علم النفس النسوي

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

علم النفس النسوي نظرية وحركة نسوية معنية بدراسة تأثير الأنماط الجندرية على الصحة النفسية للنساء وأصحاب الهويات الجندرية غير النمطية وبدأ كمجال رسمي في دراسات النساء وعلم النفس خلال سبعينيات القرن العشرين. على خلاف الإتجاه السائد في علم النفس، يعمل علم النفس النسوي على الربط بين أساليب البحث والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها النساء. وأدت هذه الحركة إلى تطوير منهجية العلاج النفسي النسوي. (بالإنجليزية: Feminist Psychology)


تاريخ النساء والمرض النفسي

هيستريا النساء

بدأ استخدام مصطلح هستيريا مع أبوقراط (الملقب بأبو الطب) خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، و هو مصطلح مشتق من كلمة Hystera التي تعني حرفيًا الرحم. ربط أبوقراط الهستيريا بالرحم فأشار أن الرحم يسبب القلق والحزن عند وجود نقص عاطفي. و بهذا ألغى الطب احتمالية إصابة الرجال بالهستيريا.[1] فسميت هستيريا النساء. وشملت الأعراض التي استدل عليها لتشخيص مرض الهيستريا على القلق ونوبات اهتياج عاطفية و سلوكيات جنسية متقلّبة وتغيرات في الشهية ونوبات غضب حادة.

تدليك الرحم و البظر بالماء للعلاج من الهستيريا (سنة 1860)

توالت أساليب "علاج" الهستريا بعد أبو قراط، فشملت على مداعبة الطبيب لبظر المريضة[2] وتدليك منطقة الرحم والمهبل بالماء وعمليات جراحية للأعضاء التناسلية للأنثى و وصل إلى استئصال الرحم باعتباره أصل المرض. بالإضافة إلى ذلك، استخدم أسلوب الإيحاء (أو التنويم المغناطيسي) الذي اكتسب شهرة واسعة خلال القرن السابع عشر على يد الطبيب جان مارتن شاركو ومريضته ماري ويتمان الملقبة بملكة الهستيريا والتي تعافت بعد سنتين من توقف العلاج.[3]

ولسنوات عديدة كان يُزجّ بالنساء في المصحات العقلية بذريعة الهستيريا، دون تشخيص طبي سليم. وكانت بعض "أعراض" المرض مرتبطة بقناعاتها أو سلوكها؛ فعلى سبيل المثال، كان معارضة المرأة معتقدات زوجها أو تعبيرها عن آراء أو أفكار تخالف المجتمع أو "تهدد استقراره" سببًا ليتم تشخيصها بالمرض وحبسها في المصحة. لا يوجد رقم محدد أو إحصاء لأعداد النساء اللواتي تم وصمهن وحبسهن بذريعة الهستيريا أو الجنون؛ فالكثيرات لم تُعرف أسماؤهن ولا هوايتهن. في أواخر القرن التاسع عشر، بدأ الأطباء بالتصريح بملاحظتهم لبعض أعراض هستيريا النساء على الرجال أيضًا، فبدأت الأبحاث بعدها تركز على أبعاد مختلفة، محاولة منهم لإيجاد علاج فعّال لهذه الأعراض، وتم ربطها لاحقًا بأمراض نفسية مثل اكتئاب ما بعد الصدمات وغيرها.

وبالرغم من أن الهستيريا حُذفت من الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية في سنة 1980، [4] إلا أن المفهوم يعاد استخدامه والتكريس له بأشكال مختلفة لوصم النساء؛ فتشير ياسمين خرفي في مقالاتها الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة أن تصوير النساء في السينما والمسلسلات غالبًا ما تكون كشخصيات هستيرية أو غير عقلانية أو مبالغة في الدراماتيكية على عكس الرجال المتسمين بالاتزان والقدرة على ضبط مشاعرهم. [5]

الجنون

غلاف كتاب نلي بلاي الذي يحكي عن تجربتها في مصحة الامراض العقلية في نيويورك سنة 1887

لم يعر الناس اهتمامًا للنساء اللواتي زج بهنّ في المصحات العقلية والنفسية، حتى سلّطت نلي بلاي الصحفية الأمريكية الضوء على الحالة التي تعيشها النساء داخل تلك المصحات، حيث ادّعت الجنون سنة 1887 فتم ادخالها مصحة لمعالجة النساء من الأمراض النفسية في نيويورك وخرجت بعد ذلك بعشرة أيام فكتبت مجموعة من المقالات تحدثت فيها عن كيف كان يتم ربط النساء بحبال طوال اليوم، لا يُسمح لهن بالحديث أو التحرك. كنّ ممنوعات من القراءة أو حتى معرفة ما يجري في العالم الخارجي. أكدّت بلاي أن المعاملة القاسية التي تلقتها النساء هناك والطعام السيء كانا كافيين لجعل حالة الشخص العقلية والجسدية عبارة عن حطام خلال شهرين فقط.[6]

كان الطب النفسي والتحليل النفسي مجالا محتكرًا من طرف الرجال، لذا كان التحيّز بناء على النوع الإجتماعي واضحًا في التشخيص النفسي للنساء، فقد أشارت دراسة بروفرمان[7] إلى أن ما يفصل بين المرأة السليمة والرجل السليم هو بأن تكون الأولى "أكثر خضوعًا، أقل استقلالية، أكثر تأثرًا، أقل عنفًا، أقل تنافسية، أكثر عاطفية، أكثر اهتمامًا بالمظاهر، أقل حيادية، وأقل اهتمامًا بالرياضيات والعلوم..." وبالتالي فقد كان التشخيص مبنيا كليا على الأدوار الاجتماعية النابعة من النظام الأبوي. لذا كانت تُشخص بالجنون كل امرأة لم تتسم بتلك الصفات. بالمقابل نجد النظام الأبوي يسقط في ازدواجية المعايير، حيث توصم حتى النساء اللواتي توفرت فيهن جميع المعايير أعلاه لأسباب أخرى حسب ما تراه الأسرة و المجتمع. و بالتالي، فقد كانت كلمة "امرأة" تعتبر مرادفًا للاضطراب والجنون.[8]

تاريخ تطور النظرية

بدأ علم النفس النسوي كمجال رسمي في دراسات النساء وعلم النفس خلال سبعينيات القرن العشرين. في 1975، دمجت سيكولوجية النساء كموضوع خاص في المجلة السنوية لعلم النفس وشكل قسم في سيكولوجيا النساء في جمعية علم النفس الأمريكية APA.[9]. وكانت أهداف علم النفس الرئيسية هي تطوير الأدوات والمنهجيات المستخدمة في علم النفس وتطوير عدستها لتضمن مجالات أخرى تجاهلها علم النفس لعقود طويلة وإتاحة مجال للتركيز على دراسة القضايا الجندرية وتجارب النساء.

إلا أن النصوص نسوية في علم النفس كانت تميل إلى تعميم مفهوم القمع الجندري من خلال عدسة المعرفة الغربية وتفضيل مصالح البيض والطبقة المتوسطة والعليا والأشخاص أصحاب الهويات الجندرية المعيارية والتعامل مع الأشخاص من الجنوب العالمي باعتبارهم كتلة واحدة عاجزة وجاهلة. وبالتالي تم تهميش العديد من الأعمال المتعلقة بالتنوع في علم النفس النسوي؛ وأنتج خطابات استعمارية وتهميشية للنساء خارج نطاق المنطقة الأوروبية والأمريكية والنساء من الهويات الجنسية والجندرية والطبقات المختلفة، مما يجعلها تعيد إنتاج خطابات علم النفس السائدة والتي تدعي نقدها.[10] [11] على سبيل المثال، في مؤتمر جمعية علم النفس الأمريكية APA الأول عن النساء وعلم النفس في 1979، رفض المنظمون اقتراح عمل عرض تقديمي عن قضايا النساء المنتميات إلى أقليات عرقية، مما أثار الجدل ونتج عنه إضافة فصل عن النساء المنتميات إلى أقليات عرقية في الكتاب الذي أصدرته الجمعية بعد المؤتمر.


زاد خلال ثمانينيات القرن العشرين الاهتمام بتنوع تجارب النساء وتقاطع قضاياهن. فصرحت لجنة الرئيس المعنية بالصحة العقلية PCMH أن الآثار المترتبة عن التمييز الجنسي على الصحة العقلية تؤثر على النساء من جميع الأعمار والمجموعات المنتمية إلى أقليّات إثنية وعرقية وظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة، وبالتالي يجب أن تكون سياقاتهم أولوية عند وضع السياسات والبرامج التنفيذية. وفي 1984، دعم اللجنة مؤتمرًا طور فيه مجموعة من النساء المتنوعة خطة لصحة النساء العقلية تركز على الحاجة لتحليل الاختلافات التفاعلية في سياقات واحتياجات النساء باختلافاتهن، والتي تشمل على النساء المنتميات للأقليات الإثنية والنساء الأكبر سنًا والمثليات جنسيًا والنساء المصابة بأمراض عقلية مزمنة. وبالرغم من ازدياد أبحاث وكتابات النساء المنتمية إلى أقليات إثنية ومطالبتهم بإدماجها في التيار الرئيسي في تلك الفترة، إلا أن أغلب الكتب الدراسية المعنية بسيكولوجية النساء في تلك الفترة استمرت في التركيز على النساء البيض والمنتميات للطبقة الوسطى.[12]

أساليب البحث

ينطلق البحث النسوي من الفرضية بأن المرتبة المتدنية للنساء هي حصيلة الصيغ والقيم المجتمعية المتصلة بالبطريركية والامتيازات الذكورية، وليست بسبب الاختلافات البيولوجية انما بالتفسيرات المبنية على ذلك. ويوجّه نقدًا للأبحاث التقليدية في علم النفس التي تحتكر مصادر المعرفة وتحلل المشاركين والمشاركات من وجهة نظر ذكورية. المهم أيضًا هنا ملاحظة أن جميع منهجيات البحث الحالية المطبقة في مجالات البحث النفسي، الاجتماعي والأدبي تتمحور حول الهيمنة الذكورية.

الأبحاث التقليدية في علم النفس على وجه التحديد تقوم بتخطيط الأبحاث وتحليل النتائج بناء على هذه النظرية. وتقوم بتفسير النتائج من أجل الحفاظ على منظومة علاقات القوة والامتيازات الممنوحة للرجال. الدراسة القائمة على علم النفس النسوي تفحص القيم المجتمعية وكيفية تطبيقها. تفحص بشكل أدق هل الاختلافات الجندرية هي مفهومة ضمنًا أو أنها نتاج لهذه القيم المجتمعية. يحاول علم النفس النسوي تقديم تعريفات بديلة للقيم الاجتماعية والأدوار الجندرية من أجل ادراج النساء وتجاربهن، مبادئهن ورأيهن في الهيكلة المجتمعية للأدوار الجندرية في تحليل نتائج الأبحاث وعدم أخذها كمفهومة ضمنًا. لهذه الأبحاث دور مهم في تحريك الجمهور نحو التشكيك بالوضع القائم والتحفيز لإيجاد بديل.

النقلة النوعية في أبحاث علم النفس النسوي هي أنها أُنجزت من قِبَل ومن أجل النساء، وتعمل على البحث في نظام حياة النساء بعمق في حين أن باقي الأبحاث كانت تعالجه بشكل سطحي مع التقليل من قيمة الإهتمام الذي يستحقه، و تدّعي أبحاث اخرى أن النساء راضيات بالتقسيم المجتمعي للأدوار الجندرية. في حين توصلت أبحاث في علم النفس النسوي إلى أن النساء يعانين من مستويات أعلى من القلق والارهاق نتيجة للأعباء الكثيرة الملقاة عليهن.

أبحاث علم النفس النسوي لها أهداف مزدوجة- فمن جهة تعمل على تطوير معرفة جديدة تُدرج فيها تجارب النساء، ومن جهة أخرى تسعى إلى التغيير الاجتماعي. وهذا هو الاختلاف الجوهري بينها وبين الأبحاث التقليدية في علم النفس والتي سعت فقط إلى ايجاد تفسيرات علمية وأحيانًا ثابتة لتصرفات الأفراد. إضافة إلى ذلك، البحث النسوي يُدار ضمن أطر مبادئ وأفكار للتيارات النسوية المختلفة، ويسعى بالأساس إلى إضافة الطابع العملي للنظريات النسوية.

لا تدعي الباحثات في علم النفس النسوي بأن نتائج أبحاثهن هي حقيقة مطلقة ولسن مخوّلات بالحديث باسم كل النساء- الهدف الاساسي من تخطيط البحث هو فتح مجال للنقاش وللتشكيك في البنية المجتمعية والتفسيرات الجندرية المتفق عليها. النساء اللواتي يعملن في مجال البحث النسوي يأخذن بعين الاعتبار تعدد وجهات النظر النساء وتعدديتهن واختلافاتهن، وهن ملتزمات بإحضار وإسماع هذه الاصوات المتعددة. وهذه نقطة اختلاف اضافية بينها وبين الأبحاث التقليدية في علم النفس.

Judith Cook and Mary Margaret Fonow (1986) أسسن خمس اتفاقيات معرفية أساسية في أساليب البحث في علم النفس النسوي: وتشمل أوضاع النساء والفروقات الجندرية في أساس تنظيم البحث وتحليل نتائجه، وتؤكد أهمية رفع الوعي في هذه القضايا، وتعيد برمجة المصطلحات البحثية مثل "البحث الموضوعي" و"أخلاقيات البحث" وتكون نيّتها تمكين النساء وتغيير علاقات القوة وعدم المساواة.

في علم النفس النسوي، تكون الباحثة واعية للتحيزات الجندرية التي تعاني منها المشاركات. وتعترف بأن الأبحاث احيانًا والمشاركات آتيات من مؤسسات لا تزال تتسم بالبطريركية، وتكون أيضًا واعية للمكانة المتدنية للنساء. بناءً على ذلك، عند تخطيط البحث، تأخذ بعين الاعتبار علاقات القوة القائمة بينها –كباحثة لها كامل السيطرة على سيرورة البحث- وبين المشاركات اللاتي يعانين من التحيز ضدهن بشكل يومي بسبب التوزيع الغير متكافئ للقوى. وتحاول الباحثة قدر الإمكان أن تلغي علاقات القوى الغير متكافئة التي تنتج بينها وبين المشاركات من خلال خلق بيئة بحث حاضنة ومستقبلة تشعر فيها المشاركة بأمان حين مشاركتها المعلومات دون وجود أي تهديد من استغلال المعلومات ضدها. ومن جهة أخرى، تكون المشاركة أيضًا على دراية بماهية البحث، وتكون في موضع المعلم لها.

في أبحاث علم النفس النسوي تتوفر مجموعة واسعة من الأساليب -النوعية والكمية- للباحثات النسويات. بدلاً من التركيز على نوع البحث الأفضل، يتم خلال تخطيط البحث السماح لسياق البحث والهدف منه بتوجيه اختيار أدوات وتقنيات البحث. لا توجد طريقة أو استراتيجية واحدة للبحث النسوي. يجب أن يوجه الموقف أو السياق المعين الخيارات المنهجية، بدلاً من الثقة في الطريقة المناسبة لكل سياق وموقف.

الأدب والتحليل النفسي

عرضت أعمال أدبية عدة تواطؤ ومشاركة الطب النفسي السائد في تأديب النساء ووضع قيود على ما كان يعتبر نشاطًا عاطفيًا وجنسًا وفنيًا غير مقيد. سلطت سيلفيا بلاث، في روايتها The Bell Jar، التي نُشرت في الولايات المتحدة في عام 1971، بالإضافة إلى يوميات فرجينيا وولف المكونة من خمسة مجلدات (1977-1984)، الضوء على تجارب النساء مع المرض النفسي ورفع مستوى الوعي بالمخاطر التي تواجهها النساء بسبب الأبوية الطبية.

كما تتطرق فيرجينيا وولف إلى الطبيب النفسي القمعي في رواياتها. وتحديدًا، في السيدة دالواي، حيث أن "الشرير" هو السير ويليام برادشو، وهو طبيب نفسي يرى كل الأمراض الباطنية على أنها مجرد "نقص في التناسب" ويسيء التعامل مع انهيار إحدى شخصيات الرواية، السيدة سبتيموس وارين سميث. العلاج الوحيد الذي يطرحه برادشو هو حبس الناس، وبالتالي سلبهم من حقوقهم السياسية والوجودية. وتصوره وولف في كتاباتها كنوع من المحارب العسكري وتجسيد للاسبتداد. ونجد نظير برادشو في رواية "المدينة ذات الأربع أبواب" لـ دوريس ليسنغ، وهي روائية نسوية يسارية. وفي روايتها، تتحدث ليسنغ عن دكتور لامب، والذي يمثل نفس "الشر" الذي مثلته وولف في برادشو، وتضع ليسنغ انسانية دكتور لامب موضع التساؤل.

الكاتبة مي زيادة، والتي تم ادخالها إلى مصحة العصفورية للأمراض النفسية في لبنان

وفي رواية "جين اير" لشارلوت برونت، يلعب الراهب دور "طبيب نفساني" بديل. أما في روايات مارغريت اتوود، فنجد أن قوة الذكور، وتحديدًا أصحاب القوة، غير شخصية تمامًا، تتسجد في مجموعة من القمعيين تطلق عليها اتوود تسمية "الأمريكان". القاسم المشترك بين الروائيات المذكورات ورواياتهن، وذلك بحسب الباحثة باربارا هيل ريغني، أنهن يقدمن دراسات عن ضمير الأنثى المنسلب في مقابل المجتمع الذكوري/المرتكز على الرجل أو مقابل السلطة الذكورية المتمثلة برجل، وغالبًا ما يكون إما معالج نفسي أو روحاني. وفي كل الروايات نفسها، ترفض البطلات شخصية الأب، وبدرجات متفاوتة، يشرعن في البحث عن الأم. وتعطي ريغني مثالًا عن كيف ترى النسوية أدريان ريتش، في كتابها "ولدت امرأة"، كل النساء كمتلقيات للصدمات النفسية لكونهن حرموا من حب شخصيات من جنسهن، أي أنهن لم يتبنين المثلية كهوية أو كممارسة. وكذلك تشير ريغني إلى أن فيرجينيا وولف ودوريس ليسنغ ومارغارت اتوود، على وجه الخصوص، كتبن شخصياتهن المصابة بالفصام على أنهن شخصيات شبه دينية، أو قديسات، أو علماء يبحثن عن شكل من أشكال الحقيقة.

وسبق أن كتبت دوريس لسنغ أنه من "خلال الجنون والمتغيرات الجذرية غير المنتظمة، نجد الحقيقة". وكذلك تؤكد آتوود أن الرؤية والحقيقة تأتي بعد "فشل المنطق". وشخصية سبتيموس "المجنونة" في رواية فيرجينيا وولف تصبح فيما بعد قديسة. وحتى في جين أير، والتي تعد نتاج علم النفس ما بعد الحداثة، فإن المرأة "المجنونة" لها ما يبررها حتى في طريقة كراهيتها. وبالتالي، للكاتبات طريقة في وصف علاقة النساء مع الجنون والحالات النفسية كنوع من العلاقة الروحانية والأسطورية التي تتولد نتيجة قمع المجتمع وعدم محاولة "قواد" المجتمع الرجال من فهمهن. وفي هذا الإطار، تكتب فيليس تشسلر، في كتاب "المرأة والجنون":

ولعل النساء الغاضبات والحزينات في المصحات العقلية هن نساء الأمازون اللواتي عدن إلى الأرض بعد عدة قرون. وكل واحدة منها تجري بحثًا خاصًا وغامض عن الإنتماء - بحث أسميناه "الجنون".

وفي الأدب العربي، حاولت مي زيادة معالجة ما تعرضت له بعد أن أدخلها أقاربها إلى مصحة العصفورية للأمراض النفسية في لبنان، إلا أنها استطاعت اثبات سلامتها العقلية والخروج من المستشفى. ويظهر هذا بشكل أساسي في "كتابات منسية"، حيث قامت الباحثة الألمانية أنيتا زيغلر بجمع كتابات مي زيادة التي صدرت في أعوامها الأخيرة وهي تلقي ضوءًا جديدًا على حياة مي زيادة، خصوصًا العقد المأساوي الأخير منها. وفي 2019، كتبت باسكال غزالي ورقتها "البحث عن مي" ونشرها المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،[13] وتعمل حاليًا على إنتاج قصة مصوّرة عن مي زيادة بمساعدة منحة كتابية من آفاق.

العلاج النفسي النسوي

منهجيات علاجيّة ضمن نظريات وحركة علم النفس النسوي مبنية على الفلسفة السياسية النسوية وتحليل الجندر؛ وتعتبر أن العلاج النفسي هو بحد ذاته عمل ثوري يهدف إلى تمكين الأفراد من رؤية أنفسهم/ن كعناصر فعالة على المستوى الشخصي والمجتمعي والسياسي، وإلى تغيير مجتمعي. للإطلاع بشكل مفصل طالعي صفحة علاج نفسي نسوي.

كومكس كيف بيشوف الطب النفسي بلبنان العاملات الأجنبيات وكيف بشخصهم؟؛ رسم باسكال غزالي؛ نشر صوت النسوة.


مشاريع ومبادرات

أصوات نسوية في علم النفس

سيكولوجي فيمينست فيوسز (Psychology's Feminist Voices)، هو مشروع وفريق بحث مقرّه جامعة يورك في تورنتو، كندا وفيه عضوات وأعضاء في قارات مختلفة. يستعمل المشروع مقاربات نقدية تاريخية تقاطعية لتحليل ارتباط علم النفس بقضايا الجندر. [14] يقدّم المشروع أرشيف رقمي مفتوح بوسائط متعددة عبر الإنترنت يتضمن السير الذاتية لعالمات نفس قدمن مساهمات في مجال علم النفس كما لنساء في علم النفس النسوي كمجال بحثي منفصل. ويستعمل المشروع التاريخ الشفوي من خلال مقابلات مع عالمات نفس نسويات لتوثيق وحفظ واستكشاف العلاقة بين علم النفس والنسوية. المقابلات موجودة كفيديو عبر الموقع الإلكتروني كما أن نسخة نص PDF مفرغة منها متوفرة للتحميل.

ويشير المشروع في تقديمه للباحثات والطبيبات اللواتي ساهمن بإضافات مهمة لعلم النفس إلى أن البعض منهن لم يكن نسويات بالضرورة أو كن حتى معارضات لإدخال مفاهيم النسوية في علم النفس أو ربما من عنصريات و/أو ذكوريات. ويطرح أهمية الإضاءة على هؤلاء النساء، رغم ذلك، لأن مساهمات النساء عادة ما تلغى من التاريخ أو يقلل من أهميتها. كما يعرض لأهمية الحديث عن الماضي بتعقيداته المختلفة للتمكن من نقد الحاضر وكيف وصلنا إليه.

مبادارت وإصدارات من المنطقة

أصدر بودكاست فاصلة التابع للمشروع حلقة حول الصحة النفسية بعنوان العناية بالذات: فعل صراع سياسي في 2016. وأصدر البودكاست حلقة أخرى بالشراكة مع بث نسوي في 2019 حلقة بعنوان مجنونات وخوتات تُشرِّحن الصحة النفسية. وينشر مشروع التوت عن الصحّة النفسيّة باللغة العربيّة بشكل دوري.[15]

في 2020، أطلقت الناشطة يارا سلام مشروع حتى أقوى المقاتلات، المستلهم عنوانه من مقال لرنا جابر في مدى مصر بنفس العنوان. ويركز المشروع على موضوع الصحة النفسية والتعافي لمدافعات عن حقوق الإنسان في مصر وتونس من منظور نسوي تقاطعي. وأصدرت يارا كتاب بنفس العنوان في مارس 2020، ويهتم الكتاب بالصحة النفسية والإنهاك العام وانعدام الأمان المادي والتقدم في السن للنساء التي تشـابكت حياتهن مع الثورة في مصر وتونس.

أطلق التحالف الإقليمي للمدافعات عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حملة #هي_مدافعة 2020 وركز على مفهوم التعافي والصحة النفسية للنساء العاملات في المجال العام، وتحديدًا المدافعات عن حقوق الإنسان. ويرى التحالف أن التعافيَ والرعايةَ الذاتية ممارسات نسوية لا تتجزأ عن نضال النساء، فيشير في مقالة لماذا التعافي جزء من النضال؟ المنشورة ضمن الحملة:

"إنّ التعافيَ والسلامةَ يشكلان عنصرين أساسيين من الأمنِ والحماية، ويتطلبُ تحقيقُ ذلك قراءةً متأنية للسياقاتِ التي تعملُ فيها المدافعاتُ في المنطقةِ وتعرِّضُهن للعنفِ الأبوي في كلٍ من المجالين الخاص والعام كعقابٍ لعملهِن وهويتِهنّ الجنسيةِ والجندرية. وكذلك فهمُ آثارِ الاحتراقِ الذاتي على المدافعاتِ وصحتِهن وكذلك منظّماتِهن وحركاتِهن الاجتماعيةِ وسلامةِ البيئة التي يعملنّ فيها؛ إذ أنّ الجهدَ والاحتراقَ الذاتي يؤدي إلى إبعادِ المدافعاتِ عن عملِهن وعزلِهن عن حركاتهِن أو إلى عدمِ قدرةِ المدافعاتِ على الاستمرارِ بعملِهن وعدمِ وجودِ أي فرصةٍ لهن لإعادةِ شحنِ طاقاتِهن... وهذا لا يعني بالضرورة أن التعافيَ هو مسؤوليةٌ فرديةٌ حصراً، بل هي أيضاً مسؤوليةٌ جماعيةٌ لضمانِ استمرارِ العملِ وتحقيقِ أهدافٍ ورؤيةِ الحركاتِ الاجتماعيةِ عبر ضمانِ عدم ِ استنزافِ طاقاتِ وقوةِ المدافعاتِ اللواتي يشكلنَ هذه الحركات، وبالتالي احتمالِ خسارتِهن."[16]

طالعوا كذلك

مقالات

أفلام


مراجع

مصادر