة المرتبطة بها.
نتج عما سبق تطور آخر، وهو انتقال الولادة بالتدريج من الحيز الاجتماعي إلى الحيز الطبي المؤسسي، وأصبحت الولادات تتم داخل المستشفى بنسبة أعلى في كل عام، انخفضت نسبة الولادات المنزلية في بريطانيا من 99% إلى 33% خلال الفترة من نهاية القرن 19 حتى 1955، كما أنها انخفضت إلى 2.1% بحلول 1998،<ref name="GPOBG"/> في الولايات المتحدة انخفضت نسبة الولادات خارج المستشفى كذلك من أكثر من 99% في مطلع القرن العشرين إلى أقل من 1% خلال عقدي السبعينيات والثمانينات.<ref>[https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK555491/ Birth Settings in America: Outcomes, Quality, Access, and Choice. (NLM Bookshelf)]</ref>
;كيف تغيرت الولادة تحت الإشراف الطبي؟
شهدت الولادة تحت الإشراف الطبي تحولات في البنية والممارسة والمعنى الاجتماعي، وبعد أن كانت عملية طبيعية تجري في فضاء اجتماعي تحت إشراف القابلات التقليديات، تحولت إلى إجراء طبي مؤسسي يُدار داخل المستشفى وفق منطقٍ سريري وحسب تعليمات الطبيب والقرارات التي يتخذها غالبًا بنفسه وبدون إشراك الحامل فيها. لقد أصبحت الولادات أكثر تدخلاً من الناحية الطبية، فبدل أن تُترك العملية لتأخذ مجراها الطبيعي، أُدخلت أدوية متعددة لتسريع الطلق وأدوية أخرى للتخدير وتسكين الألم، استخدم الاسكتلندي جيمس سيمبسون الكلوروفورم أول مرة في 1847 كمسكن للألم خلال الولادة، ليس من أجل تخفيف الألم ولكن من أجل تسهيل التدخلات الجراحية خلال الولادة عند الضرورة،<ref name="ign"/> ولاحقًا بدأ استخدام إجراء تخديري يُدعى '''نوم الشفق''' '''Midnight Sleep'''، يستخدم لخلق حالة تخدير جزئي - باستخدام المورفين والسكوبولامين - بحيث تظل المريضة قادرة على الحديث والتجاوب مع الطبيب ولكن بدون شعور بالألم أو قدرة على الحركة، وعادة ما يسبب هذا الإجراء فقدًا للذاكرة قصيرة المدى ويؤدي في بعض الأحيان إلى هذيان وردود فعل عنيفة تشكل خطرًا على حياة المريضة. انتشر استخدام خليط المورفين والسكوبولامين خلال بدايات القرن العشرين، واستبُدل لاحقًا بأدوية أخرى أكثر أمانًا من حيث الأعراض الجانبية والقدرة على التحكم في مخرجاتها. هناك أدوية أخرى كان لها تأثير إيجابي كبير على مخرجات عملية الولادة داخل المستشفى، منها الإرجوتامين الذي استخدم لإيقاف نزيف ما بعد الولادة، بالإضافة إلى المضادات الحيوية (مركبات السلفا والبنسلين) التي استخدمت لعلاج حمى النفاس. وبخلاف التدخلات الدوائية، فإن أكثر ما ميز الشكل الحديث للولادة هو التدخل الجراحي، خاصة استخدام الملاقط المعدنية من أجل تسريع الولادة بالإضافة إلى قطع / شق العجان من أجل توسيع فتحة المهبل لتسهيل خروج الجنين، وهي القطوع التي تُرمم باستخدام الخيوط الجراحية ويُحرص عند ترميمها تضييق فتحة المهبل قدر الإمكان. أما التدخل الجراحي الأكثر استخدامًا وانتشارًا على مستوى العالم هو العمليات القيصرية، والتي ظهرت بداية كإجراء أخير لتفادي مضاعفات الولادة المهبلية في حالات الطوارئ، ولكن يُلجأ إليها الآن بشكل كبير ومعدلات عالية حتى لو لم يكن لها أي داعٍ.
نشأت على هامش طب الولادة الحديث مهنة جديدة مثلت شكلًا حديثًا للقبالة، القابلات الحديثات هن ممرضات درسن التمريض بشكل أكاديمي ومتخصصات في العمل داخل أكشاك الولادة في المستشفيات، وقد ظهرت مهنتهن نتيجة لتهميش القابلات التقليديات اللواتي كُن العماد الأساس لعملية الولادة لقرون طويلة، واللواتي أقصين بدلا من السعي لدمج خبراتهن ضمن النظام الطبي. نتج عن ذلك انحسار مهنة القبالة التقليدية، لأن الحاجة إليها تقلصت، وفي بعض الأحيان انتفت بشكل نهائي.
نقلت الدول الاستعمارية تجربتها المحلية بالترسيم المؤسسي لمهنة القبالة وطب الولادة إلى مستعمراتها في الجنوب العالمي،<ref>[https://esmed.org/colonizing-childbirth-western-obstetrics-in-hong-kong/ Colonizing Childbirth: The Adoption of Western Obstetrics in Hong Kong (1842-1910)]</ref><ref>[https://openaccess.wgtn.ac.nz/articles/thesis/Modernizing_Childbirth_in_Colonial_Bengal_A_History_of_Institutionalization_and_Professionalization_of_Midwifery_c_1860-1947/17143193?file=31699082 Ambalika Guha: Modernizing Childbirth in Colonial Bengal A History of Institutionalization and Professionalization of Midwifery, c.1860-1947]</ref><ref>[https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-african-history/article/abs/midwifery-training-and-female-circumcision-in-the-interwar-angloegyptian-sudan/B08E02B41FFDAF0716C0DFD984F44AF8 Heathe Bell: MIDWIFERY TRAINING AND FEMALE CIRCUMCISION IN THE INTER-WAR ANGLO-EGYPTIAN SUDAN]</ref><ref>[https://scientificresearchjournal.com/wp-content/uploads/2018/12/Social-Science-5_A-2543-2547-Full-Paper.pdf Dipti Tripathi: Western Intervention in the Childbirth Practices in Colonial India: A Historical Perspective]</ref> قُدِّمت هذه التجارب باعتبارها "تحديثات" لنظم القبالة التقليدية في المجتمعات الجنوبية ولكنها في واقع الأمر كانت تدخلات استعمارية نتج عنها تقويض التقاليد الشعبية المتوراثة داخل هذه المجتمعات منذ قرون طويلة وتمكين الكيانات الاستعمارية من فرض سياسات الضبط والتحكم السكاني.<ref>[https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12434214/ Murdock and Durant: Settler Midwifery: A Colonial Tool in Canada's Reproductive Healthcare System]</ref> ولا يزال ميراثها ماثلًا في المؤسسة الطبية الحديثة في الجنوب العالمي لحد الآن، حيث لا تزال تسجل أعلى معدلات للعنف ضد النساء داخل المستشفيات.
==مصادر==