وثيقة:النسوية الصحراوية وتهمة التغريب

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

240عنصورة
تدوينة
تأليف ايلوثيريا مسعود
تحرير غير معيّن
المصدر نحو وعي نسوي
اللغة العربية
تاريخ النشر 2020-05-18
مسار الاسترجاع https://feministconsciousnessrevolution.wordpress.com/2020/05/18/النسوية-الصحراوية-وتهمة-التغريب/
تاريخ الاسترجاع 2020-07-28
نسخة أرشيفية http://archive.vn/Gp92W



قد توجد وثائق أخرى مصدرها نحو وعي نسوي



يربط الوعي الجمعي الصحراوي النسوية والناشطات فيها بمجموعة من الاتهامات الوهمية، والتصورات والتفسيرات التي لا تخرج عن نطاق العاطفة (شيطانات، كائنات تهدد استقرار المجتمع، أفكار مستوردة، التطاول على الشرع والعادات والتقاليد). ورغم أن النسوية لازالت لم تجد طريقها بعد لشرائح واسعة من النساء الصحراويات نظرا لواقع التجهيل والتعتيم المُمنهج الذي نعيش فيه، والذي أنتج بدوره حاجزا يفصل بين المرأة وبين وعيها بمكانتها وقضاياها، إلا أن الحراك النسوي الصحراوي يعمل بشكل متواصل على اختراق هذا الجدار وربط المرأة بالإطار النظري النسوي لتفهم وتناهض السلطة الذكورية التي تعاني منها الأمرين. ومواصلة هدف النسوية التي تسعى رغم كل الصعوبات إلى تفكيك الآليات والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تسقط بكامل ثقلها وعنفها على كاهل المرأة الصحراوية.

هذا العزم وتحدي العراقيل الذي تعمل في ظله النسويات الصحراويات أنتج هجومات متكررة مؤسسة على كراهية النساء ورهاب النسوية، وعلى استخدام فزاعة التغريب تارة وتجييش النساء ضد النسويات تارة أخرى وصولا لمحاولة الإسكات بأن مناهضة واقع الاحتلال أهم من مناهضة الذكورية.

النسوية وتهمة التغريب

عند تفقد الخطاب الناشئ والمعادي للنسوية في المجتمع الصحراوي نجد تهما معلبة وجاهزة تتمثل في النظرة السطحية والدونية للنضال النسوي واتهامه بالتغريب وباستيراد القضايا والتشبه بالغرب وبأفكاره، التي تعارض حسب وصفهم القيم الدينية والثقافية للمجتمع، دون نقاش فعلي لما تطرحه النسويات من قضايا حقيقية تمس واقع المرأة الصحراوية التي أُسكتت لعقود لكي لا يعاد النظر في هذا التمييز والعنف والظلم.

ويعتمد هذا الخطاب من الذكوريين الخائفين بشكل خاص لشل حركة النسويات وقطع الطريق أمامهن وتوظيف فزاعة الدين للتخويف والتعتيم، فعندما تعي المرأة الصحراوية حقيقة وضعها وأن ما يزرع فيها بأن الوصاية والتحكم هو لمصلحتها وبأنها إذا تعرضت للعنف أو الاعتداء الجنسي فذلك بالتأكيد هي السبب فيها ربما ملابسها أو مكان تواجدها أو سلوكاتها… ستنهار السلطة الذكورية وتسقط امتيازات التحكم في النساء وممارسة السيطرة عليهن وهذا بالضبط ما لا يريده أصحابنا ممن يرمون تهم التغريب جزافا.

لنصل للسؤال المهم هل النسوية والنضال من أجل الحرية والمساواة ومجتمع لا ترتهن فيه النساء لأي كان هو أمر محصور بالغرب؟ وهل الاضطهاد والقهر وعدم الرفض خاص بالصحراويات؟

هذا الارتباط الوثيق بين السؤالين يعطينا الجواب أنه لا يمكن حصر الذكورية والقمع في رقعة جغرافية واحدة أو طبقة اجتماعية أو عرقية ولا حتى في ديانة واحدة، وأنه أين ما وجد القمع والسلب والسلطة على النساء يجب أن توجد حركة نسوية تستأصله وتقتلعه من جذوره. وبالرغم من اختلاف العديد من أهداف وقضايا النسويات حول العالم، بسبب اختلاف بلداهن وثقافتهن إلا أنهن يتوحدن في مواجهة جميع أشكال وطرق القمع والتمييز والهيمنة الذكورية من خلال النظرية والنضال النسوي.

فالنسوية الصحراوية لا تزيف قهر النساء لكي تحقق مصالح شخصية أو تخدم أجندة معينة إنما تخاطر بحياتها وأمنها لكي تكسر حلقة الصمت المفروضة منذ عشرات الأجيال.

وليست قضايا كالعنف الجسدي أو الرمزي أو الجنسي شيئا مستوردا، وحق المرأة في المساواة وتغيير موقعها الذي يحصرها في خدمة مصالح الرجل والمطالبة بامتلاكها لمصيرها وألا تكون حقوقها منها التعليم والعمل والسفر والخروج والمظهر والقرارات المصيرية في يد شخص سواها هذا كله ليس حكرا على الغرب، وإلا لقلنا أن من يطالب بحرية أرضه وتقرير مصير شعبه أو يطالب بحقوق المواطنة ينشر أفكار الغرب! هذه مقارنة مزعجة أليس كذلك؟ هذا بالضبط ما نستغربه كنسويات وكأنكم بتهمكم هذه تعتبرون أن طبيعة المرأة الصحراوية هي رفض أي ظلم إلا ما يقع عليها.

هل ترفض المرأة النسوية قصدا؟

سرعان ما تحولت كلمة نسوية إلى خطر يهدد قواعد السلطة الأبوية بجميع مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية ويهدد هيمنتها وتزييفها لواقع النساء. ولكي يقطع الطريق أمامها كان لابد أن تستبدل العقول الذكورية دلالتها ومعناها كنضال سياسي وفكري وتحصرها في دلالة وصمية وتربطها بأشياء غير فعلية كانتشار الفساد وفرض حياة قسرية على المرأة. كما استخدمت الذكورية أدوات التخويف ليُفصَل بين النساء والمد النسوي.

وهو ما يجعلنا نتساءل قليلا هل أدوات التحليل التي توظفها المؤسسات الأبوية المشار إليها أعلاه لا تملك سوى تلفيق الإشاعات وخلق المغالطات عن الفكر النسوي أيثبت هذا افتقادها لطرق عقلية وعلمية للنقاش والانتقاد؟ وهل تحريف نظرية قائمة على الحقائق المدروسة والأدلة والبراهين الملموسة سيجعلها فعلا تتوقف؟ ألم تتعلم هذه المؤسسات ومن يستفيدون من امتيازاتها من الرجال من تاريخ النضال النسوي العالمي وأنه مهما تم وضع النساء أمام بعضهن لابد وأن يجدن طريقة للاتحاد ومواجهة ظلمهن، فإذا كانت المرأة التي لم تصل للوعي النسوي بعد مقتنعة بكل مغالطات الذكورية التي تجعلها ترفض النسوية فإن النسويات أنفسهن مدركات للوضعية التي هي فيها لأنهن ناجيات منها وسيساعدنها على تخطيها مهما كلفهن ذلك من خسائر شخصية كالتعرض للهجوم والتكذيب والنبذ.

فالنسوية أضاءت وعينا حول وضعية القهر التي تفرض علينا منذ ولادتنا والتي تتخذ أوجها متعددة، تبدأ من خلال التنشئة الذكورية التي تزرع فينا فكرة دونية وخضوع المرأة أمام قوة وسلطة الرجل، ونتحمل إثر ذلك وزر زيف قيم المجتمع القائمة على جعلنا مخطئات دائما وعلينا الطاعة لكي لا نتهم بالخطايا التي لا تغفر. تُغرس فينا قيم الخضوع، ونُشحن بأساطير وخرافات تجعلنا نتصور أن المرأة أقل بالطبيعة: ضعيفة وتحتاج لسند ولمن يدلها على الصواب لأنها ناقصة عقل ودين. تم إشباعنا بأفكار ذكورية منذ قرون لكي يظل المضطهد محافظا على ديمومة هيمنته وسلطته.

فالنظام الأبوي كما تقول بيل هوكس “مثل أي نظام للهيمنة، يقوم على التنشئة الاجتماعية والاعتقاد بأنه دائما توجد فئة أعلى تتحكم بحياة فئة أدنى وبالتالي يصبح من الطبيعي وجود فئة حاكمة بشكل مطلق واستبدادي “. فبالتالي تكون النساء كفئة مستضعفة يعتقد أن موقعهن الاجتماعي الأدنى هو الشيء الطبيعي ويعتقدن بتفوق الرجل وشرعية سيطرته عليهن وتبعيتهن له ويتم إثر ذلك حصرهن في القوالب التقليدية التي تم تشكلها من كافة أنواع التمييز والقمع والاضطهاد الممنهج دون أن ينتبهن لخلل هذا النظام ولا عدالته.

ويقوم تنميط وعي النساء هذا بدور فعال يخدم مصالح الأبوية من خلال جعلهن مجرد مخلوقات معبئة بالحقد واستبطان وتطبيع الأفكار الذكورية، يتم تحريضهن ضد بعض وجعلهن أكثر ارتباطا وتشبثا وتكيفا إزاء وضعية القهر التي تُفرض عليهن. ويُستدمجن بعنف رمزي مليء بالصور النمطية والتمثلات التي أرستها الأبوية لعل أبرزها “المرأة عدوة المرأة” التي تم تأصيلها في عقولهن لتبدأ الحروب والمواجهات والمقارنة بينهن والصراع في ثنائية معايير المثلنة/التبخيس.

ولا شك أن رفض الفكر النسوي لا يخرج عن خانة هذه الثنائية، فالنساء اللواتي يقمن بوظيفة الدفاع عن وضعية القهر ( antifeminism) ويخضعن لها الخضوع التام يرجع لهذه القيم الذكورية التي شبعتهن بكره النفس وعدم الثقة بالأخريات وفصلتهن عن قضاياهن الجماعية وحصرتهن في العيش من أجل مصالح ذاتية أو تقديم مصالح للرجال، لذلك لا تهتم الأغلبية لخطورة العنف أو الاضطهاد إن لم يقع عليها بل وتنكره وفي حالات كثيرة تكون ضحايا التمييز والعنف أنفسهن غير مهتمات برفضه لأنهن غير واعيات برمزيته أو أنه يشكل جريمة من الأساس، فمن غير الممكن أن يكن واعيات بشكل كامل لكره النساء العنيف المتغلغل في الثقافة، والمجتمع والعلاقات الشخصية دون أن يرفضنه حتى وإن كان ذلك سرا.

نساء حرة من أجل صحراء حرة

في الوقت الذي يرزح الشعب الصحراوي تحت الاحتلال المغربي والتهميش والإقصاء والعنف إلا أن هذا لا يمنعه من نهج نفس السياسة بشكلها المادي والرمزي على المرأة التي يروج عنها التمتع بكل الحقوق والاحترام والمكانة وحريتها في تقريرها مصيرها، وهو خطاب لا نحتاج الكثير لتبيين زيفه حيث نجد أشكالا متعددة من الاخضاع للنظم البطريركية، سواء في الجوانب الاجتماعية والثقافية أو الاقتصادية والسياسية.

ويمكن لمس حقيقة وضعية القهر التي تعيشها المرأة الصحراوية من خلال الاستماتة التي يقوم بها المجتمع لقمع أي تشكل لوعي النساء خارج قيمه التي تزيف وعيهن، فتصبح الاعتداءات والعنف والتحكم في أبسط جزئيات الحياة وحرمان المرأة من أبسط حقوقها، جزءا من العادات والدين ولا يجوز لها التشكيك فيها أو نقدها لكيلا تتهم بالتغريب والكذب. ولابد أن هذه الفزاعات قد نجحت لقرون طويلة في إسكات النساء وفي ترسيخ سلطة أي رجل عليهن داخل المنزل وخارجه. فمن الأخ والأب للجار وللرجال الغريبين في الشارع أو في وسائل التواصل الاجتماعي يتم الوصاية على حياة ومصير وشكل المرأة وتعطى لها التعليمات عن كيفية التصرف ويراقب كلامها بالمسطرة الذكورية لكي لا تقول ما يسيء لسيطرتهم ويكشف عنف هذا المجتمع وتمييزه ضد النساء.

وهنا تصبح الشعارات الثورية التي دفع الشعب الصحراوي من أجلها الغالي والنفيس مثل الحرية والعدالة والنضال، معطلة وناقصة ما دام أنها لا تؤثر بشكل فعلي أو تتغاضى عن مظاهر اللامساواة والتمييز داخليا، فلا يمكن لأي مجتمع أن يتحرر بدون تحرر نساءه، ويجب أن تكون حياة المرأة ومصيرها خاضعة لإرادتها الخاصة بدل سلطة الأسرة، والتقاليد، والدين أو الإكراه الاجتماعي. وتكون قضايانا كنساء قضية مركزية ينظر لها نظرة شاملة في أبعادها المتعددة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نضال جذري وشاق يحدث ثورة ثقافية وفكرية وسياسية ووعيا بالمنظومة الأبوية المتشابكة في الاضطهاد والقمع.