عنف توليدي

العنف التوليدي(أيضا: عنف خلال الولادة) عنف قائم على أساس الجندر تمارسه المؤسسة الطبية تجاه النساء الحوامل خلال مرحلتي الحمل والولادة. يشمل هذا العنف مجموعة من الممارسات منها تعنيف الحوامل جسديًا ولفظيًا، حرمان الحوامل من العلاج أو التدخل الطبي العاجل، وانتهاك الخصوصية، وحرمانهن من الدعم النفسي، وعدم تزويدهن بالمعلومات الطبية الكاملة المتعلقة بوضعهن الصحي وصحة الجنين. كما يشمل الإهمال الطبي، وفرض إجراءات طبية أو جراحية تؤدي إلى آثار جسدية دائمة بدون استشارة الحامل مسبقًا أو الحصول على موافقتها أو بعد تضليلها بمعلومات غير دقيقة، أو دون وجود ضرورة طبية لهذه الإجراءات. (بالإنجليزية: Obstetric Violence) {{#set:دلالة=عنف قائم على أساس الجندر تمارسه المؤسسة الطبية تجاه النساء الحوامل خلال مرحلتي الحمل والولادة. يشمل هذا العنف مجموعة من الممارسات منها تعنيف الحوامل جسديًا ولفظيًا، حرمان الحوامل من العلاج أو التدخل الطبي العاجل، وانتهاك الخصوصية، وحرمانهن من الدعم النفسي، وعدم تزويدهن بالمعلومات الطبية الكاملة المتعلقة بوضعهن الصحي وصحة الجنين. كما يشمل الإهمال الطبي، وفرض إجراءات طبية أو جراحية تؤدي إلى آثار جسدية دائمة بدون استشارة الحامل مسبقًا أو الحصول على موافقتها أو بعد تضليلها بمعلومات غير دقيقة، أو دون وجود ضرورة طبية لهذه الإجراءات.}} {{#set:مرادف=عنف خلال الولادة@ar}} {{#set:مرادف=Obstetric Violence@en|+sep=،}} {{#set:ذات صلة=عدالة جنسية وإنجابية، عنف جندري، عنف جنسي|+sep=،}}

يمكن تتبع انتهاكات الولادة وهيمنة النموذج الطبي الحيوي إلى التاريخ الطويل لذكورة مهنة الرعاية الصحية واحتكارها، وهو ما انتشر وتكرّس عبر الاستعمار [1]. فتُكرس السلطة الطبية لاعتبار الحمل والولادة كحالات مرضية وطبية طارئة تستلزم التدخل الطبي، بدلًا من التعامل معهما كعمليات فسيولوجية طبيعية واجتماعية وثقافية غنية. وأسهمت أيديولوجيات راسخة قائمة على التمييز الجنسي والعنصرية والاستعمار في تشكيل فهم ذكوري ناشئ للصحة، ومنحت العاملين الصحيين موقع السلطة بوصفهم الفاعلين المعتمدين في تقديم الرعاية و"الشفاء" والمعرفة. وتم إقصاء النساء والمجموعات الأصلية المهمشة من كونهن ممارسات شرعيات للرعاية ومصادر للمعرفة في مجالات الصحة والشفاء، مما أدى إلى ما وُصف "باستعمار الرحم" والتحكم في أجساد النساء الحوامل وعملياتهن الإنجابية [2].

تعريف وممارسات العنف التوليدي

يُطلق مصطلح العنف التوليدي على انتهاكات عنيفة قائمة على الجندر كانت غير مُسماة سابقًا وغير معترف بها على نطاق واسع، وهي العنف والإساءة أثناء الولادة في أماكن الرعاية الصحية.

من منظور نسوي نقدي، يشمل العنف التوليدي مجموعة واسعة من انتهاكات السلامة "الظاهرة" و"الخفية"، في سياق الرعاية قبل الولادة وأثناءها وبعدها. فتشمل الاعتداء الجسدي، والتدخلات الطبية الضارة، والعنف اللفظي، والإهانة، كما تشمل على التدخلات الطبية،الدوائية والجراحية، غير الضرورية التي تقدم بوصفها علمية، كإلزام النساء بوضعيات معينة أثناء الولادة، أو حرمانهن من الطعام والماء، أو الاستخدام الروتيني القسري لشق العجان وتضييق المهبل [3].

ويتسع مفهوم العنف التوليدي في بعض الأدبيات للإشارة إلى جميع الانتهاكات التي تحدث أثناء الرعاية الصحية الإنجابية، وليس أثناء عملية الولادة نفسها فقط، مثل الممارسات العنيفة التي يتعرض لها الأطفال الخدج وحديثو الولادة في الحضَّانات ووحدات الرعاية المكثفة، والممارسات العنيفة والتمييزية في عيادات الإجهاض، بالإضافة إلى حرمان الأمهات العاملات من إجازة الوضع والأمومة. وبالرغم من أن هذه الانتهاكات عنيفة وبعضها عنف مباشر ضد النساء أو عنف على أساس الجندر، إلا أنه يرى البعض أن ضمها تحت مظلة العنف التوليدي يحوله إلى مفهوم مُعمَّم بشكل مفرط، مما يجعل من الصعب تفعيله في جهود الإصلاح الاجتماعي والقانوني. ويسعى هذا الرأي إلى التركيز على موضوع هذا العنف وهو المرأة الحامل، أو الأشخاص العابرة جنسيًا أو غير الثنائيين الذين يمرون بعملية الولادة. [3]

يمكن تفصيل انتهاكات العنف التوليدي إلى 10 أنواع رئيسية:

  1. الاعتداءات الجسدية والتعنيف اللفظي.
  2. العنف الجنسي.
  3. إجراءات طبية قسرية أو غير ضرورية.
  4. تقديم خدمات طبية دون مراعاة للخصوصية.
  5. التمييز بناءً على خلفيات وصفات معينة.
  6. الإهمال والحرمان أو التقصير في تقديم الخدمة الطبية.
  7. الاحتجاز داخل المؤسسة الصحية.
  8. تحديد وضعية الولادة قسريًا.
  9. الحرمان من المرافق.
  10. الفصل بين الأم والطفل بعد الولادة.
1) الاعتداءات الجسدية والتعنيف اللفظي

يُعدّ هذا الشكل من أكثر الممارسات "وضوحًا" وانتشارًا، ويظهر بشكل خاص خلال الولادة الطبيعية. حيث تتعرض نساء حوامل في مختلف أنحاء العالم لأشكال من العنف الجسدي داخل غرف الولادة، بما في ذلك التقييد على الطاولة لمنع الحركة، والضرب أو الصفع لإسكاتهن [4]، أو القرص بهدف إجبارهن على فتح الساقين أو "تسهيل" إجراءات الفحص الطبي. في بعض الحالات، يُبرّر بعض مقدمي الرعاية هذه الممارسات خلال المرحلة الثانية من الولادة لتوفير رؤية أوضح للمنطقة التناسلية. كما تورد شهادات أخرى تعرض النساء للضرب بسبب الصراخ من الألم أو بسبب النزيف وتلويث أدوات أو ملابس الطاقم الطبي. في مصر، روت طبيبة عن شهادتها لتعدي إحدى الطبيبات جسديًا على امرأة حامل بالضرب لإسكاتها وهي في حالة ذعر وألم شديدين أثناء الولادة [5].

كما تتعرض النساء الحوامل للتعنيف اللفظي والذي يشمل على: الصراخ والشتائم والإهانات اللفظية من الأطباء وطاقم التمريض. وفي بعض الحالات يصل الأمر إلى التهديد بالضرب والاعتداء، أو استخدام أدوية مخدرة، أو إرسالهن قسرًا إلى غرفة العمليات من أجل إجراء جراحة قيصرية.

2) العنف الجنسي

يمكن تعريف العنف الجنسي في سياق الولادة بأنه انتهاكات أو ممارسات مؤذية ذات طبيعة جنسية قد تتداخل مع الفحص الطبي، لكنها تتجاوز الضرورة الطبية أو تتم دون رضا المرأة. يشمل ذلك إجراء فحوصات مهبلية متكررة خلال المخاض دون مبرر طبي أو دون موافقة، أو تكرارها من قبل أشخاص متعددين رغم الرفض، أو إجراؤها دون تغطية أو استئذان مسبق، إضافة إلى إجبار المرأة على التعري دون حاجة طبية قبل إجراء الفحوصات. وتشير بعض الشهادات إلى ممارسات إضافية مثل إخفاء هوية مقدّمي الرعاية الفعليين عن النساء الحوامل وإخبارهن أن من سيقمن بالولادة طبيبات نساء أو ممرضات، ليتفاجأن لاحقًا بوجود أطباء ذكور، إضافة إلى حالات يتم فيها التنقل بين النساء أثناء المخاض لاختيار من سيقوم بتوليدها[6]، كما أن بعض النساء قد أفدن بتعرضهن للاغتصاب خلال الفحوص الطبية في مرحلة الولادة حيث يقوم الطبيب بإيلاج أصابعه داخل المهبل [7].

ويُشير هذا السياق إلى صعوبة التمييز بين الفحص الطبي والعنف الجنسي بسبب طبيعة الولادة التي تتطلب تلامسًا مباشرًا مع المنطقة التناسلية، إلا أن هذا التداخل لا ينفي إمكانية وقوع اعتداءات أو تحرش، خصوصًا عندما تُمارس الإجراءات بطريقة قسرية أو مهينة أو خارج إطار الموافقة والضرورة الطبية. يستدعي ذلك تطوير إطار مفاهيمي يحدد أشكال العنف الجنسي أثناء الولادة. كما أن غياب هذا الإطار قد يسهم في ندرة المعلومات الموثقة عن حالات التحرش والعنف الجنسي أثناء الولادة.[8]

3) إجراءات طبية قسرية

ينزع الأطباء وممارسو العمل الصحي الوكالة عن الحامل ويتعاملون معها بوصائية وباعتبارها غير قادرة على اتخاذ قرار مناسب بخصوص صحتها. يظهر ذلك في تنفيذ إجراءات طبية، جراحية ودوائية، بدون استشارتها أو أخذ موافقتها المسبقة، وفي بعض الأحيان يُستشار أحد ذويها -الزوج أو الأب- دون إعلامها بالأمر. تشمل هذه الإجراءات على:

  1. شق العجان (Episiotomy): قطع جانبي في فتحة المهبل بهدف توسيعها من أجل تسهيل الولادة. كان يُنصح به سابقاً كإجراء روتيني لاستباق احتمالية تمزق العجان (وهي المنطقة بين فتحة المهبل والشرج) بسبب الولادة، باعتبار أن الشق أقل وطأة ويتم تحت سيطرة الطبيب. حاليًا يُستخدم فقط في حالة حدوث ضائقة جنينية، أي اضطرابات في نبض قلب الجنين قبل أو خلال الولادة. يُخيط الشق عادة بعد الولادة بساعة باستخدام خيوط جراحية ويُشفى خلال شهر، لكنه يترك ندبة نتيجة تشكّل نسيج ضام مكان النسيج الطبيعي وقد يترك آثارًا طويلة الأمد مثل: الألم الحوضي المزمن، عند الجلوس، والمشي، وممارسة الرياضة أو استخدام الحمام، والشعور بالألم أثناء الإيلاج.
  2. تضييق فتحة المهبل بعد الولادة: إجراء معروف باسم "غرزة الزوج"، يتم بإضافة غرزة جراحية إضافية بعد الولادة لتضييق فتحة المهبل بعد الولادة بهدف ضمان "استمتاع الشريك الذكر" أثناء الإيلاج[9].
  3. استئصال الرحم والتعقيم القسري: يتم خلال الولادة القيصرية بدون استشارة المرأة وغالبًا ما يُجرى ضمن سياسات حكومية، إذ أجريت عمليات التعقيم القسري للملايين من النساء في مختلف دول العالم ضمن سياسات التحكم في السكان التي تفرضها الحكومات، غالبًا على نساء الشعوب الأصلانية أو نساء الطبقات الفقيرة أو الأقليات العرقية[10][11][12].
  4. الولادة القيصرية: لا يفترض اللجوء إلى الولادة القيصرية الطارئة إلا في حالات محددة تهدد حياة الأم أو الجنين وبعد استنفاد الخيارات العلاجية الأخرى، مع ضرورة شرح الإجراء وأسبابه للمرأة قبل تنفيذه. في بعض الحالات تجبر الحامل على إجراء القيصرية بدون داعٍ طبي حتى مع رفضها الصريح، أو تنتزع منها الموافقة الشفهية أو المكتوبة تحت الضغط أو التهديد. كما تلجأ بعض النساء إلى القيصرية المخططة مسبقًا نتيجة معلومات مغلوطة من الطبيب، الذي قد يفضل التدخل الجراحي أحيانًا لأن أجره المادي أعلى من الولادة الطبيعية.
  5. تسريع الولادة: يشمل استخدام أدوية مثل الأوكسيتوسين من أجل تحفيز الانقباضات الرحمية وتسريع عملية الولادة بدون علم المرأة أو دون شرح كافٍ لها.
  6. التخدير فوق الجافية (epidural): تخدير يُعطى عبر حقن مخدر موضعي في الظهر لحجب الإشارات العصبية عن الحبل الشوكي، ويُستخدم لتخفيف الألم أثناء الولادة. لكنه قد يؤثر في مدة الولادة -خصوصًا المرحلة الثانية- ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تدخلات طارئة إضافية.
  7. تسريع الولادة بالملقط وجهاز الشفط: استخدام أجهزة مثل الملقط الجراحي (Forceps) أو جهاز الشفط الكهربائي من أجل تسريع الولادة عن طريق سحب الجنين من رأسه، وقد ينتج عن هذه الإجراءات مخاطر طبية عديدة مثل آلام في الحوض، وصعوبة التبول و/أو سلس البول، وارتفاع احتمالية إصابة الأم بجلطات وريدية[13].
4) الخدمة الطبية دون مراعاة للخصوصية

كثيرًا ما تفتقر غرف الولادة إلى الخصوصية، حيث قد يتواجد خلال الولادة عدد كبير من موظفي المستشفى بدون وجود ضرورة طبية لوجودهم، كما تتم الولادة أحيانًا بدون وجود حواجز مادية تفصل الحامل عن بقية المرضى أو الموظفين. في مصر، روت إحدى النساء أنها خضعت لفحص مهبلي أثناء الحمل داخل أحد المستشفيات الجامعية، أجرته لها طبيبة في غرفة مفتوح بابها، وبحضور أشخاص متعددين، بينهم أفراد أمن ومارة [14]. وقد تتعرض الحامل لفحوصات متكررة من أطباء متعددين، كما قد تتحول حالتها إلى مادة تعليمية للطلاب الجامعيين والمتدربين في المستشفى دون استشارتها أو أخذ موافقتها، حيث يحضر الأطباء والممرضون المتدربون عملية الولادة دون إعلامها مسبقًا.

كذلك قد يقوم بعض الأطباء بتسريب المعلومات الطبية لبعض الحوامل، رغم سريتها وضرورة عدم مشاركة المعلومات الواردة فيها مع أي موظفين أو أفراد غير معنيين بمتابعة الحالة[15]، وتشير دراسة نُشرت في 2026 إلى أن الأطباء في الأرجنتين يقومون بإفشاء الأسرار الطبية الخاصة بمريضاتهن اللواتي يحضرن إلى المستشفى بهدف الحصول على رعاية مرتبطة بصحتهن الإنجابية[16].

5) التمييز بناء على خلفيات وصفات معينة للحامل

تتعرض الحوامل للتمييز داخل المستشفيات بناء على معايير تتعلق بالسن أو الوضع الاجتماعي، أي كون المرأة متزوجة أو غير متزوجة؛ فتواجه الحوامل صغيرات السن (المراهقات) وغير المتزوجات معاملة أكثر تمييزًا مقارنة بالنساء المتزوجات.

كما تتأثر جودة الرعاية الصحية بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للحامل، إذ تستطيع بعض النساء دفع رسوم إضافية للحصول على غرف أكثر راحة أو خصوصية أكبر أو متابعة طبية أفضل، حتى داخل المستشفى الحكومي نفسه. وفي المقابل، قد تتلقى النساء غير القادرات على تحمل هذه التكاليف رعاية أقل جودة من الطاقم الطبي، كما تزداد احتمالات تعرضهن للإهمال أو العنف الجسدي واللفظي [17]. وفي مصر تظل خدمات الصحة الإنجابية عالية الجودة غير متاحة لكثير من النساء، إذ يتحمل الأفراد 62% من إجمالي الإنفاق الصحي من نفقاتهم الخاصة، في حين لا تتمتع سوى 8% من النساء بتغطية تأمينية صحية. وأظهرت الإحصاءات السكانية والصحية الحكومية في 2020 أن 87% من النساء يلدن في المستشفيات، و63% منهن في القطاع الخاص، كما أن 67% من الولادات تتم عبر العمليات القيصرية [18]. وفي بعض الحالات، قد يرتبط عدم إتاحة أدوية محددة بمصالح اقتصادية، حيث لا تُتاح وسائل التخدير والتسكين الداعمة للولادة الطبيعية، مثل التخدير فوق الجافية (Epidural)، في المستشفيات العامة والجامعية في مصر، لكي تحتفظ المستشفيات الخاصة بميزة تقديم ولادة طبيعية أقل ألمًا [17].

بالإضافة إلى ذلك، يمتد التمييز ليشمل نساء الأقليات الإثنية والعرقية والدينية، وكذلك النساء اللاجئات[19]. وفي بعض الحالات، لا تكون الخدمات الطبية متوفرة في بعض مناطق الدولة، خصوصًا في الأرياف والمحافظات البعيدة عن المراكز أو العاصمة، ما يضطر النساء إلى السفر مسافات طويلة للحصول على الرعاية والخدمات الطبية اللازمة[20].

6) الإهمال والتقصير في تقديم الخدمة الطبية في موعدها الصحيح

تتعرض النساء الحوامل للإهمال في غرف الولادة، إذ قد يتركن بمفردهن دون رعاية أو مراقبة من الطاقم الطبي، وقد يضطر بعضهن إلى خوض عملية الولادة دون أي مساعدة، في الوقت الذي تُمنع فيه الحوامل في كثير من الحالات من اصطحاب مرافقات أو مرافقين من عائلاتهن إلى غرف الولادة. ففي مصر، روت بعض الطبيبات اللاتي تدربن في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية شهادتهن لتجارب إهمال تعرّضت لها الحوامل، وصلت إلى اضطرار نساء للولادة على سلالم المستشفى أو في الممرات دون رعاية طبية كافية أو وجود مرافقين لمساعدتهن [5]

وكشفت دراسة أجريت في نهاية التسعينيات أن عددًا كبيرا من النساء البرازيليات في المناطق الريفية تُركن بمفردهن داخل غرف الولادة في المستشفى بدون أي رعاية أثناء الولادة، وفي بعض المستشفيات في كينيا كانت الحوامل يساعدن بعضهن البعض على الولادة في غياب أي تدخل من الأطباء أو الممرضات[7].

ويمكن أن تتعرض الحوامل أو أجنتهن لمضاعفات أثناء الولادة مثل الضائقة الجنينية أو الولادة المقعدية أو الارتجاع (Eclampsia) أو نزيف ما بعد الولادة، مما يستدعي تدخلًا طبيًا أو جراحيًا عاجلًا حتى لا يعرض الحامل وأجنتهن للخطر. فيشمل الإهمال أيضًا التأخر في تقديم الرعاية الصحية رغم ضروريتها الطبية، وتجاهل ألم الحامل أثناء الولادة مما قد يترتب عليه نزيف أو جروح في المهبل [4]. كما قد يظهر الإهمال المتعمد في ممارسات غير مدروسة تُنفذ تحت حجج طبية مختلفة، مثل الضغط بعنف على بطن الحامل "لتسريع نزول الجنين"، والذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى إنفجار الرحم، ويترتب عليه وفاة الحامل [4].

ويرتبط هذا النوع من الإهمال في كثير من الأحيان بغياب آليات المراقبة والمساءلة داخل المؤسسات الصحية. غير أن العكس قد يحدث أحيانًا، فقد تؤدي بعض آليات الرقابة الصارمة إلى إعاقة تقديم الرعاية اللازمة مما قد يعرض حياة الحامل للخطر، خاصة عندما تُفرض من خلال شركات التأمين الصحي التي تتدخل في القرارات العلاجية للأطباء. في بعض من هذه الحالات، قد يرفض الأطباء اللجوء إلى تدخلات طبية ضرورية خشية رفض شركات التأمين تغطيتها ماليًا بحجة أنها غير ضرورية.[21]

7) الاحتجاز داخل المؤسسة الصحية

تتعرض الحوامل في العديد من الدول للاحتجاز في حال فشلت في دفع مستحقات المستشفى، وفي بعض الحالات يستمر الاحتجاز لفترة طويلة. بحسب تقرير لهيومان رايتس ووتش في 2006، أبلغت إحدى النساء في بوروندي، في شرق أفريقيا، أنها احتجزت داخل المستشفى لمدة عام كامل حتى تمكنت من دفع فاتورة المستشفى[22]. في الولايات المتحدة، توفت بعض النساء الحوامل خلال احتجازهن في معسكرات اللاجئين بسبب عدم توفر خدمات طبية وظروف ملائمة للولادة.[7]

8) تحديد وضعية الولادة قسريًا
ملف:Lithotomy position 01.jpg
"وضعية الانسداح" المستخدمة طبيًا في الولادة.

وُثّقت مجموعة واسعة من أوضاع الولادة على امتداد التاريخ في الحضارات المصرية القديمة والفارسية، وفي العديد من مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية [18]. فاستخدمت النساء أوضاعًا مختلفة للولادة، بناء على شكل أجسادهن وراحتهن الشخصية، فكانت الحوامل تلد في وضعية القرفصاء، أو على مقاعد مخصصة للولادة، أو وهن جالسات أو مستلقيات على الأرض [21]. وفي كثير من الثقافات، لم تكن القابلات يفرضن على الحوامل وضعية محددة، بل يتركن لهن اختيار الوضعية التي يشعرن فيها بقدر أكبر من الراحة أو حتى يتركن لهن حرية الحركة خلال المخاض. في القرن السابع عشر، بدأ استخدام وضعية ولادة حديثة أفقية معروفة باسم "وضعية الانسداح" (Lithotomy position)، أي الاستلقاء مع رفع الساقين وتثبيتهما على رافعتين. وكانت هذه الوضعية قد استُخدمت أصلًا في جراحات المثانة في اليونان منذ القرن الثاني قبل الميلاد، قبل أن تُعتمد في فرنسا خلال القرن السابع عشر كوضعية للولادة. وبالرغم من أن استخدامها بصورة روتينية لا يستند إلى أدلة علمية [18]، يعتقد بعض المؤرخين أن انتشارها يعود إلى تأثير الملك لويس الرابع عشر الذي كان يستمتع بمشاهدة النساء خلال الولادة، كما أنه ساهم في دخول الرجال إلى مهنة التوليد في فرنسا. بدأ فرض استخدام وضعية الانسداح بدرجة أكبر في أوروبا بعد عام 1847 مع إدخال التخدير بالكلوروفورم إلى ممارسات التوليد، إذ كانت أكثر ملاءمة من وجهة نظر الأطباء للولادات التي تُجرى تحت التخدير أو باستخدام الملاقط المعدنية.

ورغم تنوع الوضعيات التي اعتمدها الأطباء في المستشفيات الأوروبية، فإن الاعتبارات المتعلقة براحة الحامل لم تكن سبب اختيارها. وفي عام 1828 كتب طبيب أمريكي: "ينبغي وضع المرأة بحيث تسبّب أقل قدر ممكن من العرقلة لعمليات المولِّد accoucheur، وهذا متفق عليه من الجميع، ولكن توجد آراء متباينة حول ما هي هذه الوضعية."[23] ويمكن تصنيف أكثر أوضاع الولادة شيوعًا لمجموعتين رئيسيتين: الوضعيات الأفقية (الاستلقائية)، والوضعيات العمودية (المستقيمة). وركّز المؤيدون للوضعية الأفقية على مزاياها بالنسبة لمقدمي الرعاية الصحية، مثل سهولة الوصول إلى منطقة العجان لإجراء التدخلات التوليدية عند الضرورة، كما ارتبط استخدامها بارتفاع معدلات الولادات التطبيبية (Medicalized Birth). ومع انتشار النموذج الطبي الحيوي الغربي في طب التوليد، أصبحت الوضعية الأفقية هي النمط السائد في رعاية الولادة. في المقابل، أظهرت العديد من الدراسات الطبية أن الولادة في الوضعيات العمودية، من خلال الوقوف أو الجلوس على الركبة أو في وضعية القرفصاء مع الانحناء والاستناد إلى الأمام، تسمح بحرية أكبر لحركة المنطقة العجزية (Sacrum)، المسؤولة عن اتساع الحوض، وترتبط بقصر مدة المخاض، وتقليل التدخلات الطبية، وتخفيف شدة الألم، وارتفاع مستوى رضا النساء عن تجربة الولادة. ويُعدّ حرمان المرأة من اختيار وضعية الولادة المناسبة لها أحد أكثر الحقوق انتهاكًا أثناء الولادة [18].

ولا تزال القيود المفروضة على حركة النساء أثناء الولادة تُطرح كإحدى صور العنف التوليدي، ففي عام 2014 قررت امرأة أمريكية إنجاب طفلها الرابع ولادة طبيعية بعد ثلاث ولادات قيصرية، واختارت مركزًا صحيًا تعهد باحترام خطة الولادة التي تضعها بنفسها، بما في ذلك حقها في الحركة بحرية خلال المخاض. إلا أن الطاقم الطبي أجبرها بعد بدء المخاض على الاستلقاء على سرير الولادة وقام بتقييدها، ما أدى إلى إصابتها بجروح ورضوض [24].

9) الحرمان من المرافق

تُحرم النساء في كثير من الحالات من وجود مرافق بجانبهن داخل غرفة الولادة، بدعوى عدم تكدير سير عمل الطبيب والطاقم الطبي. إلا أن العديد من الدراسات تشير إلى أهمية وجود المرافق خلال المخاض، حيث يساهم في الحماية من التعنيف وتقليل التدخلات الطبية غير الضرورية، ويقلص مدة المخاض، ويحد من استخدام الوسائل الطبية للتحكم في الألم [25].

10) الفصل بين الأم والطفل بعد الولادة

يعتبر الفصل غير الضروري بين الأم وطفلها أحد أشكال العنف التوليدي، لما يترتب عليه من حرمانهما من الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتلامس المباشر. ومن منظور نسوي نقدي، لا يقتصر أثر هذا الفصل على نتائجه الطبية، بل يحمل أيضًا دلالة على سلطة المؤسسة الطبية على جسد الأم وطفلها والعلاقة بينهما.

في كثير من الأحيان، يُفصل المولود عن أمه مباشرة بعد الولادة بشكل مؤقت بهدف فحصه والتأكد من سلامة وظائفه الحيوية، وتنظيفه. توصي ممارسات الرعاية الحديثة أن تتضمن اللحظات الأولى بعد الولادة التلامس الجلدي المباشر بين الأم وطفلها، ومساعدتها على بدء الرضاعة الطبيعية بالإضافة إلى البقاء سويًا في الغرفة نفسها، ما لم توجد ضرورة طبية تمنع ذلك.

وتُظهر الدراسات أن الملامسة المباشرة بين الأم وطفلها تساعد على تنظيم درجة حرارة المولود ونبضات قلبه، ومستويات الجلوكوز في الدم ومعدل تنفسه، كما تخفف من الضغط والإجهاد المصاحبين لانتقال الطفل من الرحم إلى العالم الخارجي، وتعمل على تنظيم التنفس وزيادة الوزن. كذلك تدعم هذه الممارسة بدء الرضاعة الطبيعية وتجعلها أكثر سهولة، وتساعد على تنظيم إفراز الهرمونات لدى الأم، بما في ذلك البرولاكتين والأوكسيتوسين، الأمر الذي يساعد في تحفيز إنتاج الحليب وتجنب مخاطر نزيف ما بعد الولادة. وتدعم الملامسة المباشرة الرضاعة الطبيعية وتجعلها أسرع وأكثر سلاسة، وتساعد على تنظيم هرمونات الأم بحيث تنظم إفراز الحليب وتجنب عواقب نزيف ما بعد الولادة [26].

العنف التوليدي في قوانين دول أمريكا اللاتينية

يُعدّ الاعتراف القانوني بالعنف التوليدي في عدد من دول أمريكا اللاتينية، إحدى الخطوات الأولى لبناء تعريف يجمع بين الممارسات العنيفة "الظاهرة" ضد النساء والممارسات "الخفية" التي تُمارس ضدهن تحت ستار السلطة الطبية.

القانون الفنزويلي ومقاربة "العنف الظاهري"

اكتسب المفهوم زخمًا إقليميًا ودوليًا [27] عندما اعترفت به فنزويلا رسميًا بوصفه شكلًا خاصًا من العنف ضد النساء. وتصف المادة 15 من القانون الأساسي الفنزويلي بشأن حق النساء في حياة خالية من العنف (2007) هذا المفهوم بأنه: الاستيلاء على أجساد النساء وعملياتهن الإنجابية من قبل العاملين الصحيين، وهو ما يتجلى في المعاملة اللاإنسانية، والإفراط في استخدام الأدوية، وتحويل العمليات الطبيعية إلى عمليات مرضية، بما يترتب عليه فقدان الاستقلالية والقدرة على اتخاذ قرارات حرة بشأن أجسادهن وجنسانيتهن، مما يؤثر سلبًا على جودة حياة النساء [28]. وتشمل انتهاكات العنف التوليدي في القانون الفنزويلي على: الفشل في تقديم رعاية فعالة خلال حالات الطوارئ الولادية في موعدها الصحيح، والتدخل لتسريع عملية الولادة بدون الحصول على رضى طوعي من الحامل، وتنفيذ جراحة قيصرية لا داعي لها طبيًا بدون موافقة طوعية من الحامل[29]، ومنع التواصل بين الأم والطفل بعد الولادة مباشرة، وإجبار النساء على وضعيات محددة خلال الولادة حتى لو لم تكن مريحة[3].

ينطلق التعريف القانوني الفنزويلي للعنف التوليدي من مقاربة "العنف الظاهري"، كما يتبناها باحثي الصحة العالمية، وهو الممارسات العنيفة المتعمدة والصريحة، التي يُقصد بها إلحاق الأذى بالحامل خلال الولادة، مثل العنف الجسدي أو اللفظي المباشر. وفي هذه الحالة، فإن تصنيف الممارسات بوصفها عنيفة يستلزم وجود نية مسبقة للإيذاء، ووجود أثر جسدي ناتج عن هذا العنف يمكن التحقق منه أو ملاحظته (مطلوب مصدر). توفر هذه المقاربة درجة من "الوضوح" المزعوم ليسهل عمل القضاء والجهات القانونية، إلا أنها تستبعد جميع السلوكيات التي تُنفذ بشكل غير صريح أو بدون إمكانية لإثبات النية للإيذاء، خاصة في حالات تبرير هذه الممارسات بدعوى "الضرورة الطبية". إلا أن هذه المقاربة لا تحظى بدعم واسع في الأدبيات النسوية التي تعتمد على التجارب المعاشة لانتهاكات الولادة.

القانون المكسيكي

يعرف القانون المكسيكي الممارسات التالية باعتبارها عنفًا توليديًا، بخلاف العنف اللفظي والجسدي المباشر: التجاهل وعدم تقديم الخدمة الطبية للازمة، والولادات القيصرية بدون دواعي طبية، والتعقيم القسري أو استخدام وسائل منع حمل أخرى بدون موافقة من المرأة، وأي سلوك قد يتداخل ويتعارض مع الترابط المبكر بين الأم وطفلها بعد الولادة بما يشمل الرضاعة الطبيعية. وتحدث عمليات التعقيم القسري خلال الولادات القيصرية بدون استشارة أو موافقة صاحبة الشأن، وهي مشكلة واجهت النساء، خاصة النساء الأصلانيات، في كثير من دول أمريكا اللاتينية ومنها المكسيك[30].

يتفاقم العنف التوليدي مع وجود تحيزات جندرية وطبقية وعرقية في المؤسسة الطبية- سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة- ولا يمكن تجاوزها فقط باعتراف القانون بهذا العنف أو بالمحاولات الأممية لتحسين "جودة الرعاية". فلا يشمل الاعتراف القانوني بالعنف التوليدي في عدة دول لاتينية، مثل المكسيك، استجابة للعنف والتمييز البنيوي تجاه الأقليات العرقية، مثل الشعوب الأصلانية والمواطنين من أصل أفريقي، بالإضافة إلى النساء الفقيرات أو اللواتي يعشن في الريف بعيدًا عن المدن.[20]

تقدم القوانين في أمريكا اللاتينية أمثلة مهمة على ممارسات العنف التوليدي، لكنها ليست كافية ولا تشكّل تعريفًا شاملًا لكل أنواع هذا العنف. من جهة، هناك النساء اللواتي يعبّرن عن تجاربهن وما يتعرضن له أثناء الولادة، مع اختلافات ثقافية واجتماعية. ومن جهة أخرى، هناك المؤسسة الطبية التي تملك سلطة أكبر في تحديد ما يُعتبر "عنفًا"وما لا يُعتبر، وقد تتأثر هذه التعريفات بوجهات نظرها أو تحيزاتها، وغالبًا ما تُقدَّم على أنها "معرفة طبية" محايدة. لذلك، حتى لو وضعت القوانين تعريفات عامة للعنف التوليدي، فهي غالبًا لا توضح بشكل عملي كيف يمكن رصد هذه الممارسات أو التعرّف عليها في الواقع، مما يترك مساحة غامضة في التطبيق.

في أدبيات الأمم المتحدة

تساوي العديد من الجهات، خصوصًا المؤسسات الأممية ومنظمة الصحة العالمية، بين مفهوم العنف التوليدي وبين مفاهيم أكثر عمومية وأقل حدة مثل "الإساءة وعدم الاحترام" (Abuse and Disrespect) وسوء المعاملة (Mistreatment). في البداية استخدمت بعض منشورات المنظمات الأممية "الإساءة وعدم الاحترام" لبعض أشكال العنف التوليدي منها: العنف الجسدي والرعاية دون موافقة وانتهاك السرية والرعاية المهينة والتمييز والإهمال أو والاحتجاز داخل المرافق الصحية. لاحقًا، حاول بعض الباحثين تقديم تعريفات لمفهوم "الإساءة وعدم الاحترام"، لكنها لم تُعتمد بشكل شامل من قبل الباحثين الآخرين ولم تُطبق على نطاق واسع في الممارسة. فرفض باحثو منظمة الصحة العالمية مصطلح "الإساءة وعدم الاحترام" واعتبرته "غير كافٍ لوصف الظاهرة"، واعتمدوا بدلاً منه مفهوم "سوء المعاملة"، وهو المصطلح المستخدم حاليًا لدى المنظمة. لم يعرف "سوء المعاملة" بدقة أيضًا وضمت التعريفات مفاهيم عامة تشمل: العنف الجسدي، والعنف الجنسي، والعنف اللفظي، والوصم والتمييز، وعدم الالتزام بمعايير الرعاية المهنية، وضعف العلاقة بين النساء ومقدمي الرعاية، وظروف النظام الصحي [3].

تترك هذه المفاهيم مساحة من الغموض في تصنيف هذه الأفعال إذ لا يتضح تمامًا المقصود "الإساءة وبعدم الاحترام" أو "سوء المعاملة"، يسهم ذلك في تقليل وطأة هذه الانتهاكات والتعامل معها كممارسة عارضة وغير ممنهجة، وهو ما يؤدي استمرار تجاهل التعامل معها بجدية على المستويين المؤسسي والقانوني.

العنف الهيكلي والمؤسسي

لا تقتصر المقاربة النسوية على المطالبة بالاعتراف القانوني بانتهكات العنف التوليدي، بل يمتد إلى تفكيك أسباب هذا العنف وكشف صوره البنيوية والمؤسسية من خلال تحليل الأبعاد الثقافية والجندرية والاجتماعية والتاريخية للعنف ضد النساء داخل المؤسسة الطبية الحديثة. فلا يمكن النظر للعنف التوليدي ضد النساء على أنه حالة فردية يمكن تفسيرها بناء على العلاقات الشخصية بين الحامل والطبيب، بل هي ممارسة يتم التكريس والسماح لها من خلال بنية المؤسسة الطبية [31].

أهملت المؤسسات الطبية هذه المطالبات، بل ورُفضته علانية، وأصرت المجموعات التي تمثل المؤسسة -من أصحاب المستشفيات والأطباء وطواقم التمريض- على اعتبار هذا النقاش استهدافًا مباشرًا لهم وقدرتهم على أداء وظيفتهم. بشكل غير مباشر، تمكنت بعض الجهات الطبية من فرض وجهة نظرها على النقاش العام، والتعامل مع هذا العنف الهيكلي والمؤسسي باعتباره ظاهرة تقع خارج المؤسسة الطبية، لا تعبيرًا عن بنيتها الداخلية. وبهذا نجحت في تحويل الانتباه بعيدًا عن العنف المكرس له من المؤسسة الطبية، وحصر التعامل مع العنف التوليدي في صورة حوادث فردية أو استثناءات.

في مصر، على هامش اعتقال أمنية سويدان لنشرها شهادات عن العنف التوليدي، قال أحد نواب وزير الصحة والسكان لمدى مصر أنه "اعتبر أن كل ما تضمنته شهادة سويدان "جرح لمشاعر المصريين والأطباء"، ووصفت الألفاظ التي استخدمتها صاحبة الشهادة بأنها "لا تليق بمجتمع الأطباء"، وأنها تحلم "بعمل فيلم جنسي"، رافضًا بشكل كُلّي وجود "أي مظاهر من العنف التوليدي في مصر". ويستمر بعض مسؤولي القطاع الصحي في التشكيك في هذه الشهادات وفي مصداقيتها، حتى مع إقرارهم بوجود العنف التوليدي في مصر. فعقب الحادثة نفسها، قال النائب مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، لمدى مصر إن العنف التوليدي "«قد يكون» و«غالبًا ما يكون» حقيقيًا ويحدث بالفعل". لكنه رأى أن المشكلة تكمن في نشر الشهادات على مواقع التواصل الاجتماعي بدلًا من تقديم الشكوى إلى لجنة آداب المهنة بنقابة الأطباء أو اللجوء إلى النيابة العامة [17]

على صعيد آخر، لا تزال ترفض منظمة الصحة العالمية استخدام مصطلح "العنف التوليدي" في أدبياتها الرسمية، وتصر على استخدام مصطلحات أكثر عمومية وأقل "إثارة للجدل". مثال آخر في البرازيل، فبالرغم من أن النقاش حول العنف التوليدي نشأ في البرازيل في تسعينيات القرن العشرين قبل غيرها من دول أمريكا اللاتينية، فإن الاعتراف الرسمي به جاء متأخرًا مقارنة ببعض الدول الأخرى، بل إن السلطات البرازيلية توقفت لاحقًا عن استخدام المصطلح رسميًا، ومالت إلى تبني المصطلحات التي تعتمدها المؤسسات الأممية. وظهرت المطالبات بإنهاء العنف التوليدي في البرازيل تحت مسميات مثل "حركة أنسنة الولادة" -أي جعلها أكثر إنسانية- و"تعزيز حقوق الإنسان للنساء"، مع تجنب واضح لاستخدام مفردات "العنف" [32].

تشبّه بعض الدراسات ممارسات العنف التوليدي بأشكال العنف داخل العلاقات الشخصية[33]، ويستند هذا التشبيه إلى أن البنى الاجتماعية والسلطوية ذاتها التي تتيح وقوع العنف داخل العلاقات الخاصة هي التي تسهل حدوثه أيضًا داخل المؤسسة الطبية. فالمؤسسة الصحية ليست منفصلة عن النظام الاجتماعي الذي أنتج هذه العلاقات، بل هي جزء منه وتعيد إنتاج علاقات القوة السائدة بأشكال مختلفة. على هذا الأساس، تظهر العلاقة بين الحامل والطاقم الطبي خلال الولادة باعتبارها علاقة غير متكافئة من حيث القوة والقدرة على اتخاذ القرار. إذ تستند سلطة الطبيب إلى سلطة معرفية تراكمت عبر قرون، يعززها تحكمه في الوصول للأدوات والتقنيات الطبية، بالإضافة إلى الدعم المؤسسي والقانوني. وتؤدي هذه العوامل إلى جعل هذه السلطة تبدو "طبيعية" وغير مرئية في كثير من الأحيان. وبناءً على ذلك، لا يمكن النظر للعنف التوليدي كسلوك شخصي مسيء يصدر عن طبيب أو ممرض بشكل فردي، بل كنتاج لبنية اجتماعية، وثقافية، وطبية، وقانونية، تعمل على إدارة وضبط وتشييء جسد المرأة .

تاريخ مفهوم العنف التوليدي

وثقت الممارسات العنيفة ضد النساء الحوامل في أقسام الولادة منذ خمسينيات القرن العشرين على الأقل، ونشر أول توثيق لحالة تعنيف لامرأة خلال الولادة في الولايات المتحدة في 1958.[34]لكن استغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل الاعتراف بوجود المشكلة وتوصيفها والعمل على حلها. ففي 1985، قدمت منظمة الصحة العالمية WHO توصيات تدعو إلى استخدام التقنيات الحديثة خلال الولادة، ومراجعة البروتوكولات والتوجيهات الارشادية بشكل دوري لتجنب التدخلات الطبية غير الضرورية.[32] بالرغم من ذلك، استمرت معدلات هذه التدخلات بالارتفاع في عديد من السياقات، دون وجود أدلة كافية على ضرورتها ، وبدون أي فارق ملموس في معدلات وفيات الأمهات أو الأجنة، إذ كان تبرير استخدامها في الأصل يستند على اعتبارها إجراءات طبية تدخلية ضرورية لإنقاذ الحياة.

اُستخدم مصطلح العنف التوليدي أول مرة في عام 1827 في مجلة "ذا لانسيت الطبية" الصادرة في بريطانيا[31]. أُهمل المصطلح ولم يلق أي اهتمام يُذكر، إلى أن بدأت النشاطية النسوية في أمريكا اللاتينية باستخدامه خلال تسعينيات القرن الماضي ضمن جهود حركة أنسنة الولادة (Humanization of Birth movement)، والتي انطلقت في البرازيل وانتشرت إلى دول أمريكية لاتينية أخرى. وكانت بعض دول القارة من أوائل الدول التي اعتمدت المصطلح وعرَّفته قانونيًا. حدث ذلك أول مرة عندما صدر في فنزويلا القانون الأساسي بخصوص حق المرأة في الحياة الخالية من العنف (Organic Law on the Right of Women to a Life Free of Violence) عام 2007، حيث صنف القانون 19 شكلًا للعنف ضد النساء كان من بينها العنف التوليدي الذي عرّفه بأنه:

"استيلاء العاملين في القطاع الصحي على أجساد النساء وعملياتهنّ الإنجابية، ويتجلّى ذلك في المعاملة اللاإنسانية و/أو التطبيب القسري وتحويل العمليات الطبيعية إلى حالات مرضية، مما يؤدي إلى فقدان النساء استقلاليتهنّ وقدرتهنّ على اتخاذ قرارات حرة بشأن أجسادهنّ وجنسانيتهنّ، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة حياتهنّ."[29]

في عام 1996، نشرت منظمة الصحة العالمية "الدليل العملي لرعاية الولادة الطبيعية" Care for Normal Birth: A) Practical Guide)، والذي ركز على ضرورة تقليل التدخلات الطبية غير الضرورية وتعزيز الرعاية الطبيعية أثناء الولادة. كما قدم تصنيفًا للتدخلات الجراحية خلال الولادة حسب الأدلة العلمية المتوافرة حول فعاليتها في تحسين صحة الأم وضمان فرص نجاة الجنين. ركز الدليل أيضًا على ضرورة توفير بيئة داعمة طبيًا واجتماعيًا للنساء خلال الولادة، وضم مجموعة من الممارسات التي ينصح بتجنبها، مثل الطلق الصناعي، واستخدام القسطرات، وتقييد الطعام والشراب أثناء المخاض [35].

بالرغم من أن الدليل وصف مجموعة من الممارسات العنيفة ودعا العاملين والعاملات في مستشفيات الولادة إلى تجنبها في حالة عدم وجود ضرورة طبية، إلا أنه لم يقدم تفكيكًا لجريمة العنف التوليدي أو تعريفًا له، واكتفي باستخدام توصيفات مثل "الإساءة وعدم الاحترام خلال الولادة"(Abuse and Disrespect during Childbirth) أو مصطلح "إساءة المعاملة" (Mistreatment) [36] . تتكرر هذه المصطلحات في إعلانات منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الأممية المتعلقة بالعنف التوليدي. كما تصف منظمة الصحة العالمية هذه الممارسات باعتبارها انتهاكًا لحقوق الإنسان[37]، إلى أنها لا تصنفها - حتى الآن - على أنها عنف ضد المرأة أو عنف قائم على أساس الجندر،[38] على الرغم من أن هذ التوصيف قد دخلت في بعض أدبيات الأمم المتحدة منذ 2019.[39]

صدرت لاحقًا قوانين مشابهة في الأرجنتين (2009)، وبوليفيا، وبنما (2013)، والمكسيك (2014) والأوروغواي (2017)، واستخدم جمعيها نفس التسمية: "العنف التوليدي". كانت هذه التشريعات جزءًا من نتائج جهود النشاطية الشعبية النسوية في دول أمريكا اللاتينية، التي تهدف إلى تعزيز وحماية الحقوق الإنجابية والجنسية[3].

وتستخدم تسمية "العنف التوليدي" أيضًا في منشورات الاتحاد الأوروبي[40] واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان، كما أنها معتمدة لدى الحكومة الفرنسية وحكومة إقليم كتالونيا (إسبانيا)، إلا أن المصطلح لا يزال مثار جدل وخلاف. إذ يرفضه بعض ممارسي العمل الصحي في مجال الولادة، معتبرين أن التشكيك في ممارساتهم قد يشكّل عائقًا أمام أداء عملهم، خاصة لأنه يفترض مسبقًا وجود نية للأذى لدى الأطباء والممرضين العاملين في أقسام الولادة[41]. كما توقفت وزارة الصحة البرازيلية خلال السنوات الماضية عن استخدام مصطلح "العنف التوليدي" وبدأت استخدام تسميات أخرى أقل صدامية وأكثر عمومية لا تشير إلى لفظة "عنف". وفي سياق آخر، رفض طبيب سعودي ظهر عبر قناة "روتانا خليجية" الفضائية الاتفاق مع مذيعة القناة على وصف الممارسات العنيفة التي تواجهها الحوامل خلال الولادة بأنها "وحشية".[42]

إلا أن فحص هذه الممارسات يُظهر أنها تُصنّف كأشكال عنف، باختلاف السياقات، بصرف النظر عن النية وراءها، خاصة خاصة وأنها ممارسات منتشرة بشكل ممنهج داخل عدد كبير من المؤسسات الصحية حول العالم، وتم دون مساءلة أو محاسبة، وتسبب أذى جسديًا ونفسيًا للنساء الحوامل وأجنتهن، وقد تصل في بعض الأحيان إلى من الحدة مستوى يجعلها مستوى العنف الجسدي المباشر. غير أن رفض المؤسسة الطبية لا يقتصر على التسمية فحسب، بل يمتد إلى رفض فتح النقاش حول مسألة العنف التوليدي من الأساس. تشير كافاري مايرا، وهي أكاديمية وباحثة هندية مهتمة بالعنف التوليدي، إلى هذا التوتر من خلال تجربتها المهنية كقابلة وممرضة في قسم الولادة في مستشفى عام كبير في شرق الهند، حيث واجهت صعوبات في نشر بعض أبحاثها عن العنف التوليدي -حتى بعد وصولها إلى المراحل النهائية للمراجعة قبل النشر- بسبب ضغوطات من جهات تعمل في مجال الصحة العامة، تخوفًا من أن تتسبب المقالات "باضطرابات سياسية".[31]

وفي مصر، في 2026، ألقي القبض على المخرجة والطبيبة أمنية سويدان، بعدما اختفت قسريًا لمدة 24 ساعة، بعد ساعات من نشرها شهادة عن وقائع انتهاكات جنسية وبدنية بحق مريضات في قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي بالاسكندرية، شهدتها شخصيًا أثناء تدريبها كطبيبة امتياز قبل ست سنوات [43]. وأخلت النيابة سبيل الطبيبة بكفالة، بعد التحقيق معها لأكثر من ست ساعات، في تهم "نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام حساب فيس بوك"[44].

تكمن أهمية كبيرة لاستخدام مصطلح "العنف التوليدي"، أو تعريف الممارسات المهينة والعنيفة التي تتعرض لها النساء الحوامل خلال الولادة باعتبارها عنفًا، في أنه يوفر للنساء أداة لُغوية تساعدهن على تسمية الممارسات العنيفة التي يتعرضن لها، والتعرّف عليها. خاصة وأن كثيرًا من هذه الممارسات تستمر لعقود طويلة دون رادع، ولا تزال العديد من النساء تتحملها باعتبارها جزءًا من الممارسة الطبية المعتادة، أو ضرورة لا ينبغي الاعتراض عليها حرصًا على إنقاذ الحياة وتمكين الأطباء من أداء عملهم دون عوائق[31] [45].

انتشار العنف خلال الولادة

تبين بعض الدراسات أن النساء المنتميات إلى "الأقليات العرقية والإثنية والدينية، والنساء ذوات الوضع الاجتماعي والاقتصادي المنخفض، والمهاجرات، والنساء ذوات الإعاقة، والأمهات الشابات، والمراهقات، والنساء المتعايشات مع فيروس نقص المناعة البشرية، وغير المتزوجات؛ أي النساء اللواتي يتعرضن لأشكال متعددة ومتقاطعة من التمييز"، هن الأكثر عرضة للعنف التوليدي [18].

بحسب الأمم المتحدة، تتعرض نحو 27% من النساء حول العالم لشكل من أشكال "الإساءة أو انعدام الاحترام" أثناء الولادة، وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه النسبة قد تتجاوز النصف لتصل إلى 54%[46]. وتتراوح النسبة بحسب الإقليم، إذ ترتفع مثلًا إلى نحو 71% في دول شرق المتوسط، وتنخفض إلى 46% في الأمريكيتين. ورغم تفاوت معدلات الانتشار، تظل المشكلة قائمة داخل المؤسسات الطبية الرسمية في مختلف أنحاء العالم تقريبًا [47][48][49].

تشير دراسة شملت منطقة دول شرق المتوسط، بما فيها دول الشام، والخليج، وإيران ووسط آسيا، وبلاد شمال أفريقيا، إلى انتشار واسع للعنف التوليدي في جميع دول الإقليم، على الرغم من صعوبة تحديد أرقام دقيقة بسبب الفجوة المعرفية الناتجة عن محدودية توثيق تجارب النساء وندرة الإحصاءات المنهجية حول هذه الانتهاكات. وكان الشكلان الأكثر شيوعًا هما الإساءة الجسدية، خصوصًا الإفراط في الإجراءات الطبية الروتينية القسرية، والرعاية غير الكريمة المرتبطة بالأعراف الاجتماعية والثقافية الأبوية [50].

أظهرت دراسة أخرى شملت 1,229 أمًا سورية تتراوح أعمارهن بين 26 و 30 عامًا، وجمعت بياناتها عبر استبيان إلكتروني نشر على وسائل التواصل الاجتماعي وتم توزيعه في بعض الأماكن العامة، أن 47% من المشاركات أجبرن على اتخاذ وضعية الاستلقاء رغمًا عن رغبتهن أثناء الولادة. وأبلغت 22% منهن عن تعرضهن لانتهاك الخصوصية خلال الولادة. وأبلغت 21% عن شعورهن بعدم الراحة والخوف بسبب عبارات أو سلوكيات من الطاقم الطبي. وأشارت الدراسة أن عددًا كبيرًا من النساء يتعرضن للعنف من مقدمي الرعاية الصحية قبل الولادة وأثناءها وبعدها دون أن يدركن أن ما تعرضن له يُعد شكلًا من أشكال العنف [51].

وأظهر استبيان إلكتروني أُجري، في الفترة بين أكتوبر 2020 وأغسطس 2021، ضمن تحقيق صحفي أعدته شبكة "الجزيرة" الإخبارية عن العنف التوليدي في اليمن، وشمل 18 محافظة من أصل 22 محافظة أن 79% من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف التوليدي اللفظي أو الجسدي. كما أشار أن 71% من المشاركات في الاستبيان كن يعتقدن أن ما تعرضن له أمرًا طبيعيًا، وأنه جزء من تجربة الولادة. ورصد الاستبيان أكثر من 11 شكلًا من أشكال العنف التوليدي، 83% منها حصلت في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية و17% في المستشفيات الخاصة أو المنازل [52].

أما في مصر، فكشف استبيان لمنصة شريكة ولكن، نشر في 2020، وشمل 1,000 امرأة، أن 69% من المشاركات أبلغن أن الأطباء والطبيبات لم يطلبوا موافقتهن قبل إجراء الفحص المهبلي. كما ذكرت 80% منهن أن الفحص أجري لهن عدة مرات ومن قبل أشخاص مختلفين، وأن بعضهن تعرضن للتعنيف عند محاولة الاعتراض. وأفادت 64% منهن أن الفحوص كانت تجرى دون استخدام سواتر وفي انتهاك واضح للخصوصية داخل مستشفيات مزدحمة بالمرضى والعاملين. كما ذكرت 80% من النساء أنهن لم يتمكن من الاعتراض على تكرار الفحص المهبلي أو إجرائه من قبل أشخاص متعددين. وأبلغت 50% من المشاركات أن المستشفى والعاملين فيه لم يقدموا لهن أي مساعدة للتخفيف من الألم خلال المخاض. كما أبلغت 62% منهن أن الأطباء أجروا شق العجان (أو توسيع المهبل) بدون موافقتهن أو استشارتهن. فيما ذكرت 50% منهن أن الطبيب/ة قام بتضييق المهبل، بدون موافقة أو استشارة [14].

وأظهرت دراسة للطبيبة والباحثة الأكاديمية المصرية فريدة محجوب عن تعرض أكثر من 90% من النساء لأشكال مختلفة من ممارسات العنف التوليدي، نتج عنها زيادة معدلات اكتئاب ما بعد الولادة إلى حوالي 78%، مقارنة بنسب عالمية تصل إلى 15% [53]. ويشير مقال صحفي نشر لدى مدى مصر في يونيو 2026، تسجيل مدينة الإسكندرية أعلى معدل للوفيات بين الأمهات أثناء الولادة على مستوى الجمهورية، بحسب تقرير المؤشرات الديموجرافية لسنة 2022، الصادر عن المجلس القومي للسكان [54]. ويظهر التقرير أن حي وسط، التي تقع ضمنه مستشفى الشاطبي، يشهد ثالث أعلى معدل وفيات بين الأمهات أثناء الولادة بواقع 181[55] حالة وفاة لكل 100 ألف أم تلد[17].

لا يزال العنف التوليدي منتشرًا في مناطق واسعة من أوروبا والأمريكيتين وشرق وغرب آسيا[56][57][58]. ومن العوامل التي تساهم في استمرار هذه الانتهاكات رغم من وجود تشريعات تهدف إلى الحد منه في بعض الدول هو خلو هذه التشريعات من عقوبات كافية بحق الأطباء والممرضات اللواتي يمارسن العنف خلال الولادة، أو تكتفي بفرض عقوبات محدودة. على سبيل المثال، تعترف المكسيك بالعنف التوليدي في تشريعاتها، إلا أن ولايتين فقط، هما تشياباس وفيراكروز، تفرضان عقوبة السجن على الأطباء الذين يرتكبونه، بينما تكتفي بقية الولايات المكسيكية بفرض غرامات مالية على مرتكبي هذه الانتهاكات. ويُضاف إلى ذلك أن كلا الولايتين يغلب عليهما الطابع الريفي، ويعاني سكانها محدودية الوصول إلى المستشفيات. وتجرى نحو 75% من الولادات في ولاية تشياباس بمساعدة القابلات التقليديات [20].

شهادات

خلال السنوات الأخيرة، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي نُشرت شهادات عديدة عن تجارب العنف التوليدي، سواء على الحسابات الشخصية أو بشكل مجهل عن طريق منصات نسوية مثل منصة اتكلم-ي في مصر، التي بدأت في 2021 في جمع ونشر شهادات لطبيبات ونساء شهدن على العنف التوليدي [4]، أو تقارير صحفية على منصات إعلامية [5].

شملت الشهادات التي جمعتها منصة اتكلم/ي روايات لنساء حوامل، وطبيبات، ونساء شهدن على تعرض قريباتهن للعنف التوليدي. وتروي طبيبة عن تجربتها في إحدى المستشفيات الجامعية، فتقول:

"أنا دكتورة ووقتها كنت في سنة خامسة، جزء من تدريبنا ننزل ولادات طبيعي وقيصري، في مرة نزلت أنا وأصحابي، الست أول ولادة ليها، خايفة وتعبانة، الدكتور شتمها وضربها على رجلها وهي بتولد، وبشكل متكرر، اتخضينا (شعرنا بالخوف) أنا وزمايلي، سيبنا الدكتور وقعدنا جنب الست اللي بتولد نهديها ونمسك ايديها، وهو قاعد بيشرح لنفسه، وقتها كان الاعتراض على العنف في الولادة، الاعتراض ده مستهجن، كان هيتبصلك بصة (سيُنظر إليك نظرة) من فوق لتحت وتتشتم ويتقالك انت إيه مؤهلاتك أو انت في سنة كام يا شاطر، دلوقتي نفس النظام مفيش حاجة اتغيرت …[4].

في يونيو 2026، نشرت الطبيبة والمخرجة أمنية سويدان شهادة عن ممارسات العنف التوليدي في مستشفى الشاطبي بالاسكندرية، شهدتها شخصيًا أثناء تدريبها كطبيبة امتياز قبل ست سنوات، وألقي القبض عليها بعد ساعات من نشرها الشهادة. في شهادتها، تصف أمنية سويدان قسم النساء والتوليد بأنه "مكان موبوء" تسبب في صدمة نفسية لها ولعدد كبير من المرضى والأطباء. وتستعيد أربع وقائع، الأولى تتعلق بطبيب أجرى فحصًا مهبليًا متكررًا وعنيفًا لامرأة في التاسعة عشرة من عمرها أثناء ولادتها، وتقول إنه تضمن "تحرش بالست وهي بتولد"، ثم سخر من الواقعة أمام طاقم التمريض. وفي الواقعة الثانية، شهدت طبيبًا يصفع امرأة أثناء الولادة، فيما وجهت لها ممرضة إهانات جنسية، بينما تعرضت هي وزميلتها للسخرية بعد محاولتهما تهدئة المريضة. وفي الواقعة الثالثة، تروي أن امرأة حضرت إلى المستشفى بعد محاولة اغتصاب وهي تعاني نزيفًا وإصابات، إلا أن الأطباء رفضوا تقديم وسائل منع الحمل الطارئة أو إحالتها للحصول على العلاج الوقائي من فيروس نقص المناعة، ووصموها بعبارات مهينة من بينها "دي شر*موطة". أما الواقعة الرابعة، فتتعلق بامرأة وصلت في حالة إجهاض غير مكتمل مع مؤشرات على تعرضها للعنف، وتقول إن الطاقم الطبي رفض استكمال الإجهاض لإنقاذها أو توثيق واقعة العنف، وأصر على إحضار قسيمة زواج قبل بدء العلاج. ولم تحصل المرأة على الرعاية الطبية إلا بعد أن تدخلت الطبيبة أمنية سويدان على مسؤوليتها الشخصية، ومع ذلك اشترط المستشفى أن يُدوَّن في ملفها: "اشتباه حمل سفاح".

على هامش انتشار شهادة أمنية سويدان وقضية القبض عليها، نشرت عدة منصات إعلامية محتوى تناول العنف التوليدي وتعاملت بعضها مع القضية كجزء من "ترند". على سبيل المثال، في مقابلة تلفزيونية عبر قناة "الشمس"، صرح الطبيب المصري حسام عبد الغفار بأن العنف التوليدي "الحقيقي" في مصر يتمثل في الولادات القيصرية غير المبررة طبيًا، مدعيًا أن هذا هو الشكل الوحيد للعنف التوليدي في مصر. ويغفل هذا الطرح بشكل متعمد أشكالًا أخرى منتشرة من العنف التوليدي، مثل العنف الجسدي واللفظي أثناء الولادة، والتدخلات الجراحية غير المبررة طبيًا، بما يشمل ما يُعرف"بغرزة الزوج" [59]. وفي بودكاست نشرته بي بي سي في يوليو 2026 حول العنف التوليدي، أشارت المحامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية، انتصار السعيد، إلى أشكال أخرى من العنف التوليدي المنتشرة. وأوضحت أن الشهادات التي تلقاها المركز شملت حالات تحرش أثناء الكشف الطبي، وأن الغالبية منها تناولت الإهانة والسخرية من النساء على يد أفراد الطاقم الطبي أثناء الولادة، إلى جانب عدم شرح حالتهن الطبية، وغياب الخصوصية، وعدم الحصول على موافقتهن قبل إجراء التدخلات الطبية، مضيفة أن غالبية هذه التجارب كانت في مستشفيات تعليمية وجامعية [60].

أما في الولايات المتحدة، فقد تلجأ المؤسسات الطبية إلى التهديد بإجراءات قانونية، بما في ذلك فرض الولادة القيصرية قسرًا أو انتزاع الوصاية على الطفل، للضغط على النساء اللاتي يرفضن التدخلات الطبية. ففي 2014، رفضت امرأة أمريكية من ولاية فلوريدا أن تخضع لولادة قيصرية لطفلها الرابع، رغم أنها خضعت لثلاث ولادات قيصرية سابقة. وكان الأطباء قد نصحوها بضرورة إجراء عملية قيصرية، معتبرين أن وضعها الصحي، بحسب ادعائهم، لا يحتمل المخاطرة بالولادة المهبلية الطبيعية. وبعد رفضها، تلقت رسالة من مكتب أطباء الولادة تحمل توقيع المدير المالي للمستشفى، جاء فيها:

  1. سنتواصل مع إدارة خدمات الأطفال والأسرة بشأن رفضك الخضوع لعملية قيصرية وسواها من الإجراءات العلاجية الموصى بها من قبل أطبائك، وبشأن المخاطر العالية التي يسببها رفضك على حياتك وصحتك، وكذلك على حياة وصحة جنينك.
  2. سنبدأ إجراءً للتدخل القضائي العاجل فيما يتعلق بإجراءات العلاج الطبي. هذا الإجراء هو عملية تدخل قضائي عاجل تتعلق بإجراءات العلاج الطبي المرتبطة بولادة طفلك.
  3. إذا حضرتِ إلى مستشفانا في حالة مخاض، ورأى طبيبك أن العملية القيصرية ضرورية من الناحية السريرية، فستُجرى العملية القيصرية بموافقتك أو بدونها."

بينما نعترف بأن لديك الحق في الموافقة على العملية القيصرية، فقد اخترتِ رفض هذا الإجراء رغم نصيحة أطبائك المعالجين. هذا القرار يعرّضك أنتِ وجنينك لخطر الوفاة أو الإصابة الخطيرة. سنتصرف بما يخدم المصلحة الفضلى لكِ ولعائلتك ولجنينك.[49]

رعاية الولادة وتجربة الولادة الإيجابية

بالرغم من أن تجربة الولادة تجربة غنية ومعقدة ومؤلمة، وتختلف باختلاف السياقات والبيئات التي تحدث فيها، وما يترتب عليها من تأثيرات جسدية ونفسية متنوعة لا يمكن التحكم بها أو اختزالها في إطار موحد، إلا أن الجهود النسوية تسعى إلى صياغة إطار عام من المبادئ التي توصي بها لضمان تجربة ولادة كريمة وآمنة قائمة على الاحترام والحقوق. وتنطلق هذه الجهود من اعتبار أن الولادة ليست عملية طبية بحتة، بل عملية فسيولوجية طبيعية، ينبغي أن تتمحور جميع الممارسات والتدخلات إلى تحسين تجربة الولادة للحامل واحتياجاتها وتجربتها الفردية. وبالتالي، لا تُعدّ الولادة بالضرورة حدثًا سريريًا، أي حدثًا يتطلب تدخلًا طبيًا أو أن تعامل كحالة مرضية تستوجب الرعاية الطبية المكثفة. فمع أهمية المراقبة والتدخل الطبي عند الحاجة في بعض الحالات، يمكن لغالبية الولادات أن تتم خارج البيئة الطبية، أو بأدنى حد ممكن من التدخل والإشراف الطبي، وقد توجهت هيئات طبية وطنية في بعض الدول إلى خيار الولادة السريرية خلال جائحة وباء كورونا وقامت بوضع الأدلة الإرشادية المطلوبة لتنظيم العملية والاستعداد في حالات حدوث أي طوارئ[61].

بالإضافة إلى ذلك فإن رعاية الولادة ينبغي أن تقوم على احترام استقلالية الحامل وحقها في اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها وتجربة ولادتها، بما يشمل الحصول على معلومات كافية، وحفظ خصوصيتها، والموافقة الحرة حول اختيارها أوضاع الولادة والتدخلات الطبية أو رفضها. كما تؤكد على ضرورة الحد من التدخلات الطبية غير الضرورية، وتوفير الدعم النفسي والعاطفي والاجتماعي المستمر[62][63].

توصيات منظمة الصحة

يعود مصطلح الولادة الإيجابية -الذي تستخدمه المنظمات الأممية- إلى الكاتبة وناشطة حقوق الأمومة البريطانية ميلي هيل (Milli Hill)، والتي أسست منظمة "حركة الولادة الإيجابية" (Positive Birth Movement) في عام 2012 كدعوة لاستعادة النساء لسلطتهن واستقلاليتهن فيما يتعلق بعملية الولادة، وذلك في مواجهة الهيمنة الأبوية التي احتكرتها [64]. وتعرف منظمة الصحة العالمية تجربة الولادة الإيجابية بأنها:

"تحقق أو تتجاوز التوقعات الشخصية والاجتماعية الثقافية المسبقة للنساء، والتي تتضمن ولادة طفل/ة تتمتع بصحة جيدة في بيئة سريرية ونفسية آمنة مع استمرارية الدعم العملي والعاطفي من المرافق(ين) خلال الولادة وطاقم طبي متمكن تقنيًا. معظم النساء يرغبن في مخاض وولادة فسيولوجية (طبيعية) وتحقيق شعور بالانجاز الشخصي والتحكم من خلال المشاركة في اتخاذ القرار، حتى عندما تكون التدخلات الطبية ضرورية أو مطلوبة."

أصدرت منظمة الصحة العالمية مجموعة توصيات لرعاية الولادة وتجربة الولادة الإيجابية experience،[65] تضم مجموعة من التوجيهات الإرشادية المتعلقة بمراحل الولادة الثلاث، ورعاية الطفل حديث الولادة، مقسمة إلى أربعة تصنيفات: سلوكيات موصى بها، وسلوكيات غير موصى بها، وسلوكيات موصى بها حسب السياق، وسلوكيات موصى بها في سياق البحث الدقيق. وتضم النسخة الصادرة في عام 2018 ستة وخمسين توصية مبنية على الأدلة العلمية (Evidence-Based Recommendations). وتستند أول التوصيات إلى مفهوم رعاية الولادة القائمة على الاحترام (Respectful Maternity Care RMC)، وتعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها:

"الرعاية التي تُنظم وتُقدم إلى جميع النساء (الحوامل) بطريقة تحفظ كرامتهن، خصوصيتهن، وسريتهن، وتؤكد خلو الخدمة المقدمة لهن من الأذى وسوء المعاملة، مع تمكين اتخاذ القرارات المستنيزة والرعاية والدعم المستمرين خلال المخاض والولادة."

وتشير التوصيات أيضًا إلى أن تطبيق هذه المبادئ على نحو واقعي يتطلب توافر مجموعة من المتطلبات المؤسسية، من بينها وجود عدد كافٍ من أفراد الطاقم الطبي المؤهلين، وتوفير التدريب المناسب، والأدوات والموارد اللازمة، والبنية التحتية الملائمة، بالإضافة إلى أنظمة فعالة للرقابة. يجب الأخذ بالاعتبار أيضًا أن هذه التوصيات أشمل من مفهوم رعاية الولادة القائمة على الاحترام، إذ لا تقتصر على المبادئ الأخلاقية والسلوكية لتعامل الطاقم الطبي مع الحوامل، وإنما تشمل أيضًا عددًا كبيرًا من التوصيات الطبية، والتي تشرح التدخلات المطلوبة خلال الولادة.

ومن منظور نسوي، يمكن النظر إلى هذه التوصيات كخطوة نحو الاعتراف بالتجربة الفردية والاجتماعية كجزء أساسي من معايير الرعاية الصحية للولادة. فهي تمنح قدرًا من الاهتمام لخبرة الحامل، وتتعامل مع الولادة، كتجربة متمحورة حول المرأة. كما تؤكد على مفاهيم مثل رعاية الولادة القائمة على الاحترام، والحد من التدخلات الطبية غير الضرورية. ومع ذلك، تظل هذه التوصيات متأثرة بالمنطق الطبي، إذ تفترض في معظمها أن الولادة تتم داخل المؤسسة الطبية، وتعطي الأولوية لهذا النموذج بدلًا من الاعتراف بتعدد نماذج الرعاية والولادة.

وينعكس هذا التوجه في محدودية تناول التوصيات لخيارات الولادة خارج المؤسسات الصحية، بما في ذلك الولادة المنزلية وحق الحامل في اختيار مكان الولادة. ورغم أن الولادة المنزلية لا تُعد خيارًا مناسبًا لجميع الحوامل، فإن الأدلة تشير إلى أنها قد تكون خيارًا آمنًا في حالات الحمل منخفضة الخطورة، وتحت إشراف مقدمي رعاية مؤهلين، مع التأكد وجود آلية للإحالة إلى المستشفيات عند الحاجة. وأصدرت بعض الهيئات الطبية الحكومية أدلة ومعايير لتنظيم الولادات المنزلية استجابة لظروف استثنائية; فعلى سبيل المثال أصدرت وزارة الصحة السعودية دليلًا للولادات المنزلية خلال وباء كوفيد-19، بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفيات في تلك الفترة[61]. كما ارتفع الإقبال على الولادات المنزلية بشكل كبير خلال تلك الفترة في أوروبا والولايات المتحدة.[66][67][68]

أما في العراق، فقد صدر قانون لتنظيم مهنة القبالة عام 2012 استجابة للطلب المجتمعي على خدمات القابلات المنزليات، والذي تزايد بسبب الغزو الأمريكي في 2003. ويعترف القانون بالقابلات الشعبيات اللواتي يمارسن المهنة استنادًا إلى الخبرة العملية، دون اشتراط تعليم أكاديمي.[69] وعلى الرغم من تراجع أعمال العنف في العراق خلال السنوات اللاحقة، إلا أن الإقبال على القابلات المنزليات لا يزال متزايدًا بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الطبية داخل المستشفيات. كما تمثل الولادة المنزلية في بعض السياقات ضرورةً عملية أكثر منها مجرد خيار شخصي، ولا سيما في المناطق التي تعاني ضعف البنية التحتية الصحية أو محدودية انتشار المؤسسات الطبية[70]. بالإضافة إلى ذلك، تدفع تجارب العنف التوليدي والتمييز داخل بعض المؤسسات الصحية بعض الحوامل، خاصة المنتميات إلى الأقليات العرقية والإثنية أو الفئات الاجتماعية الأكثر فقرًا، إلى تفضيل نماذج بديلة للرعاية والولادة. وفي المكسيك لا تزال القابلات الشعبيات في بعض الولايات مسؤولات عن حوالي 25 - 75 % من الولادات[20].

بالإضافة إلى ذلك، فإن الغالبية العظمى من التوصيات طبية، وموجهة بالأساس للأطباء وطواقم الرعاية الصحية في المستشفيات، وتركز على التدخلات الطبية وتحديد مدى ضرورتها، مع إهمال تفصيل الجانب الاجتماعي والأبوي للولادة، الذي قد يشمل على عنف جسدي أو نفسي أو تمييز في تقديم الخدمة الطبية. وتشير التوصيات إلى غياب أدلة كافية على فعالية التدخلات التي تهدف إلى تعزيز ممارسات رعاية الأمومة القائمة على الاحترام، وتشير إلى أن تعقيد العوامل المؤدية إلى إساءة المعاملة أثناء الولادة يستدعي تدخلات على مستويات متعددة، تشمل العلاقات بين الأفراد، والمؤسسات الصحية، والنظام الصحي. كما تؤكد على أهمية تعزيز الحوار بين مقدمي الرعاية الصحية والحوامل، وإشراك ممثلات المنظمات المدافعة عن حقوق النساء.

ويكشف هذا الطرح اعتراف منظمة الصحة العالمية بوجود فجوة بين المبادئ التي تقوم عليها رعاية الأمومة وبين واقع تطبيقها داخل المؤسسات الصحية. إلا أن تفسيرها يظل محدودًا، إذ يركز على تحسين العلاقات بين الحوامل ومقدمي الرعاية، دون أن يضع المسؤولية المطلوبة على البنى والمؤسسات وعلاقات القوة التي تنتج العنف التوليدي وتعيد إنتاجه. فمن منظور نسوي، لا يمكن فهم العنف التوليدي كنتيجةً لخلل في التواصل أو في العلاقة بين الأشخاص، بل هو نتاج لبنى اجتماعية ومؤسسية أوسع، تتقاطع فيها علاقات الجندر والطبقة والعرق وغيرها.

كما توضح منظمة الصحة العالمية أن توصياتها تستند إلى الأدلة العلمية (Evidence-Based)، أي إلى نتائج الأبحاث التي تقيس فعالية التدخلات الصحية باستخدام مناهج بحثية تحددها الجهة التي تجري البحث ويغلب عليها الطابع الكمي. وتوفر هذه الدراسات نتائج قابلة للقياس والمقارنة، وهو ما يجعلها جزءًا أساسيًا من إنتاج المعرفة الطبية وصياغة السياسات المرتبطة بمؤسستها. إلا أن الاعتماد على الأدلة الكمية يطرح حدودًا منهجية، إذ يركز على متغيرات ومعايير المحددة تدعي الحيادية، بالإضافة إلى تجاهل الخبرات الذاتية للحوامل والأبعاد الاجتماعية والسياسية التي تشكل تجربة الولادة.

تستند هذه التوصيات في جوهرها إلى المدرسة الغربية للطب الحيوي، الذي يقدم باعتبار نموذجًا عالميًا صالحًا للتطبيق في مختلف السياقات، ويفترض فهمًا موحدًا للمرض والصحة وممارسات الرعاية. إلا أن انتشار هذا النموذج ارتبط تاريخيًا بعمليات التوسع الاستعماري خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وبالتالي، فإن فرض منطق المؤسسة الطبية الغربية والممارسات المبنية على الأدلة العلمية على الولادة يؤدي إلى تهميش الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، وإقصاء المعارف الشعبية المتوارثة المتعلقة بالولادة، رغم استمرارها وأهميتها في العديد من المجتمعات.

إن الأدلة العلمية -بحسب من ينتجها- غير مرتبطة بحدود ثقافية أو جغرافية، إلا أن عملية إنتاجها ارتبطت، في الأصل، بسياقات ثقافية وخصوصيات غربية تحمل تحيزاتها الخاصة. كما تُجمع هذه الأدلة غالبًا في بيئات طبية خاضعة للتحكم، تتوافر في معظمها داخل بلدان ذات دخل مرتفع أو متوسط. وبالتالي، تظل أصوات النساء وتجاربهن في البلدان ذات الدخل المنخفض ودول الجنوب العالمي مهمشة، وأقل حضورًا وتأثيرًا في صياغة الأدلة العلمية والتوصيات المبنية عليها.

طالعوا كذلك

مراجع

مصادر

  1. Barbara Ehrenreich and Deirdre English, Witches, Midwives, & Nurses: A History of Women Healers (The 2010)
  2. Ester Espinoza-Reyes and Marlene Solís, ‘Decolonizing the Womb: Agency against Obstetric Violence in Tijuana, Mexico’ (2020)
  3. 3٫0 3٫1 3٫2 3٫3 3٫4 Camilla Pickles: ‘Everything is Obstetric Violence Now’: Identifying the Violence in ‘Obstetric Violence’ to Strengthen Socio-legal Reform Efforts
  4. 4٫0 4٫1 4٫2 4٫3 4٫4 منصة تكلم/ي، شهادات عن التعنيف أثناء الولادة/الحمل فيسبوك (يونيو 2026)
  5. 5٫0 5٫1 5٫2 ماتصدقش، بعد القبض على "طبيبة الشاطبي".. طبيبات في شهادات لـ"متصدقش": حوادث متكررة بدون محاسبة.. وتحذيرات لم تجد من يستمع إليها (يونيو 2026)
  6. ندى أبو عيطة، ضرب وتحرش واستهتار بالألم.. عن العنف داخل غرف الولادة
  7. 7٫0 7٫1 7٫2 Exploring Evidence for Disrespect and Abuse in Facility-Based Childbirth
  8. Meghana Munnangi et al.: “One's life becomes even more miserable when we hear all those hurtful words”. A mixed methods systematic review of disrespect and abuse in abortion care
  9. Teja Kosi, The husband stitch and patriarchal medical violence, Bristol University Press (2025 - 01 - 31)
  10. Jennifer Leason, Forced and coerced sterilization of Indigenous women: Strengths to build upon, PMC (2021 - 07)
  11. UN, Peru: Fujimori government’s forced sterilisation policy violated women’s rights, UN committee says in landmark ruling (2024 - 10 - 30)
  12. Ole Brekke, Reparations for Victims of Coercive Sterilisation in Norway: Consensus as Hindrance to Learning? ecpr (2011 - 08)
  13. HSE, Risks of an assisted vaginal birth (forceps or ventouse),(Last Review 2025 - 06 - 13)
  14. 14٫0 14٫1 شريكة ولكن، كشف جبري.. عنف الولادة يمر دون حساب (2022)
  15. Carwyn Hooper et al., Maternal confidentiality: an ethical, professional and legal duty, Science Direct (2012)
  16. Gloria Orrego-Hoyos and Maria Lina Carrera, Duty of confidentiality: Challenges for medical practitioners in Argentina. Gynecology and Obstetrics (2026 - 07 - 01)
  17. 17٫0 17٫1 17٫2 17٫3 لينا عطاالله، وسارة سيف الدين، ومصطفى حسني، إدارة الألم.. الرعاية الغائبة في كشك الولادة، مدى مصر (يونيو 2026)
  18. 18٫0 18٫1 18٫2 18٫3 18٫4 Maddalena Giacomozzi, Fiorella Farje De La Torre, Merette Khalil Standing up for your birth rights: An intersectional comparison of obstetric violence and birth positions between Quichua and Egyptian women, Obstetrics & Gynaecology Online Library (obgyn), August 2021.
  19. Jamilah Sherally, Access to sexual and reproductive healthcare for refugees transiting through Europe: a scoping review, BMJ Public Health (2026 - 07 - 14)
  20. 20٫0 20٫1 20٫2 20٫3 Mounia El Kotni: Between Cut and Consent: Indigenous Women's Experiences of Obstetric Violence in Mexico
  21. 21٫0 21٫1 نجاة عبد الصمد: وضعيات الولادة: من خبرة الدايات إلى قوانين المستشفيات
  22. Human Rights Watch, A High Price to Pay Detention of Poor Patients in Burundian Hospitals (2006)
  23. L. Dundes: The evolution of maternal birthing position
  24. الجزيرة نت: من القيصرية إلى الطبيعية.. عنف الولادة المسكوت عنه
  25. مُرافق الولادة: ما هو دوره، وكيف نختاره؟
  26. Jeannette T. Crenshaw: Healthy Birth Practice #6: Keep Mother and Newborn Together—It's Best for Mother, Newborn, and Breastfeeding
  27. Williams and others ‘“It Was an Earthquake”: Obstetric Violence and Women’s Stories in Chile’ (2021) 62 Debate Feminista 142.
  28. Rogelio Pérez D’Gregorio, ‘Obstetric Violence: A New Legal Term Introduced in Venezuela’ (2015)
  29. 29٫0 29٫1 C. R. Williams et al.: Obstetric violence: a Latin American legal response to mistreatment during childbirth
  30. R. Sanchez Rivera, From preventive eugenics to slippery eugenics: Population control and contemporary sterilisations targeted to indigenous peoples in Mexico, PMC (2022 - 10)
  31. 31٫0 31٫1 31٫2 31٫3 Rodante van der Waal et al.: Obstetric Violence: An Intersectional Refraction through Abolition Feminism
  32. 32٫0 32٫1 Michelle Sadler et al.: Moving beyond disrespect and abuse: addressing the structural dimensions of obstetric violence
  33. Ana Flávia Pires Lucas d'Oliveira et al., Violence against women in health-care institutions: an emerging problem The Lancet (2002)
  34. Henci Goer: Cruelty in Maternity Wards: Fifty Years Later
  35. Care for Normal Birth: A Practical Guide
  36. New WHO evidence on mistreatment of women during childbirth
  37. دراسة تحذر من أن سوء المعاملة أثناء الولادة هي مشكلة تتعلق بحقوق الإنسان والرعاية الصحية
  38. Analysis of the concept of Obstetric Violence: Scoping Review Protocol
  39. A human rights-based approach to mistreatment and violence against women in reproductive health services with a focus on childbirth and obstetric violence : note / by the Secretary-General
  40. Obstetric and gynaecological violence in the EU - Prevalence, legal frameworks and educational guidelines for prevention and elimination
  41. Obstetric violence: abuse during childbirth is widespread, but the first step to fighting it is naming it
  42. إساءة معاملة النساء أثناء عملية الولادة .. سيدتي يناقش العنف عند الولادة (يوتيوب)
  43. مدى مصر، القبض على أمنية سويدان بعد شهادتها عن انتهاكات مستشفى الشاطبي (يونيو 2026)
  44. مدى مصر، إخلاء سبيل أمنية سويدان بكفالة بعد بلاغ من مستشفيات جامعة الإسكندرية بنشر أخبار كاذبة (يونيو 2026)
  45. Amy Marshall el al.: Women’s perspectives on disrespect and abuse during facility-based childbirth in Ethiopia: a qualitative study
  46. Marjan Mirzania et al.: Prevalence of mistreatment and disrespect of women during childbirth in the world: a systematic review and meta-analysis
  47. Case publications office of the european union: Studies on obstetric violence Experience, analysis, and responses
  48. Rachelle Joy Chadwick: Obstetric violence in South Africa
  49. 49٫0 49٫1 Farah Diaz-Tello: Invisible wounds: obstetric violence in the United States
  50. Exposing Obstetric Violence in the Eastern Mediterranean Region: A Review of Women's Narratives of Disrespect and Abuse in Childbirth
  51. RAGHAD FARHAT: The Prevalence of Obstetric Violence Against Women During Pregnancy and After Delivery in Syria: A Cross-Sectional Study
  52. الجزيرة: عنف التوليد بمشافي اليمن.. الصرخة المكتومة
  53. فيديو: شهادة فريدة محجوب عن العنف التوليدي في مصر، 2024
  54. المجلس القومي للسكان في مصر، تقرير المؤشرات الديموجرافية على مستوى المحافظات وإجمالي الجمهورية 2022 نشر أغسطس 2023
  55. المجلس القومي للسكان في مصر، تقرير المؤشرات الديموجرافية على مستوى المراكز الإدارية (الاسكندرية) 2021، نشر أغسطس 2021.
  56. Silvia Brunello et al., Obstetric and gynaecological violence in the EU - Prevalence, legal frameworks and educational guidelines for prevention and elimination, European Parliment (2024 - 04)
  57. Esra Ozer et al., Evaluation of the prevalence of obstetric violence during child birth: A Meta-analysis study, Science Direct (2025)
  58. Sevil Hakimi et al., Global prevalence and risk factors of obstetric violence: a systematic review and meta-analysis, Gynecology and obstetrics (2025)
  59. فيديو من تووك شوو: بعد تصدره الترند.. ما المقصود بالعنف التوليدي؟ توضيح مهم للمفهوم من د. حسام عبد الغفار - قناة الشمس، يوليو 2026
  60. بي بي سي: بودكاست على يوتيوب، ما هو العنف التوليدي؟ وما واقع النساء في عنابر الولادة في مصر؟ - يوليو 2026
  61. 61٫0 61٫1 The Saudi Home Birth Standards
  62. Julia Leinweber et al., Developing a woman-centered, inclusive definition of positive childbirth experiences: A discussion paper, Wiley Online Library (2022 - 07 - 05)
  63. Sigfridur Inga Karlsdottir and Nicky Leap, The importance of promoting positive childbirth experiences for women: a perspective paper, PMC (2025 - 07 - 17)
  64. Down to birth show, #103 | Giving Birth Like a Feminist: Interview with Author Milli Hill, يونيو 2021
  65. WHO recommendations: intrapartum care for a positive childbirth experience
  66. Birth in a pandemic: 'You are stronger than you think'
  67. Choosing for a Homebirth during COVID-19 Lockdown in The Netherlands, who and why: A national prospective questionnaire study
  68. Interest in Home Birth During the COVID‐19 Pandemic: Analysis of Google Trends Data
  69. نشوى نعيم: وجوه القابلات في العراق: من الأزقّة الشعبية إلى العيادات الخاصة
  70. صندوق الأمم المتحدة للسكان (الدول العربية)، القابلات: أمل للحياة في قلب الأزمات الإنسانية (2025 - 04 - 30)