وثيقة:الجمهور عاوز كده الأغنية التجارية وقضايا النساء

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

240عنصورة
مقالة رأي
تأليف موسى صالح
تحرير غير معيّن
المصدر جيم
اللغة العربية
تاريخ النشر 2019-09-12
مسار الاسترجاع http://bit.ly/37zyKQQ
تاريخ الاسترجاع 2019-11-24



قد توجد وثائق أخرى مصدرها جيم


تؤسّس الأغاني التجارية لوجودها انطلاقًا من أغراض ربحيّة بحتة فهي خاضعة إلى منطق السوق الذي تحكمه قوانين احتكارية مُقيّدة. هذه الأغاني حتى وإن بانت ظاهريًا بأنها تتطرّق إلى أسئلة وجودية جوهرية مثل سؤالي الحب والغاية (السعادة) على سبيل المثال، إلا أنها لا تغوص في عمق الأشياء بل تنتصر دائمًا لمعادلة "الجمهور عاوز كده". استغّلت الشركات العابرة للقارات صعود نجم عدد من المغنيّين والمغنيّات في بداية الألفية الثالثة لتُقحمهم في عملية الترويج لمنتجاتها والسيطرة على سوق الاستهلاك، مثل إعلانات شركة بيبسي للمشروبات الغازية مع نوال الزغبي وعمرو دياب وإليسا أو إعلانات شركة كوكا كولا مع نانسي عجرم. هذا الفن التجاري الترويجي الذي بات المادة الفنية المسيطرة في منطقتنا العربية، لم يتوقف جشعه عند الإعلانات التجارية فحسب بل تطوّر فيما بعد ليصبح مادة مهمة في الحملات الانتخابية. لم نسمع طيلة سنوات أغانٍ من نجوم ونجمات الغناء في الوطن العربي تُناصر قضايا الفئات المهمّشة والمُستضعفة فالأغاني السائدة تُكرّس النظرة الدونية للمرأة وتُعيد إنتاج آليات الهيمنة، لذلك عندما نرى أرباب هذا الفن يُنتجون أغانٍ تُدافع عن النساء وتناهض العنف والبطريركية يجب أن نقف قليلا ونعيد النظر في هذا الدعم ونبحث عن دوافعه الحقيقية. هذا المقال إذن، هو محاولة لتفكيك بعض الأعمال الفنية الداعمة للنساء من قبل فنانات مُنخرطات في حُمّى الفيديو كليبات وآلة الإنتاج التجاري.

المطلّقة: كارول سماحة (2019)

أرادت كارول هذا العمل صرخةً في وجه مُجتمع ذكوري يصم المرأة المطلّقة بالعار والنقص. لقد أصبح الطلاق شبحًا تعاني منه نساء كثيرات في منطقتنا على اعتبار أنّ "المرأة الحقيقية" هي "ملكة في بيت زوجها"، وحالما تخرج منه بورقة انفصال تخسر مكانتها في المجتمع لتُصبح امرأة منبوذة أو مطمعًا للرجال. تبدأ كارول أغنيتها بديباجة خطابية تقول فيها: "حُكم عليّ بالوحدة والجريمة مُطلّقة. حيّك الناس لي من ألسنتهم مشنقة وصار لقبي مُطلّقة. ممنوعة أن أعشق، للاستعمال السريريّ فقط مع شهادة خبرة مُصدّقة. امرأة مُستعملة، زورق بأشرعة مُمزّقة يراني الرجال سريرًا أو كوب رغبة يُريدون منه ملعقة، كأنني محطة انتظار يزورها الجميع لكن لا أحد بها يبقى، نعم أنا المُطلّقة" ثم تبدأ بالغناء بصوت عالٍ وتقول: "أنا الحرّة التي أبت أن تحكمها ورقة". وفي حديثها عن العمل عبّرت كارول سماحة عن مللها من مواضيع الحب والكره والخيانة والعشق لذلك أرادت أن تختار موضوع المرأة المُطلّقة من بين ثلاثة مواضيع عُرضت عليها، وذلك من باب "التنويع وإثارة الجدل الهادف" حسب تعبيرها في إحدى المقابلات التلفزيونية. وقد طرحت كارول سؤالا رافق الفيديو كليب "هل ما زالت المطلقة تعيش بنظرة دونية في بعض المجتمعات العربية أم أنّ هذه النظرة تلاشت في زمننا الحاضر؟" بهدف جذب أكبر قدر ممكن من التعليقات والتفاعلات. تحاول كارول سماحة منذ بدايتها الفنية أن تسير أحيانًا ضدّ التيار وأن تكون مختلفة وليس غريبًا عليها مُناصرة حقوق الإنسان فهي لا تُخفي دعمها لمثليّي ومثليّات الجنس، فقد أعلنت عن ذلك في وقت سابق عبر حسابها على منصة تويتر ومن ثم في مقابلة تلفزيونية ضمن برنامج "منّا وجر" على قناة "أم تي في" اللبنانية حيث جددت دعمها لحق الحياة لجميع الناس مهما كانت توجهاتهم/ن الجنسية كما أكدت على تقبّلها لولدها في حال اكتشفت أنه مثلي الجنس في رد على سؤال أحد المحاورين/ات.

محصلش حاجة: سميرة سعيد (2016)

دائمًا ما تطال سميرة سعيد انتقادات بأنها تهاجم الرجال وتحاول زعزعة الثوابت في وسائل التواصل وبعض المواقع الإلكترونية، وقد طرحت سنة 2016 أغنية تتناول موضوع الانفصال بين الشريكين زادت من حدّة هذه الانتقادات. "محصلش حاجة" في دلالة على أنها سليمة نفسيًا وعاطفيًا وأنّها ستعيش حياتها سعيدة بعيدًا عن العلاقات السامّة التي تحكمها النزعات السلطوية والقواعد الذكورية. حاولت سميرة سعيد في هذه الأغنية أن تكسر الصورة النمطية للمرأة بعد الانفصال وأن تُحرّض النساء على المضي قدما لكنّها لم تُنكر حزنها وانكسارها. وقد قدّمت أغنية منفردة سنة 2018 عنوانها "سوبر مان" تتناول فيها انقلاب حال الرجال على جميع المستويات الشكلية والنفسية والاجتماعية قبل الزواج وبعده، إلى جانب أغنية "متدلع" تتحدث فيها عن معاناتها مع شريكها. هذا الدعم الذي تظهره سميرة سعيد في أغانيها لا يبدو وكأنه دعم مطلق أو نابع عن مبادئ وقيم نسوية تؤمن بضرورة ثورة النساء على البطريركية ومؤسساتها بل نراها متحيّرة تحاول أن تكسب أكبر قد من "الفانز" والمحبين حيث نشرت فيديو لشابين بدّلوا كلمات أغنية "سوبر مان" لتصبح أغنية ذكورية تهاجم المرأة وكتبت تحت الفيديو "سوبر فانز"، كما صرّحت عبر مجلة سيدتي أنها سيدة عادية غلبانة وليست عدوّة للرجال بل تسعى لأن تكون أغنياتها مثيرة للجدل، وستطرح أغنية قريبة تصالحهم بها! فهل ستهاجم النساء هذه المرة؟ إنها حكاية إثارة جدل إذن، تارةً ضد الرجال وتارةً أخرى ضد النساء تعادل فيها ميزان شهرتها لتحافظ على جمهورها.


يا مرايتي: إليسا (2015)

"اكسري صمتك وما تكسري صورتك بالمراية" بهذا الوضوح تتناول الأغنية موضوع العنف المنزلي ضد النساء. يُصوّر لنا الفيديو كليب حياة سيدة تتعرض للتعنيف المستمر من زوجها، وتقوم بإخفاء آثار التعنيف عبر استخدام مساحيق التجميل. في حالة من الاستسلام والإحباط من شدة القهر الذي تتعرّض له، تخاطب مرآتها متحسرة تشتكي معاناتها وجروحها بسبب تلك الحياة العنيفة. بعد أن نراها على حافة الموت في مشهد ربما يكون مألوفًا لبعض النساء المعنفات، تنتفض إليسا لتعلن أن هذا المشهد لم يكن نهايتها فقد تحدت العنف ونجت منه لتبدأ حياة جديدة رفقة أطفالها. تحاول هذه الأغنية التركيز على أبرز المفاهيم التي تضع النساء في واجهة الاتهام وتجبرهن على الصمت وتقبّل الأذى بتعلّة الحفاظ على عائلتها فأسرار البيوت يجب أن تظلّ داخل البيوت و"لا تُحكى إلا للمرآة". على الرغم من إنسانية العمل وتصويره للعنف المنزلي تجاه النساء بصورة، إلا أن ذلك لا يطغى على الجانب التجاري للكليب الذي يُروّج لهاتف سامسونج "س 6 آيدج" مما أفقده بعده الجمالي الفني وجعل الجانب التجاري التسويقي طاغيًا على العمل.

فوق جروحي: نوال الزغبي (2010)

عقب طلاق نوال الزغبي من زوجها إيلي ديب، أثار ديب موضوع حضانة الأطفال مهددًا بسلبها حقها في الحضانة بالقانون، فما كان من نوال إلا أن صرخت بصوتها على ألحان سليم سلامة "بدك ترحل عادي بس تركلي ولادي". تمثل صرخة نوال صوت آلاف النساء الممنوعات من أطفالهن بسبب أحكام المحاكم الدينية المجحفة بحقّهن، فقوانين الأحوال الشخصية لدى جميع الطوائف في لبنان وأمام محاكمها تعطي المرأة حقوقًا محصورة ومقيدة لجهة إمكانية إنهاء الزواج وأسباب ذلك والحق في الحضانة. فليست نوال (المسيحية) وحدها التي عانت وتعاني إلى اليوم من محاولات طليقها سلبها أولادها بطرق متعددة، إنما نساء كثيرات عانين وما زلن يُعانين بسبب قوانين تستمدّ شرعيتها من الدين والطائفة.

بدّي عيش: هيفاء وهبي (2005)

أطلقت هيفاء وهبي عام 2005 أغنية "بدّي عيش" مطالبة بحقها في الحياة بحرّية دون شروط أو اعتبارات أخلاقية مجتمعية مثل الشرف والعيب. تطالب هيفاء بالحق في التنقل والتعبير واختيار الشريك، الأمر الذي ما زالت تعاني منه النساء في منطقتنا بسبب قيود النظام الأبوي المفروضة عليهن والتي تمنح الرجل حق الوصاية على المرأة وسلبها حقها في اختيار ما يناسب حياتها. هيفاء التي تظهر في الفيديو كليب بفستان مكشوف من قماش الساتان تحاول أن تحارب المجتمع عبر رفضها إغلاق الستار عليها من الجانبين كنوع من الغضب والتمرد. هذا الإخراج الركيك للفيديو كليب الذي لا يخدم معنى الأغنية بالشكل المطلوب يأخذنا نحو مسار واحد حيث أن الأغنية وكلماتها ما هي إلا موضوع مختلف ومثير للاهتمام استطاعت هيفاء من خلالها إحراز مشاهدات عالية جدًا وضم قاعدة جماهيرية أوسع وكأن الأغنية جاءت لتخدم الفيديو كليب وظهور هيفاء لا العكس بالرغم من أنّ مُلحّن الأغنية وكاتبها إلياس الرحباني -والذي استغرب كثيرون تعامله مع هيفاء- أكّد في أحد حواراته التلفزيّة بأنّ هذه الأغنية "هي مشروع للمرأة في الحياة" وأنه كان يتمنى أن تواصل هيفاء مشوارها الفني بأسلوبها الخاص ولكن أن تُنتج أغنيات تظل محفورة في الأذهان. بغضّ النظر عن الانتقادات الكثيرة التي تطال هيفاء وهبي إلا أنها على عكس العديد من الفنانين والفنانات لا تُخفي دعمها للمثليّين والمثليّات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب أنها أطلقت خط أزياء بإسم "Beau Voyou" يتميز باعتماده على علم ألوان الطيف (Rainbow) الذي يُعتبر علم مجتمع الميم بالإضافة إلى عبارات تدعم حق النساء في الحرية والتحرر.

في تدقيقٍ سريع في الأغاني المعروضة أعلاه والمناصرة بشكل أو بآخر للنساء، يمكننا أن نلاحظ أن كُتّابها وملحّنوها رجال وقد وضعت الفنانات أصواتهن عليها فقط. مما يثير التساؤل حول حجم مشاركة النساء في عملية إنتاج المحتوى الفني والموسيقي. وفي محاولة فهم الأسباب الحقيقية خلف إنتاج تلك الأغاني التي تناصر النساء وحقوقهن، مع استغلال وسائل الإنتاج الفني الاستهلاكي للمنظومة الأبوية وتكريسها في إنتاجها كنوع من تبادل المنفعة، لا نرى ذلك التوجّه نحو تلك القضايا إلا كمحاولة لاستغلالها بهدف تحريك عجلة الدوامة الرأسمالية الربحية التي باتت بحاجة إلى نوع جديد من القضايا والأفكار، هذا ما أكّده الموسيقار اللبناني إلياس الرحباني في عدة مقابلات متلفزة له يتحدث فيها عن غياب الفن بمقومات فنية حقيقية مقابل انتشار الإنتاج الفني الفوضوي عبر ضخ الأموال بشكل مهول، من قِبل إحدى شركات الإنتاج التي ظهرت في المنطقة العربية في بداية تسعينيات القرن الماضي. هذا ما يثبته ما ورد أعلاه في تحليلنا للأغاني المطروحة من رغبة كارول سماحة بالتغيير عن النمط المألوف من أغاني الحب الكلاسيكية، واستغلال هيفاء وهبي لموضوع التحرر النسائي من قيود المجتمع للتسلق نحو جماهيرية أكبر، بالإضافة إلى الجانب التجاري في فيديو كليب "يا مرايتي"، واعتذار سميرة سعيد من الرجال واعدةً إياهم بأغنية ترضيهم. وهنا لا بدّ من اللفت إلى نقطة إضافية حول الموضوع وهي إثارة الجدل بطرح مثل هذه المواضيع التي تدعم النساء، فلا تُقدِم أيّة فنانة أو فنان على عمل إلا بعد دراسة السوق وما يعوزه الجمهور. وفي مكان مثل منطقتنا لا بد أن تكون إثارة الجدل حول العمل والانتشار الواسع له بسبب معارضته المنظومة القيمية التقليدية من أهم أسباب إنتاج العمل وتبنيه لكسب قواعد جماهيرية أكبر وانتشار أوسع.