وثيقة:عطايا المهبل

من ويكي الجندر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Emojione 1F4DC.svg

محتوى متن هذه الصفحة مجلوب من مصدر خارجي و محفوظ طبق الأصل لغرض الأرشيف، و ربما يكون قد أجري عليه تنسيق و/أو ضُمِّنَت فيه روابط وِب، بما لا يغيّر مضمونه، و ذلك وفق سياسة التحرير.

تفاصيل بيانات المَصْدَر و التأليف مبيّنة فيما يلي.

Circle-icons-document.svg
مقالة رأي
تأليف نبيل القط
تحرير غير معيّن
المصدر زائد18
اللغة العربية
تاريخ النشر 2015-06-13
مسار الاسترجاع http://www.za2ed18.com/د-نبيل-القط-يكتب-عطايا-المهبل/
تاريخ الاسترجاع 2017-12-12



قد توجد وثائق أخرى مصدرها زائد18



نعم.. ليس لدي عضو أنثوي كي استطيع أن أفهم ما تمر به الأنثى المغتصبة من مشاعر جسدية ونفسية، هذا هو ما واجهته مع نفسي عندما التقيت فتيات التحرير اللاتي تعرضن لاغتصاب جماعي وعلى مدى زمني ومكاني ممتد في العام ٢٠١٣، رغم محاولاتي وجلساتي الطويلة معهن وتتبعي لأماكن الانتهاك ومقابلاتي مع من شهدوا ذلك في ميدان التحرير والشوارع المحيطة به، كان دائما هناك شيء ناقص وهو أنني بلا مهبل مثلهن يمكن أن يتعرض لما تعرضن له.

كطبيب نفسي أعرف أنني إذا أردت أن أساعد شخصا يعاني، أي أمارس معه العلاج النفسي، علي أن أضع نفسي مكانه، وذلك لكي أفهم مشاعره بدقة وبدون تحيز، ويتم ذلك من خلال آليات محددة وهي تفريغ النفس مما يشغلها وتخيل ما يعاني منه الشخص، إما باستدعاء خبرات مشابهة من حياتي الشخصية أو حياة آخرين أعرفهم وعايشت خبراتهم، فإذا لم أجد يمكنني أن أتخيل نفسي في مكان هذا الشخص، وهذه العملية كلها هي أولى مراحل العلاج النفسي وبدونها لن يتم، وتسمى المواجدة (empathy). في حالة البنات المغتصبات، لم أستطع أن أتخيل ووجدت أنني افتقد الجرأة على تخيل أنني امتلك مهبلا يتأذى ويقتحم، وكنت أرتعب عندما أتخيل مجرد تخيل أن هناك مهبلا أسفل بطني، واستدعيت مفهوم فرويد عن عقدة الإخصاء (Castration complex)، وهي أن الذكور في مراحل النمو الأولى يعتقدون أن الإناث كانت لديها أعضاء ذكرية، وتم قطعها كعقاب للتأديب وبالتالي هم يخافون من أن تقطع أعضاؤهم كما قطعت أعضاء الإناث ويصيرون بلا قضبان كالإناث، وكان هذا هو تفسير فرويد الأساسي من قلق الذكور تجاه المهبل.

كانت زوجتي نادين شمس تشفق علي بطريقتها الهلعة، لأن أعضائي (القضيب والخصيتين) يمكن أن تتأذى بسهولة وهي في الخارج، هكذا (في الشارع كما تقول)، على عكسها وبعكس أعضاء الإناث المختفية داخل البطن كالمبايض والمحمية أو غير البارزة كالمهبل، وفي نفس السياق قالت لي إحدى المريضات أنها بكت شفقة على خصيتي أخيها عندما قرأت أن الخصيتين تتدليان هكذا هربا من درجة حرارة البطن، وإلا ضمرت وتحولت إلى خلايا سرطانية.. أي أن البنات يستطعن التفكير في أعضاء الذكور بعيدا عن الجنس وكموضوعات منفصلة يخشى عليها من العطب، بينما يجد الأولاد صعوبة في التفكير في المهبل بعيدا عن الجنس أو كموضوع للتندر والسب أو القلق والغموض والخوف.

عملت كطبيب في توليد النساء، لكني لم أفكر في المهبل على هذا النحو من قبل، كان يمثل لي مهمة تنتهي باستقبال رأس الجنين وإجراء شق في المهبل لتسهيل الخروج ثم رتق هذا الشق.

بعد تلك الحوادث العنيفة، بدأت في التفكير في المهبل ليس كموضوع للمتعة، وليس كموضوع للعمل، وإنما كموضوع للتمثل، ماذا لو كنت أنثى ولي عضو أنثوي؟ ما الذي كنت سأشعر به وكيف سأشعر إذا تعرضت للاغتصاب، ومن ثم خضت تجارب مع نفسي ومع أصدقائي ومع زملائي أثناء جلسات التدريب الخاصة بالعلاج النفسي، كما أنني ولظروف شخصية لغياب نادين في العام ٢٠١٤ اقتربت بشكل لم يسبق لي من مجموعات من النساء الرائعات، ساندوني وحموني من الانهيار، ودعموني بقوة، قربتني تلك التجارب كثيرا وساعدتني في فهم بعض المشاعر وممارسة المواجدة مع عميلاتي المنتهكات جنسيا، لكن رؤيتي الإنسانية والمعرفية في الحقيقة اختلفت ليس فقط فيما يخص الاغتصاب والتحرش، لكن فيما يخص القضيب والمهبل و الأنوثة و الذكورة.

جميعنا – ذكورا وإناثا- نمتلك في البداية أعضاء أنثوية بدائية التكوين، ثم يتحول البعض ممن سيصبحون ذكورا وبسبب نقص ما في كروموزوم واي التافه والمشوه باتجاه مختلف، ويستمر تطور أعضاء الإناث في الاتجاه الذي نعرفه من وجود شفرتين خارجيتين وشفرتين داخليتين وأنبوب مرن هو محل اهتمام الذكور، منه يخرج دم الحيض وتخرج الأجنة وعن طريقه تصل الحيوانات المنوية إلى المبايض، وأعلى الأنبوب هذا أنبوب آخر اصغر يخرج منه البول لكنه لا يصلح للاستعمال الجنسي وفي الأعلى تماما يقف البظر وهو محل المتعة والإثارة عند النساء وتقطعه كثير من الشعوب لحرمان إناثها من المتعة، أما عند الذكور فإن هذا البظر يستطيل ليكون قضيبا وتنغلق الشفرتان لتضمان الخصيتين اللتين هربتا من ارتفاع درجة حرارة البطن على عكس المبايض القوية التي تفضل البقاء في الحماية الداخلية لأنسجة البطن الدافئة.. بسبب ذلك التركيب المتعدد الوظائف يتغير شكل المهبل وحجمه من امرأة لأخرى، ولأنه يحفل بوظائف كثيرة مثل التبول و الحيض والجنس والولادة، فأنه يتعرض لأعطاب كثيرة، ويقوم بتنظيف نفسه بنفسه أولا بأول وإصلاح أعطابه، فمثلا بعد أن يتمدد ويتسع أثناء الولادة ليسمح بمرور جنين بوزن ثلاثة كيلوجرامات أو أكثر، يكون قادرا على تنظيف نفسه بنفسه ورتق الأنسجة المتمزقة بدون تدخل خارجي في أغلب الأحيان، وإذا حدثت مشاكل فإنها تأتي من خارجه كضيق عظام الحوض مثلا، وفي كل شهر وبعد انتهاء فترة الحيض يقوم بتنظيف نفسه وتجهيز نسيجه وضبط التوازن الحمضي القلوي استعدادا لاستقبال الحيوانات المنوية.

على عكس الذكر الذي لا يمتلك إلا قضيبا يمارس به متعته، هناك البظر الذي يماثل القضيب عند الذكور، ثم الأنبوب والشفرات وعمق الأنبوب وكلها لها نشوتها الخاصة، وفي حين ينهار القضيب بمجرد القذف، فإن المهبل يستمر في العمل، وقادرا على إنجاز المزيد والمزيد من الممارسات الجنسية، وهكذا يمنح القضيب للذكور نوعا واحدا من المتعة، بينما يمنح المهبل للإناث على الأقل أربعة أنواع، وقد سجلت نشوة أخرى عند بعض النساء، وهي نشوة الولادة. كما تقف مهمة القضيب في تسريب البول والحيوانات المنوية، وأحيانا كثيرة يفشل في ذلك ويعجز عن أداء مهمته، بينما يعمل المهبل على تفريغ الرحم من دم الحوض وبطانة الجنين الذي لم يأت وإيصال الحيوانات المنوية إلى المبايض حتى لو لم يرغب في ذلك، ويعمل كمعبر آمن لكل إنسان من حياه الرحم إلى حياة الواقع، يبقى المهبل أنبوبا مغلقا مطمئنا لا يزعج ولا ينزعج، حتى يبدأ في العمل، فينتفخ إذا اطمأن ورغبت صاحبته، وكذلك يتسع أضعاف حجمه لتعبر منه أعظم الرؤوس في لحظة فارقة وإعجازية هي لحظة الولادة.

اعتقد فرويد بثقافته الذكورية الفيكتورية بمركزية القضيب في التطور الجنسي للذكور والإناث على السواء، واعتبر أن التطور الجنسي والنفسي للمرأة يمر عبر اكتشافها أنها لا تملك قضيبا مثل الذكر وتشعر بالنقص لعدم وجود قضيب لديها، وأسمى ذلك الشعور حقد القضيب (Penis Envy). وبالتالي تسعى للحصول على قضيب من خلال حبها لرجل لتحصل على قضيبه، وسواء فسرنا حقد القضيب الفرويدي تفسيرا حرفيا، بمعنى افتقاد المرأة إلى قضيب بين فخذيها، أو فسرناه تفسيرا مجازيا، والذي قد يشير إلى شعور النساء عموما بالنقص في عالم يحتفي بالرجال ويعلي من شأنهم على النساء، مما يستدعي حقد النساء على الرجال ورغبتهن الدفينة في التحول إلى رجال، فإن فرويد أهمل وجود البظر وركز على الممارسة الجنسية التقليدية بين رجل وامرأة، وركز على الأنبوب المهبلي ومقابله القضيبي، ولم ينتبه لتعددية المهبل من الناحية التشريحية والوظيفية، على عكس أحادية وبساطة القضيب، مما عرضه لنقد شديد من زملائه علماء النفس التحليليين ككارن هورني (Karen Horney) و علماء النفس النسويين، بل إنهم طوروا نظرية مضادة اسمها حقد الرحم ( Womb Envy).

ربما بسبب تعددية المتعة تلك وإمكانيات المهبل الوظيفية، تم الاعتداء عليه بانتظام، إما بتحقيره أو تجاهله أو إخفائه، وإما بتدميره عبر عملية بشعة اسمها الختان، تتم عند أقدم شعوب الأرض على امتداد حوض النيل والمناطق المحيطة به، أبسط صورها يجري عبر قطع البظر، وفي صورها الأعلى، تتم بقطع الشفرات وخياطة ما تبقى منها وترك فتحة للبول وفتحة لدم الحيض، كذلك يتم الاعتداء عليه بالتحرش والاغتصاب، وقد كنّا نندهش عندما نعرف أن أحد المعتدين طعن إحدى الضحايا في مهبلها بسكين! ما الذي يعود عليه من ذلك التصرف البشع؟! وفي مصر يتم سب الرجل على أنه “مهبل أمه”، وفي سوريا ولبنان يسب على أنه “مهبل أخته”، وفي الغرب يسب على أنه هو شخصيا “مهبل” أي ضعيف، وفي مصر أيضا نقول للمتراجع أو المتردد (أنت بتكسكس)، وتُربى البنات على الجلوس وأرجلهن مضمومة لمزيد من التخفي، رغم عدم تعرض أعضائهن أو ظهورها، بينما يجلس الرجال وأرجلهم مفتوحة مع تعرض أعضائهم وبروزها؛ ولذلك أتصور أن الحقد الحقيقي ليس هو حقد القضيب عند الإناث، وإنما هو حقد المهبل لدى الذكور (vagina envy).

حقد المهبل الذي يعاني منه الذكور هو حقد وخوف من قوة المهبل وسكونه وبعده وغموضه وعدم قدرتهم على وضعه تحت السيطرة، إنه الحقد الذي يجعلهم يسبونه ويحتقرونه ويرغبون في امتلاكه وتحطيمه أو انتهاكه، إنه الحقد الذي يعطي للمهبل قوة سحرية وغامضة تخيف الذكور، ولابد أن نذكر هنا القوة السحرية لدم الحيض واستخدامه الشعبي في الأعمال والسحر، كذلك التعامل مع دم الحيض على أنه دم نجس، والاغتسال بعد الجنس لإزالة النجاسة.

من المحتمل أن حقد المهبل وليس حقد القضيب، هو الذي يدفع كثيرا من الرجال إلى الحصول على أعضاء أنثوية أو يشمئزون من أعضائهم الذكورية أو يرغبون في في تغيير هوياتهم الذكورية إلى هويات إناث، فمقابل كل إمرأة تسعى إلى إجراء عملية تحول جنسي لتغادر أنوثتها وتصير رجلا بقضيب، هناك ثلاثة رجال يسعون ليجرون عمليات لإزالة قضبانهم وخصيهم واكتساب مهبل، لينضمون إلى جنس الإناث في الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن حقد المهبل ليس حقدا حديثا، فقد احتفت الشعوب القديمة بالقضيب وأفردت له المنحوتات ورمزت إليه بآلهة محددة، في حين تجاهلت المهبل ولم تظهره إلا مقرونا بالقضيب الذي يدخل فيه. ويعد القضيب رمزا قوميا ودينيا مقدسا في دولة بوتان (Bhutan) التي تقع بين الهند والصين.

يمتلك المهبل قدرات تخيف الذكور، إما بسبب الضعف أو بسبب الرغبة في السيطرة أو الجهل بوظائف المهبل وتعدديته، ورغم أننا جميعا مررنا من هناك، مازلنا نحتاج إلى الإنصات إلى صوت المهبل داخلنا، لنتعلم أن نحترمه ونشعر به ونتعاطف معه ونحميه.