وثيقة:رحلة البحث عن الترانس – الجزء الأول

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

240عنصورة
مقالة رأي
تأليف خوخة ماكوير
تحرير غير معيّن
المصدر ترانسات
اللغة العربيّة
تاريخ النشر 2018-03-09
مسار الاسترجاع https://transatsite.com/2018/03/09/%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%86%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84/?fbclid=IwAR1h2-wECjo6QCCTcXpUKVGBpumB_lRVSQZ1gvu3Hu1qI-XMvO64keJ0uDA
تاريخ الاسترجاع 2018-12-09
نسخة أرشيفية http://archive.is/J69Sg



قد توجد وثائق أخرى مصدرها ترانسات



ترانسات.jpeg

ذاتَ مساءٍ رمضانيٍّ شبهُ ربيعيٍّ شبهُ صيفيٍّ، إتخذتُ رِفقةَ صديقٍ لي طريقَ الضاحية الشمالية لتونس العاصمة و كان ذلك قصد الإفطار و تقضية الأُمسية في ضيافة المناضلة أمينة سبوعي … [لم تكن زيارتي ذلك المساء لدار أمينة عفويةً أو بريئةً كما كانت تبدو] شَدَدْتُ رِحالي صَوْبَ دار أمينة بالقرية السياحية سيدي بو سعيد .. قِبلةُ “التشش” و “الكرايك” و “التراڥيستيات” الأولى، و قد كنتُ وَلَّيْتُ وجهي شَطْرْ الملجأِ الحرام لغايةٍ في نفس خوخة …


لم أكن قد إقتربتُ من شخص أمينة سبوعي آنذاك، و لم تكن قد تَبَلورَت بيننا روابطُ صداقةٍ متينةٍ بعدُ، و لكنني لم أكن أُخفي إعجابي و تقديري أو إنبهاري بمسيرة أمينة النضالية، فتاةٌ بسيطةُ الأدواتِ أربكت قبل بلوغ العشرينات معتقدات شعبٍ و أَحرجَتهُ في رُقاده، و ها هي الآن في أوائل العشرينات من العمر تُقيمُ بيتًا أرادت له أن يكون ملجأً يَؤُمُهُ المطرودونَ و المُهدَدَة حياتهم من المثليين و العابرات أو ما أُصطُلِح على وصفهم عاميًّا و كويريا في تونس بـ”الموبنة” و “التشش” و “الكرايك” و “التراڥيستيات”


كانت لي عدّة غاياتٍ من وفودي على “صرح” أمينة السبوعي، لم تكن أمينة بتلك الفترة متعاضدةً مع الجميع من فاعلات و فاعلي الحراك الكويري أو كذلك النسوي بتونس، فلَمَّا تعالت الإحترازات النسوية و الكويرية حول شخص أمينة و طُرق نضالها و إستراتيجياتها، شَيَّدَت لنفسها صرحًا بعيداً و بمعزلٍ عن العديد من القوى الناشطة و الفاعلة في الحراكَين .. حين إِعتمدتُ الإقتراب من صرح أمينة كانت إحدى غاياتي مدُّ جسورٍ تفكّ عزلة الصرح الأميني أو الجبهة الأمينية عن بقية مكونات المشهد النضالي والجمعياتي الكويري بتونس.


كان طموحي حقيقةً أبعدَ من مجرد إرساءِ جسورٍ أو فكّ الحصار أو إقامة الألفة مع الجبهة الأمينية، كانت تلوح بخاطري مشاريعٌ جدُّ طموحةٍ كإستدراج العابرات للإلتحاق بالركب النضالي أو إرساءِ تيّارٍ نضالّي ترانسجندري فاعلٍ و قائم الذات، حيث لم يكن حينها و لم يوجد إلى الآن توجهٌ نضاليّ ترانسجندري أو تمثيل فاعل للقضايا الترانسجندرية في صلب الحراك الكويري أو النسوي.


كانت بعض الغايات الأخرى من إجتياحي لفضاء أمينة أكثرَ شخصية، فلم يكن قد أسعفني الحظ من قبل بالتواجد في فضاءات أو حضور لقاءات أو أمسيات ترانسجندرية، و كان الفضاء الذي إجتمعَتْ فيه بعض العابرات لدى أمينة هو المكان الوحيد نُصبَ أعيُني الذي كان يمكن أن يُتاح لي من خلاله معانقة تجارب ترانسجندرية أخرى، فأنا كنت قد عشت تجربتي الترانسجندرية في عزلة عن المجتمع الترانسجندري بين معيشي الترانسجندري المنفرد و الخاص و بين السرديات الترانسجندرية والمقالات والكتابات والقراءات.


لم أدري إن كانت رحلة بحثي تلك عن العابرات للّم شتات مجتمعٍ ترانسجندريٍ يلوح بأفقي النضالية أم كانت رحلةً أنانيةً ذاتيةً للّم أشلائي الترانسجندرية التي لا طالما ظلّت مقموعة ومبعثرة بين النضالين النسوي والكويري واللذان لم يكونا ليُشبِعا جميع أبعادي الهوياتية بعد.


كنتُ قد شرعتُ بتلك الفترة في إعداد شريطٍ مصوَّر يَعرِضُ شهادات أفرادٍ “ترانس” يتحدّثـ/ـن/ـون عن واقعهن/م ومعيشهن/م بتونس، وكان من المرتقب للشريط أن يُعرَضَ في إطار إحتفالنا باليوم العالمي لمناهضة الهوموفوفوبيا والترانسفوبيا، لفتةُ إنتباهٍ و عرفانٍ نسوي-كويري لمعاناة “العنصر” الترانس و إستحضارهُ كمكوّنٍ حاضرٍ غائب عن مساراتنا النضالية الكويرية والنسوية.


فور وصولي هناك، في ربوع الحرم الأميني، لم تكن الحركة صاخبة كما إعتقدت، فكان البعض يُعِدُّ للإفطار في خشوع. لم ننتظر طويلا حتّى تراصّت الأطباق على سفرة الإفطار وإذ بحجاج البيت الأميني يفدون من غرفهم و سرعان ما إستدارت العابرات و غير العابرات حول الأطعمة و أخذت الأيادي والصحون تُناجي وتتهافت إلى أزكى المأكولات.


قَبَعْتُ بزاويةِ مقعدي صاغرةً و قداسة الشمل الترانسجندري جاثمةٌ على هالتي، تُكبّلها، تلجمّها و تحجمّها، خجولةً كما عهِدتُني في حضرة الموقف، كلّما إنتهيتُ من إحتساء ملعقة من الحساء رفعت عيناي خلسةً لألمح وجوه الحضور في حذر، كلٌّ منغمس في شُربتهِ، و البعض يحدّق حائرًا، شاردًا بإنائِهِ.


لان إنكماشي بمرور الوقتِ قليلاً، وبعد أن أفصحتُ تدريجيًا عن سبب زيارتي، إلتقطت ساندرا مصطلح “ترانس” (و كان قد تردد بضع مرات في سياق حديثي عن دوافعي من هذه الزيارة)، فإستوقفتني سائلةً:

ما الفرق بين “ترانس” و “تراڥيستي”؟

عَمِلتُ جاهدةً على التهرّب من الإجابة حينها، فلم يكن بوسعي (لفرط خجلي) أن أشرح أو أن أُحاضر ذلك المساء.


بعدَ مرورِ عامٍ تقريباً على ذلك اللّقاء، أطرح كتابةً و للمرّة الأولى معالجتي للثنائية الجدلية القائمة بين العنف اللّغوي والثقافي الذي يمارسه المجتمع النمطي على المجتمعات الترانسجندرية والعنف المعرفي و التعسّف النضّالي اللذان تمارسهما السلطة المعرفية الكويرية والجندرية تجاه الثقافات الترانسجندرية المحلية “الشعبية” أو القاعدية الأصيلة.


كوْني أنتمي إلى توجهٍ نضاليّ يتناول من بين أجنداته معالجة البعد أو الإمتداد اللّغوي للقمع، فإني دائماً ما كنتُ ألتزم حتمًا بالدقة في صياغة وإنتقاء المصطلحات، فقد كنت قضيّت سنواتي الأولى من النضال في تصحيح العبارات والمفاهيم و تدقيق المصطلحات و مواكبتها ولا سيما النهيّ عن إستعمال الأوصاف التي أصبحت لا تستقيم سياسيّا، أو مفاهيميّا، أو نضاليا أو أخلاقيا، كلفظ “المتحولات” أو “المخنثين” أو مفهوم “التحول الجنسي”.


من منطلق إيماني النظري و معاينتي الميدانية بأن الثقافة السائدة واللّغة تُمارسان قمعا جنسانيا و جندريا، كنت أحجّر بشدّة إستعمال بعض المفردات، منها لفظ “تراڥيستي” أي Transvestite أو شيمايل Shemale، فلا يبدو لي أن هذه العبارات تستند إلى أي واقع علمي، كما قد إصطلحت الأوساط النضالية والأكاديمية على أن هذه العبارات هي تحقيرية بالضرورة.


إرتطمتُ بواقعٍ أمرّ حين إكتشفت أن جميع العابرات التونسيات اللّواتي قابلتهن لا يطلقن على أنفسهنّ إلاّ لفظ “تراڥيستي”، فلكم أعتقدتُ إنّي بمجيئي للأوساط الترانسجندرية الأكثر شعبية سأنشر معارفًا جندريةً مفيدة بُنيت على أُسسٍ نضاليةٍ وعلميةٍ وأكاديميةٍ من شأنها النهوض بمكانة وكرامة العابرات.


و لكنني إكتشفت في ما بعد، أنّي ربمّا على عكس ذلك قد أكون أمارس عنفًا معرفيًا تجاه “التراڥيستيات” بسلبهن إحدى أبرز أدواتهن اللّغوية الأصيلة والتي أصبحت تمثّل محليّا إرثا ثقافيا ترانسجندريا لا يمتلكن سواه للتعريف عن أنفسهن أو لوصف تجربتهن الجندرية، فأصبحتُ أرى حديثًا أن في إقحامنا المبكّر لأي بديل لغوي مُسقط، محاولةٌ لإلغاء رصيدٍ ترانسجندري متأصل أو في ذلك تغييبٌ لإرادة و حرية المجموعات في تداول مصطلحاتها.


أطرح أولى تساؤلاتي بهذا المقال على أمل أن تسدعي هذه التساؤلات نقاشًا ثريّا يعرض الإشكالات اللغوية في علاقة بالثقافة الترانسجندرية.


  • إلى أي مدى يجب العمل على تنقية الخطاب الترانسجندي من شوائبه وعقلنة المصطلحات الترانسجندرية ومواكبتها مع أحدث النظريات الجندرية؟
  • إلى أي مدى يجب إحترام المجموعات الترانسجندرية “القاعدية/الشعبية” و حقها في التعبير عن ثقافتها والمحافظة على إرثها الأصيل؟
  • هل يمكن لنا إعتبار الخطاب الترانسجندي القديم صناعة مجتمعية ترانسفوبية مسقطة على مجتمع الترانس، أم هو إنتاج ترانسجندي قاعدي؟
  • ماهي أراؤكم حول المصطلحات التحقيرية التي يقع تبنّيها بفخر، و هل هذه الإستراتيجية التي إعتمدها الأفارقة السود الأمريكيين والكويرز يمكن أن تنطبق على النموذج الترانسجندي؟


يتبع…